النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: كتاب الامام احمد الحسن ع التوحيد*

  1. #1
    يماني الصورة الرمزية almawood24
    تاريخ التسجيل
    04-01-2010
    الدولة
    العراق
    المشاركات
    2,171

    افتراضي كتاب الامام احمد الحسن ع التوحيد*

    أسرار الإمام المهدي  - قسم التفسير / الاصدار الثالث





    كتاب التوحيد
    تفسير سورة التوحيد



    وصي ورسول الامـام المهـدي 
    السيد أحمد الحسن 


    إصدارات أنصار الإمام المهدي 
    العدد (88)




    الطبعة الأولى
    1431هـ - 2010 م






    لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
    يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
    www.almahdyoon.org
































    الإهــداء
    إلى الحسين بن علي  ..
    وإلى كل من شهدوا ويشهدون بآلامهم وبدمائهم لحاكمية الله ..
    إلى زينب بنت علي ..
    وإلى كل من شهدن للحق ..
    وإلى من تعالت وتتعالى أصواتهن وهن يطالبن بحاكمية الله ..
    أشهد أن شهادتكم كتبت وتكتب ..
    وسيسأل أعداؤكم ومخالفوكم ..
    ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾
    ( الأعراف : 6 - 9 )

    خادمكم
    أحمد الحسن

























    لماذا هذا الكتاب
    سبحانه وتعالى أن تكون الألوهية أو الربوبية كنهه وحقيقته، بل هما صفاته سبحانه وتعالى فهو الله الذي يأله له الخلق ليكملوا ويدفعوا النقص عن صفحات وجودهم، وهو الرب الذي يفيض على خلقه الكمال ويسد نقصهم.
    ولكن أبداً ليست الألوهية أو الربوبية هي كنهه وحقيقته، بل هو سبحانه وتعالى تجلى لخلقه الفقراء بالكمال المطلق ، فكان هو الإله المطلق - الله سبحانه وتعالى - الذي يألهون إليه لسد نقصهم، وتجلى لخلقه الفقراء بالربوبية، فأفاض على نقصهم الكمال ليعرفوه ويعبدوه، فالعبادة دون معرفة فارغة عن المعنى فضلا عن الحقيقة.
    وبما أنّ غاية معرفة الحقيقة هو: معرفة العجز عن معرفة الحقيقة، فقد تجلى سبحانه وتعالى لخلقه بالألوهية التي هي الكمال المطلق المواجه لنقصهم، والذي يحثهم على التألّه إليه، وبالتالي تحصيل المعرفة في هذه المرتبة التي تؤهلهم إلى معرفة العجز عن المعرفة في مرتبة الحقيقة.
    فالألوهية غنى وكمال مقابل للفقر يدفع الفقراء أن يألهون إليه ليفيض عليهم الكمال، فيعرفونه بالألوهية وهم يألهون إليه ويعرفونه بالربوبية وهو يفيض عليهم الكمال، إنّ عدم التمييز بين الألوهية وبين الحقيقة جعل الأمور تختلط على كثير ممن يدعون العلم والمعرفة، هذا فضلاً عن أنّ كثيراً من هؤلاء لا يكادون يميزون بين الألوهية والربوبية، حتى نجد اليوم وبوضوح تام عجز من يدعون أنهم علماء الإسلام طوال أكثر من ألف عام عن بيان معنى لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾( ).

    فهم بين من يضيف كلمة للآية ويحرفها بهواه وكأنّه سبحانه كان عاجزاً تعالى علواً كبيراً عن إضافة هذه الكلمة ( )، وبين من يقول بجواز الإتيان على الله سبحانه وتعالى ( )، وهكذا هم كحاطب ليل لا يعلم أين يقع فأسه، فهم بين نارين نار: أن يقولوا بأن الله يأتي ويذهب، فينزلوه منزلة المخلوق المحتاج للمكان والحيز أو وسط الانتقال، وبين أن ينفوا عنه الإتيان والذهاب بتحريف الآية وإدعاء أن هناك محذوفاً فيها، وبهذا فهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه وعن مواضعه دون خوف منه سبحانه ويا لها من جرأة.
    أما المسيحيون، فقد جعلوا الآتي على السحاب المذكور في التوراة والإنجـيل ( ) هو عيسـى ، واعتبروا أن عيسى  هو الله سبحانه وتعالى.
    وجعلوا اللاهوت المطلق تجسد بجسد في هذا العالم، وبهذا أعلنوا فقره وحاجته ونقضوا ألوهيته المطلقة تعالى الله علواً كبيراً.
    من هنا كانت ضرورة كتابة هذا الكتاب لأنّه يبين العقيدة الحقة في اللاهوت التي يرضاها الله سبحانه وتعالى، كما وأرجو من الله أن يكون هذا الكتاب سبباً لهداية كثير من خلقه بعد أن أضاعهم من يجهلون الحقيقة ويدعون أنهم علماء.
    وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون في هذا الكتاب خير وبركة وزيادة في هدى ونقص من ضلال لكل من يقرأه، وأن يعم نفعه، وقد حاولت ما مكنني ربي أن أجعله مختصراً وفي متناول الجميع ولا يصعب على أحد من الناس فهمه.

