أسطورة الطوفان الخالدة في الوجدان الإنساني

منقول من منتديات الشامل لعلوم الفلك والتنجيم ( فقط للاطلاع على اراء بعض الباحثين )

من أهم الأمثلة على الأساطير المتشابهة في أفكار الشعوب تبرز أسطورة الطوفان العظيم الذي اقتلع الحضارة البشرية من جذورها، في مرحلة ما من التاريخ الإنساني المبكر، لكن مع الدمار الشامل بقيت هناك بذرة صغيرة للحياة أنقذتها العناية الإلهية من هذا المصير وأعطتها القدرة لبناء الحضارة البشرية من العدم ثانية..

سأقوم هنا بالتطرق لبعض تلك الأساطير ونصوصها وبعض النظريات المتعلقة بالطوفان، وسأنشر الدراسة على مراحل كما نُصِحت..


غالباً ما سارت جميع أساطير الطوفان في النصوص القديمة على نسق واحد لم يتغير..

تبدأ القصة دائماً بغضب إلهي عارم على بني البشر لسبب أو لآخر، ثم يأتي القرار الإلهي بإفناء الجنس البشري عن بكرة أبيه بواسطة طوفان عارم يغطي وجه الأرض، لكن إلهاً من الآلهة ـ في الديانات القديمة ـ يقوم بمد يد العون عن طريق رجل صالح يعلمه طريقة بناء سفينة عظيمة واستعمالها بحفظ الحياة والحضارة البشرية على كوكب الأرض.. وتنتهي القصة بذلك الرجل الصالح وقد نجا ومن معه من الطوفان ثم نال مكافأة صنيعه بالخلود الأبدي كالآلهة..

أما الكتب السماوية ـ التوراة والقرآن ـ فقد أوردت قصة النبي نوح نعرفها جميعاً، وسأورد قصة العهد القديم.. راجياً أن تسامحوني في القصة القرآنية لأنني شبه واثق أنها معروفة للجميع..


الأسطورة السومرية

في تلك الأيام زيوسودرا كان ملكاً وقيماً على المعبد
قام بتقديم [قربان] عظيم
وجعل يسجد ويركع بخشوع
ودونما كلل توجه للآلهة [في المعبد]
فرأى في أحد الأيام حلماً لم ير له مثيلاً
الإله [.. ..] جدار [.. ..]
عندما وقف زيوسودرا قرب الجدار سمع صوتاً:
قف قرب الجدار على يساري واسمع
سأقول كلاماً فاتبع كلامي
أعط أذناً صاغية لوصاياي
إنا مرسلون طوفاناً من المطر [.. ..]
فيقضي على بني الإنسان [.. ..]
ذلك حكم وقضاء من مجمع الآلهة
أمر آنو وإنليل
[فنضع حداً] لملكوت البشر


الحضارة من سومر، الحضارة السومرية التي بقيت مدفونة في طي النسيان فترة طويلة كانت هي المنبع الأساسي لكل الأساطي التي اجتاحت الفكر الرافدي والسوري لتحملها السفن الفينيقية فيما بعد إلى اليونان..

ومن تلك الأساطير الغابرة نجد الأثر الأول لأسطورة الطوفان الخالدة منقوشاً على ألواح مشوهة في مدينة (نفر) استخرجت منها الخطوط الأساسية للقصة المميزة الخالدة..
تقرر آلهة المجمع السومري المعروفة إنزال الفناء على بني البشر بسبب فسادهم، ويختارون الطريقة بإرسال طوفان هائل يجتاح الأرض.. لكن إله الحكمة (بالأحرى هو إله المياه الجوفية، لكن الفكرة تأتي من أن المياه الجوفية تحتفي كما الحكمة في الأعماق) يقوم باعتراض القرار عندما يتجلى للملك زيوسودرا الذي هو أيضاً قيم المعبد (كما هي عادة تلك الفترة والتي تدلنا على مدى صلاح زيوسودرا الأخلاقي) ثم يخبره بالكارثة القادمة وطريقة النجاة منها، وهي سفينة عملاقة ـ لا نعرف المواصفات التي يقدمها الإله بسبب تشوه اللوح ـ لكن زيوسودرا يقوم ببناء السفينة وينقل إليها ما يحتاجه الأمر لإنقاذ بذرة تحفظ الحياة.. وإن كانت تفاصيل حدوث الطوفان مفقودة أيضاً لكننا نجد أن زيوسودرا ومن معه ينجون، ثم..:



زيوسودرا الملك،
سجد أمام آنو وإنليل
ومثل إله وهباه حياة أبدية
ومثل إله وهباه روحاً خالدة
عند ذلك زيوسودرا الملك
دعي باسم حافظ بذرة الحياة
وفي [.. ..] أرض دلمون
حيث تشرق الشمس، أسكناه

ينال زيوسودرا حياة أبدية وخلوداً في جنة دلمون، ودلمون هي الاسم القديم لمنطقة البحرين بالمناسبة، وهي لا تأتي هنا بمعنى أنه حظي بخلود في الجنة حيث مستقر أرواح الصالحين، لأن السومريين أصلاً لم يكونوا يؤمنون بالحياة الأخرى بعد الموت، بل كانوا كاليونانيين يؤمنون أن حالة الموت حالة يدخلها جميع البشر في مملكة الأشباح السفلية، أما دور الصلاح والتقى خلال الحياة فهو زيادة أيام المرء في هذه الدنيا وحسب. أما الجنة (دلمون) فهي مستقر للآلهة والقلائل الذين يمنحون الخلود فحسب.



**


النصوص البابلية عن الطوفان:

كما رأينا الأسطورة لدى السومريين فهي موجودة لدى سليليهم البابليين، وأشهر ثلاث نصوص بابلية تحمل قصة الطوفان هي النصوص التالية:



أ ـ نص نيبور:

هذا النص الذي يعود لعصر الدولة البابلية القديمة، هو أقدم النصوص البابلية التي تشير إلى قصة الطوفان، وقد عثر عليه على لوح من الآجر في خرائب مدينة نيبور، لكن حالته لم تسمح إلا باستعادة بضع سطور تقول:
سأقوم بإفلات المياه
[...] سوف يأخذ الناس أجمعين
[...] قبل أن يحل الطوفان
[...] سأسبب الخراب والدماء والفناء
[...] قم ببناء سفينة
[...] سيكون هيكلها
سفينة عظيمة، وسيكون اسمها حافظة الحياة
[...] قم بتغطيتها بغطاء متين
وإلى السفينة التي صنعت
اجلب وحوش البر وطيور السماء

النص لا يوضح الكثير، كل ما نعرفه منه هو أن هناك طوفاناً سوف يجتاح الأرض، وهناك إله يصطفي إنساناً ليقوم بإنقاذ بذرة الحياة عن طريق بناء سفينة عظيمة.



ب ـ أوتونابشتيم وجلجاميش:

نص الأسطورة البابلية عن الطوفان في ملحمة جلجاميش يعتمد بكل تأكيد على النصين السومري ونص نيبور، لكن مؤلف ملحمة جلجاميش يدخل هذا النص في سياق أحداث الملحمة ونسيجها الدرامي ليجعل قصتها تخدم الغرض العام للملحمة (الخلود محرم على بني البشر)..
القصة مدونة على اللوح الحادي عشر من الملحمة الذي كان أول الألواح المكتشفة، عندما يسعى البطل جلجاميش إلى الحكيم أوتونابشتيم الذي منحته الآلهة الخلود ليعرف منه سر الحياة الأبدية..
لكن أوتونابشتيم يخيب أمل جلجاميش عندما يروي له الظروف الخاصة التي أدت إلى منحه الخلود:


فقال أوتونابشتيم لجلجاميش:
جلجاميش.. سأكشف لك أمراً مخبوءاً.
وأبوح لك بسر من أسرار الآلهة
شوريباك مدينة أنت تعرفها
تقع على شاطئ نهر الفرات
لقد شاخت المدينة والآلهة وسطها
فحدثتهم نفسهم أن يرسلوا طوفانا
كان هناك آنو أبوهم
كما كان انليل مستشارهم
وننورتا ممثلهم
واينوجي وزيرهم
وننجيكو (آيا) كان حاضراً أيضاً
فنقل حديثهم إلى كوخ القصب (بيت أوتونبشتيم):
يا كوخ القصب، يا كوخ القصب، جدار يا جدار
اصغ يا كوخ القصب، وتفكر يا جدار
رجل شوريباك يا ابن اوبارا ـ توتو
قوض بيتك وابن سفينة
اهجر ممتلكاتك وانج بنفسك
اترك متاعك وأنقذ حياتك
اعمل على حمل بذرة كل ذي حياة
والسفينة التي أنت بانيها
ستكون وفقاً لقياسات مضبوطة
فيكون عرضها معادلاً لطولها
وغطها كما هي المياه السفلى

يقرر مجمع الآلهة البابلي إرسال طوفان يقتلع بني البشر، لكن الإله ايا ـ وهو ذاته إنكي ـ يخرج عن إرادتهم ويتجلى لأوتونابشتيم من خلف جدار ليخبره بذلك القرار، ثم يأمره بأن يقوم ببناء سفينة يعطيه هو مقاييسها بنفسه، ثم يستعملها لإنقاذ الحياة..
ينهي أوتونابشتيم بناء السفينة ثم يبدأ بتجهيزها للكارثة القادمة:

حملت إليها كل ما أملكه
كل ما أملكه من فضة حملت إليها
كل ما أملكه من ذهب حملت إليها
كل ما لدي من بذور كل شيء حي حملت إليها
وبعد أن أدخلت إليها أهلي وأقاربي جميعاً،
وطرائد البرية ووحوشها وكل أصحاب الحرف

نلاحظ من عبارة (أصحاب الحرف) أن أوتونابشتيم كان حريصاً على ألا يضيع تراث البشرية وحضارتها..
بعد هذا يحدد إله الشمس شاماش لأوتونابشتيم إشارة دخوله إلى السفينة إلا وهي المطر العاصف الذي سيرسله إله العواصف والريح إنليل..

يستطرد النص بعد هذا في وصف هول الطوفان الذي أفزع حتى الآلهة أنفسهم ودفعهم إلى الهرب إلى مقر الإله آنو (أي إلى السماء السابعة).. ونلاحظ هنا نواح الآلهة عشتار وندمها الذي يستغرق بضع سطور:

صرخت عشتار كامرأة في المخاض
ناحت سيدة الآلهة ذات الصوت العذب
لقد آلت إلى طين تلك الأيام القديمة
ذلك أنني نطقت بالشر في مجمع الآلهة
فكيف استطعت أن آمر بمثل هذا الشر
كيف استطعت أن آمر بالحرب لتدمير شعبي
تدمير من أعطيتهم أن الميلاد
وهاهم يملأون اليم كصغار السمك.

وبعد سبعة أيام يبدأ الطوفان بالهدوء وتتوقف الأمطار، وترسو السفينة على قمة جبل نصير (بمعنى جبل الخلاص وهو جبل يقع ـ حسب حوليات آشور بانيبال جنوب نهر الزاب الاعلى أحد روافد دجلة)..

يحاول أوتونابشتيم التأكد من أن الماء انحسر عن الأرض فيطلق حمامة مما معه، لكنها تعود له عندما لا تجد مكاناً تقف عليه، فيرسل طائر سنونو، لكنه بدوره يعود، فيرسل في النهاية غراباً، هذه المرة لا يعود الغراب فيعرف أوتونابشتيم أن المياه انحسرت ويطلق ما معه ومن معه في الجهات الأربع، ثم يذبح أضحية للآلهة، فيجتمع الآلهة على الأضحية وتعطي الآلهة عشتار عهدها بألا تنسى ما حدث (ربما بمعنى ألا يتكرر الطوفان ثانية)، لكن الإله إنليل يصل فيحمى غضبه عندما يرى أنه كان هناك ناجون من الطوفان، فيعاتبه باقي الآلهة ـ وخصوصاً ايا ـ لأنه كان السبب في الطوفان الذي قضى على البشر دون تمييز صالح من طالح:

ففتح ايا فمه وقال مخاطباً انليل المقاتل:
أيها المحارب، أيها الحكيم بين الآلهة
كيف، آه كيف دونما تفكر جلبت هذا الطوفان؟
حمِّل المذنب ذنبه، والآثم إثمه
أمهله حتى لا يفنى، ولا تهمله كي لا يفسد
كنت تستطيع بدل الطوفان أن تسلط الأسود لتنقص عدد البشر
كنت تستطيع أن تطلق الذئاب فتنقص من تعدادهم
أو تحدث القحط الذي يهلك البلاد
أو تأتي بـ ايرا فيحصد الناس

ايرا هو إله الطاعون بالمناسبة، وفي هذا الجزء نفهم أخيراً سبب هذا الغضب الإلهي وهو فساد بني البشر!

يبدو أن انليل يقتنع بما قاله ايا، فيصعد إلى السفينة ومعه اوتونابشتيم وزوجته، ثم يعطيهما نعمة الخلود كالآلهة، وتقول الأسطورة أنّهما عاشا بعدها حيث فم الأنهار دون تحديد تام.. لكنه يعود فيخبرنا في ملحمة اتراحسيس أن البطل وزوجته عاشا في جنة دلمون التي تنبع منها الأنهار، وصفة (المكان الذي نتبع منه الأنهار) كانت لصيقة في الأساطير القديمة بالنعيم أو الجنة، بل حتى في التوراة توصف الجنة بأنها منبع أربعة أنهار (فيشون وجيجون وحداقل والفرات)..


ج ـ نص اتراحسيس:

لا تحتاج قصة اتراحسيس لكثير من الكلام لأنها تماثل أوتونابشتيم، بل إنهما أصلاً الشخص نفسه بما أن اسم اتراحسيس يستخدم في ملحمة جلجاميش ذاتها عند ذكر اوتونابشتيم عدة مرات..
لكن المميز هنا هو أسباب الطوفان..

فإله الريح والعواصف ثائر على البشر الذين تكاثروا على الأرض حتى أصبحت ضوضاءهم تزعجه وتمنعه عن النوم، فيسلط عليهم الكارثة تلو الأخرى بهدف إفناءهم، فتارة يبتليهم بالجفاف والقحط، وأخرى يقطع مواليدهم.. لكن البشر يقاومون تلك الكوارث حيث يستعين حكمائهم بالآلهة التي تشفق عليهم وتعينهم.. وفي النهاية يقرر انليل وضع حد لحياة البشر عن طريق طوفان يقتلع البشرية من أساسها، لكن الإله ايا يتمرد على القرار الظالم ويحذر اتراحسيس الحكيم.. والباقي كما رأيناه سابقاً لا يختلف على الإطلاق..



لطوفان الهلليني


تعود أسطورة الطوفان لتظهر ثانية في الفترة الهللينية!

هذه المرة نحن نعرف كاتب نص الطوفان بالاسم، الكاهن بيروسوس الذي كان كاهناً للإله مردوخ في بابل وذلك في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد، والواقع أن كل أعمال هذا الكاتب ضاعت إلا القليل منها الذي نقل في أعمال الكاتب اليوناني اليكسندر بوليستر في القرن الأول قبل الميلاد، ولذلك نلاحظ في رواية الطوفان التالية التي أوردها الكاتب اليوناني تحوير اسم الإله البابلي ايا ليصبح كرونوس.

يقول النص أنه في عهد الملك اكسوثروس ابن ارديتيس، حدث الطوفان العظيم، حيث تجلى للملك في الحلم الإله كرونوس ليحذره بأنه سيرسل طوفاناً يفني البشرية، وأن عليه أن يقوم بتدوين ألواح عن بداية كل شيء وتطوره ونهايته (حفظ الحضارة البشرية من الضياع) وبناء سفينة ينقل إليها أقاربه وأهله ويحمل إليها الحيوانات الحية من كل ما يطير أو يدب على الأرض.

وبعد أن يهدأ الطوفان يرسل اكسوثروس بعض الطيور لكنها تعود إليه عندما لا تجد مكاناً للهبوط أو طعاماً، وعندما يرسلها في المرة الثانية تعود أيضاً لكن مع آثار طين أرجلها، وعندما يرسلها في المرة الثالثة لا تعود إليه فيعرف أن الأرض انكشفت، وسرعان ما ترسو السفينة عند أحد الجبال فينزل الملك وزوجته وملاح السفينة لتقديم الشكر والقرابين للآلهة وبناء معبد لهم، لكنهم يتأخرون في الرجوع إلى السفينة فينزل أهلها باحثين عنهم، وبينما هم يبحثون يأتيهم صوت من السماء يخبرهم أن اكسوثروس رفع إلى السماء بين الآلهة الخالدين جزاء له على صلاحه وتقواه وشاركه هذه النعمة زوجته وملاح سفينته، وأن السفينة قد رست في أرض أرمينيا وعليهم أن يعودوا إلى بابل سيراً على الأقدام واستعادة الألواح المطمورة، التي وضعها اكسوثروس في سيبارا مدينة إله الشمس كما أمرته الآلهة.. وهكذا تبنى بابل من جديد وتزدهر الحضارة البشرية مجدداً.





الطوفان اليوناني

تتحدث الأسطورة اليونانية عن الطوفان العظيم بدورها.. فتقول أن زيوس قد غضب على البشر في العهد النحاسي الثالث بسبب غيهم وعصيانهم للآلهة، فأرسل عليهم طوفاناً غمر الأرض وقضى على أبناء ذلك العهد جميعاً..

إلا أن الإله برومثيوس أنذر ابنه ديوكاليون وأمره ببناء صندوق كبير اختبئ فيه هو وزوجته بيرا لمدة تسعة أيام حتى ألقته الأمواج على قمة جبل بارناس ذي الرأسين.. وسرعان ما انحسرت المياه بعد ذلك عن الأرض لتكشف أمام ديوكاليون فناء الجنس البشري كاملاً..

وهنا ينفذ زيوس إلى ديوكاليون الإله هرمز، الذي يبلغه برضا زيوس عليه بسبب تقواه.. ويطلب منه أن يختار أمنية يحققها له الرب العظيم.. فيتمنى منه أن يعيد إعمار الأرض بالبشر.
يأمر زيوس ديوكاليون وبيرا أن يجمعا كثيراً من الأحجار ويرمياها خلف أكتافهما دون النظر إليها.. فتستحيل الأحجار التي يرميها ديوكاليون رجالاً والتي ترميها بيرا نساءاً يشكلون الجيل البشري الجديد الذي يعمر الأرض..


النص التوراتي


يطالعنا العهد القديم (سفر التكوين بالذات) بقصة الطوفان مرة أخرى
فحزن الرب انه عمل الانسان في الارض.وتأسف في قلبه.
7 فقال الرب امحو عن وجه الارض الانسان الذي خلقته.الانسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء.لاني حزنت اني عملتهم
مرة أخرى يطالعنا الغضب الإلهي من بني الإنسان، هذه المرة من قبل الرب يهوه، لكنه يصطفى نوح من بين البشر، فيقوم الرب يهوه بتوحيد أفعال الآلهة المختلف التي لاحظناها في النصوص السابقة بنفسه، فهو يقوم بإهلاك البشر، وكذلك يقوم بإنقاذ بذرة حياتهم.. فيعطي نوح مواصفات بناء السفينة وما عليه جمعه من الكائنات.
وهنا تصيبنا الرواية التوراتية بالحيرة تماماً بسبب التناقض بين أقوالها فنرى يهوه يقول لنوح في الإصحاح السادس:
(وأقيم عهدي معك فتدخل التابوت أنت وبنوك وامرأتك ونسوة بنيك معك. ومن كل حي ومن كل ذي جسد اثنين من كل تدخل التابوت لتحيا معك. ذكر وأنثى تكون)

لكنه يعود في الإصحاح السابع فيقول:
(وخذ من البهائم الطاهرة سبعة سبعة ذكوراً وإناثا. ومن البهائم التي ليست طاهرة اثنين ذكر وأنثى)

كما يوقعنا بحيرة بسبب المزيد من النقاط مثل (مدة الطوفان) (إطلاق الطيور) وغيرها، فيوردها بشكل متناقض، ويعود ذلك غالباً إلى نسج نوعين من النصوص التوراتية بعد العودة من الأسر البابلي وهي النصوص التي يدعى فيها الرب بالاسم يهوه والتي يدعى فيها بالاسم الوهيم، ومحاولة دمجها أدت إلى هذه التناقضات الواضحة في النص.

يقوم نوح ببناء السفينة التي يدعوها النص بالتابوت ـ (يتبا) بالعبرية ـ ويحمل إليها أبناءه الثلاثة (سام وحام ويافث) وزوجاتهم. ويأتي الطوفان العظيم الذي يمحو الحياة عن وجه الأرض. ويستمر لفترة يختلف بها العهد القديم ثانية فيقول (وكان الطوفان أربعين يوماً على الأرض) ثم يعود فيبلغنا ـ في الإصحاح السابع ذاته ـ (وبعد مئة وخمسين يوماً نقصت المياه) فهل استمر الطوفان أربعين يوماً أم مئة وخمسين يوماً بالضبط؟

المهم أن الفيضان ينتهي فيقوم نوح بإطلاق الطيور التي معه تماماً كما رأينا في النصوص السابقة فيتأكد من جفاف الأرض، لكن الجديد هنا أنه لا يخرج من السفينة حتى يأتيه أمر الرب بالخروج، فينزل ويقوم بتقديم أضحية فيرضى الرب عنه ويقيم عهداً بألا يكرر الطوفان على البشر واضعاً قوسه في السحاب (قوس قزح) كي يتذكر كل ما هطل المطر عهده مع الكائنات الحية على الأرض فلا يتحول المطر طوفاناً يقضي على البشرية:

ً وقال الرب هذه علامة الميثاق الذي انا واضعه بيني وبينكم وبين كل ذوات الانفس الحيّة التي معكم الى اجيال الدهر.
13 وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الارض.
14 فيكون متى انشر سحابا على الارض وتظهر القوس في السحاب
15 اني اذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حيّة في كل جسد.فلا تكون ايضا المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد.
16 فمتى كانت القوس في السحاب ابصرها لاذكر ميثاقا ابديا بين الرب وبين كل نفس حيّة في كل جسد على الارض.


نتوقف هنا للتعليق على موضوع المكافأة الإلهية لبطل النص بالخلود، ففكرة كهذه ليست مقبولة على الإطلاق في الديانات السماوية، فيستبدلها بإسباغ يهوه بركته الإلهية على نوح وأبناءه..

1 وبارك الرب نوحا وبنيه وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض.
وهكذا يعمر أبناء نوح الثلاثة الأرض من جديد، وإليهم ينسب جميع البشر!
وبالنسبة للديانة المسيحية فلا يوجد لديها أي نص يتعلق بالطوفان ـ على حد علمي ـ بل تأخذ بما جاء في العهد القديم..


أساطير متفرقة



تأتينا أسطورة الطوفان ثانية، لكن بأشكال متفرقة مختلفة من حضارات مختلفة..

فنحن نجد قصة متكرر عن طوفان عظيم غطى الأرض قديماً لدى قبائل في البرازيل وغينيا وأمريكا الوسطى والشمالية، ولدى قبائل أوروبا المختلفة قبل انتشار المسيحية..

وفي نيوزيلندا نجد أسطورة عن حريق رهيب حدث عندما قام أحد الأبطال بسرقة النار السماوية لكن المشعل سقط من يده، ويتضرع البشر إلى الآلهة حتى تعطف عليهم وترسل طوفاناً يطفئ النار (لاحظ التشابه مع برومثيوس اليوناني)..

وتتكرر قصة النار السماوية أيضاً في بوليفيا.. ونجد في الهند أسطورة أخرى عن طوفان هائل غطى الأرض ولم ينج منه سوى رجل وامرأة كانا على قمة جبل عال للغاية.. لكنهما أحسا بالبرد الشديد فأخذا يرتجفان حتى أشفق عليهما أهل القمر وأرسلوا لهما ناراً يستدفئان بها!

وغير هذه الأساطير كثير، لربما كانت الطريقة المثلى لتوضيح مدى شيوع الأسطورة فعلاً هي الرجوع إلى كتاب (الفولكلور في العهد القديم) لفريزر حيث يورد في صفحاته مئة وخمسين مثالاً مختلفاً من حضارات مختلفة على قصة الطوفان!!


أسباب الطوفان في النصوص


غالباً ما أكدت جميع النصوص على تعاظم الشر الإنساني سبباً للغضب الإلهي الذي يفضي إلى الطوفان العظيم..

لكن قصة (اتراحسيس) البابلية تعطي سبباً غريباً للغاية وهو (تعاظم ضجيج البشر الذي منع الإله انليل من النوم)، والغريب أننا نجد شيئاً كهذا في ملحمة الخلق البابلية (الأينوما إيليش) التي تقول أن والد الآلهة الشابة الإله البدئي آبسو (الماء العذب) انزعج من أبناءه الذين يمنعونه من النوم بسلام بضوضائهم! فحاول إفناءهم لكنهم هزموه بقيادة الإله ايا وأقاموا النظام الكوني وخلق الإله مردوخ ابن ايا العالم من جسد أمهم (تعامة) التي حاولت الانتقام لزوجها.. فما الذي عنته قصة اتراحسيس البابلية عندما أبرزت ذلك السبب القديم لغضب انليل للبشر؟!

العهد القديم يبين أن الفساد الإنساني هو المؤدي لتلك الكارثة، ولكن ـ ولا بد من هذه الـ لكن! ـ يطالعنا العهد في شرحه لأسباب الطوفان بأشياء غريبة:
حدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الارض وولد لهم بنات

2 ان ابناء الله رأوا بنات الناس انهنّ حسنات.فاتّخذوا لانفسهم نساء من كل ما اختاروا.

(أبناء الله؟!!) من هم أبناء الله؟! وما مشكلة زواجهم من بنات الناس حتى تحدث هذه الكارثة عقاباً؟

يقول لنا القديس أوغسطينوس أنَّ (بنات الناس) هنَّ بنات شيث ـ ابن هابيل ـ المباركات، أما أبناء الله فهم أبناء قاين (قابيل) الذي لعنه الرب بسبب جريمته..

جميل جداً، لكن لماذا إذاً يعود النص ليبلغنا أن نتاج الزواج كان جبابرة أو عمالقة جبارين فاسدين عاثوا في الأرض فساداً؟

4 كان في الارض طغاة في تلك الايام.وبعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم اولادا.هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم

ثم إن قصة هابيل وقاين في سفر التكوين تعطينا في نهايتها ما يشبه عفواً من الرب على قاين بسبب جريمته، ولا تفيد بأي لعنة إلهية على ابنه شيث ولا أي تحريم لهذا النوع من التزاوج!

إذاً من هم أبناء الله هؤلاء؟!

يستعمل العهد القديم هذا التعبير في أماكن كثيرة بمعنى (الملائكة).. هذه نقطة!

النقطة الثانية هي قصة ترد في سفر إخنوخ.. وهو أحد الأسفار المنحولة بطله هو أخنوخ:
1 وعاش اخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح.
22 وسار اخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلث مئة سنة وولد بنين وبنات.

هذا ما يذكره عنه العهد القديم في سفر التكوين، عدا سلالته التي تنتهي إلى شيث ابن هابيل..

أما قصة سفر اخنوخ المنحول فهي تتحدث عن صعود اخنوخ إلى السماء.. والسبب الذي ذكرت القصة لأجلهن هو أن اخنوخ بينما هو في السماء يطلع على ملائكة سوداء تعذب بشدة، فيسأل عن هويتها، فيجاب بأنها ملائكة ساقطة اشتهت بنات البشر فتخلت عن مكانتها ونزلت بين البشر وتزوجت من النساء البشريات بعد أن رتبت مع قائدها Semyaz سمياز عهداً يجمعهم بلعنة أبدية كي لا يتحمل واحد منهم فقط عبئ هذه الخطيئة..

لن أزيد كثيراً على القصة كي لا أخرج عن الموضوع الأساسي أكثر من اللازم! لكن يظن كثيرون أن هذه القصة هي التي يعنيها العهد القديم عند بيان أسباب الطوفان!


حقيقة الطوفان


والآن يحق لنا فعلاً أن نحك رؤوسنا بحيرة قائلين: لماذا هذا الإصرار الغريب على موضوع الطوفان؟! لماذا تصر كل ميثولوجيا في كل حضارة على إيراد قصة تحمل تشابهاً واضحاً مع معالم هذه القصة؟!

التفسير الأول الذي يتبادر لفكرنا هو: لم لا تكون حقيقة؟!

أي حدث رهيب حدث فعلاً قبل بداية التاريخ المكتوب، ولكنه بعظمته الرهيبة حفر آثاره حفراً في الوجدان الإنساني، وكما يحدث عادة وصل إلينا في شكل أسطورة ـ أو أساطير! ـ تنقل لنا جزءاً من ذلك الواقع..

الفكرة جذابة بشدة، ومغرية بالتصديق بالفعل.. لكن علماء الأركيولوجيا يصرون على تدمير أحلامنا الرقيقة عندما يهزون أكتافهم ليخبرونا أنه لا توجد أي آثار على حدوث هكذا طوفان، ويرمون في وجهك عشرات الحقائق التي قد تفهم بعضها ولا تفهم البعض الآخر..

سيقول لنا البعض: لا.. لا.. هي مجرد قصة دينية ابتدعها الكتاب المقدس كعبرة دينية تهدف إلى أن الناس الفاسدين مصيرهم الفناء، بينما الصالحون الذين يطيعون الله مصيرهم النجاة والبركة!
لكن القصة وجدت قبل أن يكتب أول أسفار العهد القديم بأجيال طويلة، دعك من أن القصة ـ كما رأينا ـ توجد لدى شعوب كثيرة لا يوجد بينها رابط بحيث يصبح من الصعب علينا أن نتخيل اتفاقهم على القصة كعبرة دينية فحسب..

قد يأتينا الجواب من سومر التي كانت أول حضارة أتتنا بالقصة أصلاً!

ففي العام 1929م وُجِدت في خرائب مدينة أور طبقة من الغرين سمكها ثمانية أقدام تقبع على عمق كبير.. وهي تعود ـ كما قيل ـ لفيضان عارم لنهر الفرات!

فهل هذا هو الطوفان العظيم؟! أهذا هو المصدر الذي أتت منه القصة السومرية التي أخذتها الحضارات الأخرى فيما بعد كما أخذت كل شيء آخر من تلك الحضارة العظيمة؟!

مرة أخرى تبرز مشكلة تلك الشعوب التي لا نزال نجد لديها أطيافاً من القصة.. ولئن كنا نستطيع استخدام هذه النظرية لتعليل ورود القصة لدى سليلي السومريين البابليين والشعوب التي اتصلت بهم.. فمن الصعب تعليلها عندما نجدها لدى هنود كاليفورنيا فيما بعد!

ربما لو التفتنا قليلاً إلى فطاحل علم النفس لوجدنا تفسيراً آخر.. ربما لا تعدو الأسطورة كونها تعبيراً عن شعور الإنسان الذي يخاف من حضارته التي تنمو وتتعقد فيتمنى في سريرته دمارها لعلها تحظى ببداية جديدة.. أعني.. من منا لم تتعقد أمامه الأمور فجأة حتى ليتمنى لو تنزل صاعقة تدمر كل شيء حوله عله يستطيع الحصول على بداية جديدة لا يكرر فيها أخطاءه السابقة..

لربما وجد هذا الشعور ـ كالعادة! ـ لنفسه متنفساً بشكل أسطوري.. لا ننسى أن أساطير التكوين التي تتكلم عن التصاق السماء (الذكر) والأرض (الأنثى) واقترانهما لينجبا المولود الإلهي الأول الذي يستخدم قوته النامية ليبعد السماء عن الأرض.. أو حتى قد نجده يقوم بقتل إله السماء (الأب).. ليست هذه الأساطير إلا تعبيراً قديماً للغاية عن عقدة أوديب الخالدة! ونراها أينما التفتنا سواء في قصة إنليل البابلي إله الريح الذي يضيف بحصره في المجال الضيق بين الأرض والسماء فيستعمل قوته لرفع أبيه بعيداً عن أمه.. أو قصة كرون اليوناني الذي يقتل والده إله السماء أورانوس!
بالإضافة إلى أن كم العنف الذي تحمله تلك الأساطير كان يلقى بالتأكيد إقبالاً لا يقل عن إقبالنا نحن على أفلام من النوع الذي تطلق فيه كمية من الرصاص تكفي لقتل نصف تعداد سكان الصين! مما ساهم أكثر في نشرها..
من المحتمل كثيراً أن أسطورة الطوفان تشكل مثلاً آخر.. فالإنسان هو الإنسان أينما وجد!

وما دمنا في معرض الحديث عن أصل أسطورة الطوفان فلا ننسى تفسيراً أخيراً، وهو القائل أن أسطورة الطوفان ربما لم تشهد أحداثها على هذا الكوكب! أي أن السفينة هي مركبة فضائية حملت النسل البشري إلى كوكب الأرض من كوكب أصابه الدمار.. طبعاً بغض النظر عن رأيي الخاص فهذه فكرة أقدمها لكم ولكم الحكم على مدى واقعيتها..

أريد في ختام هذه الفقرة أن أنوِّه لنقطة صغيرة كانت في بالي..

لا يهمنا حقاً مدى واقعية الطوفان من أصله، وإن أردتم الحق فهذه النقطة لا تهز شعرة في رأسي ـ وهو السبب الذي اخترت من أجله تقصير هذه الفقرة قدر ما استطعت ـ ذلك أن الأمر الذي يبهرني حقاً في هذه الأسطورة التي نراها ضربت نفسها في عمق الفكر الإنساني هو مدى التشابه الكبير الذي يصل بين بني البشر، أراه أشبه بخط مباشر يصل بين البدائي الذي يرقص حول النار بنشوة فطرية مع المتحضر الأنيق الذي يستعمل الشوكة والسكين وينتمي لعالم آخر مختلف تماماً، أمور مثل هذه هي التي تذكرنا من نحن ومن أين نأتي، ولربما هذا هو السبب الأهم كي لا نعتبرها قصصاً مسلية ـ بغض النظر عن مكانتها الدينية ـ بل تراثاً إنسانياً خالداً..

هذا كل شيء لدي الآن.. أتمنى أن يكون ما قدمته مفيداً و ـ وهو الأهم بالنسبة لي ـ مسلياً!..
___________________

أجد قمة في التحذلق أن أذكر مصادراً، لكني أجد من العدل حقاً أن يتمكن المهتمون بهذه الأمور مثلي أن يتوسعوا أكثر في الموضوع، وهي فائدة أخرى قد تكون أهم من كل ما كتبته سابقاً..
مصادري هي:
* (مغامرة العقل الأولى)، (الرحمن والشيطان): فراس السواح.. ويورد السواح في ثانيهما ترجمة جيدة لجزء كبير من سفر اخنوخ، وغيره من الأسفار المنحولة، فأنصح بالإطلاع عليه لمن يريد الاستزادة في نقطة (الملائكة الساقطة)..
* (قصة الحضارة): ويل ديورانت..
* (أساطير اليونان): د.عماد حاتم..
* العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاحان 6 ـ 7..