بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على محمد وال محمد الائمة والمهديين وسلم تسليما

العراق تايمز: كتب الشيخ مرتجى الساعدي..
عند أول وهلة يستغرب ويتعجّب ويستنكر القارئ من مثل هذا السؤال، وهل تكون الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) غير راضية عن عالم من علماء آل محمد (عليهم السلام) فضلاً عن مرجع من مراجع الدين؟ ولكن سأترك خيار الحكم على هذا السؤال لك عزيزي القارئ بعد أن أجعل بين يديك بعض المقدّمات المهمّة.
فقد روي عن الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) أنه قال: (حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقالت: إن لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة (عليها السلام) عن ذلك، فثنت فأجابت ثم ثلثت إلى أن عشّرت فأجابت ثم خجلت من الكثرة فقالت: لا أشق عليك يا ابنة رسول الله، قالت فاطمة: هاتي وسلي عما بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟ فقالت: لا. فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليّ، سمعت أبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلة من نور ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: أيها الكافلون لأيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله)، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم حتى أن فيهم يعني في الأيتام لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم، ثم إن الله تعالى يقول: أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتموا لهم خلعهم، وتضعفوها لهم فيتم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم، ويضاعف لهم، وكذلك من يليهم ممن خلع على من يليهم. وقالت فاطمة (عليها السلام): يا أَمَة الله إن سلكة من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة وما فضل فإنه مشوب بالتنغيص والكدر).
ففي هذه الرواية الشريفة الكثير من الأمور المهمّة التي تستحق الوقوف عندها منها:
1- قول الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) : (اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليّ) إنّ جواب العالم على كل مسألة من مسائل الشريعة الإسلامية مهما كانت طبيعة المسألة له من الثواب والأجر ما لا يصدّقه عقل الإنسان العادي بحيث أن الأجر توصفه الزهراء (عليها السلام) بوصف مادي محسوس لتقرّب لنا الثواب المعنوي البعيد عن ادراك عقولنا القاصرة بأنّه أكثر من ملء ما بين الأرض إلى العرش لؤلؤاً، وهذا أجر وثواب مسألة واحدة فيا له من ثواب عظيم يزداد بقدر زيادة عدد الأسئلة والأجوبة، فيا لها من فرصة عظيمة لعلماء الدين والشريعة لكي يبلغوا منازل الرفعة والكمال والكرامة العليا.
2- ومنها قولها (عليها السلام): (سمعت أبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله) تبيّن لنا الزهراء (عليها السلام) أنّ درجات علماء شيعة آل محمد (عليهم السلام) متفاوتة فيما بينها وهذا التفاوت مبني على أساسين مهمّين متلازمين وهما كثرة العلوم وجدّ هؤلاء العلماء في إرشاد عباد الله إلى طريق الهداية والصلاح، فإنّ كثرة العلوم وحدها لا تنفع العلماء في نيل درجات الكرامة – بقرينة صدر الرواية فإنّ الزهراء (عليها السلام) لم تمل ولم تضجر من كثرة أسئلة تلك المرأة عليها- بل لابد من ضمّ كثرة تلك العلوم إلى جدية العلماء في إرشاد عباد الله.
3- ومنها: وتقول الزهراء (عليها السلام) عن أبيها صلوات الله عليه (نور ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: أيها الكافلون لأيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله)، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم) فإنّ هذا النداء الإلهي لعلماء شيعة آل محمد (عليهم السلام) بأنّهم الكافرون لأيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله)، لأنّ هؤلاء الأيتام تيتّموا بسبب انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم (عليهم السلام) ففي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (أشد من يُتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه... ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى).
وهل هناك وصف أدقّ وأكمل وأشرف لعلماء شيعة آل محمد (عليهم السلام) من هذا الوصف (الكافلون لأيتام آل محمد (عليهم السلام)) فعلماء الشيعة هم الذين يكفلون شيعة آل محمد (عليهم السلام) وذلك بهداية وإرشاد وتعليم الشيعة الشريعة الإسلامية الحقّة وتطبيقها في الواقع العملي المُعاش.
أوضحت الزهراء (عليها السلام) في هذه الرواية بأنّ وظيفة العلماء هي هداية وإرشاد وتعليم أحكام الشريعة الإسلامية لأيتام آل محمد (عليهم السلام) ودرجات كرامة هؤلاء العلماء على قدر كثرة علومهم وجديّتهم في الهداية والإرشاد لأنّ كفالة الأيتام تحتاج إلى هذه الوظائف الربّانية.
فإذا جاء بعد ذلك عالم من علماء آل محمد، يقف بفعله موقفاً معارضاً لهذا الحديث الشريف، وبالطبع لن يستطيع أي عالم أن يرفض هذا الحديث رفضاً علمياً مفاهيمياً (سنداً ودلالة) ولكنه يرفضه رفضاً عملياً مصداقياً، فيقول هذا العالم بلسان حاله وفعله لنعلم على تقليل عدد الأسئلة الموجّهة إلى علماء الشيعة ما استطعنا إلى ذلك من سبيل ولنحتفظ فقط بزيادة العلوم في عقول العلماء ولتبقى هذه العلوم سراً فيما بين العلماء ولا تصل أيدي الناس وعقولهم إليها وحتّى تنطلي هذه الفكرة على الناس فلنحول بعضها (الرسائل العملية) إلى رسائل علمية فقط ولا يمكن أن تكون عملية على مستوى التطبيق الفعلي لعموم الناس.
وكذلك يقف نفس هذا العالم موقفاً رافضاً لحديث فاطمة الزهراء (عليه السلام) بأنّه لا يمكن للعلماء أن يكونوا جدّيين في هداية وإرشاد الناس (عباد الله) إلى أحكام الشريعة الإسلامية الحقّة لأنّ هناك موانع كثيرة تحول دون ذلك وبالتالي سيكون هذا العالم ومن يقف موقفه من الذين لا يمكنهم كفالة أيتام آل محمد الذين انقطعوا عن إمامهم.
عندئذٍ فهل ستكون الزهراء (عليها السلام) راضية عن هذا العالم الذي يقف موقفاً معارضاً لهذا الحديث الشريف الذي لا يقبل الشكّ بأنّه صدر عن ينبوع العلم والحكمة المحمّدية الإلهية؟! فبماذا تحكم على هذا العالم أيّها القارئ؟؟!
نعم.. نقولها بصراحة شديدة وبكل أسف ونحمل في صدورنا الألم والحسرة أنّ أحّد علماء النجف الأشرف بل ومرجع من مراجع الدين الأفاضل بل يسمّى بالمرجع الديني الأعلى قد وقف موقفاً معارضاً لحديث السيدة الزهراء (عليها السلام) وذلك عندما رفض إقرار قانوني الأحوال الشخصية والقضاء الجعفريين مع أنّ كل مراجع الدين في النجف الأشرف وكربلاء وكل علماء شيعة آل محمد قد قالوا كلمتهم لأنّ هذين القانونين يمثّلان الطريق الصحيح والمنهج الحق في تربية المجتمع العراقي على أسس الشريعة الإسلامية القويمة وعلى مبادئ الحوار والانفتاح على الآخرين وديمقراطية الرأي والرأي الآخر.
وهل يعلم المرجع الديني الرافض لهذين القانونين كم من الأسئلة الشرعية التي لا يحصي عددها إلاّ الله سبحانه وتعالى ستطرح في المحاكم الجعفرية ودوائر الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري؟! وكم سيكون ثواب من يجيب على هذه الأسئلة الشرعية؟! وكيف ستكون منزلة العلماء ودرجاتهم عند الله سبحانه وتعالى عند خلع هذه الكرامات عليهم كما ورد في الحديث الشريف لفاطمة الزهراء (عليه السلام)؟!! وهل معارضة هذا المرجع الديني إلاّ معارضة لهداية وإرشاد عباد الله إلى الشريعة الإسلامية الحقّة وخاصة إذا تعلّق الأمر بشؤون حياتهم الشخصية من زواج وطلاق وميراث ووصايا وغيرها من الأحكام وخاصة أحكام القضاء الشرعي.
وهل سيكون هذا المرجع الديني من الذين يكفلون الأيتام (أيتام آل محمد)؟ أم سيكون هذا المرجع الديني من الذين يأكلون أموال اليتيم ظلماً والعياذ بالله لأنّه سيكون ترك كل هذه المصالح من المفاسد التي يحمل وزرها هذا العالم ويحمل وزر من عمل بها (هذه المفاسد) إلى يوم القيامة (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً...) (النساء/10) فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فمتى تستيقظ هذه الأمة الإسلامية من سباتها وغفلتها وترفض من رفض حديث فاطمة الزهراء (عليها السلام) حتى يعود ذلك العالم إلى وعيه ورشده؟! (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) (الصافات/24)