    أحمد الحسن











    مقدمة


    الحمد لله رب العالمين، مالك الملك، مجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديّان الدين، رب العالمين.
    الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها، وترجف الأرض وعمّارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها.
    الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وعرفنا علم الكتاب بفضله ومنه وجعل لنا نوراً نستغني به و نسير به في الناس ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾( )، لقد جاءت رسل ربنا بالحق وصدقنا الله وعده إن الله لا يخلف الميعاد.
    والصلاة والسلام على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها ويغرق من تركها المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق.
    وصلوات الله على النار وعلى من في النار ومن حولها وتبارك الله رب العالمين ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾( ).
    وصلوات الله على الماء وعلى الجنات وعلى الأشجار المباركة فيها وتبارك الله رب العالمين ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾( ).
    وصلوات الله على البركة النازلة وعلى القرى المباركة وعلى القرى الظاهرة ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً﴾ ( ).
    كأني أرى بعض الجهلة ممن يدعون العلم يقرأون ما سطر في هذا الكتاب وهم يقولون هذا شرك وهذا كفر، وهم لا يفرقون بين القشر واللب وبين الحجر والجوهر، وأنا وأعوذ بالله من الأنا العبد الفقير لرحمة ربه المسكين المستكين بين يدي ربه أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، له الألوهية المطلقة وله الربوبية المطلقة وله الخلق وله الأمر وسبحان الله عما يشركون، وأن محمداً خير خلق الله وأول الخلق والعقل الأول هو عبد الله ورسوله إلى جميع خلقه من الإنس والملائكة والجن وما تعلمون وما لا تعلمون.
    لقد أُجهد الأنبياء والأوصياء عليهم صلوات ربي في بيان حرفين من المعرفة والتوحيد ولم يقبلها منهم إلا بعض بني آدم بعد اللتيا والتي، والمطلوب اليوم والذي سيصار إليه غداً هو بيان سبعة وعشرين حرفاً من المعرفة والتوحيد.
    عن أبي عبد الله ، قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً) ( ).
    والمعرفة والتوحيد التي يمكن لبني آدم تحصيلها هي ثمانية وعشرون حرفاً، حرف منها اختص به آل محمد وهو سرهم, ما أمروا بإبلاغه للناس ولا يحتمله الناس.
    عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن منصور بن العباس، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير، قال: قال أبو عبد الله : (يا أبا محمد إن عندنا والله سراً من سر الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا.
    وإن عندنا سراً من سر الله وعلماً من علم الله، أمرنا الله بتبليغه، فبلغنا عن الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حملة يحتملونه حتى خلق الله لذلك أقواماً، خلقوا من طينة خلق منها محمد وآله وذريته ، ومن نور خلق الله منه محمداً وذريتـه، وصنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمداً وذريته، فبلغنا عن الله ما امرنا بتبليغه ، فقبلوه و احتملوا ذلك [فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه] وبلغهم ذكرنا، فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك، لا والله ما احتملوه.
    ثم قال: إن الله خلق أقواماً لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا: ساحر كذاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق، فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة، ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه، فأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان، فاكتموا عمن أمر الله بالكف عنه واستروا عمن أمر الله بالستر والكتمان عنه.
    قال : ثم رفع يده وبكى، وقال : اللهم إن هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم ولا تسلط عليهم عدوا لك فتفجعنا بهم، فانك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبداً في أرضك وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً) ( ).
    وعن أبي عبد الله ، قال: (إنّ أمرنا سر في سر، وسر مستسر، وسر لا يفيد الا سر، وسر على سر، وسر مقنع بسر) ( ).
    وقال أبو جعفر : (إنّ أمرنا هذا مستور مقنع بالميثاق ( )، من هتكه أذله الله) ( ).
    وقال أبو عبد الله : (إنّ أمرنا هذا مستور مقنع بالميثاق ومن هتكه أذله الله) ( ).
    وقال أبو عبد الله : (إنّ أمرنا هو الحق، وحق الحق، وهو الظاهر وباطن الباطن، وهو السر، وسر السر، وسر المستسر، وسر مقنع بالسر) ( ).
    وهذه الثمانية والعشرون حرفاً من العلم والمعرفة هي على عدد منازل القمر، أربعة عشر قمراً وأربعة عشر هلالاً كما هي في الشهر، وهم حجج الله وكلماته التي تفضل بها على العالمين والحج الأكبر.
    الأقمار الأربعة عشر هم: (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد صلوات الله عليهم).
    أما الأهلة فهم: (إثنا عشر مهدياً ولأولهم مقامان: مقام الرسالة ومقام الولاية، فيكونون ثلاثة عشر، ومعهم ابنة فاطمة الزهراء فيكونون أربعة عشر).
    والأهلة منهم هم علامات الساعة والقيامة ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( ).
    واليوم الباقي من الشهر هو يوم غيبة الهلال والقمر، وهو عند الله ألف سنة وبعض الألف سنة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾( ).
    وهي موافقة لغيبة الإمام المهدي  كما هو معلوم، فلابد له أن يغيب اليوم وبعض اليوم لتتم كلمة الله ( )،
    ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمّىً﴾ ( )، وتتم أيام الله بالوصول إلى اليوم الأخير .
    وهذا اليوم وبعض اليوم (يوم الغيبة) يمثل الحرف المخزون المكنون عند الله الذي لم يخرج منه إلى غيره، ولا يعلمه أحد من خلقه، وهو سر غيبة الحقيقة والكنه، وهو واو (هو). أما هاء (هو) فهي الثمانية والعشرون حرفاً التي لا يعلمها بتمامها إلا آل محمد ، وهي سرهم كما قدمت. فالمطلوب - وهو التوحيد الحقيقي - معرفة الاسم الأعظم الاثنين وسبعين حرفاً ( )،
    وهي باطن الثمانية وعشرين حرفاً ( )، ليعرف بها العبد إنه عاجز عن المعرفة من دون الحرف الباقي ، فلا يبقى إلا العجز عن المعرفة، فلو عرفت م ح م من اسم محمد هل يقال إنك تعرف محمداً ؟ أم يقال إنك لا تعرف محمداً ؟ بل غاية ما تعرفه حروفاً من الاسم ولا يعرف الاسم إلا بكل حروفه.
    والحمد لله الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن فيها هدىً للناس وبينات من الهدى، ليحيى من يحيى عن بينة ويهلك من يهلك عن بينة ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ( ).
    والحمد لله وحده.
    المذنب المقصر
    أحمـد الحسـن





    ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

























    بسملة التوحيد:
    البسملة باب الكتاب، فلها ظاهر وباطن، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ( )، وهذا السور أو الباب هو سور التوحيد فمن دخل من البسملة إلى الكتاب شمله باطن البسملة وهو الرحمة (الرحمن الرحيم)، ومن بقي في الخارج حيث الظلام واجهه ظاهر البسملة وهو النقمة (الواحد القهار).
    فالبسملة سور باطنه (بسم الله الرحمن الرحيم) وظاهره (بسم الله الواحد القهار). وذُكر بسم الله الرحمن الرحيم في أوائل السَور ولم يذكر بسم الله الواحد القهار في أول سورة التوبة - التي هي خطاب موجه الى من اختاروا معاداة ومحاربة الرسول - ذلك أن من بين شيئاً فقد بين ضده؛ ولأنه سبحانه يواجه خلقه بالرحمة إلا من إختار الظلم والفساد والجور؛ فإنه سبحانه يواجهه بالقهر والنقمة، فالرحمة هي الأصل بالمواجهة والمواجهة بالقهر استثناء.
    وبسملة كل سورة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسورة من جهة، ومرتبطة ببسملة سورة الفاتحة من جهة أخرى ( ).
    وبما أن كل بسملة تحكي جهة من جهات بسملة الفاتحة، فهذه البسملة في هذه السورة تحكي التوحيد. فالبحث في بسملة هذه السورة يدور حول التوحيد، وهنا ثلاثة أسماء: الله الرحمن الرحيم.
    الله إسم الذات أو الكمالات الإلهية، والرحمن الرحيم باب الذات، وتترشح من هذا الباب أبواب هي بعدد أسمائه سبحانه وتعالى، وإنما جعل الرحمن الباب الذي تترشح منه أسماء الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يتعامل بالرحمة ولئلا تشتد المثلات بالخلق الذاكر لنفسه والغافل عن ربه.
    فالتوحيد بالمرتبة الأولى: معرفة انطواء جميع هذه الأسماء في الذات الإلهية، أي أن الله رحمن رحيم والرحمة ذاته، وقادر والقدرة ذاته.
    ومعرفة أن جميع هذه الأسماء مترشحة من باب الرحمة باطنه الرحيم وظاهره الرحمن.
    ومعرفة إن جميع هذه الأسماء غير منفكة عن الذات بل هي الذات عينها.
    ومعرفة أن جميع هذه الأسماء والصفات هي لجهة حاجة الخلق إليها، فوجودها من جهة افتقار الخلق لا من جهة متعلقة به سبحانه وتعالى، بل إنه سبحانه وتعـالى تجلى بالذات للخلق ليعرف - كان سبحانه كنـزاً فخلق الخلق ليعرف - ومعرفته سبحانه وتعالى بمعرفة الذات أو الله، وتمام معرفته تكون بمعرفة العجز عن معرفته سبحانه وتعالى عما يشركون، أي العجز عن معرفته في مرتبة الكنه أو الحقيقة ( )، ومعرفة الذات أو الله إنما تحصل من الباب أو الرحمن الرحيم، ولتحصيل هذه المعرفة افتتحت جميع العوالم بهذه الأسماء الثلاثة: الله الرحمن الرحيم، فنجد كتاب الله سبحانه وتعالى بنسختيه المقروءة (القرآن) والكونية (الخلق) قد افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، فالقرآن افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، والخلق - الكون - افتتح بخلق محمد وعلي وفاطمة.
    وهم تجلي الله الرحمن الرحيم، (وقد بينت في المقدمة أن منازل القمر هم آل محمد الأئمة والمهديون، وهم أبواب المعرفة)، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( ) ، وهذا يبين لك بوضوح علة ورود الحروف المقطعة -كما يسمونها- في الكتاب المقروء - القرآن - بعد البسملة مباشرة وفي أوائل السور، فعلة تقدمها في الكتاب المقروء - القرآن - هو لعلة تقدمها في الكتاب الكوني.
    والبسملة تشير إلى الوحدة، فالرحمن الرحيم متحدان في المعنى العام، وهما باب الذات الإلهية أو الله، الرحمن ظاهره والرحيم باطنه، والباب في الذات ومنه يترشح ما في الذات.
    فالباب هو الذات ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّـاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَـاءُ الْحُسْنَى﴾( )، فالبسملة تشير إلى أحدية الذات الإلهية (الله) بحسب باطن سور الكتاب، أي بسم الله الرحمن الرحيم، أما بحسب ظاهر سور الكتاب أي بسم الله الواحد القهار، فهي أيضاً تشير إلى الوحدة، فالواحد القهار باب الذات مترشح من الرحمن الرحيم ( )، فالواحد هو باطن الباب، والقهار هو ظاهر الباب ونتيجتهما واحدة، فهما متحدان في الواقع الخارجي - كما إنّ الرحمن الرحيم متحدان بالمعنى - لامتناع تعددهما او تفرقهما في الخارج؛ لأن الواحد الحقيقي يكون قاهراً لكل ماسواه ، وأيضاً القهار الحقيقي لكل ما سواه واحد حقيقي، قال أمير المؤمنين علي : (فَيا مَنْ تَوَحَّدَ بِالْعِزِّ وَالْبَقـاءِ، وَقَهَرَ عِبادَهُ بِالْمَوْتِ وَالْفَنـاءِ) دعاء الصباح للأمير  ( )، وأيضاً هذا الباب منطوي في الذات أو الله انطواء فناء.
    ولعل الفائدة تتم ببيان أن محمداً أرسل ببسم الله الرحمن الرحيم، وإرسال القائم  ببسم الله الواحد القهار، فمحمد ووصيه علي  سارا بالجفر الأبيض، والقائم  ووصيه يسيران بالجفر الأحمر، أي القتل وعدم قبول التوبة في بعض الموارد، كما ورد في الحديث عن رفيد مولى أبي هبيرة، قال: قلت لأبي عبد الله : جعلت فداك يابن رسول الله يسير القائم بسيرة علي بن أبي طالب في أهل السواد ؟ فقال: (لا يا رفيد، إن علي بن أبي طالب سار في أهل السواد بما في الجفر الأبيض، وإن القائم يسير في العرب بما في الجفر الأحمر. قال: فقلت له: جعلت فداك، وما الجفر الأحمر ؟ قال: فأمرَّ إصبعه إلى حلقه، فقال: هكذا، يعنى الذبح. ثم قال: يا رفيد إن لكل أهل بيت مجيباً شاهداً عليهم شافعاً لأمثالهم) ( ).
    أما الذات أو الله فهي تشير إلى الوحدة بعد ملاحظة فناء جميع الأسماء فيها، وهذا الفناء إشارة إلى الخلق، لترك ملاحظة أي كمال أو اسم من أسماء الذات والتوجه إلى التوحـيد الحقيقي، وهو التوجه إلى الحقيقة والكنه والتخلي عن أي معرفة، والإعتراف بالعجز المطلق عن أي معرفة سوى إثبات الثابت الذي تشير له الهاء في (هو)، ومعرفة العجز عن معرفته التي تشير له الواو في (هو)، وهذا التوجه هو توجه إلى الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، وهذه هي العبادة الحقيقية وهذا هو التوحيد الحقيقي وما دونه شرك في مرتبة ما.
    فالذين يعبدون الذات أو (الله) نسبة إلى هذه المرتبة مشركون من حيث لا يشعرون فضلاً عمن سواهم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ( )، فيجب أن تكون الذات أو الله قبلة للكنه والحقيقة فهي المقصود بالعبادة دون من سواها.
    وللتوضيح أكثر أقول: البسملة ثلاثة أسماء هي: الله، الرحمن، الرحيم. فإذا قلنا أن البسملة هي باب التوحيد فهذه الأسماء هي الباب وبها يعرف التوحيد، فنحتاج على الاقل إلى تمييز إجمالي لحدود هذه الأسماء ومعانيها.
    الله: وهو إسم للذات الإلهية الجامعة للصفات الكمالية، وفي الحقيقة هو صفة جامعة للصفات فمعنى الله أي الذي يؤله إليه في الحوائج، أي الذي يقصد لسد النقص من كل جهة.
    الرحمن: وهو اسم للذات الإلهية وصفة من صفات الكمال، وهو منطوٍ وفانٍ في الله، والرحمن في الدنيا والآخرة ولكنه أولى بأمور الدنيا لجهة سعة الرحمة فيه.
    الرحيم: وهو اسم للذات الإلهية وصفة من صفات الكمال، وهو أيضاً فانٍ في الذات الإلهية أي الله، والرحيم في الدنيا والآخرة ولكنه أولى بأمور الآخرة، لجهة شدة الرحمة فيه كما بينته في تفسير الفاتحة، فراجع.
