بقايا عظمية متحجِّرة كشفت عن أقدم إنسان
عثروا عليه في كينيا وقدَّروا عمره بستة ملايين من السنين
وأسموه "إنسان الألفية"


بقلم خالص جلبي

في المؤتمر الصحافي الذي عُقِدَ في العاصمة الكينية في كانون الأول من العام 2000، قالت بريجِت سينو Brigitte Sénut، عضو فريق البحث، التي تعمل في قسم الباليونتولوجيا في متحف التاريخ الطبيعي في باريس: "إن ما عثرنا عليه لا يُعتبَر فقط الأقدم الذي كُشِفَ عنه حتى الآن، بل يلقي الضوء على المرحلة التطورية المتقدمة التي قطعتها فصيلة الإنسانيات Hominidés." هذا المكتشَف، الذي أعلنت عنه مجلة Der Spiegel الألمانية في عددها رقم 50 من العام 2000، أخذ مؤقتًا اسم "إنسان الألفية" Millennium Man، لأنه جاء مع الدخول في الألفية الثالثة بعد الميلاد. وهو يحقق قفزة زمنية مذهلة، إذ يكشف عن أقدم إنسان تمَّ التعرف إليه حتى الآن، بزيادة مليون ونصف المليون سنة عما حقَّقه الأنثروبولوجي الأمريكي تيم وايت Tim White، حينما كشف في العام 1994، في حوض أواش الأوسط في إثيوبيا، عن إنسان يافع عاش قبل 4.4 مليون سنة، وأعطاه اسم "القرد القادم من الأرض" Ardipithicus ramidus. وكان هذا الرقم هو أعلى رقم وصله سباق الأنثروبولوجيين. كان تيم وايت يومذاك بارعًا في تعبيره حينما قال: "لقد اقتربنا من الوصول إلى جذور الإنسان الأولى التي هي، على الأرجح، بين خمسة وسبعة ملايين سنة."
وقد جاء في التقرير العلمي أن هذا الإنسان كان يعيش في تلال توغن Tugen Hills، ويطل بنظره على البحيرة التي تواجهه، ويتغذى من خشاش الأرض ومما أفاء الله عليه من ثمار الغابة. كان يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا بقامة منتصبة، مسلحًا بذراعين جبارتين تسهِّلان عليه تسلق الشجر والقفز فوق أفنانها؛ لكن حركاته كانت في غاية الحذر والخوف أمام أعدائه من جيران الغابة، لا يرقبون فيه إلاً ولا ذمة؛ وكانت المنطقة غاصَّة بأصناف شتى من الحيوانات المفترسة، بين وحيد قرن غاضب ونمر شارد ولبؤة تتربَّص به ريب المنون. كان هذا المخلوق يمشي قبل ستة ملايين من السنين، في إهاب مغطَّى بشعر كثيف، في منطقة بارِنغو Baringo من كينيا الحالية. ومع نبش عظامه الراقدة في سكينة هذه الأحقاب الطويلة كلِّها، تمَّتْ مفاجأة العالم بقرينة مادية جديدة عن إنسان مجهول من أسلافنا الأوائل، حفظتْه الأرض لينطق من دون لسان.
كانت البقايا العظمية المتحجِّرة التي تمَّ انتشالها من طبقات الأرض العميقة من وادي ريفت Rift Valley مؤلَّفة من قطعتين لفكٍّ سفلي وثلاثة عظام فخذية قوية في حال سليمة. وقد أظهر العديد من أسنان القواطع والطواحن تشابهًا مثيرًا مع أسنان البشر الحاليين. وقد قالت سينو مع زميلها مارتن بِكفورد Martin Pickford، من فريق البحث العلمي الفرنسي–الكيني الذي عرض النتائج: "يبدو أننا أمام فصيلة إنسانية جديدة." ولو ثبت هذا الاستنتاج فسيكون "إنسان الألفية" الحدث الأكثر إثارة في تاريخ الباليوأنثروبولوجيا Paleoanthropology حتى الآن. وللتأكد من عمر العظام، فقد تم إرسال عينات للفحص إلى مختبرين مستقلين لتعيين عمر الأحفور fossil. وكانت النتيجة صاعقة: ستة ملايين من السنين! وهذا يعني، بحسب علماء الكود الوراثي، أن إنسان الألفية كان يمشي على قدمين في أفريقيا، في الوقت الذي يتوصل فيه تحليل الجينات بين الشمبنزي والإنسان (التي لا تزيد الفروق بينها عن 1%) إلى أن كلا الكائنين انشقا، في ذلك الوقت الضارب في غياهب الزمن، من جدٍّ مشترك سابق لهما.
