بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما
السلام عليكم اخوتي مرتادي هذه الصفحة ورحمة الله وبركاته
وعظم الله أجوركم بمصابنا بأبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين(ص)

كيف نصلح ذات بيننا؟


قال تعالى{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}(الفتح/29).


لمن أنار الله سبحانه قلبه بنور علمه وجعله من المتوسمين أدعوه إلى التوسم في هذه الآية الكريمة العظيمة الشأن :
أولا : الآية في سورة الفتح، تذكروا قول الحسين(ص) : من لحقني استشهد، ومن لم يلحقني لم يدرك الفتح.


ثانيا : رقم الآية (29)، وكما تعلمون حروف العلم الظاهرة هي ثمان وعشرون حرفا عند آل محمد(ص)، يبث منها القائم(ص) سبع وعشرون حرفا بين الناس، ويبقى حرف عندهم، والحرف التاسع والعشرون هو حرف الغيبة وهو الحرف المخزون المكنون عند الله الذي لم يخرج منه إلى غيره، ولا يعلمه أحد من خلقه، وهو سر غيبة الكنه والحقيقة، وبه يعرف العبد أنه عاجز عن المعرفة من دون هذا الحرف .... (لمن شاء الاستزادة والمعرفة أكثر فليراجع كتاب التوحيد للإمام أحمد الحسن(ص) : ص15-16).


فهذه الآية الكريمة كأنها تقول لقارئها أن أنصار الله هم أولئك الموصوفون فيها، وبتلك الصفات التي يترجمونها حقا وصدقا وعملا يكونون قد بلغوا الفتح ويكونون من أهل مقام المعرفة الحقة وهي (معرفة العجز عن معرفته) أي من أهل الحرف (29) من المعرفة، والله سبحانه ورسوله(ع) العالم.


الآن نأتي إلى ما يوصف به أنصار الله في الخلق، وهم أنصار الله سبحانه حقا :
أولا: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ؛ وأقرب الكفار وأولهم للمرء نفسه الأمارة بالسوء، ولذا ينبغي أن تكون الشدة معها ابتداء، ومن لم ينجح بالشدة على نفسه فقطعا هو فاشل في الشدة على غيره ، فشدة مجاهدة النفس أعظم وأكبر من مجاهدة الآخر الكافر.

ثانيا: رُحَمَاء بَيْنَهُمْ؛ لينون بينهم لا ترى الغلظة فيهم، كل مؤمن منهم يرى نفسه عتبة لأخيه يسحق عليها ليدخل دارة القدس والطهر، ورحمتهم صورة لرحمة سيدهم، قال تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران/159).

ثالثا: تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً؛ لا وجهة لهم غير قبلة الله سبحانه، ولا غاية لهم دونه، فهم مشغولون به حتى أنفاسهم لا تفتر تسبح بحمده وتقدس له.

رابعا:
يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ؛ يطلبون الثبات وزيادة، قال تعالى {... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}(طه/114).


خامسا:
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، توهم البعض وراح يضع على جبهته علامات تشي بكثرة السجود على التربة أو على الأرض ظنا منه أنه بذلك يدخل في زمرة الموصوفين، ومن هذا الفعل نقرأ أمورا عدة منها على سبيل المثال لا الحصر:
1-
اعتراف أولئك بعظيم مقام الموصوفين، ولولا ذاك لما فعلوا ما فعلوا.
2-
ظنوا أن الأثر موضعه الجسد فراحوا يسمون عليه، ولم ينتبهوا أن الأثر موضعه النفس والعمل، فأثر السجود موضعه ليس مقدم الجبين الجسدي بل موضعه عمل العامل، ولذا فالسجود هنا رمز لطاعة الإمام(ع)، رمز لطاعة خليفة الله، ولذا فحتى المصداق الواقعي من وضع مقدم الجبين على الأرض هو ليس له دلالة بذاته، وإنما دلالته بالامتثال لأمر الله سبحانه وتقليدا لعمل الرسول(ص)، ولذا فكل الساجدين الذين غاب عنهم هذا الفهم هم مصداق لقوله تعالى {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}(الرعد/15)، فالعارف يسجد طوعا، والجاهل يسجد كرها، والجاحد يسجد كرها، فكل من الجاهل والجاحد هم يسجدون لأن السجود هو رمز للطاعة ولا يوجد بشر لا يطيع جهة من الجهات، وكل هذه الجهات اتخذت من السجود رمزا للطاعة، فإذن كل ساجد هو مطيع وهو بذلك يشهد بسجوده على أحقية هذا الفعل، ومن ثم أحقية من شرعه، والذي شرعه على الخلق ابتداء هو الله سبحانه.


أما مسألة الجهة أو القبلة التي يسجد لها فهو هنا مكلف مختار، إما أن يسجد لوجه الله في الخلق وهو خليفة الله في كل زمان، أو يسجد لغيره، فهو في الحالين ساجد لله سبحانه، ولكن سجود العارف لخليفة الله هو السجود الطوعي، أما الساجد لغير خليفة الله فهو منفذ للسجود الذي أقره الله سبحانه، فهو ساجد لله سبحانه ولكن سجوده كرها ورغم أنفه، ولو استطاع أن لا يسجد لما سجد، ولكن ليس بوسعه غير السجود، فنفذ ما ارد الله سبحانه من جهة، وعصى الله سبحانه من جهة ثانية بسجوده (طاعته) لغير خليفة الله.

3-
إن السيماء الحقيقي يظهر بالاتباع والعمل، وليس بوضع العلامة على مقدم الجبهة، قال تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(آل عمران/31)، إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والسجود هو التعبير الأمثل عن الطاعة الكاملة التامة، ومن ثم فمقام الحب الحقيقي هو مقام الطاعة الكاملة التامة.

4- ولنتدبر قوله سبحانه (وظلالهم بالغدو والآصال) فالظل بدو ظهوره من أول الصباح ويمتد إلى ما قرب الغروب عند الأصيل، وطوال هذا الزمن ظلالهم ملتصقة بالأرض معبرة عن السجود الدائم، وشاهدة عليهم أنها طائعة لربها سبحانه برضا صاحبها أو برغم أنفه ولا يملك لدفع تلك الظاهرة سبيلا أو يحرفها عما أراده الله سبحانه لها.
وللحديث بقية إذا صدقت النية ووفق الله سبحانه لذلك.
والحمد لله وحده وحده وحده.