    وهذان الاسمان أو الصفتان الرحمن الرحيم: هما في الحقيقة إسم واحد وصفة واحدة، فلا افتراق حقيقي بينهما ولا تمايز حقيقي، بل هما وجهان لحقيقة واحدة هي الرحمة، فهما باب الذات: الرحمن ظاهر الباب، والرحيم باطن الباب.
    هنا توحد هذان الاسمان ولم يبقَ لنا إلا توحد الرحمة مع الله أو الذات الإلهية، وهذا لا يحتاج فيه صاحب فطرة سليمة إلى العناء والبحث والتدقيق لمعرفته فالله سبحانه وتعالى، إذا كان هو الذي يؤله إليه في الحوائج، وهؤلاء الذين يتألهون إليه أو يقصدونه عصاة مقصرون، خيّرهم وأفضلهم ناظر إلى نفسه ولو من طرف خفي، فبماذا يعطيهم أ بالعدل وهو وضع الشيء في موضعه ؟ وهل من وضع الشيء في موضعه أن تعطي السلاح من يقاتلك به وهو ظالم ؟! وكيف ببقية الخلق إذا كان محمد خير خلق الله سبحانه وتعالى إحتاج في مواجهة الله سبحانه وتعالى الرحمة، فقدم له سبحانه وتعالى بقوله: (سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي) فقال الرسول : (اللهم عفوك عفوك).
    فقد سأل أبو بصير أبا عبد الله ، فقال: (جعلت فداك كم عرج برسول الله ؟ فقال : مرتين، فأوقفه جبرئيل موقفاً فقال له: مكانك يا محمد، فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إن ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي ؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة و الروح ، سبقت رحمتي غضبي ، فقال: اللهم عفوك عفوك، قال: وكان كما قال الله " قاب قوسين أو أدنى "، فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟ قال: ما بين سيتها إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لأمتك من بعدك ؟ قال: الله أعلم قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، قال: ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي  من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة) ( ).
    ومما طلب العفو صلوات الله عليه، أمن تقصير ؟ أم أن كلامه صلوات الله عليه لغو لا طائل من ورائه ؟ حاشاه وهو النبي الكريم الحكيم خير ولد آدم صلوات الله عليه، ولما قدم الله سبحانه وتعالى الرحمة وبين أنها سبقت غضبه، ولما واجه نبيه الكريم بهذا الكلام الذي يستشعر منه أنه موجه إلى مستحق لمواجهة الغضب ولكن الله يريد أن يواجهه بالرحمة، ثم إنه سبحانه وتعالى فتح له الفتح المبين، وغفر له ذنبه الذي استحق به الغضب وهو الأنا، والذي بدونه لا يبقى إلا الله الواحد القهار، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ( ).
    فشائبة الظلمة والعدم بدونها لا يبقى للإنسان إنسانيته، ولا يبقى ألا الله الواحد القهار، ومحمد بعد الفتح أخذ يخفق بين فناء فلا يبقى إلا الله الواحد القهار، وبين عوده إلى الأنا والشخصية فهو صلوات الله عليه حجاب بين الخلق والحق ، وهو البرزخ بين الله وخلقه، فإذا كان صاحب هذه المرتبة العظيمة محتاجاً أن يواجه بالرحمة فما بالك بمن سواه، فبالنسبة للخلق الله الذي يتألهون إليه هو الرحمن الرحيم بل لابد أن يكون كذلك وإلا فسيعودون خائبين خاسرين بسبب تقصيرهم. إذن، فالله والرحمن بالنسبة لنا واحد بل هو كذلك في الحقيقة، فالباب أو الرحمن هو مدينة الكمالات الإلهية أو الله فمنه يعرف ما فيها، ويتجلى ويظهر منه الفيض الإلهي إلى الخلق، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾( )، فإذا تبين وحدة هذه الأسماء في الذات الإلهية أو الله وفناؤها فيها عرفنا أن الوحدة الأحدية متحققة في الذات الإلهية أو الله سبحانه وتعالى، وهذه هي المرتبة الأولى المقصودة في التوحيد، وهي كما قدمت وحدة جميع الأسماء والصفات في الذات الإلهية أو الله وحدة حقيقية أي أن الله واحد أحد وجميع الأسماء والصفات عين ذاته وليست أعراضاً تتصف بها الذات، ولا جواهر تتركب منها فهو الله الرحمن القادر ........ كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾( ).
    والحقيقة أن هذه المرتبة من التوحيد لا تخلو من الشرك في مرتبة ما لجهتين:
    الجهة الأولى: هي أننا لا يمكن أن نرفع كثرة الأسماء الملازمة للذات الإلهية عن أوهامنا، وإن كانت كثرة إعتبارية، فالله هو: الرحمن الرحيم القادر القاهر الجبار المتكبر العليم الحكيم ... وهذه الكثرة وإن كانت لا تخل بوحدة الذات الإلهية أو الله ولكنها كثرة، وتحمل معنى الكثرة فهي مخلة بالتوحيد في مرتبة أعلى من هذه، قال أمير المؤمنين : (..... أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف) ( ).
    والجهة الثانية: هي جهة الألوهية، فكوننا نتأله في حوائجنا إلى الذات الإلهية فإن علاقتنا معه سبحانه وتعالى غير خالية - والحال هذه - من الطمع والحاجة لسد النقص من جهة معينة، إذن فالعبادة غير خالصة بل هي طلب للكمال وسد النقص في أحسن صورها على هذا الحال، وهذه المرتبة شرك، فالإخلاص الحقيقي هو قطع النظر عمن سواه سبحانه وتعالى حتى عن الأنا والشخصية، وهذا هو الأولى والأحجى بل هو أصل المطلوب، إذن فالتوحيد الحقيقي يتحقق بعد معرفة فناء جميع الأسماء والصفات في الذات الإلهية، ثم فناء الذات الإلهية في الحقيقة أي فناء الألوهية في حقيقته سبحانه، ولايتحقق هذا الامر الا بفناء الأنا وشخصية الانسان فلا يبقى إلا الشاهد الغائب سبحانه وتعالى عما يشركون ( )، وإذا كان هناك لفظ دال عليه فيكون (هو) ضمير الغائب، والهاء لإثبات الثابت والواو لغيبة الغائب ( )، وهذا التوجه - المتحصل من هذه المعرفة - هو التوجه الصحيح لأنه توجه إلى الحقيقة والكنه، وهذا هو التوحيد الحقيقي، توحيد الحقيقة والكنه أو الإسم الأعظم الأعظم الأعظم، أو الإسم المكنون المخزون والذي ينبع من داخل الإنسان بعد فناء الأنا وبقاء الله، وهذه هي المرتبة الأخيرة المقصودة في التوحيد واليها تشير بسملة التوحيد وسورة التوحيد أيضاً كما سيتضح.
    ولأن بسملة سورة التوحيد هي مفتاح التوحيد الحقيقي وهي باب وحجاب الكنه والحقيقة، ولأن التوحيد غاية ابن آدم، فقد جرى الاهتمام العظيم بقراءة سورة التوحيد في الصلاة الواجبة والمستحبة وقبل النوم وبعد الاستيقاظ من النوم وبعد الصلاة الواجبة وفي صلاة الوصية وفي صلاة الناشئة ....... وصلاة سيد الموحدين بعد رسول الله علي  تقرأ التوحيد فيها 200 مرة، فلا يمر يوم على المؤمن دون قراءة التوحيد وكأنها قرينة الفاتحة، ونعم القرين.
    واعلم أن الغرض من هذه الغاية العظيمة (التوحيد) هو معرفة الله سبحانه وتعالى، وهذا الغرض خلق الله الإنسان لأجله فمن ضيع هذا الغرض فقد ضيع كل شيء ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾( )، أي ليعرفون، وهذا الغرض وهذه المعرفة لابد لها من التوحيد لتتحقق، والتوحيد الحقيقي لايتحقق بتحصيل الألفاظ والمعاني، بل يتحقق بالعمل والإخلاص لله سبحانه حتى يصبح العبد وجه الله سبحانه في أرضه أو الله في الخلق.
    لهذا قلت فيما تقدم: (التوحيد الحقيقي توحيد الحقيقة والكنه، أو الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، أو الاسم المكنون المخزون والذي ينبع من داخل الانسان بعد فناء الأنا وبقاء الله).