ومن الضروري أن نعلم أن أبحاث الأنثروبولوجيا والباليونتولوجيا تقرِّر اليوم أن الكائنات مرت في رحلة تطورية؛ ومع كلِّ مرحلة، كان يخرج كائن أشد تميزًا. وفي النهاية، انشقت فصيلة الكائنات الإنسانية Hominids، التي شقَّت طريقها وحدها، ولم تأتِ من القرود، كما يظن البعض؛ بل إن هذه الكائنات والقرود خرجت من كائن بدائي سابق لهما، لعلَّه "مفترس الحشرات". وإذا نظرنا إلى خريطة الخلق الإلهي، لوجدنا برمجة في غاية الجمال: حيث يخرج من كلِّ غصن كائن جديد. وأما القرود فقد خرجت، بدورها، على دفعات، ومن أغصان شتى من شجرة الخليقة؛ منها قردا الأورانغ أوتان والغوريلا، أو في دفعتها الأخيرة، الشمبنزي الذي يعود إلى حوالى سبعة ملايين من السنين.
هذه المعلومات أحدثت ما يشبه الزلزال حينما عُرِضَتْ للمرة الأولى في أوروبا في العام 1859، لدى صدور كتاب أصل الأنواع لداروِن – وكان بدائيًّا جدًّا. وداروِن نفسه كان سيصاب بحسرة شديدة لو رأى إلى أين وصلت العلوم اليوم! إذ لم تكن آنذاك حزمة العلوم الإنسانية المساعدة قد تطورت بعد، مثل الأركيولوجيا والأنثروبولوجيا والباليونتولوجيا وعلم الألسنيات، أو مثل تقدير عمر الأحافير بتقنية الكربون 14 أو بتحول البوتاسيوم إلى إرغون، حيث يمكن تقدير عمر أيِّ أحفور يتم العثور عليه، ويمكن القضاء على أية محاولة إيديولوجية كاذبة، من نحو ما عُرِفَ في مطلع القرن الماضي بفضيحة "إنسان بيلت داون" Pilt Down، حيث زعم الأركيولوجي البريطاني الهاوي تشارلز دوسن Charles Dawsonأنه كشف عن "الحلقة المفقودة" Missing Link بين القردة والبشر في ولاية سَسِكس Sussex البريطانية – ولم تكن أكثر من جمجمة عادية، أضيف إليها فكُّ قرد من نوع أورانغ أوتان؛ وبقيت هذه "الكذبة العلمية" منطلية على ذقون الناس لمدة 41 عامًا (1912-1953).
وإذا كانت فصيلة الإنسانيات Hominids قد انشقت في غصن خاص بها في أثناء الرحلة التطورية، فهي لم تأتِ من القردة. كذلك فإن هذه الفصيلة، بمقتضى القانون التطوري نفسه، لم يكتمل شكلُها دفعة واحدة. وهكذا نعرف اليوم أن ما لا يقل عن عشرة أنواع من الإنسان ظهرت على وجه الأرض، واختفت تمامًا، قبل أن يظهر الشكل النهائي المسمَّى "الإنسان عاقل العاقل" Homo sapiens sapiens – وهو شكلنا الحالي – ويسود البسيطة. وكان آخر الأشكال الإنسانية التي عمَّرت البسيطة قبل 150 ألف سنة، ثم اختفى قبل 35 ألف سنة، هو "إنسان نياندرتال"Neanderthal، الذي اكتُشِفَ للمرة الأولى بجانب مدينة دوسلدورف الألمانية على يد يوهان فوهروت Johann Fuhrott.
