كنت بالأمس في السماء وأمسيت اليوم في الأرض . والسبب فاتورة حساب (شخصي) فيها مبلغ رأيت فيه اجحافا ، وهذا أمر عادي في هذا الزمان . من هذا السبب "العادي" المادي هبطت الي أسفل . وفي البحث عمن الوم بدأت بالطريق "العادي" فلمت القدر .. كما يفعل غيري .. ثم برأت ربي لأن الذنب أرضي وليس سماويا فلا يوجد في السماء لوم ولا ملام ولا يأتي منها شر . فأنتقلت بالوم الى أقرب الناس اليّ في الأرض ، انسان مثلي وجدته أقرب لحمل الاثم فهو من أسباب ما أنا فيه على الأقل .. ولم أنس عيالي و ... كل المجتمع ، لعلي اريح كاهلي قليلا . ولمعرفتي بأول وآخر ملام على ما أكابد ، قررت مواجهة الحقيقة أخيرا وأقررت بالوم على نفسي وحدها .
يصر الأنسان منا على الالتفاف على الطريق المباشر الا بعد أن يهوي من السماء حتى ييأس من بلوغ القاع ، فكما أن السمو والعلو بطلاقة السماء ورحابتها فان الهبوط والتهاوي الي أسفل سافلين .. بلا حدود يقف عندها الانسان .. فالأرض كذا أراضي ودرجات سافلة . والحديث هنا عن "معنويات" الانسان قصرا ، و"الروح" هنا هي "الروح العالية" بمعناها الدارج عندنا .
لم تكن تلك المادة التي أحسست الغبن فيها الا بداية للغبن الحقيقي الذي عرّضت نفسي له بالهبوط "نفسيا" تبعا .
فالسبب (البسيط) ما كان الا شرارة أوقدت النار الكامنة أصلا في النفس من سخط على (الأقدار) في كلمة واحدة مجملة . فمن سبب الى سبب ومن سخط على هذا الى سخط على ذاك و... شريط طويل من الشكوى والتذمر والسوالب بالصوت والصورة ، كلما تذكرت سالبة نزلت درجة أسفل ومن ظلمة الي ظلمة تجر ظلمات حتى أظلمت الدنيا كلها في وجه البائس .
وعندما يدرك الانسان انه لن يدرك القاع - ويكون حينها قد أخذ "الجرعة" الكافية (لادمانه) من "الهبوط المعنوي" وفقا لكل واحد وحاله - فانه "يقف" ، ثم يحاول أن يرحم نفسه قليلا . فالمعاناة درس "قسوة" يومي للانسان كي يبصر ويفوق لوعيه ويحاول الرجوع الى السماء لأن الأرض لا تطاق .
قررت الرجوع الى السماء ، ولكن كيف وقد وصلت من الاحباط النفسي الي ما لا ينفعني معه الا معجزة لـ"وقف" الهبوط المفاجئ ناهيك عن تغيير الاتجاه الى أعلى ؟
حقا يحتاج الانسان الى معجزة لوقف مثل هذا الهبوط القوي .. تماما كما يحتاج الى معجزة ليهبط الي مثل هذا الدرك !! وحقا فان هذه المعجزة متاحة يوجدها الانسان بنفسه لأن الله سبحانه أعطاه القدرة على ايجادها وتحقيقها ، وحقا ما يعجز الانسان الا ما أعجز نفسه عنه !! فكل معجز كأسهل ما يكون حتى يقنع الانسان نفسه باستحالته ، وكل صعب سهل حتى يصفه الانسان بالصعب ، و الأدلة على ذلك كثيرة بعدد المعجز والممكن مجتمعا . فكل شئ معجز (بدءا) حتى يقهره الانسان فيصبح ممكنا سهلا ، فالوجود كله معجز والانسان نفسه .. والكلام معجز حتى يتعلمه الانسان – ويظل معجزا لغيره - ، والمشي والابصار وكل شئ معجز بالأمس يمسي ممكنا شئيا فشيئا . والـ"وقوف" معجز حتى يتعلم الانسان كيف "يقف" . رغم ان الأصل في الانسان أنه واقف ثم تحرك ، والأصل فيه أنه وعي "راكد" حتى منحه الله الفكر فتحرك هذا "الوعي" وعرف نفسه ثم عرف ما حوله ، لكن المصيبة ان الانسان نسي "الوقوف" – أصله - فصار معجزا .
الانسان بين السماء والارض فهو بين صاعد الى السماء ( معنويات عالية ) وهابط الى الأرضين ، يصعد ويهوي دواليك .
و"الخبرة" خلاصة التجربة ... خلاصة الدرس "القاسي" اليومي أو المعاناة ... و"كيف تقف" عنوان لدرس هام . "كيف تقف" أيسر وأعجز ما يكون !! فان كان المخاطب بـ"الوقوف" فكر الانسان فما أيسرعليه المعنى – قف وارتاح - ، اما ان كان الخطاب لـ"النفس" – "الروح" – فالأمر فيه نظر .. فقد يكون معجزا حقا .
وصلت الى حضيض المعنويات – أو عجزت عن ادراك الحضيض كما أسلفت - وأظلمت الدنيا في عيني ولابد من الرجوع الى السماء ، فكيف يمكنني الـوقوف ضد ذلك التيار الجارف من العواطف "السالبة" التي تعصف بي في كل اتجاه لأعود الى حالة "توقف" فجأة ؟!! هذا مستحيل .. نعم انه مستحيل ... والكل يوافق انه مستحيل لأننا اتفقنا جميعا أنه كذلك ، وننسى أن الهبوط كان أيضا فجأة ... ولكن اذا رجع أحدنا ..أي أحد الى كتاب "التجربة" لعرف المعجز والسهل شيئا واحد وليس شيئين مختلفين ولوجد ذلك في أول صفحة ، وفي كل صفحة . فكم يواجه أحدنا معضلة من المعجزات تنقشع الى "لاشيئ" وكم من المصائب التي لاحمل لنا بها نظن أنها مهلكتنا بلاشك تتهاوى الى مجرد درس يومي لايحتاج منا حتى ذكره ومراجعة خلاصته . ولكننا ننسى "الخبرة" وكيف أن المستحيل يكشف عن نفسه – دوما – كأسهل ما يكون النسيان .
كنت في حال من لا"يعي" مثل هذا الكلام فمثل هذا الكلام "سماوي" يعيه من هو في السماء – من هو في وعيه – وكنت أنا في الأرض والأرض مظلمة ولا يعرف من في أرض "المعنويات" خبر سمائها ؟!! فقد كنت بحاجة – حقا – الى "معجزة" "واقعية" .. "أرضية" .. "مادية" . ووجدتها في صفحة من كتاب "الخبرة" لاأدري ان كانت الاولى - او غيرها – الا أني وجدتها . وبها عدت الى السماء "فجأة" كما هبطت ، وهذه هي المعجزة كأسهل ما يكون .
كان لدي – في عمل سابق – فائضا من الوقت وكنت كثيرا ما أكتب (ولا أنشر) ، ثم جاء وقت انصرفت فيه عن الكتابة وصار الحوار مع النفس شفهيا ، ونسيت صفاء في النفس وجدته طوال علمي الذي ذكرت ، ثم تذكرت ذلك الصفاء وأنا أكتب . فقرار "أكتب" أتخذته فجأة ، فـ"توقفت" عن الأفكار السالبة التي تهبط بي - فجأة ، وعندما بدأت اكتب ومن أول ما بدأت – فجأة تغير الاتجاه الى أعلى – الي السماء ، وحيث لامسافة بين السماء والأرض الا ما نوجدها بأنفسنا ، كنت في السماء – فجأة . ولعل من يقرأ هذه السطور يراها - كما اراها وانا اقرؤها الآن - خطرفة وهراء ، ولعلها كذلك حقا ، ولكن هذا الهراء ما كان الا عين "المعجزة" التي صعدت بها الي السماء .. مرة أخرى .