بسم الله الرحمن الرحيم
تصحيح ما جاء في كتاب مقتل الامام علي عليه السلام لابن أبي الدنيا - للاطلاع اضغط على اسم الكتاب
تقديم :
لا يغالي المرء عندما يجزم بأن التاريخ الاسلامي بسجله الحافل وصفحاته الواسعة لم تستوقفه شخصية ما بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ الرحمة الالهية المهداة ـ غير شخصية الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولا يذهب ـ قطعا ـ إلى هذا القول بسطاء الناس وعامتهم ، ولا فقط من يحمل عليهم البغض ويصمهم بشتى النعوت وأقسى الاوصاف ، كالمغالاة ، والحب المفرط ، بل قلما يجد المرء ـ بعد عسير الجهد ومشقة البحث ـ من يتجاهلها ، وهم اولاء لا يعدو كونهم إلا ممن أعمتهم الشمس الساطعة . . . فاتهموها بالكسوف . ناهيك عن



( 171 )

أنه ما حظيت شخصية بالتكريم الالهي والثناء المحمدي ـ وبهذا الاطناب الرائع ـ عدا شخصية أمير المؤمنين عليه السلام ، وكذا لم ينقل لاحد ما نقل له من هذه الاوصاف والنعوت التكريمية (1) ، واغترف الكثيرون من هذا البحر الكبير ، في حين تجرأ البعض منهم فخاضوا عبابه ، فما استدل معظمهم على مرافئه الامنة وشواطئه الساكنة ، فحلت بهم سفنهم حيث الضلال والانحراف .
فالتجرد الواعي ، والنزاهة السليمة لابد وأن تكون محك البحث ، ومقياس الحكم ، ومداد الاقلام ، حيث أن مئات من السنين العجاف التي ألمت بالعالم الاسلامي لابد وأن تستوقف كل ذي عقل لبيب ، وذهن فطن .
فالصراع الازلي بين الظلمة والنور ، وبين الخير والشر لا يمكن أن يسترسل على منوال واحد وسبيل معروف ، ومن الخطأ التسليم بأن لا جديد تحت الشمس ، فالتلون أمسى ستارا يستخفي خلفه ذوو المآرب الدنيئة والنفوس الفاسدة .
ولعله من قبيل الامر المسلم به أن الامويين وقفوا كالشوكة المدببة ، والذئب الضاري ، يعمل أنيابه الناتئة وأضراسه الحادة في كل ما خلفه علي عليه السلام نسلا وحرثا وتراثا .
وهذي أمهات الكتاب حبلى من آثار تلك البصمات الوسخة التي حاولت جاهدة أن تخفي نور النهار بمساحة الكف .
وإذا كان الظلم قد أنشب أظافره بادئ ذي بدء بذاك الجسد الطري للصبي الذي كان أول من نطق بالشهادتين (2) ، فإن هذا الظلم لازمه ولصق به حتى يومنا هذا ، فلذا ما أصدق قوله عليه السلام : « أنا أول من يجثو بين يدي
____________
(1) روى مثل هذا القول ابن حجر في الاصابة 2|507 .
(2) الرياض النضرة 3 ـ 4|110 ، مستدرك الحاكم 3|136 ، تاريخ بغداد 2|8 ، الاستيعاب 2|457 ، رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله : « أولكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما ، علي ابن أبي طالب » وأورده الطبراني في الاوائل : 78 ح 51 بطرق مختلفة .
وروي عن زيد بن أرقم قوله : « كان أول من أسلم علي بن أبي طالب » الرياض النضرة 2 ـ 3|110 وقال : خرجه أحمد والترمذي .


( 172 )

الرحمن للخصومة يوم القيامة » (3) وقوله عن رسول الله صلى الله عليه وآله : « إن مما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الامة ستغدر بي بعده » (4)
وإذا كان للزمن أثر ، فما تركه الامويون من آثار لهي من الكثرة بمكانة بحيث تستوجب التأمل والتريث في أخذ ما مر تحت أنظارهم وما تناقلته ألسنتهم ، فقد « عمل الامويون على طمس مناقب الامام علي وفضائله بسبب حقدهم عليه ، [ ولم يكتفوا بذلك بل ] كانوا يهددون كل من تحدث بمناقبه » (5) ، ولعل روايات مقتله عليه السلام جانب من تلك الجوانب التي امتدت إليها أصابع التزوير وتركت فيها آثارا واضحة لا تخفى على من وهبه الله تعالى بصيرة يستهدي بها ويتجنب العثار .
فحقد الامويين هذا وسعيهم الدؤوب في طمس فضائل الامام علي عليه السلام دفع الكثيرين إلى التساؤل . . . لم ؟! ولا تفسير أبلغ لهذا السؤال من قول مروان للامام علي بن الحسين عليهما السلام عندما سأله عن مغزى الاصرار على شتم علي عليه السلام على المنابر ، فقال : « لا يستقيم لنا هذا إلا بهذا » (6) .
بيد أن ما يسمو بعلي ويزيد في غيظ أعدائه قول رسول الله صلى الله عليه وآله له : « يا علي ، إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي » (7) .
وإن كنت قد حشرت نفسي في ساحة لا موطئ قدم لي فيها ، فإني قد استللت بعض الروايات التي تروي جانبا من قصة هذا المقتل ، وبشكل مختصر ، وأوردتها في أبواب تساير الفتنة وحتى الاستشهاد . . . والله من وراء القصد .
____________
(3) نور الابصار ـ للشبلنجي ـ : 90 .
(4) مستدرك الحاكم 3|140 .
(5) الاصابة ـ لابن حجر ـ 2|507 .
(6) أنساب الاشراف 2|184 .
(7) الرياض النضرة 3 ـ 4 | 114 .