    * * *




    ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾:
    هو ضمير الغائب يشير إلى الاسم الأعظم الأعظم الأعظم أو الكنه والحقيقة, فالمراد هنا قل لهم إذا كانوا يريدون معرفة حقيقته وكنهه سبحانه وتعالى فهو يعرف بمعرفة الذات الأحدية، فالذات هي حجاب الكنه والحقيقة ولا يعرف ما بعد الحجاب إلا باختراق الحجاب، ولا يخترق الحجاب إلا بالمعرفة، فإذا عرفتم فناء الأسماء الإلهية في الذات أو الله وأحدية الذات ونظرتم فيها ومن خلالها باعتبارها حجاب الكنه والحقيقة عرفتم أن تمام معرفة الحقيقة هي العجز عن المعرفة.
    و ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تشير إلى معنيين:
    الأول: هو فناء الأسماء الإلهية في الذات وأحدية الذات في التوحيد الأحدي.
    والثاني: هو فناء الألوهية في الحقيقة في المرتبة الأخيرة، لأن الألوهية فيها الكثرة الاعتبارية لأنها تعني الكمال، وبالتالي التأله إليه لسد النقص والحصول على الكمال وللكمال جهات كثيرة.
    وفي المعنى الأول مرتبتان:
    ففي المرتبة الأولى: الله أحد أي أنه قادر والقدرة ذاته، وراحم والرحمة ذاته، وفي هذه المرتبة الأسماء الإلهية فانية في الذات ولكنها تلاحظ تفصيلاً أي الله القادر العليم الحكيم.
    وفي المرتبة الثانية: الله أحد أي أنه كامل يؤله إليه لسد النقص وتحصيل الكمال، والأسماء الإلهية فانية فيه دون ملاحظتها تفصيلاً بل إجمالاً باعتبارها جهات الكمال، أي النظر إلى الله سبحانه وتعالى الكامل دون النظر أو الالتفات إلى الأسماء الكمالية، ولا يخفى أن في هذا الإجمال تبقى الكثرة كالنار تحت الرماد، فالمقصود هو سد النقص وتحصيل الكمال سواء كان هذا القصد تفصيلياً أم إجمالياً.
    أما المعنى الثاني: الذي تشير له ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فهو فناء الألوهية والكمال في الكنه والحقيقة، فلا ينظر إلا للمعبود سبحانه وتعالى باعتباره معبوداً، فلا يبقى للألوهية في هذه المرتبة من التوحيد وجود، بل لا يبقى إلا النظر إلى الحقيقة والكنه أو الاسم الأعظم الأعظم الأعظم (هو) وهذه هي أعلى مراتب التوحيد، وغاية الإنسان وكماله الحقيقي هو عبادة الحقيقة والكنه، ولذلك وصف الرسول الأكرم في أعلى مراتب الارتقاء بالعبد ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾( ).
    * * *

    ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾:
    الصمد: أي الكامل الذي ليس فيه نقص أو ثغرة أو عيب، أي إننا في مقام تنزيه وتسبيح ألوهيته المطلقة وبيان كمالها المطلق، وبالتالي فهو سبحانه المقصود من الخلق لسد النقص في صفحات وجودهم الجسمانية والملكوتية والنورية الكلية في السماء السابعة أو العقلية لمن كان له حظ فيها وكان من المقربين.
    فهذا الوصف للذات الإلهية أي الصمد بيان للكمال الإلهي المطلق من خلال تنزيهه سبحانه عن النقص، وأيضاً بيان للنقص الموجود في الخلق الذي يجعلهم يقصدونه سبحانه وتعالى ليفيض عليهم من فضله.
    وهذا الوصف أي الصمد جاء بعد الأحد أي بعد أن بين طريق معرفة الحقيقة والكنه من خلال أحدية الذات وفناء الأسماء فيها ثم فنائها، والذي أشارت إليه ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فالآن بيان وتفصيل وتوضيح أن جميع الأسماء الإلهية والصفات الكمالية مطلقة منزهة عن النقص ومنطوية في الذات ويدل عليها اسم الله، فوصفه بأنه صمد أي لا جوف فيه أي لا نقص ولا ثغرة في ساحته، بل هو كامل من كل الجهات وحاوي لكل صفات الكمال، ثم شمول هذا الوصف أي الصمد لمعنى السيد الكريم الذي يقصد لقضاء الحوائج للدلالة على أنه سبحانه وتعالى بكماله المطلق المنزه المسبح يقصده الخلق لسد نقائصهم، ولقضاء حاجاتهم للدنيا والآخرة.
    وهذه الآية أي الله الصمد جاءت في مرتبة تنَّـزليّة مع المتلقي، فسورة التوحيد تبدأ من القمة ثم تتنـزل مع المتلقي في التوضيح حتى تنتهي إلى المقارنة مع الخلق ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، فمن الحقيقة والكنه وفناء الذات الإلهية ﴿قُلْ هُوَ﴾ إلى أحدية الذات وفناء الأسماء فيها ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى وصف الذات الإلهية بأنها الكامل المطلق الذي لا نقص فيه المقصود لقضاء الحوائج ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
    (الله الصمد): الصمد وكما بينت الكامل المقصود لقضاء الحوائج وسد النقص، فالصمد بيان للكمال المطلق بتسبيحه وتنزيهه سبحانه، فإذا كانت الأسماء والصفات الإلهية تمثل جهات الكمال الإلهية المقصودة، وكل صفة أو إسم بحسبه تمثل جهة من جهات الكمال تقصد من الخلق ومنها يفاض على الخلق، تبين أن جميع الأسماء والصفات منطوية تحت هذه الصفة أو الاسم أي الصمد، فلو توسعنا في الحديث في الصمد فالأمر سيطول لأننا نحتاج للمرور على جميع الأسماء والصفات الموجودة في دعاء الجوشن الكبير على الأقل، وهذا أتركه لمن فهم وأدرك ما قدمت فالإمام الصادق  يقول: (إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا)، والإمام الرضا  يقول: (علينا القاء الأصول وعليكم التفريع) ( ). وأرجو من الله أن يوفق الأخوة من طلبة الحوزة العلمية من أنصار الإمام المهدي  للتوسع والتفصيل وتوضيح المعنى بشكل مبسط للناس.
    وأظن أني قد مررت على الصمد في المتشابهات وربما كان به بعض الفائدة لمن قرأه، وأذكر نفسي وأذكركم بحديث الإمام الباقر  حيث قال : (لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عز وجل حملة لنشرت التوحيد والإسلام والإيمان والدين والشرائع من الصمد، وكيف لي بذلك ولم يجد جدي أمير المؤمنين  حملة لعلمه، حتى كان يتنفس الصعداء ويقـول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين الجوانح مني علماً جماً، هاه هاه ألا لا أجد من يحمله، ألا وإني عليكم من الله الحجة البالغة) ( ).