إن الرحلة ماضية قُدُمًا، والحياة الإنسانية قصيرة قياسًا إلى رحلة الحياة، إذا عرفنا أن الحياة أصبح لها من العمر 3.8 مليار سنة، بإزاء وجود الإنسان منذ خمسة أو ستة ملايين من السنين. واحتمال أن يتغير شكلنا أو يتطور دماغنا إلى شكل اكتمالي أفضل وارد، كما حصل مع نموِّ القشرة الدماغية المتواصل. ويشهد على هذا تطور دماغ الطفل بعد خروجه من الرحم: فبعد أن كان عند الولادة 750 سم3 (أي حوالى نصف كتلة الدماغ الإجمالية)، فإنه ينمو يوميًّا بمقدار سنتمتر مكعب واحد بعد خروجه من الرحم، حتى يصل إلى حجمه الوسطي المعتاد (حوالى 1350 سم3) بعد 12 شهرًا آخر. وهذا هو السبب في لين جمجمة الطفل وعدم التحام دروزها قبل مرور سنة، حتى يتمكن الدماغ من إكمال حجمه. أي أن اكتمال نضج الدماغ، لو تقرَّر حدُّه في الرحم، لوجب أن يبقى الجنين ما يقرب من سنتين في ظلمات ثلاث، ولما أمكن له الخروج من الرحم بهذا الحجم العرطل.
الحياة، إذًا، مبنية على البرمجة والتطور، خلقًا من بعد خلق. وهذا الموضوع لا علاقة له بكفر أو بإيمان، كما فعلت الكنيسة ضد داروِن، أو ما فعلته لجنة التدريس في ولاية أمريكية العام الفائت من تحريم تدريس مادة التطور البيولوجي والانفجار العظيم في موادها. كلُّ ما في الأمر أنه كما أن الإرادة الإلهية بَنَتِ الوجود في ستة أيام، كذلك الحياة بنتْها أطوارًا. وقانون الحياة يقوم على الزيادة: "يزيد في الخلق ما يشاء"؛ وبناء الكون ماضٍ، لم ينتهِ بعد: "ويخلق ما لا تعلمون". ويمكن لأشكالنا الحالية أن تتغير في رحلة تطورية جديدة، إذا علمنا أن ما تبقى من عمر الشمس يناهز خمسة مليارات من السنين. ويمكن أن يحصل تطور جديد على كياننا في ما نستقبل من ملايين السنين المقبلة. ولقد تعرض ابن مسكويه، كما نقل عنه ذلك الفيلسوف محمد إقبال في كتابه تجديد الفكر الديني، وكذلك ابن خلدون في مقدمته، إلى شيء من هذا القبيل، عندما اعتبر أن الكون متدرِّج، بحيث يتصل أفق كلِّ وجود بعتبة المستوى الذي بعده، كما في نهاية الشجر من النخيل باقترابها من أول عالم الحيوان (الحلزون)، ثم انتهى إلى تقرير أن هناك استعدادًا خفيًّا، بحيث يتحول أفق كلِّ مستوى إلى العتبة التي بعده.