( 173 )

* إشارة
ابن إسحاق ، وابن شهاب ، أنه كتب حلية أمير المؤمنين عليه السلام عن ثبيت الخادم ، فأخذا عمرو بن العاص فزم بأنفه ، فقطعها وكتب : إن أبا تراب كان شديد الادمة ، عظيم البطن ، حمش الساقين . . . ونحو ذلك ، فلذلك رقع الخلاف في حليته (8) .


الصفات الجسمية للامام علي عليه السلام
1 ـ كان علي ربعة من الرجال ، أدعج العينين عظيمهما ، حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر ، عظيم البطن إلى السمن ، عريض ما بين المنكبين ، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري ، لا يبين عضده من ساعده قد ادمج إدماجا ، ششن الكفين ، عظيم الكراديس ، أغيد كأن عنقه إبريق فضة ، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه ، كثير شعر اللحية ، وكان لا يخضب ، وقد جاء عنه الخضاب ، والمشهور أنه كان أبيض اللحية ، وكان إذا مشى تكفأ ، شديد الساعد واليد ، وإذا مشى إلى الحروب هرول ، ثبت الجنان قوي ، ما صارع أحدا إلا صرعه ، شجاع منصور عند من لاقاه (9) .
2 ـ وقال ابن عباس رحمه الله في وصفه : وكان علي أمير المؤمنين يشبه القمر الزاهر ، والاسد الهادر ، والفرات الزاخر ، والربيع الباكر ، أشبه من القمر ضوءه وبهاءه ، ومن الاسد شجاعته ومضاءه ، ومن الفرات جوده وسخاءه ، ومن الربيع خصبه وحياءه (10) .
3 ـ وروى العلامة المحدث الشيخ علي بن محمد بن أحمد المالكي ، الشهير
____________
(8) المناقب ـ لابن شهر آشوب ـ 3|306 ، حمش الساقين : أي دقيقهما .
(9) ذخائر العقبى ـ للطبري ـ : 57 طبعة القاهرة ، الدعج : شدة السواد في العين أو شدة سوادها في شدة بياضها ، ششن : غليظ . المشاش : رؤوس العظام .
(10) لسان العرب ـ لابن منظور ـ 14|216 مادة « حيا » .


( 174 )

بابن الصباغ ، مما رواه العز المحدث ، في صفته ، وذلك عند سؤال بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل له عن صفته فقال : كان ربعة من الرجال ، أدعج العينين ، حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر حسنا ، ضخم ، عريض المنكبين ، ششن الكفين ، كأن عنقه إبريق فضة ، أصلع ، كث اللحية ، له مشاش كمشاش السبع الضاري ، لا يتبين عضده من ساعده قد ادمجت إدماجا (11) .
4 ـ حدثنا الشيح أبو الحجاج ، قال : رأيت عليا يخطب ، وكان من أحسن الناس وجها ، كان كأنما كسر ثم جبر ، لا يغير شيبه ، خفيف المشي ، ضحوك (12) .
5 ـ وذكر العلامة الشيخ عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري البغدادي في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
كان مربوع القامة ، أدعج العينين عظيمهما ، حسن الوجه كأن وجهه القمر ليلة البدر ، عظيم البطن أعلاه علم وأسفله طعام ، وكان كثير شعر اللحية ، قليل شعر الرأس ، كأن عنقه إبريق فضة (13) .
6 ـ وروى السيد محمد مرتضى الواسطي الحنفي في حديث ابن عباس : ما رأيت أحسن من شرصة علي رضي الله عنه (14) .
7 ـ . . . وكان رضي الله عنه ربعة من الرجال ، أدعج العينين عظيمهما ، حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر . . . (15) .
8 ـ وروى ابن العماد الحنبلي في وصف علي عليه السلام بأنه كان أدعج العينين ، حسن الوجه . . عريض المنكبين لهما مشاش كالسبع (16) . . .
____________
(11) الفصول المهمة ـ لابن الصباغ ـ : 110 .
(12) أسد الغابة ـ لابن الاثير ـ : 4|39 .
(13) نزهة المجالس 2 | 204 .
(14) تاج العروس 4|401 ، ومثله في الفائق ـ للزمخشري ـ 2|237 ، والشرص : انحسار الشعر عن جانبي الرأس .
(15) الرياض النضرة في مناقب العشرة ـ للطبري ـ : 3|107 .
(16) شذرات الذهب 1|49 .