    الصَّمَدُ:
    لما كان الله هو الكامل الذي يؤله إليه في سد النقص وكسب الكمال، أصبح الاتصاف بصفة الألوهية عموماً غير منحصر به سبحانه وتعالى عما يشركون، بلى الألوهية المطلقة منحصرة به سبحانه وتعالى، فكلمة لا اله إلا الله كلمة التوحيد لأننا أردنا بها الألوهية المطلقة، فصفة الألوهية عموماً تشمل الكامل من خلقه الذي يأله اليه غيره ليفيض عليه الكمال ويسد نقصه، فأصبح محمد وهو صورة الله سبحانه وتعالى ووجه الله سبحانه تعالى هو الله في الخلق، ولكن الفرق بين اتصاف محمد بصفة الألوهية وبين ألوهيته سبحانه وتعالى أن اتصاف محمد بصفة الألوهية مقيد بالنقص والاحتياج إليه سبحانه وتعالى، وألوهيته سبحانه وتعالى ألوهية مطلقة ولهذا جاء هذا الوصف الصمد أي الذي لا ثغرة فيه ولا نقص فيه لتسبيحه وتنزيهه، ولبيان أن ألوهيته سبحانه وتعالى منزهة مسبحة لا ثغرة فيها ولا نقص فيها.
    ومن هنا فإن وصف الصمد المضاف إلى الألوهية لا يمكن أن يطلق إلا عليه سبحانه وتعالى، وفيه تمييز لألوهيته سبحانه وتعالى وبيان أنها ألوهية تامة مطلقة، ولهذا جاءت هذه الآية في سورة التوحيد ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والله الصمد نظير أن تقول أن الله نور لا ظلمة فيه، وهي صفة لا يشاركه فيها المخلوقون وليست كالسميع والبصير والخالق، فهذه الصفات يشاركه بها المخلوقون، فأنت تستطيع أن تقول أن محمداً نور ولكن فيه ظلمة وهي الأنا والشخصية ولولاها لما بقي لمحمد اسم ولا رسم ولم يبقَ إلا الله الواحد القهار سبحانه وتعالى.
    فمحمد وإن كان في أعلى درجات الكمال الممكنة للخلق، ومحمد وإن كان صورة الله ويحمل صفة اللاهوت للخلق ليُعرِّف الخلق بالله سبحانه، وبالتالي فالخلق يألهون إليه ليكملهم ويسد نقصهم، ولكن محمداً من جهة أخرى مفتقر إليه سبحانه وتعالى فهو عبد من عباد الله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾( ). يكاد يضيء من نفسه لا أنه يضيء من نفسه، حتى أن إبراهيم  وهو من أولي العزم من الرسل لما رأى ملكوت السماوات ظن أن اتصاف محمد بصفة الألوهية هي ألوهية مطلقة، وظن أن ربوبية محمد هي ربوبية مطلقة ثم منَّ الله سبحانه وتعالى على إبراهيم  وكشف له أفول محمد وعودته إلى الأنا والشخصية، فعلم إبراهيم أن الله سبحانه وتعالى لا يرى في ملكوت كما كان يعلم أنه لا يبصر في ملك وإنما رؤية محمد هي رؤية الله، ومواجهة محمد هي مواجهة الله سبحانه وتعالى عما يشركون، وقد بين أهل البيت شيئاً من هذا المعنى في طيات كلامهم.
    قال الصادق  في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾( )، قال : (رب الأرض إمام الأرض، قيل: فإذا خرج يكون ماذا ؟ قال: يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر بنوره ويجتزؤون بنور الإمام ) ( ). مع أن رب الأرض هو الله سبحانه وتعالى ولكن ربوبيته سبحانه وتعالى ربوبية مطلقة وربوبية الإمام المهدي  مقيدة بالفقر والاحتياج إليه سبحانه وتعالى.
    * * *
    ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾:
    لا شك أن المقصود بالولادة في الآية ليست الولادة الجسمانية فلا أحد يقول بهذه الولادة لتُنفى، وإن كان هناك مجسمة انحرفت بهم الأوهام والجهالات إلى وادي التجسيم الذي لا يقره العقل السليم أو الفطرة النقية للإنسان فجسموا الذات الإلهية، فالمراد هنا نفي الولادة بمعنى الانفصال عن أم أو أصل انفصلت عنه الذات الإلهية أو فرع انفصل عن الذات الإلهية. وهذا النفي وإن كان فيه رد على من قال أن عيسى ابن الله ومن قال إن عزيراً ابن الله أو من قال بالأقانيم الثلاثة أو من قال بالأثنينية، ولكنه في الحقيقة متعلق بالآيات السابقة، فإذا كانت الذات الإلهية أو الله جامعة لكل الأسماء والصفات الإلهية ، فهنا يرد سؤالان:
    الأول: فهل إن هذه الأسماء والصفات القديمة هي آلهة منفصلة عن الله باعتبار أن ألوهيتها مطلقة في الجهات التي تمثلها ؟! والجواب واضح كما قدمت سابقاً: فهذه الصفات والأسماء أي العليم، القدير، الحكيم غير منفكة عن الذات الإلهية بل هي عين الذات، فهو كما قدمت قادر والقدرة ذاته وعالم والعلم ذاته و …… .
    والسؤال الثاني: هل إن الذات الإلهية أو الله منفصلة عن الحقيقة والكنه هو أو الاسم الأعظم الأعظم الأعظم ؟!
    والجواب هو: إن الذات الإلهية أو الله هي تجلٍ وظهور للحقيقة والكنه واجه بها سبحانه وتعالى خلقه، فبما أن هوية الخلق هي الفقر فلابد أن تكون المواجهة بالغنى، فواجه سبحانه وتعالى الظلمة والعدم والنقص بالنور والوجود والكمال، فالذات الإلهية أو الله هي عين الكنه أو الحقيقة وكما ورد في الحديث عن علي بن موسى الرضا  أنه قال: (إن بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها) ( ).
    فالحقيقة ظهرت بالذات الإلهية أو (الله) لجهة حاجة الخلق لسد نقصهم، وللمعرفة (كان سبحانه وتعالى كنـزاً فخلق الخلق ليعرف)، والمعرفة لا تكون إلا معرفة الذات الإلهية بمعرفـة (الأسماء والصفات)، أما معرفة الكنه والحقيقة فلا تكون إلا العجز عن المعرفة، والنتيجة فكما أن الأسماء والصفات فانية في الذات الإلهية (الله) وهي عين الذات كذلك فإن الذات الإلهية فانية في الكنه والحقيقة التي هي المطلب والمقصود الحقيقي في العبادة، ومن هنا فلا يوجد انفصال عن الذات الإلهية كما أن الذات الإلهية أو الله ليست منفصلة عن الحقيقة بل هي تجلٍ وظهور للكنه والحقيقة.

