الخطبة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم


ألحمد لله الاول قبل الانشاء والإحياء , والاخر بعد فناء الاشياء, العليم الذي لاينسي من ذكره , ولاينقص من شكره , ولايخيب من دعاه , ولايقطع رجاء من رجاه.

وصل يا ربي على خيرتك من خلق محمد ، وال بيته الطيبين الطاهرين ، الأئمة والمهديين وسلم تسليما
نسال الله ان يرزقا الفهم والعلم بحق محمد وال بيته الطاهرين
يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين اللهم صلي على محمد وال محمد الائمه والمهديين وسلم تسليما
تحصنت بذي الملك والملكوت واعتصمت بذي القدرة والجبروت واستعنت بذي العزة واللاهوت من كل ما أخاف وأحذر وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد واحمد والمهديين (ع).


عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ...


عيسى (ع) خليفة لله وهيرودس وعلماء السوء يعترضون

يكتسب بعث عيسى (ع) لبني إسرائيل أهمية ؛ ذلك أنّ ما جرى عليه عند إرساله من اليهود وعلمائهم - علماء السوء غير العاملين - لا يكاد يختلف عما يلاقيه الإمام المهدي (ع) من علماء السوء أيضاً ، ولذا حرياً بالمؤمن الوقوف على سيرة هذا النبي العظيم في بعثته لقومه وما عاناه من سادة الاعتراض في وقته ، لعله يكون عبرة لطالب حق اليوم في عدم تكرار فعل المعترضين والانضواء تحت رايتهم وترك راية الحق والهدى ، هذا أولاً .
وثانياً : إنّ المجتمع الذي بُعث فيه (ع) كان يدّعي الإيمان ولم يكن الانحراف بواضح لأمةٍ كانت قد ابتعدت عن تعاليم الأنبياء والأوصياء عبر تربيةٍ أجهد فيها علماء الضلالة أنفسهم في التأسيس لواقع تحكموا فيه وأضحى ( الدين في نظر الناس = العلماء ) ، الذين يمتازون بقلة الورع والانحراف والإتراف ولا يكادون يفقهون سوى الجدل والكلام بالباطل ، وهو واضح من قصة ولادته المباركة ومجيء أمه به تحمله إلى القوم ، فأسرعوا باتهامها : ﴿ يَا أُخْتَ هَـارُونَ مَا كَانَ أَبُـوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّـكِ بَغِيّاً ﴾([88]) الدال على قلة الورع والخوف من الله سبحانه ، وكان نطقه (ع) في المهد براءةً لأمه المقدسة مريم من اتهام علماء السوء أول صفعة يوجهها الحق للباطل .
وعن بعثة عيسى (ع) وحال سادة المعترضين ( علماء السوء ) فيها يقول السيد احـمد الحسـن (ع) :
( وفي ظل تلك الأجواء الملبدة بالغيوم بعث عيسى (ع) ليقول للناس من كان يريد أن يتبعني فليستعد للموت والصلب ، إنها دعوة إلى الثورة ، روي عنه (ع) انه قال : ( لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ولا يقدرون أن يقتلـوا النفس ، بل خافـوا الذي يقدر أن يهلك الجسد والنفس معاً في جهنـم )([89]).
وكان (ع) يعلم انه لا يستطيع تغيير كثير من الفساد في ذلك الوقت ، ولكن ليس اقل من إيقاع صدمة في ذلك المجتمع ، بل وفي تأريخ الإنسانية على هذه الأرض ، وانتظار النتائج الكبيرة في المستقبل سواء القريب بعد رفعه إلى السماء ، أو البعيد بعد عودته في القيامة الصغرى ، أي زمن ظهور الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع) .
بعث عيسى (ع) إلى بني إسرائيل وغيرهم ، ولكن شريعته لم تكن ناسخة إلا لشريعة موسى (ع) ... ولعل أهم أسباب نسخ وتجديد شريعة موسى (ع) أن علماء اليهود غيروا الشريعة وحرموا ما احل الله واحلوا ما حرم الله ، تبعاً لأهوائهم الشخصية وتخرّصاتهم العقلية ، وربما ارضاءاً لبعض الطواغيت الذين تسلطوا عليهم في بعض الأحيان كما جاء في بعض الروايات ، فعاد السامري وعاد العجل ولكن هذه المرة باسم جديد وهيئة جديدة ، عاد السامري بعلماء بني إسرائيل ، وعاد العجل بتحريف الأحكام الشرعية .
