في سكرتهم يعمهون

يصر من يسمون أنفسهم بالجهاديين (مجرمي الوهابية السفيانيين) على تمييز أنفسهم بنمط معين من الثياب (الزي الأفغاني)، كما إن الكنى التي يختارونها نمطية بدورها، وتستحضر غالباً ما يُعرف لديهم بعصر الصحابة، فالكثير منهم يتكنى بأبي بكر، أو أبي عائشة، أو أبي حذيفة، وما إلى ذلك.

وبعبارة واحدة يهتمون كثيراً بما يحقق لهم القطيعة مع العصر الراهن، وينقلهم إلى ما يسمونه بعصر الصحابة، حتى على مستوى التفاصيل والإكسسوارات (على سبيل المثال: شاهدت لهم فديو وهم يمتطون الخيل في مدينة الموصل، وفي فديو آخر كانوا يغنون حلمهم كالعشاق، أو كالمخمورين).

الملاحظة المهمة إن عصر الصحابة الذي يستحضرونه ليس هو العصر التأريخي المعروف، بل ليس هو عصراً تاريخياً، على الاطلاق، ولا يمت بصلة لكل ما هو بشري.

هو عصر أسطوري بكل المقاييس، يطفو في ذاكرتهم، أو مخيالهم كما تطفو سحابة سحرية غامضة. فالرجال فيه لا تحركهم النوازع البشرية، ولا يخضعون لشرطهم الزمكاني، بل هم أقرب إلى صورة الملائكة، وإن شئت الدقة هم أقرب إلى صور الأفلام المتحركة.

باعتبار أن صورهم غير ثابتة، وإنما هي دائمة التشكل، وقابلة في كل وقت لإضافة جديد لها، حتى لو كان متناقضاً. فحيث إن هؤلاء ينظرون لأنفسهم من خلال غلالة الصورة الحلمية لمن يصطلحون عليهم بالصحابة، وحيث أن نوازعهم البشرية وشرطهم الزمكاني يؤثر فيهم فإنهم يضطرون غالباً لتعديل الصورة الحلمية، بإضافة أبعاد أخرى تسمح بتحقيق النوازع القاهرة لشرطهم البشري الزمكاني.

إذن هؤلاء في الحقيقة لا يتحركون بدافع الوعي، وإنما بتحفيز من قوة الوهم، أو الأسطورة التي تسترخي فيها عقولهم حد الثمالة، وما يسعون إلى تحقيقه ليس هدفاً واضحاً محدداً، وإنما هم يطاردون حلماً متفلتاً، أو قل وهماً سرابياً غير قابل للقبض عليه، لذلك يستعينون غالباً بالأفيون من أجل ردم، أو جَسْر الفجوة بينهم وبينه، وتحقيق الالتحام، أو التماهي المدهش به.

الخطير في الأمر، بل الكارثي، إن هؤلاء المرضى العصابيين يصطدمون دائماً بجدار الواقع الصلد، الذي من شأنه إعادتهم إلى درجة اليقظة التي فارقوها، اليقظة المريرة التي يريدون، وبقوة، قطع كل الجسور معها، والذي من شأنه، بالنتيجة، إشعارهم بزيف، ولا حقيقية حلمهم المعذب، ولكنهم بدلاً من قبول النتيجة الواضحة السهلة، يواجهون الواقع بالمزيد من التطرف، والهروب إلى الأمام، فبدلاً من النظر إلى الأسس السرابية لوهمهم يركزون النظر على الآخرين الذين يتهمونهم بأنهم السبب في تعثر تجربتهم الموهومة.

أي إنهم لن يفكروا بأن وهمهم، أو حلمهم، أو فكرهم غير ملائم للواقع، وإنما سيفكرون بأن الواقع غير ملائم لفكرتهم، وبالتالي سيتحركون لجعله كذلك، وعادة ما يتم الأمر من خلال الوسائل الإجرامية.

والمأساة، إن هؤلاء قد بلغوا الحد الأقصى من التطرف، وابتعدوا كثيراً عن عتبة العودة، فلا رجاء أبداً لإفاقتهم من سكرتهم، أو الغيبوبة التي نفوا أنفسهم فيها، وإلى الأبد، وصار لزاماً على الإنسانية جمعاء أن تستأصلهم، وإلا فالعواقب المرضية وخيمة للغاية.

بقلم الدكتور عبدالرزاق هاشم الديراوي