    * * *








    ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾:
    الكفؤ: هو المساوي أو المقارب للشيء في المرتبة ولو من جهة معينة. وهذه الآية تنفي أن يكون له كفؤ من الموجودات, كما أن هذه الآية والتي قبلها جاءتا بعد آية ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وهي كما قدمت وصفه سبحانه وتعالى بالكامل المقصود في قضاء الحاجات وتحصيل الكمالات، فلم يلد ولم يولد جاءت لبيان أن جهات كماله سبحانه وتعالى والمعبر عنها بالأسماء والصفات ليست منفصلة عنه سبحانه وتعالى بل هي هو سبحانه وتعالى، ثم جاءت هذه الآية: ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ لتبين أن جميع خلقه دونه سبحانه وتعالى وحتى الكيانات القدسية العالية الكمال - أي محمداً وآل محمد - التي توهم بعض خلقه بأنها هو سبحانه وتعالى لما رأوها، كما هو حال الملائكة في المعراج، وحال إبراهيم لما رأى ملكوت السماوات ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾( ).
    وسئل أبو عبد الله  عن قول إبراهيم: (هذا رَبِّي) لغير الله، هل أشرك في قوله هذا رَبِّي؟ فقال : (من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك و إنما كان في طلب ربه و هو من غيره شرك) ( )، نقله عن القمي، وفي العياشي مثله ولو كان طلب إبراهيم ربه في هذا العالم المادي لكان شركاً من إبراهيم وغيره ولكنه طلب ربه في (مَلَكُوتَ السَّمَاوَات).
    وعن محمـد بن حمـران، قال: سألت أبا عبد الله  عن قول الله فيما أخـبر عن إبراهيم : ﴿هذا رَبِّي﴾، قال: (لم يبلغ به شيئاً أراد غير الذي قال) ( ).
    وقال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي في كتاب (علل الشرائع): حدثنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رض) قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن أبي عمير ومحمد بن سنان، عن الصباح السدي، وسدير الصيرفي ومحمد بن النعمان مؤمن الطاق، وعمر بن اذينة عن أبي عبد الله ، وحدثنا محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار وسعد ابن عبد الله قالا: حدثنا محمد بن الحسن بن أبي الخطاب، ويعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى، عن عبد الله بن جبلة، عن الصباح المزني، وسدير الصيرفي ومحمد بن النعمان الاحول، وعمر بن اذينة عن أبي عبد الله ، أنهم حضروه …… . فقال أبو عبد الله : (إن الله العزيز الجبار عرج بنبيه إلى سمائه سبعاً، أما أولهن فبارك عليه والثانية علمه فيها فرضه فانزل الله العزيز الجبار عليه محملاً من نور فيه أربعون نوعاً من أنواع النور كانت محدقـة حول العرش عرشه تبارك وتعالى تغشى أبصار الناظرين … .
    ثم عرج إلى السماء الدنيا فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء ثم خرت سجداً، فقالت: سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرئيل : الله أكبر الله أكبر، فسكتت الملائكة وفتحت أبواب السماء واجتمعت الملائكة، ثم جاءت فسلمت على النبي أفواجاً، ثم قالت: يا محمد كيف أخوك ؟ قال: بخير، قالت: فإن أدركته فاقرأه منا السلام، فقال النبي : أتعرفونه ؟ فقالوا: كيف لم نعرفه وقد أخذ الله عز وجل ميثاقك وميثاقه منا، وإنا لنصلي عليك وعليه، ثم زاده أربعين نوعاً من أنواع النور لا يشبه شيء منه ذلك النور الأول، وزاده في محمله حلقاً وسلاسل ثم عرج به إلى السماء الثانية فلما قرب من باب السماء تنافرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجداً وقالت: سبوح قدوس رب الملائكـة والروح ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرئيل : أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فاجتمعت الملائكة وفتحت أبواب السماء وقالت: يا جبرئيل من هذا الذي معك ؟ فقال: هذا محمد ، قالوا: وقد بعث ؟ قال: نعم. قال رسول الله : فخرجوا إلى شبه المعانيق فسلموا علي وقالوا: إقرأ أخاك السلام، فقلت: هل تعرفونه ؟ قالوا: نعم، وكيف لا نعرفه وقد أخذ الله ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وإنا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم خمساً يعنون في كل وقت صلاة قال رسول الله : ثم زادني ربي تعالى أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه الأنوار الأول وزادني حلقاً وسلاسل، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجداً وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا، فقال جبرئيل : أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فاجتمعت الملائكة وفتحت أبواب السماء وقالت: مرحباً بالأول ومرحباً بالآخر، ومرحباً بالحاشر ومرحباً بالناشر ، محمد خاتم النبيين وعلى خير الوصيين ، فقال رسول الله : سلموا عليّ وسألوني عن علي أخي فقلت: هو في الأرض خليفتي أو تعرفونه ؟ قالوا: نعم وكيف لا نعرفه وقد نحج البيت المعمور في كل سنة مرة وعليه رق أبيض فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والأئمة وشيعتهم إلى يوم القيامة، وإنا لنبارك على رؤوسهم بأيدينا، ثم زادني ربى تعالى أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه شيئاً من تلك الأنوار الأول، وزادني حلقاً وسلاسل، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فلم تقل الملائكة شيئاً، وسمعت دوياً كأنه في الصدور واجتمعت الملائكة، ففتحت أبواب السماء وخرجت إلى معانيق فقال جبرئيل : حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، فقالت الملائكة صوتين مقرونين: بمحمد تقوم الصلاة وبعلي الفلاح ، فقال جبرئيل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، فقالت الملائكة: هي لشيعته أقاموها إلى يوم القيامة، ثم اجتمعت الملائكة فقالوا للنبي: أين تركت أخاك وكيف هو ؟ فقال لهم: أتعرفونه ؟ فقالوا: نعم نعرفه وشيعته وهو نور .....) ( ).
    أقول: وحتى هذه الكيانات القدسية (محمد وآل محمد ) ليست كفواً له سبحانه وتعالى وإنما هي دونه بالكثير، فهي لا تقاربه فضلاً عن أن تكون مساوية له وإن كانت حاكية لجهات كماله سبحانه وتعالى، في الزيارة الجامعة: (... السلام على محال معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله وحفظة سر الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبي الله، وذرية رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام على الدعاة الى الله، والأدلاء على مرضاة الله، والمستقرين في أمر الله، والتامين في محبة الله، والمخلصين في توحيد الله، والمظهرين الامر لله ...) ( ).
    وفي دعاء أيام رجب المروي عن الإمام المهدي : (... أسألك بما نطق فيهم من مشيئتك فجعلتهم معادن لكلماتك وأركاناً لتوحيدك وآياتك ومقاماتك، التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك ...) ( ).
    ولكن أيضاً كماله وأوصافه سبحانه وتعالى لا يشبهها شيء (... يا من هو أحد بلا ضد يا من هو فرد بلا ند يا من هو صمد بلا عيب ... يا من هو موصوف بلا شبيه) ( ).

