معاوية قذر بقول شيخ البخاري:

يكفيه أنّ أباه (قائد أحزاب الشرك والكفر) ضد النبي (ص)، وأمه هند (العاهرة، آكلة الأكباد ونباشة القبور)، وعمّته أم جميل (حمالة الحطب)، وأخويه حنظلة وعمرو (اللذين يكبرانه سناً وماتا مشركين)، وخاله الوليد (المقتول على الشرك ببدر)، وجده من أمه وأخاه عتبة وشيبة (المقتولان على الشرك ببدر) ..... الخ.
وعلى أي حال، وصف شيخ البخاري (عبد الرزاق الصنعاني) معاوية بالتالي:
(.. سمعت مخلداً الشعيري يقول: كنت عند عبد الرزاق، فذكر رجل معاوية، فقال: لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان) [انظر: تفسير عبد الرزاق: ج1 ص20، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج9 ص570].
لذا، فإني أعتذر مقدماً عن ذكر معاوية (لعنه الله) في هذا البحث، لكن طمعاً في إنقاذ بعض المجهلين من قبضة أحفاده السفيانيين اليوم، الذين يوهمونهم بأنّ هذا القذر خليفة شرعي ويترضون عليه عند ذكره، بل أضفوا عليه لقب (أمير المؤمنين) العادل الذي تنعمت بعدله البلاد والعباد !!
والحقيقة، إنّ معاوية كان من الطلقاء الذين يقال إنهم أسلموا يوم فتح مكة. وهذا حاله كما يصوره ابن أبي الحديد المعتزلي:
(ومعاوية عند أصحابنا مطعون في دينه، منسوب إلى الإلحاد قد طعن فيه (ص)، وروى فيه شيخنا أبو عبد الله البصري في كتاب "نقض السفيانية" على الجاحظ، وروى عنه أخباراً كثيرة تدل على ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا في "مناقضة السفيانية". وروى أحمد بن أبي طاهر في كتاب "أخبار الملوك" أن معاوية سمع المؤذن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، فقالها ثلاثاً، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله ! فقال: لله أبوك يا بن عبد الله ! لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين!) [شرح نهج البلاغة: ج10 ص101].
ويكفيه عاراً أنّ عداءه لنهج حاكمية الله الذي بعث رسول الله (ص) لإرسائه، كان جهاراً فأعلن معاوية شعار (اعلُ هبل) عبر رفضه لما جاء به رسول (ص) واعتقاده بالملكية التي أجازت له توريث ابنه يزيد الرذيلة مقدرات الاسلام والمسلمين !!
ولا يخفى تمهيد من سبقه له، فمقولة (هذا كسرى العرب) التي يطلقها البعض لما كان يراه لها دور كبير في التأسيس لهذا النهج الأموي الذي أقصى الإسلام الحقيقي.
ولأنّ علياً (ع) كان هو الخليفة الإلهي الذي ما زال صوته (الله أعلى وأجل) يدوي في آذان عبدة هبل وطواغيتها، شرّع وريث العهر معاوية سبّه من على منابر الصلوات، التي ما كان لها أن تقام على شبر من الأرض لولا سيف علي (ع) وجهاده وتضحياته !!
أخرج مسلم: (عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك ان تسب أبا التراب ؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي) [شرح نهج البلاغة: ج10 ص101].
فهل من يحبّه الله ورسوله يشرع سبّه؟ وهل من كان منزلته بمنزلة هارون (ع) يشرع سبّه؟ وهل من كان يعتبره النبي (ص) نفسه بنص القرآن يشرع سبّه ؟
بكل تأكيد أنّ أقل ما يقال عن هكذا فعل أنه يؤذي رسول الله (ص)، كيف وهو القائل مراراً وتكراراً (من أذى علياً فقد آذاني)، ومن يؤذي رسول الله (ص) فقد آذى الله سبحانه، وحكمه هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً[الأحزاب: 57].
هذا، ولكن تعال انظر إلى وصية معاوية الخبيث للمغيرة عندما ولّاه الكوفة:
(أما بعد .. وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة لا تتحمّ عن شتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم) [تاريخ الطبري: ج4 ص188].
وقد طلب منه الامام الحسن (ع) الكف عن ذلك ولكنه لم يجبه كما يقول ابن الأثير:
(وكان الذي طلب الحسن من معاوية .. أن لا يشتم علياً فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به أيضاً) [الكامل في التاريخ: ج3 ص405].
لذا، ليس غريباً أن نسمع لعن هذا الخبيث وأبيه على لسان النبي (ص) كما ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي:
(عن نصر بن عاصم الليثي، عن أبيه قال: أتيت مسجد رسول الله (ص)، والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فقلت: ما هذا ؟ قالوا: معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد. فقال رسول الله (ص): لعن الله التابع والمتبوع، رب يوم لأمتي من معاوية ذي الاستاه، قالوا: يعنى الكبير العجز) [شرح نهج البلاغة: ج4 ص79].
وقال (ص) أيضاً: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) [شرح نهج البلاغة - للمعتزلي: ج15 ص176، تفسير القرآن - للصنعاني: ج1 ص24، سير أعلام النبلاء - للذهبي: ج3 ص149، وغيرهم].
