خطبة الجمعة الموحدة الصادرة من مكتب السيد احمد الحسن عليه السلام بالنجف الاشرف.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الأئمة وللمهديين وسلم تسليماً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جاء في دعاء الإمام السجاد علي بن الحسين (ع) في وداع شهر رمضان:
{.... وقَدْ أَقَامَ فِينَا هَذَا الشَّهْرُ مُقَامَ حَمْدٍ ، وصَحِبَنَا صُحْبَةَ مَبْرُورٍ ، وأَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِه ، وانْقِطَاعِ مُدَّتِه ، ووَفَاءِ عَدَدِه . فَنَحْنُ مُوَدِّعُوه وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُه عَلَيْنَا ، وغَمَّنَا وأَوْحَشَنَا انْصِرَافُه عَنَّا ، ولَزِمَنَا لَه الذِّمَامُ الْمَحْفُوظُ ، والْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّةُ ، والْحَقُّ الْمَقْضِيُّ ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّه الأَكْبَرَ ، ويَا عِيدَ أَوْلِيَائِه . السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ، ويَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الأَيَّامِ والسَّاعَاتِ . السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيه الآمَالُ ، ونُشِرَتْ فِيه الأَعْمَالُ . السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدْرُه مَوْجُوداً ، وأَفْجَعَ فَقْدُه مَفْقُوداً ، ومَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُه .
السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ أَلِيفٍ آنَسَ مُقْبِلًا فَسَرَّ ، وأَوْحَشَ مُنْقَضِياً فَمَضَّ السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مُجَاوِرٍ رَقَّتْ فِيه الْقُلُوبُ ، وقَلَّتْ فِيه الذُّنُوبُ . السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ نَاصِرٍ أَعَانَ عَلَى الشَّيْطَانِ ، وصَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الإِحْسَانِ السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا أَكْثَرَ عُتَقَاءَ اللَّه فِيكَ ، ومَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَى حُرْمَتَكَ بِكَ ! السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَمْحَاكَ لِلذُّنُوبِ ، وأَسْتَرَكَ لأَنْوَاعِ الْعُيُوبِ ! السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَطْوَلَكَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ ، وأَهْيَبَكَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ! السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ لَا تُنَافِسُه الأَيَّامُ .
السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ هُوَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ السَّلَامُ عَلَيْكَ غَيْرَ كَرِيه الْمُصَاحَبَةِ ، ولَا ذَمِيمِ الْمُلَابَسَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ كَمَا وَفَدْتَ عَلَيْنَا بِالْبَرَكَاتِ ، وغَسَلْتَ عَنَّا دَنَسَ الْخَطِيئَاتِ السَّلَامُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ بَرَماً ولَا مَتْرُوكٍ صِيَامُه سَأَماً . السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ مَطْلُوبٍ قَبْلَ وَقْتِه ، ومَحْزُونٍ عَلَيْه قَبْلَ فَوْتِه . السَّلَامُ عَلَيْكَ كَمْ مِنْ سُوءٍ صُرِفَ بِكَ عَنَّا ، وكَمْ مِنْ خَيْرٍ أُفِيضَ بِكَ عَلَيْنَا السَّلَامُ عَلَيْكَ وعَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَحْرَصَنَا بِالأَمْسِ عَلَيْكَ ، وأَشَدَّ شَوْقَنَا غَداً إِلَيْكَ . السَّلَامُ عَلَيْكَ وعَلَى فَضْلِكَ الَّذِي حُرِمْنَاه ، وعَلَى مَاضٍ مِنْ بَرَكَاتِكَ سُلِبْنَاه ....}.
اخوتي أنصار الله .. أنصار الإمام المهدي (ع) .. هذه بعض فضائل شهر رمضان وبركاته أشار إليها زين العابدين (ع) في ما تقدم من دعائه المبارك .. ولا يخفى عليكم أحبتي مدى الألم الذي يعتصر قلب الإمام السجاد (ع) وهو يودع هذا الشهر الفضيل .. يودعه بكلمات تترجم مدى الحسرة والشوق واللهفة على أيام شهر رمضان وساعاته المباركة .. وكأنه يودع أخ حبيب شفيق .. فيعتذر منه ويعترف له بالفضل وحسن المصاحبة والمعاشرة.
نعم .. هي كلمات تبين لنا عظمة هذا الشهر الفضيل، وكذلك تبين لنا شيئاً من عظمة أئمة أهل البيت (ع) وعظمة الإمام علي بن الحسين (ع) .. ومدى تعلقهم واستئناسهم بعبادة الله تعالى وحرصهم على أداء فرائض الله تعالى على أكمل وجه ...
فهذا الشهر الفضيل قد تصرمت أيامه ولم يبقَ منه إلا ختامه ونهايته .. ونسأل الله سبحانه أن يكتبنا فيه من السعداء ومن الثابتين على ولاية آل محمد والمجاهدين في نصرتهم ونشر منهجهم .. وأن لا يستبدل بنا غيرنا .. وأن يكتب الفرج والتمكين لآل محمد (ع) عاجلاً عاجلاً عاجلاً .. إنه سميع مجيب.
وها نحن مقبلون على عيد الفطر .. وهو يوم عظيم عند الله سبحانه .. يجب مراعاة حقه وحفظ حرمته، وقد قيل إن من معاني العيد:
• سمى بذلك لأن كل انسان يعود إلى ما وعد الله له في ذلك اليوم.
• وقيل: سمي بذلك لأن كل انسان يعود فيه إلى الله بالتوبة والدعاء والرب يعود عليهم بالمغفرة والعطاء.

