بسم الله الرحمن الرحيم
وصل الله عل محمد واله الائمة والمهديين وسلم وتسليما

قد ثبت مما سبق وثاقة كتاب الغيبة للشيخ الطوسي وانه صرح بأنه لا يعتمد على حديث ضعيف ،وهنا أحب أن أركز أكثر على هذا مع نقل أقوال بعض العلماء حول هذا الكتاب المعتمد . ويحسن قبل ذلك أن أذكر بعض أقوال العلماء في حق الشيخ الطوسي مؤلف الكتاب .
قال العلامة الحلي في وصفه : (شيخ الأمامية ووجههم ،ورئيس الطائفة ،جليل القدير ،عظيم المنـزلة ،ثقة ،عين ،صدوق ،عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب ،وجميع الفضائل تنسب إليه ،حذق في كل فنون الإسلام ،هو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ،الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل ، وكان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان) .
وقال السيد بحر العلوم الطباطبائي في حقه : (إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين (ع) وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين ،محقق الأصول والفروع ،ومهذب فنون المعقول والمسموع ،شيخ الطائفة على الإطلاق ،ورئيسها الذي تلوى أليه الأعناق ،صنف في جميع علوم الإسلام ،وكان القدوة في كل ذلك والإمام ) .
وأما كتابه ((الغيبة)) فقد أتفق الكل على أنه من الكتب المعتمدة ومن نظائر الكتب الأربعة المشهورة المفروغ عن صحة كل رواياتها . وقد صرح كثير من العلماء بأن كل مصنفات الشيخ الطوسي معتبرة .
قال النجاشي في ترجمة الشيخ الطوسي : ((...له كتب منها كتاب تهذيب الأحكام وهو كتاب كبير ،وكتاب الاستبصار وغيرها من الكتب المعتبرة والمفيدة ...)) خاتمة الوسائل ص2 هامش رقم 1 .
وقال الحر العاملي عند ذكر الكتب المعتمدة ،التي نقل منها كتابه ((إثبات الهداة)) : (وأوثقها بعد كتاب الله عز وجل : مؤلفات الكليني ،وابن بابويه ،والشيخ الطوسي ،والشيخ المفيد ،والحميري ،والحسين بن سعيد ،والبرقي ...) خاتمة الوسائل ص46.
وقال أيضاً عند تعداد الكتب المعتمدة : (...كتاب الغيبة للشيخ الطوسي أيضاً...) إثبات الهداة ج1 ص26 .
وأيضاً نص على وثاقة الكتاب في خاتمة الوسائل ضمن الفائدة الرابعة عند تعداد الكتب المعتمدة التي نقل منها كتاب وسائل الشيعة فقال : (...كتاب الغيبة للشيخ أيضاً ،كتاب مصباح المتهجد له ،كتاب مختصر المصباح له...) خاتمة الوسائل ص46 .
وقد قال الحر العاملي في توثيق الكتب التي أعتمدها في كتابه ((إثبات الهداة)) العاشرة : في ذكر جملة من كتب أصحابنا الأمامية التي نقلنا منها في هذا الكتاب ومن عرف أصولها وأصول مؤلفيها علم إن كل حديث منها أو أكثرها محفوف بقرائن كثيرة توجب العلم ولا تقصر عن التواتر ،وان تنزلنا قلنا أنها تسهل حصول التواتر بأقل مراتب الجمع غالبا ًخصوصاً مع عدم المعارض كما هنا ...) أثبات الهداة ج1 ص26 .
وقد تقدم تصريح الحر العاملي بأن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من أهم الكتب المعتبرة التي أعتمد عليها في كتابيه ((إثبات الهداة ، ووسائل الشيعة)) فتكون روايات كتاب ((الغيبة)) أما متواترة أو محفوفة بقرائن تفيد صحتها ،وأنها مأخوذة عن الكتب المعتبرة والأصول المعتمدة التي كانت متوفرة لدى الشيخ الطوسي (رحمه الله ) .
وقد صرح الشيخ الطوسي بصحة كل ما عمل به من الأخبار ،بعد أن قسم الأخبار الصحيحة إلى أربعة أقسام ،قال : (وأن كل خبر عمل به في كتابي الأخبار وغيرها لا يخلو من الأقسام الأربعة) .
وبهذا لا يبقى شك بأن كتاب ((الغيبة)) للشيخ الطوسي من الكتب المعتبرة والمعتمد عليها ،وكل الأحاديث التي وردت فيه صحيحة وخصوصاً ما ساقه الشيخ الطوسي على نحو الاستدلال ،كما هو الحال في رواية الوصية فقد أستدل بها على إمامة الأئمة الأثني عشر (ع) .
فتكون رواية الوصية صحيحة بغض النظر عن رجال السند .
الفائدة الخامسة :
ويتبين أن الشيخ الطوسي قد نقل رواية الوصية من كتاب الحسين بن علي بن سفيان البزوفري وهو من الثقات فيكون كتابه معتمد ،وقد ذكر الشيخ الطوسي طريقه إلى هذا الكتاب كما نقله عنه الحر العاملي فقال : (وما ذكرته عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري فقد أخبرني به أحمد ابن عبدون والحسين بن عبيد الله ، عنه) خاتمة الوسائل ص30 .
والبزوفري قال عنه العلامة : (شيخ ،ثقة ،جليل ،من أصحابنا وزاد العلامة :خاص ) خاتمة الوسائل ص177 .
وقال عنه النجاشي : (شيخ ثقة جليل من أصحابنا له كتب ـ ثم عد كتبه ـ روى عنه المفيد وأبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري وغيرهم ...) هامش خاتمة الوسائل ص23 .
وقد نقل السيد محمد الصدر في الموسوعة بأن البزوفري أحد وكلاء الإمام المهدي (ع) فقال : ( الحسين بن علي بن سفيان :بن خالد بن سفيان .أبو عبد الله البزوفري . شيخ جليل من أصحابنا . له كتب ، روى الشيخ في الغيبة عن بعض العلويين سماه . قال : كنت بمدينة قم فجرى بين اخواننا كلام في أمر رجل أنكر ولده . فأنفذوا الى الشيخ _صانه الله – وكنت حاظراً عنده _ أيده الله _ فدفع إليه الكتاب فلم يقرأه ، وأمره ان يذهب الى أبي عبد الله البزوفري _ أعزه الله _ ليجيب عن الكتاب . فصار إليه وأنا حاضر . فقال أبو عبد الله : الولد ولده وواقعها في يوم كذا وكذا في موضع كذا وكذا فقل له فليجعل اسمه محمداً. فرجع الرسول وعرفهم ، ووضح عندهم القول . وولد الولد وسمي محمداً ) وقد نقلنا مضمون هذا الخبر فيما سبق . وهو يدل بوضوح على استسقاء هذه المعلومات من الإمام المهدي (ع) ولو بالواسطة .فيدل على انه وكيلاً في الجملة . ومن هنا قال المجلسي في البحار تعليقاً على هذا الخبر : يظهر منه ان البزوفري كان من السفراء ولم ينقل ...) الغيبة الصغرى ص524 .
فبربكم هل يتوقع من هكذا رجل غاية في الوثاقة والعدالة ان ينقل رواية ضعيفة أو موضوعة أضف الى ذلك انه من أصحاب الكتب المعتمدة وقد نقل الشيخ الطوسي رواية الوصية من أحد كتبه وطريقه إليه هو : أحمد بن عبدون والحسين بن عبيد الله الغضائري . وهما من الثقات لأنهما من مشايخ النجاشي . ومن كتب البزوفري :كتاب الحج ،وكتاب ثواب الاعمال ،وكتاب أحكام العبيد ،وكتاب الرد على الواقفة ، وكتاب سيرة النبي والأيمة ...كما ذكرها النجاشي في رجاله ص34 وقال: اخبرنا بجميع كتبه احمد بن عبد الواحد ابو عبد الله البزاز عنه .
وبهذا تكون رواية الوصية منقولة من كتب الحديث المعتبرة التي ألفها ثقات الأئمة (ع) وبذلك تكون قطعية الصدور بغض النظر عن وثاقة رجال سندها .كما صرح بذلك كبار العلماء .
أضف الى ذلك أيضاً ان الحسين بن علي المصري أحد رواة الوصية هو من أصحاب الكتب ، فلابد ان تكون رواية الوصية أيضاً منقولة من كتبه والتي أحدها كتاب الإمامة ، وهذا دليل آخر يضاف لصالح رواية الوصية ، وسيأتي ذكر ذلك انشاء الله تعالى .
اذن فالرجل من أصحاب الكتب والأصول المعتمدة لوثاقته وجلالته ورواية الثقات عنه كالشيخ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون ،وهم أبرع من كتب في علم الرجال ولا يمكن بل لا يتوقع منهم أن يرووا عن كتاب أو أصل غير معتمد ،وهم الذين يعيبون ويشنعون على من يفعل ذلك ،بل يضعفون من يفعل ذلك من الرواة ،وما دام أن الشيخ الطوسي قد نقل رواية الوصية من كتاب البزوفري الثقة الجليل ،المعتمد ،فهذا وحده كاف في أثبات صحة رواية الوصية ،ولا حاجة إلى التطرق لرجال السند ،واثبات وثاقتهم ،زيادة قرينة إلى القرائن الأخرى ،ولا تتوقف عليه صحة الوصية ،كما كررت ذلك مراراً .
والدليل على أن الشيخ الطوسي ينقل عن كتاب الحسين بن علي بن سفيان البزوفري هو ما نقله عنه الحر العاملي من أنه يبتدأ في سند الروايات بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه ،ومن المعلوم أنه ابتدأ في رواية الوصية بالحسين البزوفري فيدل على أنه أخذه من كتابه ،ثم ذكر طريقه إلى ذلك الكتاب حيث قال : (وما ذكرته عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري فقد أخبرني به أحمد أبن عبدون والحسين بن عبيد الله (الفضائري) عنه) خاتمة الوسائل ص30 .
واليك نص كلام الحر العاملي عن الشيخ الطوسي : (قال الشيخ الطوسي قدس سره في آخر (التهذيب) بعد ما ذكر إنه أقتصر من إيراد الأخبار على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه ،أو صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله : ونحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار ،لتخرج الأخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات ...) خاتمة الوسائل ص2 .
والقول الفصل : في إثبات صحة رواية الوصية ،هو ما صرح به الشيخ الطوسي في الغيبة بعد ذكره لرواية الوصية وغيرها ،حيث ذكر إشكالاً وأجاب عنه فقال : (فإن قيل : دلوا أولاً على صحة هذه الأخبار ،فإنها آحاد لا يعوَّل عليها فيما طريقه العلم ،وهذه مسألة علمية ...
قلنا : أما الذي يدل على صحتها فإن الشيعة الأمامية يروونها على وجه التواتر خلفاً عن سلف ،وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كتب الإمامية في النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام ،والطريقة واحدة...) الغيبة ص111 .
وهذه شهادة صريحة من الشيخ الطوسي تدل على صحة رواية الوصية ، وهذا وحده كاف في إلجام المعاندين وسد أفواه الجاهلين .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.

( ذكر الوصية عند أبناء العامة )

رغم تجنب أبناء العامة للتطرق إلى مسألة وصية الرسول محمد (ص) لأنها تتعارض مع مذهبهم إلا أن الله تعالى أظهر ذلك في بعض كتبهم وان كانوا له منكرين وأقصد بذلك مسألة وصية الرسول لعلي (ع) ليلة الوفاة وأما ما ذكره الرسول (ص) في إثبات خلافة الإمام علي (ع) في مراحل حياته وقبل الوفاة فقد امتلأت كتبهم بذلك ولا سبيل لنكرانها ولكن الذي يهمنا في هذا البحث هو ذكر الوصية في آخر حياة الرسول (ص) وإليك بعض ما ذكره أبناء العامة في كتبهم :-
فقد ذكر العجلوني في كتابه كشف الخفاء هذه الرواية عن الرسول محمد (ص) : ( يا علي أدع بصحيفة ودواة فأملى رسول الله (ص) فكتب علي وشهد جبرائيل ثم طويت الصحيفة ، قال الراوي فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها وكتبها وشهدها فلا تصدقوه فعل ذلك في مرضه الذي توفى فيه ) كشف الخفاء 2 /384 .
وذكر ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) هذه الرواية مع زيادة وحاول تضعيف رواتها والطعن فيها لأنها تعارض عقيدته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان .
فقال ابن الجوزي : ... عن أبي عرفجة عن عطية قال : مرض رسول الله (ص) المرض الذي توفى فيه قال وكانت عنده حفصة وعائشة فقال لهما : أرسلا إليّ خليلي فأرسلتا إلى أبي بكر فجاء فسلّم ودخل المجلس فلم يكن للنبي (ص) حاجة فقام فخرج فنظر إليهما فقال : أرسلا إليّ خليلي فأرسلتا إلى عمر فجاء فسلّم ودخل فلم يكن للنبي (ص) حاجة فقام فخرج ثم نظر إليهما فقال : أرسلا إليّ خليلي فأرسلتا إلى علي (ع) فجاء فسلّم ودخل فلما جلس أمرهما فقامتا . قال : يا علي : أدع صحيفة ودواة فأملى رسول الله (ص) وكتب علي وشهد جبرئيل . ثم طويت الصحيفة . فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها وكتبها فلا تصدقوه) الموضوعات 1 /377 .
وقد أخبرنا الذي كتب هذه الوصية ورواها لشيعته لكي يعرفوا بها الأوصياء إلى يوم القيامة. وقريب من هذه الرواية ما نقله الخاصة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال :
( قال رسول الله (ص) في مرضه الذي توفي فيه : ادعوا لي خليلي فأرسلتا إلى أبويهما فلما نظر إليهما رسول الله (ص) أعرض عنهما ثم قال : ادعوا لي خليلي فأرسل إلى علي فلما نظر إليه أكب عليه يحدثه فلما خرج لقياه فقالا له : ما حدثك خليلك فقال : حدثني ألف باب يفتح كل باب ألف باب ) الكافي 1 / 328ـ329.
وبذلك تلزم الحجة أبناء العامة ولابد لهم من معرفة ما أوصى به الرسول محمد (ص) لعلي في تلك الصحيفة ولا طريق إلى ذلك إلا الإمام علي (ع) كما شهد بذلك راويا تلك الرواية.




( الوصية هي الطريق الوحيد )

بعد أن ثبت وجوب الوصية على كل مسلم وتركها يستلزم أن يموت الانسان ميتة جاهلية وأيضاًً ثبت أن كل الأنبياء والأئمة عليهم السلام قد أوصوا قبل مماتهم أو عند الموت بالخصوص وإن الرسول محمد (ص) قد أوصى في ليلة وفاته وإن وصيته هذه ان اعتمدتها الأمة وسارت عليها لن تضل إلى يوم القيامة ولا يختلف اثنان، فلا بد أن تكون هذه الوصية فيها أمر جديد غير الذي كان يؤكد عليه الرسول (ص) خلال حياته من وجوب طاعة خليفته والأئمة من ولده فلا بد من وجود بيان وتفصيل جديد على أقل تقدير وإلا إذا كانت الوصية هي نفس ما كان يؤكد عليه الرسول (ص) في عدة مناسبات على خلافة الإمام علي (ع) فلماذا كل هذا الحرص من الإمام علي (ع) والصحابة المقربين على معرفة تفاصيل هذه الوصية فهل أنهم كانوا يجهلون حق علي (ع) بخلافة الرسول (ص) وهم الذين عايشوا حادثة الغدير عياناً إضافة إلى مئات المواقف التي صرح بها الرسول (ص) بحق الإمام علي (ع) بالخلافة وأنه أفضل وأقرب وأعلم وأطهر أصحابه على الإطلاق !!
فحتى لو لم يتمكن الرسول (ص) من إملاء الوصية على أمير المؤمنين (ع) فإن الصحابة أمثال سلمان المحمدي وأبي ذر والمقداد وغيرهم ، لا يشكون في أحقّية الإمام علي(ع) بخلافة الرسول (ص) .
إذن فلا بد من وجود أمر جديد حرص الرسول (ص) حرصاً شديداً على تبليغه للأمة وبعد أن اعترض عمر بن الخطاب واتهم الرسول (ص) بأنه يهجر (وحاشاه) كتب الرسول (ص) هذه الوصية للإمام علي (ع) وأشهد عليها أخلص أصحابه وهم : سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد كما تقدم ذكر ذلك مراراً .
وحرص الرسول (ص) والإمام علي (ع) والصحابة على كتابة وسماع هذه الوصية يؤكد على مدى أهمية هذه الوصية وأنها ستهدي الأمة إلى الصراط المستقيم وتجنبهم السبل التي تفرقهم عن الحق الخالص .
وإذا كان كذلك ولكي تثمر هذه الوصية ثمرتها ولكي لا تضيع أتعاب الرسول (ص) والإمام علي (ع) أدراج الرياح لابد أن تصل هذه الوصية إلى شيعة ومحبي الرسول (ص) وأوصيائه (ع) فقد تحمل الرسول (ص) بسبب هذه الوصية معاناة شديدة وهو في سكرات الموت ولاسيما حين أتهمه عمر بأنه يهجر (وحاشاه) هذه التهمة التي من شأنها نسف الرسالة والدين من الأساس إذ كيف يمكن أن يتطرق إلى الرسول (ص) الهذيان والكلام بلا شعور وهو الذي قال عنه الله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) فأمرهم الله تعالى بالأخذ في قول الرسول (ع) في أصغر الأمور وأكبرها فكيف يمكن التشكيك بكلام الرسول (ص) في أهم وأعظم وثيقة سيكتبها الرسول (ص) والتي تتكفل بيان تكليف الأمة الإسلامية إلى يوم القيامة !!!
وإذا لم تصل هذه الوصية أو على الأقل أهم جزء منها إلى الشيعة فلا فائدة من كل هذه الجهود التي بذلها الرسول (ص) ولكانت كل الأمة بما فيهم الشيعة فاقدة لصمام الأمان وهي الوصية التي قال عنها الرسول (ص) : ( أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ً) وحاشا الله تعالى ورسوله (ص) ووليه علي (ع) أن يحرموا كل الأمة من هذه الوصية التي تتكفل بيان الأوصياء إلى يوم القيامة فلابد أن يوصلها الإمام علي (ع) إلى شيعته ويؤدي الأمانة التي حمَّلها له الرسول (ص) لكي لا يُضيعوا من في أصلاب الرجال إلى يوم القيامة .
إذن إذا كان لابد من وصول الوصية للشيعة المخلصين وأؤكد على أن المراد بالوصية هو ما أملاه الرسول (ص) ليلة الوفاة وما خطه الإمام علي (ع) بيده بالصحيفة والدواة التي طلبها الرسول (ص) فهل يمكن لأحد أن يأتينا بوصية غير الوصية التي ذكرتها سابقاً والتي بيّنت عدد وأسماء الأوصياء من الأئمة والمهديين من ذرية الإمام المهدي (ع) .
وأؤكد على أنه لا توجد رواية واحدة تذكر نص ما أملاه الرسول (ص) لعلي (ع) غير تلك الوصية وأتحدى الجميع بأن يأتوا بذلك فقد تتبعنا الروايات فلم نجد أثراً لما أملاه الرسول (ص) ـ نصاً - غير ما ذكرت ومن المعلوم أن الرواية التي نقلها الشيخ الطوسي (رحمه الله) تتضمن أهم جزء من الوصية وهو تعيين الرسول (ص) لأوصيائه إلى يوم القيامة لأن الولاية ومعرفة الإمام أهم ما في الدين بعد معرفة الله تعالى وإلى هذا المعنى أشارت روايات كثيرة من شاء فليراجع الكافي ج1 ووسائل الشيعة ج18 وغيرها من كتب الحديث . وإذا كانت هذه الوصية هي الوحيدة التي تذكر نص ما أملاه الرسول (ص) ليلة الوفاة فهي الطريق الوحيد لمعرفة وصية الرسول (ص) ليلة الوفاة ولا طريق غيرها على الإطلاق.
والذي يحاول التشكيك بها أو ردها فهو شريك عمر بن الخطاب في اعتراضه على كتابة نفس تلك الوصية واتهامه للرسول (ص) بأنه يهجر (وحاشاه) إذن عمر اعترض على كتابتها لأنه يعلم أنها إذا كتبت لا يمكن له الاعتراض على خلافة الإمام علي (ع) ولا يمكن تحقيق ما كان يصبو إليه من ملك دنيوي رخيص والذي يعترض عليها الآن ولا يعترف بها كذلك لأنه يعلم أن اعترافه بها يثبت حق المهديين بالوصاية وإن أولهم أول الممهدين للإمام المهدي (ع) وهو اليماني الموعود وطبعاً هذا لا ينسجم مع أهداف من إتبع هواه وأخلد إلى الأرض وابتغى الدنيا وزينتها من جاه وأتباع وشهوات فالأمر يعود كما بدأ فنفس الأسباب التي من أجلها اعترض عمر على كتابة الوصية هي الأسباب التي من أجلها الآن يعترض المعترضون على الوصية .
فلو نقلت الوصية بروايتين مختلفتين لربما كان هناك حق للاعتراض والتشكيك بإحداهما واثبات الأخرى لكي لا نكون صفر اليدين مما أملاه الرسول (ص) ليلة وفاته لعلي (ع) ولكنها نص واحد ورواية واحدة وبرفضها ترفض وصية رسول الله (ص) ليلة الوفاة وتحرم الأمة من بركاتها ويـُساء إلى الرسول ويجازى إحسانه بالإساءة وتكون للناس حجة على الله تعالى بأنه لم يبيّن لهم كل الأوصياء إلى يوم القيامة ولله الحجة البالغة على الناس حيث يأتيهم الجواب : قد وصلتكم وصية رسول الله (ص) وقـد رفضتموها لأنها لـم تنسجم مع أهواءكـم ورغباتكم الدنيوية قال تعالـى : (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) . وأما من قال : بأن هذه الوصية خبر آحاد لا يمكن الاستدلال بها . فهذا مردود من عدة جهات . منها : إننا لا نسلم بهكذا قاعدة وإنها لم تصدر عن إمام معصوم ، بل ما صدر عن الأئمة خلافها ومنها : إن الوصية مؤيدة بعدة قرائن توجب القطع بصدورها كما سيأتي مناقشة ذلك بالتفصيل فأنتظر وتأمل .

الحمد لله وحده