وروى ابن مزاحم: (عن عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: "يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت وهو على غير سنتي". فشق علي ذلك وتركت أبي يلبس ثيابه ويجيء، فطلع معاوية) [وقعة صفين: ص220]. كما ثبت هذا الحديث بسند غاية في الصحة عند البلاذري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أيضاً.
ولا ينقضي عجبي ممن يدعي خلافة النبي (ص)، فإنه بدل أن يطبق ما أمر به (ص) رأيناه ثبّت حكم معاوية على الشام، كما فعل ابن الخطاب، وسار عثمان على نهجه وزاد !!
هذا الحكم، الذي ما فتئ صاحبه الخبيث عن حرب أولياء الله وسبهم وقتل خيرة عباد الله، ولو تجاوزنا ذكر إمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) لحسيكة في نفوس المنافقين، فلا أظن أنّ بوسعهم التنكر لقول النبي (ص) لعمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) [صحيح البخاري: ج3 ص207، مسند أحمد: ج3 ص91].
وبكل تأكيد أنّ آلاف القتلى من الفئة الباغية التي صار ابن أبي سفيان سبباً في إراقة دمهم، مصيرهم جنهم بنص قول رسول الله (ص)، وواضح أنّ من يكون مصيره النار فهو يقاتل تحت راية شعارها (اعلُ هبل) !!
وليس غريباً عن أسماع القراء قتل ابن هند لحجر بن عدي وأصحابه أيضاً، والذي صار يغرغر باسمه عند هلاكه:
قال ابن كثير: (وروى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل، قالها ثلاثاً. فالله أعلم) [البداية والنهاية: ج8 ص57].
وأما عهره وتهتكه وانحلاله الأخلاقي، فلا أعتقد يكفيه كتاب ضخم فضلاً عن مختصر بني عليه هذا البحث، ولكن هذا مثال منها وغيرها تأتي إن شاء الله:
قال المعتزلي في شرحه: (وأما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة، من لبسه الحرير، وشربه في آنية الذهب والفضة، حتى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء فقال له: إني سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الشارب فيها ليُجَرْجَر في جوفه نار جهنم، فقال معاوية: أما أنا فلا أرى بذلك بأساً ! فقال أبو الدرداء: من عذيري من معاوية ! أنا أخبره عن الرسول (ص) وهو يخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أبداً) [شرح نهج البلاغة: ج5 ص130].
وأما ابن عساكر، فروى: (عن عمر بن شبة قال: حدثت أن الأحنف بن قيس كان عند معاوية ليس عنده غيره، فغنت جارية من جواري معاوية في جانب الدار فأقبل على الأحنف فقال: يا أبا بحر لا تَرُمْ حتى أعود إليك، إني لأطلب خلوة هذه فما أكاد أقدر على ذلك ! ثم قام في أثرها فكأنما كانت لابنة قرظة امرأة معاوية عينٌ على معاوية فأقبلت به ملببته (تجره من رقبته) ! فقلت لها: أكرمي أسراكم ! قالت: أسكت يا قَوَّاد) [تاريخ مدينة دمشق: ج70 ص7].
وأما سرقته لأموال عباد الله، فأوضح من أن يُبيَّن، يكفي أنه وصل إلى ما وصل إليه بعد أن كان صعلوكاً لا يملك شيئاً، فقد روى أحبابه أنه تقدم لخطبة فاطمة بنت قيس فاستشارت النبي (ص) فقال لها: (.. وأما معاوية فصُعْلُوكٌ لا مال له) [صحيح مسلم: ج4 195].
وهذا حال عائلة أبي سفيان كما ترويه عائشة قبل أن يصبح ابنه كسرى العرب !! (عن عائشة: أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم ! فقال: خذي ما يكفيك ووُلدك بالمعروف) [صحيح البخاري: ج6 193].
وأخيراً: وجدت كلمة لشيخ وباحث تاريخي سني معاصر (حسن بن فرحان المالكي) رأيت فيها إنصافاً، وهو بالرغم من ولادته من رحم السلفية المعاصرة (الوهابية)، لكنه فلت من قبضتهم ومال إلى الاعتدال العلمي في بحوثه، إذ يقول عن معاوية:
(هناك "40" كبيرة على الأقل من أصل "70" كبيرة ارتكبها معاوية، ومروية في كتب أهل السنة بأسانيد صحيحة، التي لو ارتكبها غيره لكان الأمر في ذمه محل إجماع، لكن السلطة لها أثرها على الناس، فالأمر الذي أدى إلى تحسين صورته هو كونه "حكم الدولة" الإسلامية واستطاع بما أوتي من سلطة ودهاء ومال وأعوان أن يستخدم كل هذا في الدعاية لنفسه بأنه من خيار الصحابة ومن خيار الملوك وأنه المهدي وأنه من أقارب النبي، كما يفعل كثير من الحكام الظلمة عبر العصور) [بحث في إسلام معاوية بن أبي سفيان - المقدمة]. وينتهي في بحثه إلى عدم صحة إسلامه أصلاً بنصوص صحيحة في كتبهم.

المصدر : كتاب معركة عبادة هبل أو الله بين السفياني واليماني بقلم الاستاذ علاء السلام