( 175 )

مقتل أمير المؤمنين عليه السلام
أ ـ المقدمة :
1 ـ روى الحسن بن علي بن الاسود ، عن يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن عبد الاعلى ، عن طارق بن زياد ، قال : قام علي بالنهروان فقال : إن نبي الله قال لي : سيخرج قوم يتكلمون بكلام الحق ـ لا يجوز حلوقهم ، يخرجون من الحق خروج السهم ـ أو مروق السهم ـ سيماهم أن فيهم رجلا مخدج اليد ، في يده شعرات سود ، فإن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس (17) .
2 ـ أخبرنا أحمد بن عثمان بن علي الزراري ـ إجازة إن لم يكن سماعا ـ ، بإسناده عن أبي إسحاق الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد ، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرنا محمد بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقسم قسما ـ قال ابن عباس كانت غنائم هوازن يوم حنين ـ إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج ، فقال : إعدل يا رسول الله ! فقال : ويحك ، ومن يعدل إذا لم أعدل . . . الحديث (18) .
3 ـ وعن أبي سعيد ، قال : حضرت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يوم حنين وهو يقسم ، قلت : ـ فذكر الحديث إلى أن قال : ـ علامتهم رجل يده كثدي المرأة كالبضعة تدر در ، فيها شعيرات كأنها سبلة سبع (19) .
____________
(17) أنساب الاشراف 2|376 ، المسند ـ لاحمد بن حنبل ، في مسند علي ـ 2|848 ، خصائص أمير المؤمنين ـ للنسائي ـ : 41 ح 174 ، تاريخ بغداد 9|366 .
(18) أسد الغابة 2|140 .
(19) مجمع الزوائد 6 : 234 .


( 176 )

ب ـ صفين والفتنة :
1 ـ فثار أهل الشام في سواد الليل ينادون [ عن قول معاوية وأمره ] : يا أهل العراق ، من لذراريها إن قتلتمونا ، ومن لذراريكم إذا قتلناكم ، الله الله في البقية ، وأصبحوا قد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح . . . ومصحف دمشق الاعظم يحمله عشرة رجال على رؤوس الرماح وهم ينادون : كتاب الله بيننا وبينكم . . .
فقال علي عليه السلام : يا أيها الناس ، إني أحق من أجاب إلى كتاب الله ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرح وابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن . . .
فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد ، شاكي السلاح ، سيوفهم على عواتقهم ، وقد اسودت جباههم من السجود ، يتقدمهم مسعر بن مذكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد ، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين : يا علي ، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا قتلناك (20) .
2 ـ إن عليا عليه السلام لما دخل الكوفة ودخلها معه كثير من الخوارج ، وتخلف منهم بالنخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوها ، فدخل حرقوص بن زهير السعدي وزرعة بن البرج الطائي ـ وهما من رؤوس الخوارج ـ على علي عليه السلام فقال له ـ حرقوص : تب من خطيئتك واخرج بنا إلى معاوية نجاهده ! فقال له علي عليه السلام : إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم ، ثم الان تجعلونها ذنبا . . . !؟ أما إنها ليست بمعصية ، ولكنها عجز من الرأي ، وضعف عن التدبير ، وقد نهيتكم عنه ، فقال زرعة : أما والله لئن لم تتب من تحكيمك لاقتلنك (21) .
____________
(20) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 |217 .
(21) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد المعتزلي ـ 2|268 ، ومثله في تاريخ الطبري 5|52 ، ولكنه أورد : قاتلتك ، وكذا في الكامل 3|334 .


( 177 )

3 ـ حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت إسماعيل ابن سميع الحنفي ، عن أبي رزين ، قال : لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين رجعوا مباينين له ، فلما أنتهوا إلى النهر أقاموا به ، فدخل علي في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء (22) .

ج ـ فساد :
1 ـ قال أبو العباس : ثم مضى القوم [ أي الخوارج ] إلى النهروان ، وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن . . . [ فأصابوا ] في طريقهم مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم لانه عندهم كافر إذ كان على خلاف معتقدهم !! واستوصوا بالنصراني ، وقالوا : احفظوا ذمة نبيكم ! (23) .
2 ـ وروى ابن ديزيل في كتاب صفين ، قال : كانت الخوارج في أول ما انصرفت عن رايات علي عليه السلام تهدد الناس قتلا . . . !! (24) .
3 ـ قال أبو العباس : ولقيهم عبد الله بن خباب في عنقه مصحف على حمار ومعه امرأته وهي حامل ، فقالوا له : إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك ، فقال لهم : ما أحياه القرآن فأحيوه ، وما أماته فأميتوه .
فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه ، فصاحوا به فلفظها تورعا . . . وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله ، فقالوا : هذا فساد في الارض ، وأنكروا قتل الخنزير . . .
ثم قالوا لابن خباب : فما تقول في علي بعد التحكيم والحكومة ؟ قال : إن عليا أعلم بالله وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة ، فقالوا : إنك لست تتبع الهدى ، إنما تتبع الرجال على أسمائهم ، ثم قربوه إلى شاطئ النهر فأضجعوه فذبحوه. (25)
____________
(22) تاريخ الطبري 4|54 .
(23) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2|280 ، الكامل 3|212 .
(24) شرح نهج البلاغة 2|269 .
(25) شرح نهج البلاغة 2|282 .


( 178 )

4 ـ . . . وأقبلوا إلى المرأة ، فقالت : إني إنما أنا امرأة ألا تتقون الله ، فبقروا بطنها . . !! وقتلوا ثلاث نسوة من طي ، وقتلوا أم سنان الصيداوية (26) .

د ـ النهروان :
1 ـ فلما بلغ عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس ، بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه ، فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه ، وأتى عليا الخبر والناس معه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا ؟! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام (27) .
2 ـ قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال : أيتها العصابة التي أخرجتها عداوة المراء واللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى ، وطمح بها النزق ، وأصبحت في اللبس والخطب العظيم ، إني نذير لكم أن تصبحوا تفليكم الامة غدا صرعى بأثناء هذا النهر ، وبأهضام هذا الغائط ، بغير بينة من ربكم ، ولا برهان بين (28) .
3 ـ. . . فتنادوا [ أي الخوارج ] : لا تخاطبوهم ، ولا تكلموهم ، وتهيؤا للقاء الرب ، الرواح الرواح إلى الجنة !!
فخرج علي معبئا الناس ، فجعل على ميمنته حجر بن عدي ، وعلى ميسرته شبث بن ربعي ـ أو معقل بن قيس الرياحي ـ ، وعلى الخيل أبا أيوب الانصاري ، وعلى الرجالة أبا قتادة الانصاري ، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل ـ قيس بن سعد بن عبادة .
قال : وعبأت الخوارج ، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي ، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الاسدي ، وعلى
____________
(26) تاريخ الطبري 4|61 ، الكامل 3|342 .
(27) الكامل ـ لابن الاثير ـ 3 : 342 .
(28) تاريخ الامم والملوك ـ تاريخ الطبري ـ 5|84 ، حوادث سنة 37 .


( 179 )

الرجالة حرقوص بن زهير السعدي ، ثم تنادوا : الرواح الرواح إلى الجنة ! فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال ، فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم ، وافترقت الخيل فرقتين ، فرقة نحو الميمنة وأخرى نحو الميسرة ، وأقبلوا نحو الرجال فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل ، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف ، فوالله ما لبثوهم أن أناموهم ، ثم إن حمزة بن سنان ـ صاحب خيلهم ـ لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا ، فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى حمل عليهم الاسود بن قيس المرادي وجاءتهم الخيل من نحو علي فأهمدوا في الساعة (29) .
4 ـ وقد روى جماعة أن عليا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قوما يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، علامتهم رجل مخدج اليد . سمعوا ذلك منه مرارا ، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي ، وكان منه معهم ما كان ، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه ، فقال بعضهم : ما نجده حتى قال بعضهم : ما هو فيهم ، وهو يقول : والله إنه لفيهم ، والله ما كذبت ولا كذبت ، ثم إنه جاءه رجل فبشره . . . وقيل [ إنه ] خرج في طلبه . . . فوجده في حفرة على شاطئ النهر في خمسين قتيلا . . . فلما رآه قال : الله أكبر ، ما كذبت ولا كذبت (30) .

هـ ـ المؤامرة :
1 ـ حدثني عباس بن هشام الكلبي ، عن أبيه ، عن لوط ، أن يحيى وعوانة ـ ابنا الحكم ـ وغيرهما قالوا : اجتمع ثلاثة نفر من الخوارج بمكة ، وهم عبد الرحمن ابن ملجم الحميري . . . والبرك بن عبد الله التميمي ، وعمرو بن بكير ، وتذاكروا أمر إخوانهم الذين قتلوا بالنهروان . . . فتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن علي بن أبي طالب
____________
(29) تاريخ الامم والملوك 5|85 ، ومثله في الكامل 3|346 .
(30) الكامل ـ لابن الاثير ـ 3|347 .


( 180 )

ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ، ثم توجه كل رجل منهم إلى البلد الذي فيه صاحبه . . . وجعلوا ميعادهم ليلة واحدة . . . وأما ابن ملجم ـ قاتل علي ـ فإنه أتى الكوفة ، فكان يكتم أمره ولا يظهر الذي قصد له ، وهو في ذلك يزور أصحابه من الخوارج فلا يطلعهم على إرادته ، ثم أتى يوما قوما من تيم الرباب ، فرأى امرأة منهم جميلة يقال لها : قطام بنت شجنة ـ وكان علي قتل أباها شجنة بن عدي ، وأخاها الاخضر بن شجنة يوم النهروان ـ فهواها حتى أذهلته عن أمره فخطبها ، فقالت : لا أتزوجك إلا على عبد وثلاثة ألاف درهم وقينة وقتل علي ابن أبي طالب ! ! .
فقال : أما الثلاثة الاف والعبد والقينة فمهر ، وأما قتل علي بن أبي طالب فما ذكرته لي وأنت تريديني ، فقالت : بلى ، تلتمس غرته ، فإن أصبته وسلمت شفيت نفسي ونفعك العيش معي ، فقال : والله ماجاء بي إلا قتل علي (31) .
2 ـ فقدم ابن ملجم ، وجعل يكتم أمره ، فتزوج قطام بنت علقمة ، من تيم الرباب ـ وكان عليا قتل أخاها ـ فأخبرها بأمره ، وكان أقام عندها ثلاث ليال ، فقالت له في الليلة الثالثة : لشد ما أحببت لزوم أهلك وبيتك وأضربت عن الامر الذي قدمت له ! فقال : إن لي وقتا واعدت عليه أصحابي ولن أجاوزه (32) .
3 ـ قالوا : لم يزل ابن ملجم تلك الليلة عن الاشعث بن قيس يناجيه حتى قال له الاشعث : قم فضحك الصبح . وسمع ذلك من قوله حجر بن عدي الكندي فلما قتل علي قال له حجر : يا أعور ، أنت قتلته!
وقال المدائني : قال مسلمة بن المحارب : سمع الكلام عفيف عم الاشعث ، فلما قتل علي قال عفيف : هذا من عملك وكيدك يا أعور (33) .
____________
(31) تاريخ الخلفاء 1|159 ، تاريخ الامم والملوك 5|143 ، أنساب الاشراف 2|491 ، أسد الغابة 4|36 ، طبقات ابن سعد 3|35 ، تذكرة الخواص : 160 ، الرياض النضرة 3 ـ 4|234 .
(32) أنساب الاشراف 2|488 .
(33) أنساب الاشراف 2|493 ، مقاتل الطالبيين : 33 وفيه : « النجاء . . . النجاء لحاجتك فقد

=

( 181 )

4 ـ فبعثت [ أي قطام ] إلى رجل من تيم الرباب يقال له : وردان ، فكلمته في ذلك فأجابها ، وجاء ابن ملجم برجل من أشجع يقال له : شبيب بن بحرة ، فقال له : هل لك في شرف الدنيا والاخرة !! قال : وما ذاك ؟ قال : قتل علي بن أبي طالب ! قال : ثكلتك أمك ، لقد جئت شيئا إدا ، كيف تقدر على ذلك ؟ ! قال : اكمن له في المسجد ، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثارنا ، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا !! (34) .

وـ الاخبار . . . قبل الحدث :
1 ـ حدثنا دعلج بن أحمد السجزي ـ ببغداد ـ ثنا عبد العزيز بن معاوية البصري ، ثنا عبد العزيز بن الخطاب ، ثنا ناصح بن عبد الله الملحمي ، عن عطاء بن السائب ، عن أنس بن مالك ، قال : دخلت مع النبي على علي بن أبي طالب يعوده وهو مريض ، وعنده أبو بكر وعمر فتحولا حتى جلس رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فقال أحدهما لصاحبه : ما أراه إلا هالك ! فقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إنه لن يموت إلا مقتولا ، ولن يموت حتى يملأ غيظا (35) .
2 ـ قال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أشقى الاولين عاقر الناقة ، وأشقى الاخرين من هذه الامة الذي يطعنك يا علي ، وأشار إلى حيث طعن (36) .
3 ـ قال علي : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من أشقى الاولين ؟ قلت : عاقر الناقة ، قال : صدقت . قال : فمن أشقى الاخرين ؟ قلت :
____________
=
فضحك الصبح » .
(34) المناقب ـ للخوارزمي ـ : 276 ، الكامل في التاريخ 3 | 389 ، تفسير نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6|115 .
(35) المستدرك 3 | 139 ، تاريخ دمشق 3|266 .
(36) أنساب الاشراف 2|499 .


( 182 )

لا علم لي يا رسول الله ، قال : الذي يضربك على هذا ، وأشار بيده إلى يافوخه (37) .
4 ـ عن عبد الله بن سبع ، قال : سمعت عليا على المنبر يقول : ما ينظر أشقاها ؟ والذي خلق الحبة وبرأ النسمة عهد إلي أبو القاسم رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : لتخضبن هذه من هذه ، وأشار إلى لحيته ورأسه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، من هو ؟ لنبيرنه . . . قال : أنشدكم الله أن يقتل غير قاتلي (38) .
5 ـ لما خرج علي عليه السلام لطلب الزبير ، خرج حاسرا ، وخرج إليه الزبير دارعا مدججا . . . قال علي عليه السلام : إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلني رجل خامل الذكر ضئيل النسب غيلة ، في غير ما قط حرب ولا معركة ولا رجال ، ويل له ، إنه أشقى البشر ، ليودن أن أمه هبلت به ، أما إنه واحيمر ثمود لمقرونان في قرن (40) .
6 ـ حدثني العباس بن علي ومحمد بن خلف ، قالا : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، قال : كان علي بن أبي طالب إذا أعطى الناس فرأى ابن ملجم قال :

أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد(40)

7 ـ عن سكين بن عبد العزيز العبدي أنه سمع أباه يقول : جاء عبد الرحمن ابن ملجم يستحمل عليه فحمله ، ثم قال : إن هذا قاتلي ، قيل : فما منعك منه · قال : إنه لم يقتلني بعد (41) .
____________
(37) أسد الغابة 4|35 ، تاريخ دمشق 3|281 ، تذكرة الخواص : 158 ، تاريخ الخلفاء ـ لابن قتيبة ـ 1|162 .
(38) تاريخ بغداد 12|57 ، الرياض النضرة للطبري 3 ـ 4|233 .
(39) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد المعتزلي ـ 1 | 78 طبعة القاهرة .
(40) الاغاني ـ للاصبهاني ـ 14|69 طبعة دار الفكر ، مقاتل الطالبيين : 31 ، ورواه ابن سعد في طبقاته 3|34 .
(41) الرياض النضرة 3 ـ 4|234 .


( 183 )

ز ـ التنفيذ :
1 ـ روى ابن الاثير ، قال : وأنبأنا جدي ، حدثنا زيد بن علي ، عن عبيد الله بن موسى ، حدثنا الحسن بن كثير ، عن أبيه ، قال : خرج علي لصلاة الفجر فاستقبله الاوز يصحن في وجهه ، قال : فجعلنا نطردهن عنه ، فقال : دعوهن فإنهن نوائح . . . (42) .
2 ـ روى العلامة القندوزي في ينابيع المودة : في جواهر العقدين : عن الحسين بن كثير ، عن أبيه ، قال : فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ، أكثر الخروج والنظر إلى السماء ، وجعل يقول : والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها الليلة التي وعدت لي (43) .
3 ـ أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد ، أنبأنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنبأنا أبو بكر بن الطبري ، أنبأنا أبو الحسن بن بشران ، أنبأنا أبو علي بن صفوان ، حدثنا ابن أبي الدنيا ، حدثني هارون بن أبي يحيى ، عن شيخ من قريش أن عليا لما ضربه ابن ملجم قال : فزت ورب الكعبة ، ثم قال : لا يفوتنكم الرجل ، فشد الناس عليه فأخذوه (44) .
4 ـ . . . عن الزهري أن ابن ملجم طعن عليا حين رفع رأسه من الركعة ، فانصرف وقال : أتموا صلاتكم (45) .
5 ـ أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ، أنبأنا أحمد بن محمد بن أحمد ، أنبأنا عيسى بن علي ، أنبأنا عبد الله بن محمد البغوي ، أنبأنا أحمد بن منصور ، أنبأنا
____________
(42) أسد الغابة 4|36 ، ومثله في الكامل 3|195 ، البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 8|13 ، الفصول المهمة : 121 ، ذخائر العقبى : 113 .
(43) ينابيع المودة : 164 .
(44) أسد الغابة 4|38 ، تاريخ دمشق 3|303 ، أنساب الاشراف 2 : 492 ، الامامة والسياسة ـ للدينوري ـ 1|160 .
(45) كنز العمال 13|190 .


( 184 )

يحيى بن بكير المصري ، أخبرني الليث بن سعد : أن عبد الرحمن بن ملجم ضرب عليا في صلاة الصبح على دهش بسيف كان سمه . . . (46).


أمير المؤمنين . . . يوصي
أ ـ الوصايا العامة
1 ـ دعا [ علي بن أبي طالب عليه السلام ] حسنا وحسينا ، فقال : أوصيكما بتقوى الله ، وألا تبغيا الدنيا الفانية وإن بغتكما ، ولا تبكيا علىشيء زوي عنكما ، وقولا الحق ، وارحما اليتيم ، وأعينا الضائع ، واصنعا للاخرة ، وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا ، اعملا بما في الكتاب ، فلا تأخذكما في الله لومة لائم .
ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم . قال : فإني أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك ، ولا تؤثر أمرا دونهما .
ثم قال للحسن والحسين : أوصيكما به ، فإنه أخوكما وابن أبيكما ، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه . . . (47) .

2 ـ فلما حضرته الوفاة أوصى ، فكانت وصيته :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب :
أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
____________
(46) تاريخ دمشق ـ لابن عساكر ـ حديث رقم 1397.
(47) تاريخ الامم والملوك ـ للطبري ـ 5|146.


( 185 )


ثم اوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن يبلغه كتابي بتقوى الله ربكم ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتمصوا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا ، فإني سمعت أبا القاسم عليه السلام يقول : إن صلاح ذات البيت أفضل من عامة الصلاة والصيام .
انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب .
الله الله في الايتام فلا تغيروا أفواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم .
الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ، مازال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم .
الله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم .
الله الله في الصلاة فإنها عماد دينكم .
الله الله في بيت ربكم فلا يخلون ما بقيتم ، فإنه إن ترك لم تناظروا .
الله الله في شهر رمضان ، فإن صيامه جنة من النار .
الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم .
الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب .
الله الله في ذمة أهل بيت نبيكم ، فلا يظلموا بين ظهرانيكم .
الله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم .
الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم .
الله الله فيما ملكت أيمانكم ، فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله أن قال : أوصيكم بالضعيفين ، نساؤكم وما ملكت أيمانكم .
الصلاة الصلاة ، لا تخافن في الله لومة لائم ، يكفيكم من أرادكم وبغي عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ، ولاتتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتول الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم ، عليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق ، وتعاونوا على البر والتقوى ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب .



( 186 )

حفظكم الله من أهل بيت ، وحفظ فيكم نبيكم ، أستودعكم الله ، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله . . . (48) .
3 ـ عن أبي وائل بن سعد ، قال : كان عند علي مسك ، فأوصى أن يحنط به ، وقال : هو فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم (49) .

ب ـ الوصية باستخلاف الامام الحسن عليه السلام
1 ـ ذكروا أن جندب بن عبد الله دخل على علي عليه السلام يسليه [ بعد إصابته ] فقال : يا أمير المؤمنين ، إن فقدناك فلا نفقدك فنبايع الحسن · قال : نعم (50) .
2 ـ أخبرني حبيب بن نصر المهلبي ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال : حدثنا علي بن محمد المدائني ، عن أبي بكر الهذلي ، قال : أتى أبا الاسود الدؤلي (51) نعي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبيعة الحسن عليه السلام ، فقام على المنبر فخطب الناس ونعى لهم عليا عليه السلام ـ حتى قال : وقد أوصى بالامامة بعده إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه ، وإني لارجو أن يجبر الله عزوجل به ما وهى ، ويسد به ما انثلم ، ويجمع به الشمل ، ويطفئ به نيران الفتنة ، فبايعوه ترشدوا .
فبايعت الشيعة كلها (52) .
____________
(48) المناقب ـ للخوارزمي : 278 ، تاريخ الامم والملوك 5|147 ، مقاتل الطالبيين : 39 .
(49) كنز العمال 13|191 .
(50) المناقب ـ للحافظ الموفق بن أحمد الحنفي ، المعروف بأخطب خوارزم ـ : 278 .
(51) أبو الاسود الدؤلي : من المتحققين بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، ومحبته وصحبته ومحبة ولده ، وشهد معه الجمل وصفين وأكثر مشاهده ، واستعمله أمير المؤمنين عليه السلام على البصرة (إنباه الرواة 1|52) .
(52) الاغاني ـ لابي الفرج الاصبهاني ـ 12|328 ونقله صاحب تعليقات كتاب « إحقاق الحق » 18|257 عن مهذب الاغاني ـ لابن منظور ـ المجلد 2 .


( 187 )

جـ ـ الوصية بقاتله والقصاص منه
1 ـ قال الامام علي عليه السلام : إنه أسير ، فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه (53) فإن بقيت قتلت أو عفوت ، وإن مت فاقتلوه قتلتي ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (54) .
2 ـ . . . أنظر يا حسن ، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور (55) .
3 ـ قال له [ أي الامام علي عليه السلام لابن ملجم ] : ولقد كنت أعلم أنك قاتلي ، وإنما أحسنت إليك لاستظهر بالله عليك ، ثم قال لبنيه : يا بني ، إن هلكت النفس بالنفس ، اقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت رأيت فيه رأيا (56) .
4 ـ . . . يا بني عبد المطلب ، لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا تقولون : قتل أمير المؤمنين ، قتل أمير المؤمنين ، ألا لاتقتلن بي إلا قاتلي ، انظروا ، إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة ، ولاتمثلوا به ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور (57) .
5 ـ قال علي عليه السلام عندما أدخل عليه ابن ملجم بعد أن ضربه :
النفس بالنفس ، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت رأيت فيه رأيي . وقال لابن ملجم : يا عدو الله ألم أحسن إليك ؟! . . . ألم أفعل بك . . . ؟! قال : بلى (58) .
____________
(53) إن هذا الخلق العظيم لم يسجله التاريخ إلا لاهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام ، فهل أوصى مقتول بقاتله قط ، إنها كلمة تدل على جوهر نفيس .
(54) أنساب الاشراف 2|502 ، أسد الغابة 4|35 ، ومثله الامامة والسياسة ـ لابن قتيبة ـ : 160 .
(55) تاريخ الطبري 4|114 .
(56 ) تذكرة الخواص : 162 .
(57) الرياض النضرة 3 ـ 4|238 .
(58) مجمع الزوائد 9|139 .