إن قصة الكشف عن تاريخ الإنسان مثيرة، بدأت منذ 150 سنة تقريبًا. وكانت هناك حيرة حول عمر الأرض والإنسان والحياة، بل والكون: هل هو أزلي أم أن له نقطة بداية؟ واليوم نعرف أن عمر الكون حوالى 15 مليار سنة، وعمر الأرض 4.6 مليار سنة؛ وقد بدأت الحياة قبل 3.8 مليار سنة. أما عمر الإنسان فلم يحدَّد تمامًا بعدُ، وإن كانت الخطوات تمشي حثيثة نحو اكتشاف جذور الرحلة الإنسانية في حدود سبعة ملايين من السنين. ولعل أكثر الكشوف إثارة ذلك الذي توصل إليه دونالد جوهانسون Donald Johanson في العام 1974، وأعلن عنه في العام 1978، حيث عثر على 40% من هيكل أنثى تمشي منتصبة، عاشت قبل 3.2 مليون سنة، بطول 120 سم وبحجم 450 سم3 للجمجمة. لقد طغى الفرح ليلتئذٍ على فريق الكشف، فشربوا الأنخاب، واستمعوا طوال الليل إلى موسيقى البيتلز، الذين تقول إحدى أغنياتهم: "لوسي في السماء ومعها الماس"، فأطلقوا على المكتشَف اسم هذه الأغنية، ومازال يُعرَف باسم "لوسي" Lucy. ولقد رأيت شخصيًّا نسخة عنه في متحف التاريخ الطبيعي في باريس.
واليوم، بين "إنسان الألفية" الذي تمَّ الكشف عنه وبين الإنسان المعاصر، مرت أشكال شتى من فصيلة الإنسانيات؛ ولم يكن شكلنا الأخير المستقر إلا مخاضًا عسيرًا لحوالى 11 نوعًا مرت على الأرض وانقرضت، واحتفظت طبقات الأرض بذكراهم من هياكل عظمية وهي رميم. ونعرف اليوم أنواعًا منهم، مثل الـHomo erectus ("الإنسان المنتصب") والـHomo habilis ("الإنسان الماهر") و"إنسان جاوة" و"إنسان هايدلبرغ" والـAustralopithicus africanus والـAustralopithicus robustus، بالإضافة إلى ما ذكرنا. ويبدو أن منطقة شرق أفريقيا، بطبيعتها الجافة، هي التي حفظت العظام أكثر من غيرها؛ لذلك تُعَدُّ من أغنى مناطق العالم بالبحث الأنثروبولوجي. وقد حجز فيها تيم وايت، بتمويل من ثرية أمريكية، قطعة أرض مساحتها 600 كم2، وفيها دشَّن كشفه قبل سنوات.
واليوم تتضافر حزمة من العلوم للوصول إلى آدم وحواء – أبوينا – ومن أين خرجا، كما يفعل روبرت بالارد Robert Ballard في محاولته التوصل إلى الكشف عن سفينة نوح على حواف البحر الأسود. ويلعب علم النظائر المشعة isotopes دورًا مهمًّا في تحديد عمر الطبقة الصخرية التي يتم كشف العظم فيها؛ فمن عمرها يأخذ العظم تاريخه. وبواسطة تقنية الكربون 14 يمكن تحديد عمر الأشياء حتى 57 ألف سنة، باعتبار أن انقضاء نصف عمر تحول نظير الكربون C14 (الذي تحوي نواته ستة بروتونات وثمانية نترونات) إلى نتروجين (آزوت)، بنواة فيها سبعة بروتونات وسبعة نترونات، بعد تحلُّل نترون واحد إلى بروتون وإلكترون، يحتاج إلى 3750 سنة. أما فيما يتعلق بتحول نظير البوتاسيوم إلى إرغون، فنصف حياة التحول في ذراته يبلغ مليار وربع المليار سنة. أي أنه يمكن معرفة عمر أيِّ شيء حتى مدة تزيد عن 12 مليار سنة؛ وهي، عمليًّا، منذ خلق العالم بالانفجار العظيم Big Bang آنذاك. فهذه التقنيات المعتمِدة على الكربون 14 واليورانيوم والبوتاسيوم تُعتبَر ساعة كونية أدق من أية ساعة تمَّ تركيبها حتى الآن. وبواسطة هذه الساعات التي تعمل عبر الأحقاب يتم تحديد عمر "إنسان الألفية"، أو بدايات عديدات الخلايا، أو حتى عمر الأرض.

عن الشرق الأوسط، الأربعاء 17/1/2001، العدد 8086

المصدر: معابر