ومع أن كثير من الأنبياء بعثوا للحفاظ على شريعة موسى (ع) وحفظها من التحريف لكن التيار المنحرف - أو قل التيار السامري - أخذ يسيطر على دفة القيادة ، وأقصي الأنبياء وطردوا إلى البراري والقفار ، وقتل كثير منهم قبل بعث عيسى (ع) كزكريا (ع) الذي قتله اليهود أنفسهم ، ويحيى (ع) الذي قتلوه بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخضوعهم للطاغوت والركون له ، فقبض الحاكم الطاغية ( هيرودس ) على يحيى (ع) وسجنه مدة ليست بقصيرة قبل أن يقتله ، ولم يحرك العلماء اليهود ساكنا ، بل استقبل كثير منهم هذا الحدث بفرح كبير .
ومع أنهم يرون في الحاكم الجائر طاغوت ورجس يتنجسون بمجرد الدخول في قصره كانوا لا يتورعون عن التعاون معه لقتل أحد الأنبياء ، أو العلماء العاملين المجاهدين ؛ لان الأنبياء متى استتبت لهم الأمور لن يرضوا دون استئصال الطواغيت ، وإقامة الحكومة الإلهية على الأرض وبالتالي ذهاب سلطة الطاغوت وحكومته وذهاب سلطة ومكانة العلماء غير العاملين الذين حرفوا الشريعة وصوروا أنفسهم ورثة الأنبياء والأوصياء طلباً لمكانتهم في قلوب الناس .
ولهذا فمن الطبيعي أن يكون أول من يعادي عيسى (ع) الطواغيت وعلماء الدين في بني إسرائيل الذين كانوا يدّعون أنهم ينتظرون بعثه لهم لينصروه ، ولكن عندما بعث وجدوه يقول : ( خادمي يداي ، ودابتي رجلاي ، وفراشي الأرض ، ووسادي الحجر ، ودفئي في الشتاء مشارق الأرض ، وسراجي بالليل القمر ، وإدامي الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصوف ، وفاكهتي وريحانتي ما انبتت الأرض للوحوش والأنعام ، أبيت وليس لي شيء ، وأصبح وليس لي شيء ، وليس على وجه الأرض أحد أغنى مني ) ([90]).
وجدوه يدعوهم للزهد في هذه الدنيا وتحمل الدعوة إلى الله ، وهذا يؤدي بهم إلى الاصطدام بالطواغيت وأعوانهم الذين يعارضون الدعوة إلى الله . وجدوه يدعو أتباعه للاستعداد للموت وتحمل القتل في سبيل الله ، وتحمل المصاعب في طريق الدعوة إلى الله . وجدوه يجلس مع الخاطئين وجُبات الضرائب ليصلحهم .
إذن فعيسى (ع) لم يأتِ ليعزز مكانة العلماء غير العاملين وسلطتهم ويعظم قدرهم ويمدهم في طغيانهم ، بل جاء ليفضحهم بعلمه وزهده في هذه الدنيا ، فأخذ علماء بني إسرائيل يتكلمون عليه ويتهمونه بشتى الاتهامات الباطلة ، وجاءه تلاميذه وقالوا له : ( أتعرف أن علماء اليهود استاءوا عندما سمعوا كلامك هذا ) ، فأجابهم (ع) : ( اتركوهم هم عميان قادة عميان ، وإذا كان الأعمى يقود الأعمى سقطا معاً في حفرة ) ([91]).
وهكذا كانت جبهة الباطل المواجهة لعيسى (ع) واسعة تضم علماء بني إسرائيل والشعب اليهودي الذي استخفّوه بادعاءاتهم الباطلة ، والحاكم الكافر بيلاطس وجنوده ، ولعل بعضهم يستغرب - وله الحق في ذلك - إذا علم أن عداء العلماء غير العاملين من بني إسرائيل لعيسى (ع) كان اشد من عداء بيلاطس الحاكم الجائر وجنوده ولهذا اخذ عيسى (ع) يبين خطأ هؤلاء العلماء غير العاملين على رؤوس الأشهاد .
قال (ع) مخاطباً الناس وتلاميذه : ( معلمو الشريعة والفرييسيون على كرسي موسى جالسون ، فافعلوا كل ما يقولونه لكم واعملوا به ، ولكن لا تعملوا مثل أعمالهم ، لأنهم يقولون ولا يفعلون ، يحزمون أحمالا ثقيلة شاقة الحمل ويلقونها على أكتاف الناس ، ولكنهم لا يحركون إصبعا تعينهم على حملها ، وهم لا يعملون عملا إلا ليشاهدهم الناس ، يجعلون عصائبهم عريضة على جباههم وسواعدهم ويطولون أطراف ثيابهم ويحبون مقاعد الشرف في الولائم ومكان الصدارة في المجامع والتحيات في الأسواق وان يدعوهم الناس يا معلم …
الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراءون تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا انتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون ، الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراءون تأكلون بيوت الأرامل وانتم تظهرون إنكم تطيلوا الصلاة سينالكم اشد العقاب ، الويل لكم أيها القادة العميان ... ) ([92]). وحقيقٌ بنا أن نتدبر هذه الكلمات ، فربما هي وجهت في يوم من الأيام إلى بني إسرائيل وعلمائهم ، ولعلها اليوم موجهة لنا .

