الطريـق إلـى ذَرَّة الكَـمّ

كيف تطورت التصورات حول الذرة؟ و كيف انتهت و آلت للنموذج الذي قام الفيزيائي العظيم نيلز بور بتوصيفه و الذي يعرف بـ "نموذج بور للذرة" أو الاكتشاف الذي يعرف بـ "تكميم مدارات الذرة"؟

المقال التالي من موقع مجلة Nature باللغة العربية، يغوص في الرحلة العلمية الرائعة التي قام بها العالم نيلز بور للوصول إلى اكتشافاته العظيمة، و يظهر لنا كيف أنه يستحق بالفعل لقب "أبو الفيزياء الذرية".


رابط المقال على موقع Nature باللغة العربية:
http://arabicedition.nature.com/journal/2013/06/498027a



في خريف عام 1911، انطلق الفيزيائي الدنماركي نيلز بور إلى إنجلترا؛ ليبدأ دراسات ما بعد الدكتوراة، مُفعمًا «بكل جرأته الجامحة الغبية» كما عبّر عنها في خطاب إلى خطيبته مارجريت نورلوند1. تلك الجرأة هي ما احتاجه بور في رحلته نحو ذَرَّة الكَمّ في عام 1913.

كان بور مُحِقًّا في اعتقاده بأنه مُعَدّ لأشياء عظيمة، فقد حصل على الميدالية الذهبية من الأكاديمية الملكية الدنماركية للعلوم في عام 1908، وهو في سن الثالثة والعشرين، لأجل دراسةٍ نظرية وتجريبية عن نوافير الماء، نشرتها الجمعية الملكية في لندن. وكانت رسالة الدكتوراة الخاصة به عن النظرية الإلكترونية للفلزات، وكانت متقدمة للغاية، للدرجة التي لم يستطع معها أحد في الدنمارك أن يقيّمها كاملةً.

تَوَجّه بور إلى جامعة كمبريدج في المملكة المتحدة؛ ليعمل مع جوزيف جون تومسون، المعروف باكتشافه للإلكترون وحصوله على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1906. وبالنسبة إلى بور، كان تومسون «عبقريًّا، حيث فتح الطريق أمام الجميع»، ولكن تومسون كان مفعمًا بالحيوية وبالأفكار المبتكرة بدرجةٍ لم تسمح له بأنْ يستمع إلى أجنبي ـ كبور ـ يجتهد لفهم لكنته الإنجليزية. «كانوا يقولون إنه ـ أي تومسون ـ قد ينصرف عن الملك»، هكذا كتب بور إلى أخيه هارالد، «وهذا يعني في إنجلترا أكبر ممّا يعنيه في الدنمارك»1.

وحتى إذا اهتم تومسون، كان سيجد صعوبة في الاقتناع بأن تلميذه فيزيائي رياضي ناضج. أضف إلى ذلك.. أن بور كان متميزًا بنقده، ففي رسالته اكتشف بعض الأخطاء في أوراق تومسون؛ وحاول أن يلفت نظره إليها، ولم يكن هذا ليحسِّن الأمور بينهما بأي حال.

كان تومسون مشغولًا بتطوير نتائج النموذج الذي افترضه للذَّرَّة في عام 1903، الذي حظي بتسمية ساخرة وغير ملائمة لاحقًا، وهو نموذج «بودنج الكرز»، وكان عبارة عن حلقات متمركزة من الإلكترونات، تدور في محيط دائري معدوم المقاومة، يتصرف وكأنه يحمل شحنة موجبة. في هذا الإطار شرح تومسون الخصائص الدورية للعناصر وتشكُّل الجزيئات البسيطة، والإشعاع، وانتشار الأشعة السينية وجزيئات بيتا، والنسبة بين وزن الذَّرَّة وعدد الإلكترونات بها.

قضى بور معظم وقته في كمبريدج في حضور المناقشات والقراءة بِنَهَم، وكان مقدِّرًا جدًّا لمحاضرات تومسون، ولاقي إعجابه الكثير في بحث «الأثير والمادة» لجوزيف لارمور في عام 1900، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الرياضيات، وهو المنصب الذي شغله إسحاق نيوتن يومًا ما. وقد طوّر في بحثه نظامًا عالميًّا قائمًا على الإلكترونات، باعتبارها تقلّبات دائمة في الأثير. وقد كتب بور إلى مارجريت1 قائلًا: «عندما أقرأ شيئًا جيدًا ورائعًا بهذه الدرجة؛ أشعر بالشجاعة والرغبة في تجريب ما إذا كنت سأستطيع أنا أيضًا أنْ أحقِّق ولو شيئًا بسيطًا».


النموذج النووي
في فبراير من عام 1912، ذهب بور إلى جامعة فيكتوريا بمانشستر في المملكة المتحدة؛ ليعكف على مهمة عن الإشعاع في معمل إرنست روذرفورد. وكان يتطلع إليها بتواضعه المفرط كعادته «جرأتي مشتعلة بشكل جامح، جامح جدًّا». وقد أرضى روذرفورد تطلعاته، إذ يقول عنه بور «هو رجل من طراز رفيع، ومتمكِّن للغاية، وهو أكثر قدرةً من تومسون في نواحٍ كثيرة، رُغم أنه قد لا يكون موهوبًا بالقدر نفسه»1.

كان روذرفورد بالقطع يفوق تومسون كمدير أبحاث، وعندما وصل بور، كان هناك آخرون يعملون على النموذج النووي للذَّرَّة، الذي طرحه روذرفورد في عام 1911. رأى روذرفورد من أجل تفسير الارتداد المخالف للتوقعات لجسيمات ألفا من رقاقات معدنية رفيعة ـ التي اكتشفها تلاميذه ـ أنه يتحتم علينا أن نجمع كل الشحنة الموجبة بكرات تومسون في نواة صغيرة تقع في قلب الذَّرَّة.

انضم بور لاحقًا إلى الفريق عبر طريقته المعتادة: النقد. وأثناء حساباته للطاقة المنقولة من جسيمات ألفا إلى الإلكترونات في الذَرَّة، كان قد فات على تشارلز جالتون داروين ـ أحد المُنَظِّرِين العاملين مع روذرفورد ـ أنْ يضع في حساباته الرنين الذي يحدث حين يكون وقت مرور الجسيم عبر الذَّرَّة موافقًا للتردد الطبيعي الذي تهتز به الإلكترونات المضطربة.



بور (إلى اليسار) مع أيْنِشْتايِن في عام 1925.
NIELS BOHR ARCHIVE, COPENHAGEN


وأثناء تحسينه لتلك الحسابات، اكتشف بور أن بعض الأوضاع لاهتزاز حلقة الإلكترونات في مدارها تنمو؛ حتى تؤدي إلى تمزُّق الذَّرَّة. وعدم الاستقرار الميكانيكي هذا لم يكن لينصلح بتطبيق أيٍّ من المفاهيم الفيزيائية المقبولة آنذاك. كان بور قد تَعَرَّف في عمله أثناء رسالته على أمثلة أكثر اتساعًا لفشل نظريات الإشعاع الحراري والمغناطيسية التي أتاحت للإلكترونات حرية الحركة التي قدمتها الميكانيكا الإحصائية لهم. ونتيجة لطريقته الفريدة في التفكير، انجذب بور إلى النموذج النووي، لأنه عبّر عن هذا الفشل بشكل واضح.

كان للنموذج النووي مميزات أخرى، وهي أنه يفرّق بشكل واضح بين الإشعاع، والظواهر الكيميائية، التي تنبع ـ حسبما رأى بور ـ من النواة والبِنْيَة الإلكترونية بالترتيب. وهذا الاستدلال لم يكن بهذا الوضوح آنذاك، مثلما هو اليوم. وروذرفورد نفسه لم يكن قد استوعب الفرق، وأرجع مصدرَ أشعة بيتا وجاما إلى إلكترونات واقعة خارج نطاق النواة.

والأكثر أهمية من ذلك.. هو أن النموذج النووي ـ بالإضافة إلى تصوُّر روذرفورد عن جسيم ألفا كنواة ذَرَّة قائمة بذاتها ـ دفعَ مفهوم الرقم الذري باتجاه الفيزيائيين. فقد كانوا يعرفون أن جسيم ألفا هو ذَرَّة هليوم بدون الإلكترونَين الخاصَين بها، وبالتالي يجب أن تحمل نواتها شحنة موجب اثنين، وهو ما يعني أن شحنة نواة الهيدروجين واحدة، والليثيوم ثلاثة، وهكذا.

كتب بور ملاحظاته في يونيو (أو يوليو) من عام 1912 ـ واثقًا ومدفوعًا باهتمام روذرفورد ـ ليوضّح أن فكرة ماكس بلانك عن وجود الطاقة في شكل حِزَم قد يفتح آفاق النموذج النووي نحو المشكلات التي رآها تومسون، ويحل مشكلة حجم الذرات.

كُتبت المذكرة بشكل عام، ولكن بور كان دقيقًا فيها فيما يخص نقطة واحدة مهمة لم يكن تومسون قد قدّم لها سوى تقريب. الموضوع هو أن نظرية الانتشار لروذرفورد وتجاربه عنها كانت تتطلب أن يكون وزن ذَرَّة الهليوم (4) ضعف عدد الإلكترونات فيها (2)، في حين أن تومسون ـ بعد جهد نظري وتجريبي كبير على انتشار الأشعة السينية وجزيئات بيتا ـ لم يصل سوى إلى أن عدد الإلكترونات في أي عنصر بالتقريب هو ثلاثة أضعاف قيمة وزنه الذري.

بعد تلك الإنجازات، كتب بور إلى هارالد «لَعَلَّني الآن قد عرفت القليل عن بنية الذَّرَّة. وإذا كنتُ مُحِقًّا؛ فالمسألة ليست اقتراحًا محتمَلًا (كنظرية تومسون مثلًا)، بل جزءًا من الواقع»1.

ورغم ذلك.. اتبع بور نسق تومسون في الموضوعات الأخرى التي ناقشها مع روذرفورد، مثل الخصائص الدوريّة للعناصر، المحكومة بضرورة استقرار بنية الحلقات فيها، وارتباط الذرات الوثيق في جزيئات بسيطة، عن طريق تبادل الإلكترونات.

وكَيْ يمضي قُدُمًا في حساباته، وضع بور افتراضًا مخصوصًا موازيًا لنظرية بلانك عن الإشعاع، وهو أنه إذا كانت طاقة الحركة للإلكترون متناسبة طرديًّا مع التردد الخاص بمداره، فهي لن تشع، ولن تقع أسيرة اهتزازات غير مستقرة. ورأى بور أن التناسب سيكون كَسرًا من ثابت بلانك h.


أرقام بَالْمَر

نُشِرَت ورقة بور المكوَّنة من ثلاثة أجزاء عن تركيب الذَّرّات والجزيئات في «المجلة الفلسفية» Philosophical Magazine، المطبوعة في لندن بين يوليو ونوفمبر 1913. الجزءان الثاني والثالث اللذان يبحثان في الترتيب الدوري للعناصر والترابط الجزيئي، يدين فيهما بور بالفضل ـ بشكل واضح ـ لتومسون. وحدهما.. لم يَكُنَا ليجذبا الانتباه، أو يشكِّلا ثورةً، لكن ما جعل من «ثلاثيّة» بور عملًا تاريخيًّا هو الجزء الأول2 الخاص بطيف الهيدروجين، وهي المسألة التي لم يعكف عليها بور، إلا بدءًا من فبراير 1913.

سأله زميلٌ له كيف استطاع شرح المعادلة الخاصة بترددات الخطوط الطيفيّة للهيدروجين، التي قد وضع لها يوان ياكوب بَالْمَر صيغةً حسابية بسيطة في عام 1885. رَدَّ بور بأن مسألة الأطياف أكثر تعقيدًا من النموذج الذي وضعه بَالْمَر، والذي أمعن النظر فيه على أي حال. وما رآه بور ـ كما قال لاحقًا ـ كان كيفية حساب النسبة بين طاقة الحركة والتردد المداري في النموذج الذي قدمه لروذرفورد قبل ستة أشهر (انظر: «مفتاح بور للعالَم المُصَغَّر»).





كان نموذج بَالْمَر يتيح فقط حالة أرضية تطلِق من خلالها الإلكتروناتُ كلَّ الطاقة التي تسمح لها الطبيعة بإطلاقها، ولكنْ لم يستطع النموذج أن يفسر لنا لماذا يتم إطلاق هذا الكَمّ من الترددات. كان باستطاعة بور أن يرى بسهولة المشكلة في نموذج بَالْمَر، لأنه بحلول رأس السنة، كان قد وسّع من نطاق نموذجه، رَدًّا على مجموعة من الأوراق المهمة التي كتبها الفيزيائي الرياضي جون وليام نيكولسون، الذي التقى به في كمبريدج.

كان نيكولسون قد طابق بين ترددات الكثير من الخطوط الطيفية الشمسية والسديميّة التي لم يُعرَف أصلها مع اهتزازات إلكترونات في ذَرَّة نووية متعامدة على مستوى مداراتها. وعلى العكس من الاهتزازات الموازية لمستوى الذَّرَّة، كانت الاهتزازات المتعامِدة مستقرة. وبحساب ترددات دوران الإلكترونات من الأطياف، استطاع حساب الزخم الزّاوي، واكتشف أن قيمته لكل إلكترون تقريبًا هي ضعف ثابت بلانك (h/2π).

كانت نتائج نيكولسون قد تَبِعَت مبادرات مؤتمر سولفاي للفيزياء (Conseil de Physique Solvay) في عام 1911، الذي ناقش فيه بلانك، وروذرفورد، وألبرت أينشتاين، وهندريك أنتون لورنتز، وعباقرة آخرون مشاكل عدة في نظرية الإشعاع. وكانت المناقشات متمركزة حول مفهوم بلانك عن حزم الطاقة: الاهتزاز التوافقي البسيط الذي يمثّل جسيمات مادِّيّة قادرة على إطلاق وامتصاص طاقات إشعاعية فقط، إنْ كانت مضاعفات صحيحة العدد من تردداتها. كان بوسع هذا الهزّاز أنْ يطلق ويمتص إشعاعات فقط، إنْ كان تردده الطبيعي معادلًا للإشعاع v، وبالتالي طاقاته المتاحة كانت فقط درجات متزايدة بمقدار E=hv، أي حِزَم، أو (كُمُوم) quanta.

ونظرًا إلى أن مطابقات نيكولسون كانت دقيقة بشكل مدهش، ونموذجه كان نوويًّا وكَمِّيًّا مثل نموذج بور، كان على بور أن يأخذه بجدية. ولأنه كان لا يزال مترددًا حيال دراسة الأطياف، توصل إلى تسوية، وهي تصوُّر أن الإلكترون المأسور يحتل سلسلة من الحالات المُثارة، ويشّع طاقة من كل واحدة، طبقًا لنموذج نيكولسون وهو يهبط باتجاه النواة نحو حالته الأرضية.

أضاف بور العدد الصحيح n إلى نموذجه؛ ليستطيع أن يتعامل مع السلَّم التصاعدي من طاقات الإلكترونات. وبعد أن جعل طاقة الحركة لمدارٍ ما متناسبة طرديًّا مع التردد المداري، مضروبًا في رقم المدار n؛ وصل بسهولة إلى نتائج نيكولسون نفسها عن الزخم الزاوي، بالإضافة إلى معرفة أن ثابت التناسب هو نصف ثابت بلانك h/2. وبذلك أصبح لدى بور سلسلة من الأعداد الصحيحة، يتناول بها صيغة بَالْمَر.

وباستخدام معادلة E=hv، حَوَّل بور الحسابات إلى فيزياء، عن طريق ضرب صيغة بَالْمَر في ثابت بلانك، وهو ما جعلها معادَلة للطاقة، أتاحت له أن يتعرّف على طاقات الحركة للحالات المتعددة وما يقابلها في المعادلة الجديدة. واستطاع ـ بناءً على ذلك ـ أن يستنبط الرقم المعروف بثابت رايدبرج في صيغة بَالْمَر، باعتباره مضاعفًا من ثابت بلانك، مضروبًا في شُحنة وكُتلة الإلكترون.



اتبع بور قياسًا على نظرية الإشعاع لماكس بلانك (إلى اليمين)؛ ليطوّر نموذجه.


NIELS BOHR ARCHIVE, COPENHAGEN

الوصول الناجح إلى ثابت رايدبرج تطلّب الكثير من التضحيات من جانب الفيزيائيين، فقد جعل خطوط بَالْمَر ناشئة عن قفز الإلكترون إلى الحالة الثانية، قادمًا من حالات أعلى، ووضع تفسير تلك القفزات بعيدًا عن نطاق الفيزياء. لاحظ روذرفورد هذه المسألة مباشرة، وهي: حتى يتسنى لإلكترون أن يهتز بالتردد المناسب، يجب عليه أن يعرف أين سيقف قبل أن يقفز من مداره. وبذلك.. تفادى روذرفورد أن ينسب للإلكترونات أي معرفة مسبقة، كما تفادى الإقرار بوجود ترددات بدون اهتزازات.

كان ردّ بور أنَّ على الفيزيائيين أن «يتنازلوا» ـ وهي الكلمة التي صار يستخدمها كثيرًا فيما بعد ـ عن إمكانية الشرح المتقن لبعض الظواهر في العالَم المُصَغَّر.

كانت خسارة أينشتاين أكبر.. فبلانك قد ساوى بين ترددات إشعاع الضوء والاهتزازات الميكانيكية، وكان هذا ممكنًا، لأن تردد الهزاز التوافقي البسيط لا يتغيّر أيًّا كانت طاقته، فاهتزازات مصدر الإشعاع هي ما يثير «الأثير» مباشرةً، أو مجال الإشعاع، ولكن قفزات بور تناولت مدارين بدَوْرَتين مختلفتين، فتردد إشعاع الضوء لا يتوافق مع حركات الإلكترون الذي يُفتَرَض أن يكون هو مصدر الإشعاع، وهو ما تَعارَض مع المفاهيم التي تَعَامَل بها الفيزيائيون مع ظاهرة الإشعاع.

وإحساس بور بالمسؤولية دفعه إلى محاولة توطيد فرضياته الخاصة بأنّ النسبة بين طاقة الحركة والتردد المداري لحالة رقمها n متناسبة طرديًّا مع nh/2. لم يكن الأمر سهلًا، فالحلقة الأولى من ثلاثيته تحتوى على أربعة أسس متعارضة مع بعضها البعض بشكلٍ كبير. اثنان منهما طوّرا الموافقة مع نظرية بلانك للإشعاع، التي شكّلت نموذجًا لفرضية بور، والثالثة تعتبر مختلفة عنهما تمامًا، إذ تتطلب أن يكون تردد الإشعاع أثناء القفز بين مدارات كبيرة متجاورة، حيث يكون الإلكترون متحررًا تمامًا من النواة، متساويًا تقاربيًّا مع ترددات المدارات، التي بدورها تتساوى مع بعضها تقاربيًّا. وكان ذلك تمهيدًا لمبدأ التناظر الذي طرحه بور لاحقًا، والذي يقول بأنه في حدودٍ معتبرة، يجب أن يؤدي حساب أي كمية فيزيائية في نظرية الكَمّ إلى النتيجة نفسها التي يؤدي إليها في الفيزياء التقليدية.

في نهاية عام 1913، كان بور قد تخلّى عن افتراض بلانك، واعتبره «مضلِّلًا»، (فالذَرَّة ليست هزازًا توافقيًّا بسيطًا)، وتبنّى مبدأ التناظر، مُفَضِّلًا أن يكون أساسًا لرؤيته. كما أنه تمسَّك بمحاولته الرابعة من ثلاثيته، والوحيدة الباقية معنا إلى اليوم: كُمُوميّة الزخم الموازي (وهي نتيجة طبيعية لفرضيته، إذا استبدلنا نسبة طاقة الحركة بالتردد المداري بما يعادلها ميكانيكيًّا، وهو الزخم الزاوي، مضروبًا في π). وكشرطٍ على المدار، يختلف هذا الأساس الرابع نظريًّا عن المحاولات الثلاث التي سبقته، والتي تربط بين المدار والإشعاع الذي يطلقه الإلكترون أثناء قفزته الكَمِّيَّة.


نحو مزيدٍ من الغموض

إنّ قُدرة بور على التعامل مع عدة أفكار متناقضة، وشجاعته في مطالبة الفيزيائيين ـ أمثال أينشتاين، وبلانك ولورنتز ـ بالتضحيات تثير الدهشة والإعجاب.. فنحن نعرف أنه لم يكن قليل الثقة بالنفس، ولكن الشجاعة شيءٌ، وتَحَمُّل الغموض شيءٌ آخر.

وتَشِي لنا مراسلات بور مع عائلته ـ وبالذات مارجريت ـ بمصدر هذا الانسجام. فقبل أن ينغمس بور في ذَرَّة الكَمّ بوقت طويل، كان قد طوّر اعتقادًا مكوّنًا من حقائق جزئية متعددة، كل منها تقول شيئًا عن الحقيقة، وكلها مجتمعة قد تستنزف الحقيقة كلها. لقد كتب إلى مارجريت قائلًا: «توجد حقائق كثيرة متباينة. وأستطيع أنْ أطلق على هذا أنه (عقيدتي). إنّ كل شيء ذي قيمة هو حق»1.

لقد كان تحليل بور لأطياف بَالْمَر حقيقة جزئية عن نظرية بلانك للإشعاع، وحقيقة جزئية عن الفيزياء الكلاسيكية. وقد يدين بور بفكرته عن الحقيقة الجزئية بشكلٍ ما إلى ما وجده من أفكار في كتابات أستاذه في الفلسفة، هارالد هوفدنج، وكذلك ما وجده في كتاب «براجماتيّة وليام جيمس»، الذي نُشر في عام 1907، وربما سمع عنه من هوفدنج.

إنّ المراسلات العائلية غير متاحة الآن، وسوف يتم نَشْر جزء منها عن طريق فِن آسيرود وعن طريقي في كتاب «الحب والأدب وذَرَّة الكم»1 يفتح آفاقًا للبحث عن هذه العلاقة التي نظر فيها مؤرخون وفلاسفة كُثْر على أساس مبدأ التكامل الخاص ببور الذي ظهر لاحقًا.

بين فترات اشتعلت فيها جرأته وغضبه، كان بور واقعًا تحت ضغط عدم الثقة بالنفس، الذي يتعرض له أي إنسان عادي. وحسبما تشي خطاباتهما، لعبت مارجريت دورًا مهمًّا وضروريًّا للترويح عن بور في أوقات تقلب مزاجه، وطمأنته بأنه الرجل العظيم الذي كان يعرفه بحدسه الدنماركي.

في خطابات عدة.. طلب بور من مارجريت أن تساعده على أن يردّ لها الدين الذي شعر بأنه مدين لها به من مواهبه، وتشجيعها له لينمِّيها، وكذلك من وجهات النظر الجديدة التي طوّرها في إنجلترا. كان يردّ هذا الدين فقط بأعماله العظيمة. فقد أدى منها قسطًا ضخمًا لتومسون وروذرفورد بطرحه الثوري عن ذَرَّة الكم في عام 1913.