الكَرَم يؤدي لنجاح تطوري حسب ما يفيد به علماء الأحياء

مفاهيم رئيسية:-

1. نظرية الألعاب: و هي دراسة إسترايتيجة الفرد في إتخاذ القرار أو دراسة النماذج الرياضية للخلاف و التعاون بين صُناع قرار يمتازون بالذكاء و العقلانية و تستخدم هذه النظرية في مجالات البايولوجيا و العلوم السياسية و المنطق و الإقتصاد .

2. معضلة السجين Prisoner's Dilemma: مثال شائع للعبة تحللها نظرية الألعاب وفيه يتم تفسير سبب إحتمال عدم تعاون شخصين حتى و إن كان من الأفضل لهما أن يتعاونا و تتلخص في مثال عن شخصين مسجونين هما A و B كالآتي:

- إن اعترف A و B كلاهما بالجريمة فسيحكم عليهما بالحبس معًا لمدة سنتين.
- إن اعترف A و أنكر B فسيُطلَق سراح A و يُحبَس B لثلاث سنوات و العكس صحيح.
- إن أنكر كلاهما الجريمة فسيحبسان معًا لمدة سنة.

و لأن خيانة شريكك بإعترافك ضده يجلب لك نفعاً أكثر من التعاون معه. فسيقرر كل السجناء العقلانيين بأن مصلحتهم تكمن في خيانة شركائهم و مما يثير الإهتمام في هذه النتيجة هو أن السعي وراء المصلحة الشخصية يؤدي للنفعٍ و كنتيجة منطقية لخيانة الشركاء و لكن المردود الإيجابي سيكون أكبر في حالة تعاون كلا الشريكين و إنطلاقًا من الواقع يبدي البشر تحيزًا منتظماً تجاه السلوك التعاوني و نفس الشيء ينطبق على هذه النظرية.
__________________________________

قَدَّم علماء الأحياء في جامعة بنسلفانيا تفسيرًا رياضيًا لسبب تطور الَكَرم و التعاون في الطبيعة و استند هذا العمل على النتائج الرصينة التي خرج بها الإقتصادي جون ناش و التي ساهمت أعماله في تعزيز (نظرية الألعاب) عام 1950، بالإضافة لعلماء بيولوجيا أمثال وليام برس والفيزيائي و الرياضي فريمَن دايسون و الذي توصل إلى تحديد صنف جديد من الإستراتيجيات اللازمة للنجاح بالنسبة لمثال معضلة السجن.



اختبر الباحثان ألكسندر ستيورات Alexander J. Stewart و جوشوا بلوتكِن Joshua B. Plotkin المحصلة أو النتيجة لمعضلة السجن عن طريق تطبيقها بشكلٍ متكرر بين عدة لاعبين في مجتمعات كبيرة و متطورة، وبينما اقترح باحثون آخرون بأن الإستراتيجيات التعاونية تنجح بشكل أكبر في مثل هذه الحالات، إستطاع لوتكن تقديم برهان رياضي على أن الإستراتيجيات الوحيدة التي تنجح على المدى البعيد هي إستراتيجيات الكَرَم أو إستراتيجيات العطاء.

يصف بلوتكن الأمر بالقول: "احتار علماء الأحياء منذ زمن داروين حول سبب وجود التعاون و الكرم بشكلٍ بارز في الطبيعة و اختصت أدبيات نظرية الألعاب في تفسير سبب ظهور الكرم , و تقدم الورقة البحثية التي طرحناها تفسيرًا لسبب وجود الكرم بهذا الشكل الكبير من حولنا."

تُعتبر معضلة السجن وسيلة لدراسة كيفية قيام الأفراد بالإختيار بين التعاون من عدمه و وفقاً لنظرية الألعاب: إن تعاون اللاعبان فسيحصل كلاهما مكافأة أو فائدة. و إن تعاون أحدهما دون الآخر سيحصل اللاعب المتعاون على أقل مكافأة ممكنة بينما يحصل اللاعب الغير متعاون على المكافأة الأكبر. و إن لم يتعاون الطرفان سيحصلان على مكافأةٍ أيضًا و لكنها أقل بكثير مما يمكن أن يكسباه عليه لو تعاونا و بعبارة مختصرة فأنت تدفع لتتعاون و لكنك ستدفع أكثر لو كنت انانيًا.

وفقًا للنسخة المكررة من معضلة السجن يتنافس لاعبان في استخدام الإستراتيجيات للتغلّب على المصاعب التي يواجهانها حيث "أحدث بريس و دايسون ثورة في نظرية الألعاب" عن طريق تحديد مجموعة من الإستراتيجيات التي تستخدم في هذه اللعبة و سميت هذه المجموعة بـ "إستراتيجيات المُحَدِد الصِفري" لأن مجموع النقاط التي يحصل عليها أحد اللاعبين مرتبط بشكلٍ خطّي بمجموع النقاط التي يحصل عليها اللاعب الآخر، و مما ركزوا عليه هي إحدى إلإستراتيجيات الخاصة بهذه المجموعة و التي صنفاها على أنها "إستراتيجيات إبتزاز" فإن إستخدم لاعب هذه الإستراتيجية ضد خصمٍ غير بارع فسيجبر هذا اللاعب خصمه على إكتساب مجموع أقل من النقاط.

اهتم بلوتكن بشدة بهذه النتائج و كتب في السنة السابقة في تعليق نُشِر في مجلة "منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم PNAS" حول عمل بريس و دايسون اللذان بدءا بإكتشاف مفاهيم مختلفة لمعضلة السجن، و بدلا من منافسة مباشرة بين لاعبين أو شخصين فقد قاما بتصوير مجموعات من اللاعبين الذين ينافسون بعضهم البعض كما يحدث في المجتمعات البشرية أو الحيوانية، إذ يحصل أكثر اللاعبين نجاحًا على فرص للتكاثر و من ثم تمرير إستراتيجياتهم للأجيال القادمة من اللاعبين و سرعان ما اتضح للباحثين بأن إستراتيجية الإبتزاز تصبح غير مُجدية في حال تم استخدامها ضد لاعبين في مجتمع متطور لأنها لن تنجح في مواجهة لاعب آخر يستخدم نفس الإستراتيجية.

يضيف ستيوارت "قد يبدو اللجوء لإستراتيجية الكرم خيارًا غبيًا لو كانت المنافسة بين شخصين بينما ينتفع كل لاعب من كرم اللاعب الآخر في حال تم إستخدامها في منافسة متعددة اللاعبين، و وفقًا لإستراتيجيات الكرم و التي تقع على الضد من إستراتيجيات إبتزاز فاللاعبون الذي يميلون للتعاون مع خصومهم و إن لم يفعلوا فسيعانون أكثر من خصومهم على المدى البعيد و يعتبر "التسامح" سمة من سمات إستراتيجية الكرم كذلك . و صاغ ستيورات بالتعاون مع بلوتكن برهانًا رياضيًا مفاده بأن إستراتيجيات الكرم لا تنجح في نسختها التطورية من معضلة السجن و حسب بل و في الواقع فأن تلك المفاهيم هي الوحيدة القادرة على مقاومة اللاعبين الغير متعاونين على المدى البعيد و تُظهر الورقة البحثية المقدمة منهما بأن الإستراتيجيات الأنانية لن تتطور أيٌ منها.

يساعد هذا الإكتشاف على تفسير وجود الكرم و العطاء في الطبيعة و الميل لها، و الذي يبدو في بعض الأحيان معاكسًا للمفهوم الدارويني حول البقاء للأصلح، و يضيف بلوتكن بأن تصرّف البشر بكرم يُشعرهم بأن هذا التصرف غريزي و قسم كبير من أدبيات علم النفس التطوري تُظهر بأن البشر يستنبطون السعادة من التصرف بكرم و مثل هذا الأمر ليس قاصرًا على البشر فحسب بل حتى لدى الحشرات التي تمتاز بوجود حس إجتماعي لديها تسلك مثل هذا السلوك بل و حتى الفيروسات و البكتريا التي تتشارك في مادتها الوراثية تتصرف بشكلٍ لا يمكن وصفه إلا بكونه "كرمًا" و وفقًا للتطور نكتشف بأن المجموعات التي تشجع على الكرم تنجح على المدى البعيد.

Generosity Leads to Evolutionary Success, Biologists Show