( 188 )

الرحيل
1 ـ أنبأنا عبد الوهاب بن أبي منصور بن سكينة ، أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن سليمان ، أنبأنا أحمد بن الحسين بن خيرون وأحمدبن الحسن الباقلاني ـ كلاهما إجازة ـ ، قالا : أنبأنا أبو علي بن شاذان ، قال : قراءة على أبي محمد بن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي ، حدثني جدي ، حدثنا أحمد بن محمد ابن يحيى ، حدثني إسماعيل بن أبان الازدي ، حدثني فضيل بن الزبير ، عن عمرو ذي مر ، قال : لما اصيب علي بالضربة دخلت عليه وقد عصب رأسه ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين أرني ضربتك . قال : فحلها . فقلت : خدش وليس بشيء .
قال : إني مفارقكم فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب . فقال لها : اسكتي ، فلو ترين ما أرى لما بكيت . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، ماذا ترى ؟ قال : هذه الملائكة وفود النبيون ، وهذا محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : يا علي أبشر فما تصير إليه خير مما أنت فيه (59) .
2 ـ . . . ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله ، حتى مات (60) .
3 ـ . . . لما فرغ علي من وصيته قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ثم لم يتكلم إلا بلا إله الا الله حتى توفي (61) .
4 ـ عن ابن شهاب ، قال : قدمت دمشق وأنا اريد العراق ، فأتيت عبد الملك لاسلم عليه ، فودته في قبة على فرش تفوت القائم وتحته سماطان ، فسلمت ثم جلست ، فقال لي : يا ابن شهاب ، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب ؟ قلت : نعم . قال : فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة ، وحول إلي وجهه وأحنى علي فقال : ما كان ؟! فقلت : لم
____________
(59) أسد الغابة 4|38 .
(60) الكامل في التاريخ 3|392 ، المناقب ـ للخوارزمي ـ : 279 .
(61) وسيلة النجاة ـ للمولوي ـ : 188 ، الا تحاف ـ للزبيدي ـ 10|319 ، البصائر ـ للداجوني الحنفي ـ : 44 .


( 189 )

يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم (62) .
5 ـ أخبرنا أبو محمد الشاهد ، أنبأنا أبو بكر الحافظ ، أنبأنا أبو الحسن المقرئ ، أنبأنا علي بن أحمد بن أبي قيس .
حيلولة ، وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنبأنا محمد بن محمد ، أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ، أنبأنا عمر بن الحسن ، قالا : أنبأنا ابن أبي الدنيا ، أنبأنا سعيد بن يحيى الاموي ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق .
وقال ابن السمرقندي : أنبأنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، قال : مات علي في إحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان (63) .
6 ـ أخبرني أحمد بن بالويه العقصي ، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا عباد بن يعقوب ، ثنا نوح بن دراج ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري أن أسماء الانصارية قالت : ما رفع حجر بإيلياء ليلة قتل علي إلا ووجد تحته دم عبيط (64) .
7 ـ روى الحاكم ، عن أبي عبد الله الحافظ أنه بلغه : قال علي للحسن والحسين رضي الله عنهم : إذا مت أنا فاحملاني على سرير ، ثم أئتيا أبي الغري ـ وهو نجف الكوفة ـ فإنكما تريان صخرة بيضاء تلمع نورا ، فاحتفرا فإنكما تجدان فيها ساجة ، فادفناني فيها (65) .
8 ـ . . . ثنا المعتمر ، قال : قال أبي : حدثنا الحريث بن مخشى أن عليا قتل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ، قال : فسمعت الحسن بن علي يقول وهو يخطب ـ وذكر مناقب علي ـ فقال : قتل ليلة أنزل القرآن ، وليلة أسري بعيسى ، وليلة قبض موسى (66) .
____________
(62) الرياض النضرة 3 ـ 4|237 ، وروى الخوارزمي في مناقبه : 281 بنفس المعنى ، ومثله في الصواعق المحرقة ـ لابن حجر ـ : 192 طبعة مصر .
(63) تاريخ دمشق 3 |317 ترجمة الامام علي عليه السلام .
(64) مستدرك الحاكم 3|144 .
(65) أرجح المطالب : 669 .
(66) المستدرك 3|143 ، تلخيص المستدرك ـ للذهبي ـ 3|143 .


( 190 )

القصاص
1 ـ فلما مات علي رضي الله عنه ، استدعى الحسن ابن ملجم ، فقال له ابن ملجم : إني أعرض عليك خصلة . قال : وما هي ؟ قال : إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن خليتني ذهبت إلى معاوية ، على أني إن لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله علي أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك ، فقال الحسن : كلا والله حتى تعاين النار فلا . ثم قدمه فقتله (67) .
2 ـ فلما قبض عليه السلام بعث الحسن إلى ابن ملجم فقال للحسن : هل لك في خصلة ، إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به ، إني كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن شئت . . . فقال الحسن : أما والله حتى تعاين النار فلا ، ثم قدمه فقتله . . . (68) .
3 ـ ودعا الحسن ـ بعد دفنه ـ بابن ملجم ـ لعنه الله ـ فأتي به فأمر بضرب عنقه ، فقال له : إن رأيت أن تأخذ علي العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام ، فأنظر ما صنع صاحباي بمعاوية ، فإن كان قتله وإلا قتلته ثم أعود إليك تحكم في بحكمك ، فقال له الحسن : هيهات والله لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار ، ثم ضرب عنقه (69) .
____________
(67) البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 7|330 .
(68) تاريخ الطبري 4|144 ، ومثله في المناقب ـ للخوارزمي ـ : 279 .
(69) مقاتل الطالبين : 41 ، تفسير نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6|125 .

...