والحمد لله وحده

سورة العصر

وصلى الله على رسوله وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا


الخطبة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، صل الله على محمد وال محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون. ولا يحصي نعماءه العادون. ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن. الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود. ولا وقت معدود ولا أجل ممدود.

اللهم صل على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين الائمة والمهديين , اللهم صل على محمد المصطفى وعلى علي المرتضى وعلى البتول فاطمة الزهراء وعلى السبطين الامامين الهاديين الذكيين الحسن والحسين وعلى السجاد علي بن الحسين وعلى الباقر محمد بن علي وعلى الصادق جعفر بن محمد وعلى الكاظم موسى بن جعفر وعلى الرضا علي بن موسى وعلى الجواد محمد بن علي وعلى الهادى علي بن محمد وعلى العسكرى الحسن بن علي وعلى الخلف الهادى المهدى الحجة ابن الحسن العسكرى محمد بن الحسن ابن العسكرى صاحب الزمان وشريك القرآن وامام الانس والجان وعلى وصيه ووليه وابنه وحبيبه ويمانيه احمد الحسن وعلى اولاده المهدين الاحد عشر مهدى مهدى الى قيام الساعة.

نستكمل حديثنا بحول الله وقوته ..


ومع الأيام كثر أتباع عيسى (ع) ، وهم كأتباع أي نبي من الفقراء والمستضعفين أو حسب ما يسميهم أعداء الأنبياء ﴿ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي ﴾ ([93])، وأخذ علماء بني إسرائيل يتآمرون على قتل عيسى (ع) بحجة انه يدعي الملك وكثر أتباعه ، وهذا يؤدي إلى أن الرومان سيهاجمون الشعب اليهودي ويقضون عليه !! وبالتالي قرّر رئيس علماء اليهود أنّ قتل عيسى (ع) وهلاكه أفضل من هلاك الشعب كله ، فبحجة المحافظة على الشعب يجب أن يقتل عيسى (ع) !!
وهذا هو الميزان العدل وهذا هو الحق بنظر هؤلاء المنكوسين الظلمة قتلة الأنبياء ، الذين يرون المنكر معروفاً ، فلكي لا يعكر صفو حياتهم الرومان ، ولا تتعرض مصالحهم وحياتهم للخطر ، يجب أن يقتل عيسى (ع) ويخنق الحق ويُطفأ النور ، وليستبد الطاغوت والظلم والظلام ، فالمهم أن يبقى علماء بني إسرائيل غير العاملين أحياء ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ ([94]).
وحاولوا بكل طريقة أن يغروا به القيصر حاكم الرومان وعامله بيلاطس وأتباعه اللعناء ليقتلوه ، ولأنهم جبناء لم يكونوا أهلاً لاستيعاب شجاعة هذا النبي العظيم ... وعلى كل حال ، في النهاية اعتقل علماء بني إسرائيل عيسى (ع) ، وجاء في الإنجيل أنهم بصقوا في وجهه الشريف ، وضربوه وأهانوه ، واتهموه انه يجدف ويكذب على الله سبحانه ، ثم سلموه إلى بيلاطس ، واتهموه انه يدعي الملك ويهدد الإمبراطورية الرومانية ، وطلبوا من بيلاطس قتله وصلبه وألَحّوا عليه بذلك ...
وعندما أراد بيلاطس الحاكم الجائر إطلاق صراحه في عيد الفصح ، رفض علماء اليهود والشعب الذي استخفّوه وطلبوا أن يطلق أحد القتلة بدلا عنه وألحّوا على قتل عيسى وصلبه ، والغريب أنهم عندما جاءوا بعيسى (ع) لقصر بيلاطس ليسلّموه لم يدخلوا القصر ؛ لأنهم كانوا يعتقدون بكفر بيلاطس وبالتالي فمن يدخل قصره منهم يتنجس ، ومع ذلك فقد وضعوا أيديهم بيد بيلاطس للقضاء على عيسى (ع) .
انظر كيف اجتمع أهل الباطل مع اختلافهم وتناحرهم للقضاء على الحق ، وتدبر ولا تكن من الغافلين ، فانّ أهل الباطل مهما اختلفت طرقهم وتعارضت عقائدهم وآرائهم فانّ طاعة الشيطان تجمعهم ، وحب الدنيا يوحدهم . وعلى كل حال يمكرون و يمكر الله والله خير الماكرين ، فلم يمكنهم الله من قتل عيسى (ع) ، ولكن رفعه إلى السماء وشبهه لهم ، وظنوا أنهم قتلوه ، قال تعالى : ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً *بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَـوْمَ الْقِيَامَـةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيـداً ﴾ ([95]).
وادخر الله سبحانه عيسى (ع) حياً إلى آخر الزمان ، وسينزل من السماء إلى الأرض - إن شاء الله - هادياً إلى الصراط المستقيم ، ووزيراً لخاتم أوصياء النبي المهدي (ع) عند قيامه بالحق وتطهيره الأرض من الشرك والإلحاد والظلم والفساد ونشر التوحيد والعدل والرحمة بين العباد)([96]).
هذا حال العلماء غير العاملين الذي لا يتبدل عند بعثة كل نبي أو وصي ، وقد رأينا فيما مر حالهم مع موسى (ع) ومن سبقه من حجج الله ، ولم يكن عيسى (ع) ليأتي قومه بغير ما جاء به خلفاء الله أقوامهم ، فقد جاءهم أيضاً بقانونه سبحانه في حججه : الوصية ؛ التي ذكره فيها من تقدمه من الحجج مبشرين به ، ولذا كان من اعترض عليه يدعي انتظاره . والعلم والحكمة ، قال تعـالى : ﴿ وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ ([97])، ورفع حاكمية الله نهجاً يدعو إليه : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) فلا طاعة إلا لله ولمن نصبه الله .
ولكنهم ورغم تلك البينات التي أتاهم بها كفروا به واتهموه بالسحر وحاربوه ، فكان من حاله ما رأيناه في النص أعلاه وهو مؤلم حقاً ، ولم يكن روح الله عيسى (ع) ليفارق أمته التي ما آمن منها إلا القليل دون أن يبشرها بسيد خلفاء الله محمد ، قال تعالى حكاية لقوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... ﴾ ([98])، مصدقٌ لمن قبله من الحجج ومبشراً بمن يأتي بعده ، وهي سنة الله في خلفائه التي لا تتبدل أبداً .