فلنحرص على العودة الى الله تعالى في عيد الفطر المبارك، بالطاعات من صيام مقبول وقيام ودعاء وموالاة ونصرة لآل محمد، وعطف ومودة ومؤاخاة للمؤمنين، لكي يعود الله علينا بما هو أهله في يوم العيد، ويجازينا بالإحسان وهو الجواد الواسع جل جلاله.
وقد بيَّن أمير المؤمنين (ع) حقيقة العيد بقوله:
{إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّه صِيَامَه وشَكَرَ قِيَامَه - وكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيه فَهُوَ عِيدٌ}.
إذن فيوم العيد هو يومُ شكرٍ وحمدٍ وعبادةٍ وفرحٍ وسرورٍ لمن تقبل الله صيامه لشهر رمضان وتقبل قيامه واستجاب لدعائه .. لا أنه عيد للعصاة والمتمردين على الله تعالى بالمعاصي والموبقات .. وهو ليس يوم معصية لكي يَهرع الناس الى المحرمات من غناء وطرب ومجالس شيطانية.
فالإمام علي بن أبي طالب (ع) يقول: {وكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيه فَهُوَ عِيدٌ}، بينما نجد الأمر قد انقلب عند البعض رأساً على عقب - للأسف الشديد – فجعلوا من يوم العيد يوماً لممارسة المعاصي - والعياذ بالله – وجعلوا منه يوماً لمجرد اللهو والأكل والشرب والزينة.
فإن كان حال الصائمين القائمين في شهر رمضان هو الخوف والوجل والتضرع الى الله عسى أن يجعلهم من أهل العيد؛ المقبول صيامهم وقيامهم والمرضي عنهم في هذا الشهر الفضيل، فما هو حال العاصين المتمردين في هذا الشهر المبارك – والعياذ بالله – وهل يمت لهم عيدُ اللهِ بصلة، أو يَعنيهم في شيء ؟!
أحبتي المؤمنين .. نحن لسنا بصدد صَد الناس عن الزينة والفرح والأكل والشرب في عيد الله سبحانه، ولكن نقول ينبغي للمؤمن والعاقل أن يكون فرحه وسروره تابعاً ونابعاً عن رضا الله تعالى عليه، وقبول الله تعالى لطاعاته وحسن سيرته عند الله .. وإلا اذا كان الحال غير ما تقدم فأي فرح وأي سرور يا ترى ؟! أليس هو حال يدعو للويل والثبور ؟!
وقد أشار الإمام زين العابدين (ع) الى هذا الأمر بقوله:
(يتزين كل منكم يوم العيد إلى غسل وإلى كحل .... ولا يكونن أحدكم أحسن هيأة وأرذلكم عملاً).
نعم فما فائدة حسن الهيئة والمظهر عندما تكون السريرة خبيثة والأعمال رذيلة والعياذ بالله ؟!
إذن فعلينا أن نعرف حقيقة ومعنى العيد والغاية والهدف من العيد .. لكي نكون فعلاً من أهل العيد المرضيين عند الله تعالى. ولكي يعود الله علينا بالرحمة والمغفرة والعطاء الجزيل كما في الحديث الآتي عن رسول الله (ص): قال (ص): {.... فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة الفطر بعث الله عز وجل الملائكة في كل البلاد فيهبطون إلى الأرض ويقفون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والأنس فيقولون يا أمة محمد اخرجوا إلى ربكم رب كريم يعطي الجزيل ويغفر العظيم فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل : يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله ؟ فتقول الملائكة إلهنا وسيدنا جزاؤه أن توفيه أجره.
قال: فيقول عز وجل: فإني أشهدكم ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم عن صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضائي ومغفرتي ويقول جل جلاله: يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم ولدنياكم إلا نظرت لكم. وعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني وعزتي لا أخزينكم ولا أفضحنكم بين يدي أصحاب الخلود انصرفوا مغفوراً لكم قد أرضيتموني فرضيت عنكم.
فتعرج الملائكة وتستبشر بما يعطي الله عز وجل هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان}.
فشهر رمضان مضمار وسباق الى الطاعات وتنافس في الخيرات، والجوائز تعطى يوم العيد.
فعن محمد بن يزيد النحوي، قال: خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) في يوم فطر والناس يضحكون، فقال: (إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه إلى طاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، والعجب من الضاحك في هذا اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن ترجيل شعره، وتصقيل ثوبه).
فسبحان الله .. ما أخطر الموقف .. وما أشد الغفلة ... نسأل الله سبحانه العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة.


سورة الكوثر

الخطبة الثانية:

الحَمْدُ للهِ قَبْلَ كُلِّ أَحَدٍ وَالحَمْدُ للهِ بَعْدَ كُلِّ أَحَدٍ وَالحَمْدُ للهِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ وَالحَمْدُ للهِ يَبْقى رَبُّنا وَيَفْنى كُلُّ أَحَدٍ، وَالحَمْدُ للهِ أَبَدَ الأبَدِ وَمَعَ الأبَدِ مِمّا لا يُحْصِيهِ العَدَدُ وَلا يُفْنِيهِ الأمَدُ وَلا يَقْطَعُهُ الأبَدُ، وَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الخالِقِينَ.
والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين الأئمة والمهديين. اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة الزهراء، وعلى الحسن الزكي، وعلى الحسين الشهيد، وعلى التسعة المعصومين من ولد الحسين؛ السجاد علي، والباقر محمد، والصادق جعفر، والكاظم موسى، والرضا علي، والتقي محمد، والنقي علي، والزكي العسكري، والحجة الخلف القائم المهدي الحجة ابن الحسن العسكرى صاحب الزمان وشريك القرآن وامام الانس والجان وعلى وصيه ووليه وابنه وحبيبه ويمانيه احمد الحسن وعلى اولاده المهدين الاحد عشر مهدى مهدى الى قيام الساعة.

أحبتي المؤمنين .. يا أنصار الله .. في يوم العيد نستقبل عاماً جديداً من عمرنا .. لأن السنة تبدأ من ليلة القدر في الثالث والعشرين من شهر رمضان .. فلنحرص على أن يكون هذا العام عاماً مختلفاً عن أعوام عمرنا المنصرمة .. فليكن عاماً مملوءاً بالعمل والنصرة بين يدي القائم (ع) .. فليكن عاماً للعلم والمعرفة والجد والاجتهاد .. فليكن عاماً مملوءاً بالمودة والحب والعطف على المؤمنين وعلى الفقراء واليتامى والمساكين .. فليكن عاماً للإقبال على الله تعالى وعلى أوليائه وخلفائه .. فلنجعله عامَ كفارةٍ عن تقصيرنا في أعوام عمرنا السالفة، لكي لا تتساوى أعوام حياتنا ولا أيامها.
فقد جاء في الحديث عن الصادق (ع):
{من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، ومن لم يرَ الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة}.وعنه (ع) أيضاً:
{من ختم صيامه بقول صالح أو عمل صالح يقبل الله منه صيامه.
فقيل له: يا بن رسول الله ما القول الصالح ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله، والعمل الصالح اخراج الفطرة}.
فالقول الصالح شهادة التوحيد وهي لا تقبل من غير شرطها، وشرطها مولاة ونصرة خليفة الله وحجته على خلقه، فالله الله في نصرة خليفة الله في أرضه والنصح له وتقديمه على الأهل والولد والعشيرة.
والله الله في الفقراء واليتامى والمساكين .. تفقدوهم في عيد الله قبل أن تتفقدوا عيالكم وأطفالكم .. هل سيلبسون كما يلبس الناس ؟ هل سيأكلون كما ستأكل الناس ؟ هل سيفرحون كما ستفرح الناس ؟
ادخلوا الفرح الى بيوتهم وقلوبهم .. فهي والله العمل الصالح الذي سَيُكفِّر به الله عنكم سيئاتكم، ويعفو عن تقصيركم .. ويدخلكم جنة عرضها السماوات والارض مع محمد آل محمد (عليهم السلام).
وأخيراً ... نسأل الله بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها .. أن يجعل هذا العام الجديد عامَ خيرٍ وأمنٍ وأمانٍ لأمة محمد (ص) ولكل أهل الأرض .. وأن يجمع الله فيه العباد على مولاة محمد وآل محمد .. وعلى الحق والهدى .. وأن يُميت أسباب الافتراق والفتن التي عصفت وتعصف بالأمة.
ونسأله سبحانه أن ينزل غضبه ونقمته وعذابه على أعداء الدين وأعداء الإنسانية النواصب السفيانيين المجرمين .. وأن يجعل الأرض مقبرة لهم أين ما حلوا .. امين رب العالمين.



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .