نُشرت قبل أيام دراسة أجنبية، في بعض المواقع الالكترونية، يحاول صاحبها، وهو على ما يبدو طبيب نفساني، استبصار الأسباب التي أوصلت الدواعش السفيانيين لهذا المستوى الإجرامي غير المسبوق. وقد ساق الرجل جملة أسباب تدور، غالباً، في إطار العقد النفسية، وهو بلاشك محق جزئياً، وبقدر تعلق الأمر ببعض الأشخاص، ولكن تفسير هذه الظاهرة الاجتماعية، التي لا تكاد تكون محصورة بعدد محدد، بإعادتها لأسباب فردية يبدو تفسيراً مبتوراً، وغير محيط بالظروف والحاضنة الثقافية التي أفرخت مثل هؤلاء المسوخ.
قد يجادل البعض بأن البلدان العربية خصوصاً، والبلدان الشرقية عموماً أشبه ما تكون بالمستوطنات التي تعشش فيها الأمراض النفسية، بسبب طرق التربية المغلوطة الشائعة فيها، ولكن هذا الجدال، برأيي، ليس قوياً كما قد يراه البعض. فعلاوة على أن فكرة "طرق التربية المغلوطة" مبالغ فيها، وعلى الأقل يمكن النقاش فيها طويلاً، يبقى أن الحديث منصب على نمط من السلوك الإجرامي المنحط لا يمكن أن يكون ناتجاً لأخطاء التربية، ولا يمكن، على الاطلاق، أن تكون الاشارة إلى طبيعة الحواضن التربوية كافية في تبريره، أو تفسيره. ولنتذكر إن نسبة الجريمة، بأنواعها، التي خرجت من هذه الحواضن التربوية، طيلة الفترات الزمنية السابقة، أقل بكثير من نسبتها في غيرها من الحواضن.
لكي يكون التفسير منطبقاً على الظاهرة لابد من ملاحظة الهوية الفكرية التي تجمع هؤلاء المنحرفين، والتي يمارسون القتل الفظيع باسمها، وبتغطية من المظلة التبريرية التي توفرها لهم. ولكي نتحرر من فكرة التفسير بعامل واحد، وإن كان هذا العامل هو الأقوى، أضيف سبباً آخر، وإن كان برأيي لا تأثير له منفصلاً عن عامل الهوية الفكرية، كما إنه قد لا يشمل جميع المسوخ السفيانيين، يتمثل بالهوية الوطنية، وهذا العامل يمكن تصنيفه في خانة التفسير النفسي/الاجتماعي.
على مستوى الهوية الفكرية ينبغي أن نلاحظ أن الوعي، والوجدان الديني لهؤلاء القتلة قد تشكل في ظل بيئة ثقافية أقل ما يقال عنها إنها بيئة تمجد الفتك، وتبرر أفظع أنواع الجريمة بأوهى التبريرات دون أن تشعر بحرج يُذكر. وبوسع الجميع أن يطالع بعض الكتب الوهابية ليتأكد.
فالجريمة البشعة التي ذهب ضحيتها مالك بن نويرة ورهطه ممن امتنع عن تأدية الزكاة لحاكم معين، يجري التغني بها على أنها من أعمال البطولة، والفروسية منقطعة النظير! والقائمة قد تطول إذا ما شئنا استقصاء النماذج.
لا شك في أن بيئة ثقافية ترتكز على نظام قيمي منحرف لهي حاضنة مثالية للسلوك والفكر الإجرامي، فالقمقم لا يخرج منه غير الشياطين.
أما ما أسميناه بالهوية الوطنية فالمقصود منه إن الكثير من المجرمين السفيانيين ينتمون لبلدان عرفت العلمانية بأقبح صورها، وكانوا، كأفراد، بعيدين كل البعد عن الدين والتدين، بل كانوا غارقين في المباذل، بحسب الملاحظة العامة للحياة الاجتماعية في بلدانهم. مثل هؤلاء حينما يتم تذكيرهم بمقولات الدين، يحصل لهم ما يشبه الصدمة، أو ردة الفعل العنيفة، فيمقتون كل ما يتصل بحياتهم السابقة، وينخرطون بقوة في الحياة الجديدة، كمحاولة للتعويض عن التفريط السالف. هذه الحالة التي تقبل التوجيه إيجابياً، تقبل التوجيه سلبياً كذلك، ففي أجواء موبوءة بثقافة منحرفة سيتم تسليك طاقة رد الفعل الكبيرة في مجاري الأفكار القذرة، لتنتج الأجساد المفخخة، وقاطعي الرؤوس المكبرين!