وقبل أن نشرع في بيان ما يرتبط بحال المعترضين على رسول الله أود الإشارة إلى نقطة ترتبط أيضاً بما اعترض به أدعياء العلم اليوم حول عدم معقولية مجيء وصي الإمام المهدي (ع) قبل أبيه الموصي وهو وإن تمت الإجابة عليه بمثل إبراهيم ولوط عليهما السلام ، وموسى وهارون عليهما السلام ، ورسول الله وعلي عليهما والهما السلام ، ولكن نريد إضافة شاهد رابع ؛ ليتبين للقوم بعدهم عن كتاب الله وسنن أنبيائه وحججه ، فانّ في عيسى بعد رفعه ووصيه شمعون شاهداً آخر على رد ما يزعمون وبعدم تعقله يتحججون ، أما كيف ؟
إنّ القوم في اعتقادهم بالإمام المهدي (ع) لا يعدون أن :
- يرون حال غيبته كحال عيسى والخضر عليهما السلام ، أي انه مرفوع ، فكما أنّ عيسى والخضر عليهما السلام مرفوعان ، فكذلك الإمام المهدي (ع) ، وهم في كثير من الأحيان يجيبون عن حيـاة الإمام (ع) لمن يستشكل على طولها بالتمثيل بحياة عيسى والخضر عليهما السلام ، وهذا معناه أنهم يعتقدون فيه ما يعتقدونه فيهما حتى وإن لم يصرحوا بذلك .
- أو يرون أنّ غيبته (ع) تعني انه مغيب في هذه الأرض ، ولكن مكانه وشخصه غير معروفين .
فإن كانوا يعتقدون بالإمام المهدي (ع) انه مغيب في هذه الأرض ، فجوابهم أن مجيء وصيه احمد الحسن (ع) رسولاً من قبله إلى الناس ونطقه وحجيته عليهم كحجية لوط (ع) في زمن إبراهيم (ع) ، وكحجية هارون (ع) في زمن موسى (ع) ، وكحجية علي (ع) في زمن رسول الله .
وإن كانوا يعتقدون به انه مرفوع ([99]) وحاله كحال عيسى (ع) ، فليجيبونا : من كان الناطق في زمن حياة عيسى (ع) وبعد رفعه ، ومن الحجة على الناس والمباشر لهم ؟ فإذا كان الوصي شمعـون (ع) يوم ذاك فهو وصي الإمام المهدي (ع) اليوم ، أو تقبلون ذلك في حجج الله من غير آل محمد وتنكرونه فيهم ؟! أو تقولون بقيت الأرض بلا حجة بعد رفع عيسى (ع) ، إذن نقضتم بديهية من بديهيات دينه سبحانه .
فانتم إذن محججون على كلا الفرضين ، ويبقى أنّ إنكاركم واعتراضكم على حجية وصي الإمام المهدي (ع) على الناس اليوم بوجود الإمام الحجة (ع) ما هو إلا دليل جهلكم بحجج الله السابقين وابتعادكم عن كتابه الكريم ، ومن أين لكم معرفة ذلك وقد شغفكم حب علوم أرسطو وفلاسفة اليونان ورجال أبي حنيفة وإلهيات المتصوفين وأصول فقه العمريين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

اللهم إجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... اللهم مكن للإمام المهدي عليه السلام ولإبنه ويمانيه وحبيبه أحمد الحسن في الأرض كما وعدتهما إنك لا تخلف الميعاد ... ربنا لا زغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ... ربنا ثبت قلوبنا على الحق ولو قل ناصره ... يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك الحق يا أرحم الراحمين ... اللهم فرج عن أخواننا في العراق بتعجيل فرج قائم آل محمد (ع). اللهم أحفظهم من بين يديهم ومن خلفهم بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به يا أرحم الراحمين.

والحمد لله وحده
سورة العصر .... وصلى الله على محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا.