أمسية سومرية حول ملحمة جلجامش للدكتور خزعل الماجدي في المركز الثقافي العراقي بلندن

بتاريخ : الثلاثاء 22-10-2013 10:27 مساء



صمــت وخشــوع فــي حضــرة جلجامــش العــراق

وحيدة المقدادي

في واحدة من أكثر أمسيات المركز الثقافي العراقي غزارة بالمعرفة الرافدينية، وزهوا وأعتزازا بالعراق، حل المؤرخ والباحث الدكتور خزعل الماجدي في الثاني عشر من الجاري ضيفا قادما من هولندا على جمهور المركز الثقافي العراقي بلندن حيث أستمع اليه جمهور المركز بصمت

وخشوع وهو يحاول تقديم قراءة رمزية داخلية متعمقة لملحمة جلجامش التي أكد أنها تزداد أهمية بمرور الزمن ويصدر عنها ما لا يقل عن مئة كتاب سنويا في أنحاء العالم.

أوضح المحاضر بداية أن جلجامش شخصية حقيقية وليست أسطورية أو خيالية، فهو خامس ملوك السلالة الحاكمة الأولى في مدينة (أوروك) التي تعد أقدم مدينة بعد الطوفان العظيم المذكور في الكتب المقدسة. وهي المدينة التي شهدت القفزات التطورية في الذهن البشري حينما أخترع العراقيون الأوائل الكتابة وظهرت أولى الألواح المسمارية (3200 قبل الميلاد) حيث وجد المنقبون في معابد مدينة (أوروك) ألواحا طينية تتحدث عن التبادلات الأقتصادية الجارية في المحاصيل والغلال الزراعية والمواشي ويتضح هذا من وجود رسوم للسنابل والخراف على الألواح الطينية التي صُنعت من تربة وادي الرافدين الخصبة.

وأوضح الدكتور الماجدي في سياق محاضرته التي أمتدت لوقت متأخر من المساء، أن معنى كلمة (جلجامش) هو الرجل السيد البطل، وأشار الى أعتقاده بوجود تشابه بين كلمة (الجاموس) المستخدمة في العراق وبين كلمة (جلجامش) أو (جلجاموش) حيث أن قوة جلجامش الجسدية الهائلة تشابه قوة حيوان الجاموس الذي أستخدمه السومريون بكثرة وظهرت رسومه في الألواح المسمارية. ويُعتقد أن الملك (جلجامش) حكم لمدة 26 عاما.

ولفتَ المحاضر أنظار الجمهور الى حقيقة أن ما نقرأه اليوم من الملحمة يشكل ثلاثة أرباعها فقط، وأن ربعها الأخير يبقى مجهولا، متمنيا أن يعثر علماء التنقيب من العراقيين يوما ما على ذلك الكنز المفقود.!

تقوم ملحمة جلجامش على شيئين هما: فكرة العَود الأبدي، أي العودة الى الأصول المقدسة في العقيدة حيث يجد الفرد فيها الراحة والسكينة والطمأنينة، والأمر الثاني الذي تقوم عليه الملحمة هو فكرة الصراع بين العقائد الشمسية (الذكرية) والعقائد القمرية (الأنثوية) التي تطورت عبر الأزمان وتأرجحت بين غلبة الأولى على الثانية أو العكس، وذلك تبعا لتطور معرفة الأنسان بالكون والحياة وفهمه لدورالرجل والمرأة، فقد غلبت العقائد القمرية (الأنثوية) في المرحلة الممتدة بين (8000 – 5000 عام قبل الميلاد) حيث كان الرجل يعتقد في هذه الحقبة أن المرأة هي الأقوى والأهم في الحياة، فهي التي تُنبت الأرض عندما يذهب الرجل الى الصيد وهي التي تحمل الجنين في بطنها فهي بالتالي تتمتع بقوة كونية جبارة لا يفقهها الرجل، وأصبحت المرأة كالآلهة المقدسة وبالتالي فقد آلت السيادة للعقائد القمرية (الأنثوية) وهكذا أستمر الحال لعدة آلاف من السنين حتى عادت السيادة للرجل وتغلبت العقائد الشمسية (الذكرية) عندما عرف الرجل (في الحقبة بين 5000 – 3000 عام قبل الميلاد أو ما يعرف بالعصر النحاسي نظرا لإكتشاف النحاس) عرف الرجل في هذه الحقبة أنه هو مصدر الحمل والإنجاب الذي يحدث في جسد المرأة، فأصبح يقدس المني ويربط بين المني وبين السماء حتى أن هناك قصيدة عن (أنليل) الذي يخصب الأرض بمنيه، ومن هنا حدث الإنقلاب العقائدي وعادت السيادة للعقائد الشمسية التي تعدّ ذكرية وأنتصرت على العقائد القمرية التي تعدّ أنثوية. ويوجد في ملحمة جلجامش العديد من الرموز الذكرية الشمسية والرموز القمرية الأنثوية.


ومن هنا تتضح عظمة ملحمة جلجامش. فهي ليست ملحمة أدبية كتبها فرد وفقا لرؤيته الفردية للعالم، وأنما هي ملحمة نسجت خيوطها من نضح السنين ومن (اللاوعي الجمعي) للشعوب بكل عمقه وشموليته ورهبته وجماله.

ويرى الدكتور الماجدي أنه ليس هناك مثيل لهذه الملحمة لدى أي من الحضارات الأخرى لا الفرعونية ولا الصينية أو الهندية أو الأغريقية. ولا توازيها ملاحم الإلياذة والأوديسا التي كتبها فرد واحد هو الشاعر الأغريقي هوميروس، فملحمة جلجامش كتبها كهنة وشعوب وظلت تُصاغ على مدى ألف عام من زمن وقوعها (وهو زمن حكم الملك جلجامش في 2750 قبل الميلاد).

وعبر المحاضر الدكتور خزعل الماجدي عن عميق إعتزازه بهذا الإرث الرافديني الهائل الذي لانظير له في تاريخ البشرية بل هو أصل البشرية، مشيرا الى أننا كورثة لهذا التاريخ العظيم لسنا بعد على قدر المسؤولية، ذاكرا أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت في عام 986 قد أحتفلت بـ(اليوم الوطني لإتمام القاموس السومري).. فهكذا هو الأمر لديهم، ونحن أولى به.

لم يترك إسترسال المحاضر في الحديث عن معشوقته ملحمة جلجامش من الوقت إلا قليلا ليستثمره مقدم ومدير الندوة الناقد والقاص عدنان حسين أحمد في إتاحة الفرصة للحضور للتعبير عن آرائهم وتساؤلاتهم، بل الأحرى إنبهارهم بهذا الفيض المعرفي الهائل الذي تفجر على أرض المركز الثقافي العراقي بلندن من بين يدي واحد من أعلام العراق ورجالاته البررة.