    * * *



    الألوهـية
    الألوهية بالمعنى الأعم تشمل الكامل الذي يأله إليه الخلق في تحصيل كمالهم وسد نقائصهم، وهي كالربوبية فكما تشمل الأب باعتباره رب الأسرة، وتشمل خليفة الله في أرضه باعتباره رب الأرض ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾( ).
    عن الصادق  في هذه الآية، قال: (رب الأرض إمام الأرض، قيل: فإذا خرج يكون ماذا ؟ قال: يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر بنوره ويجتزؤون بنور الإمام )( ).
    الربوبية تشمل في هذا العالم الجسماني: من يتكفل احتياجات شخص ثانٍ فهو بالنسبة له مربٍ لأنه يكمل نقصه - ويوفر احتياجاته - في هذا العالم الجسماني، ولهذا نجد يوسف  وهو نبي وفي القرآن الكريم يعبر عن فرعون نسبة إلى ساقي الخمر بأنه ربه ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾( ).
    وأيضاً يعبر يوسف عن عزيز مصر الذي تكفّـل معيشة يوسف والعناية به بأنه ربي ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾( ).
    والذي أحسن مثواه بحسب الظاهر وفي هذا العالم الجسماني هو عزيز مصر ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ( ).
    والألوهية كذلك تشمل من يأله له غيره ليسد النقص والاحتياج الموجود في ساحته فاسم الله مشتق ( ) من إله، (عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَاشْتِقَاقِهَا اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ، فَقَالَ : يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَإِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ، أَفَهِمْتَ يَا هِشَامُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْماً فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلَهاً وَلَكِنَّ اللَّهَ مَعْنًى يُدَلُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَكُلُّهَا غَيْرُهُ، يَا هِشَامُ الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ وَالْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ وَالثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ وَالنَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ، أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ وَتُنَاضِلُ بِهِ أَعْدَاءَنَا الْمُتَّخِذِينَ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَثَبَّتَكَ يَا هِشَامُ، قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتَّى قُمْتُ مَقَامِي هَذَا) ( ).
    (فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً): اي الذي يعبد الاسم - أي اسم الله - ولايجعله فقط دالاً على المعنى الحقيقي، والصحيح أي اللاهوت المطلق الغني بنفسه يكون كافراً لأنه في الحقيقة يعبد اسماً أو لفظاً مشتقاً من إله المقتضي مألوهاً، أي أنه يعبد اسماً يمكن أن ينطبق على غيره سبحانه؛ لأن هناك من خلقه سبحانه من يؤله لهم لسد النقص فيكونون مصداقاً للاسم العام دون قيد، وكما تبين في مسألة الربوبية وبوضوح تام فمن يعبد اسم الرب فهو أيضاً كافر؛ لأن هناك من خلقه من يفيضون على غيرهم ويربونهم سواء في هذا العالم الجسماني أم في العوالم الأخرى، وغير بعيد ما تقدم من أن الملك وعزيز مصر بل والأب يسمون أرباباً ولا إشكال في تسميتهم بهذا كما تبين من القرآن ، فالأمر كما قال الإمام الصادق  في الجوهرة النفيسة التي تقدمت (وَإِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً).
    أما (مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ): أي من اعتبر أن الاسم مُظهر للمعنى والحقيقة في حين أن الاسم مشتق وعام ولا يتعدى كونه إشارة إلى المعنى الموصل إلى الحقيقة المطلوب الوصول إليها لتتحقق العبادة الحقيقية للإنسان، باعتباره إنساناً قد اودعت فيه قابلية عبادة الحقيقة ومعرفتها.
    (وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ): لأن المعنى أو اللاهوت المطلق أو الله سبحانه وتعالى هو الموصل لمعرفة الحقيقة (هو)، فالاسم مجرد مشير إلى المعنى الموصل إلى الحقيقة فلا ينبغي التوجه إلى الاسم على كل حال، بل من أراد التوحيد لابد أن يترك التوجه إلى الاسم تماماً ويتوجه إلى المعنى الموصل إلى الحقيقة (وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ) ... وهذا كله لأن الاسم كما بينت يشير إلى معنى عام وهو من يأله له غيره ليسد نقصه فيكون التوجه إليه كفراً وشركاً؛ لأنه يشير إلى أكثر من ظهور لهذا المعنى وبمراتب مختلفـة، فاللاهوت المطلق يأله له غيره وبعض خلقه يأله لهم غيرهم، أو لنقل بعبارة أخرى إن من يأله لهم غيرهم من خلقه سبحانه هم أيضاً لاهوت ولكن غير مطلق بل فقير ومحتاج لغيره، ولهذا يكون التوجه إلى الاسم بالعبـادة - بأي صورة كانت - شركاً وكفراً، فلابد من تحديد المعنى المراد التوجه إليه من إشارة الاسم ومن ثم التوجـه إلى المعنى دون الاسم (دون الاسم)، (وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ).
    والحقيقة إن هذه الجوهرة تشير إلى أمر سيأتي بيانه وهو إنه سبحانه قد ظهر وتجلى لنا باللاهوت ؛ لأنه المناسب لحالنا لنعرف الحقيقة فنحن أهم ما يميز هويتنا أو حقيقتنا هو الفقر واللاهوت باعتباره الغنى المطلق هو أنسب ما يكون لنعرف الحقيقة عندما نتوجه إليه ليفيض من غناه وكماله على فقرنا (قَالَ : يَا هِشَامُ اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَ إِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً).
    إذن، فالألوهية بالمعنى العام - أي كونها تعني الكامل الذي يأله له غيره ليكمله، ويسد نقصه - تشمل خاصة من خلقه سبحانه وتعالى حصل لهم الكمال في أعلى الدرجات الممكنة للخلق، وأمر الخلق مفوض إليهم بدرجة معينة (السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ..... وبقية الله ..... ونوره ..... وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم ..... وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) ( ).
    وهم محمد وآل محمد ، فكما ورد رب الأرباب ورد إله الآلهة، وورد الإله الأكبر في الدعاء المروي عنهم ، قال : (قل وأنت ساجد: يا الله يا رحمن [يا رحيم] يا رب الأرباب وإله الآلهة .....) ( ).
    وعن أبي عبد الله ، قال: (..... قل يا رب الأرباب، ويا ملك الملوك، وياسيد السادات، ويا جبار الجبابرة، ويا إله الآلهـة، صل على محمد وآل محمد وافعـل بي كذا وكذا .....) ( ).
    وفي الدعاء القدسي: (..... بسم الله مخرجى ..... توكلت على الإله الأكبر، توكل مفوض إليه .....) ( ).
    في الحديث القدسي: (..... يا محمد من أراد الخروج من أهله لحاجة في سفر فأحب أن أوديه سالماً مع قضائي له الحاجة فليقل حين يخرج: بسم الله مخرجي وبإذنه خرجت وقد علم قبل أن أخرج خروجي وقد أحصى بعلمه … توكلت على الإله الأكبر الله .....) ( ).
    وقطعاً ليس المقصود الآلهة الباطلة التي لاحظ لها من الكمال أو من ألّه نفسه من الخلق بالباطل ، بل المقصود هنا من اتصفوا بصفة اللاهوت أي إنهم على درجة عالية من الكمال فيأله لهم بقية الخلق ليسدوا نقصهم فهم صورة الله سبحانه، فإله الآلهة، والإله الأكبر تعني: أن هناك من اتصفوا بصفة اللاهوت من حيث إنهم على درجة من الكمال تؤهلهم أن يأله لهم بقية الخلق لطلب الكمال، ولكنه سبحانه لايقرن بهم لأنه غني وهم فقراء محتاجون إليه سبحانه وتعالى.
    قال : (لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ( ).
    وقالوا أيضاً: (لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن هو ، وهو هو ونحن نحن) ( ).
    وهذا المعنى موجود في القرآن ورد في تفسير القمي حول خروج القائم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾( )، قال : (من زعم أنه إمام وليس هو بإمام) ( ).
    وعن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر  عما يروون أن الله خلق آدم على صورته، فقال: (هي: صورة، محدثة، مخلوقة واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة، فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾) ( )، وصورة الله التي خلق عليها آدم هو محمد ؛ لأنه المخلوق الأول والتجلي الأول والظهور الأول في الخلق وخليفة الله الحقيقي ( )، ومعنى أنه صورة الله أي إنه ظهور وتجلي اللاهوت في الخلق، فمحمد هو صورة اللاهوت المطلق في الخلق فمن أراد معرفة اللاهوت المطلق يعرفه بصورته في الخلق أو الله في الخلق محمد .
    وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾( )، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾( ).
    والذي يأتي في ظل من الغمام هو محمد (الله في الخلق) في الرجعة وبيده حربة من نور فيقتل إبليس (لعنه الله)، فتعالى سبحانه عن الإتيان والمجيء والذهاب أو الحركة وهي من صفات الخلق.
    عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله  يقول: (إن إبليس قال: أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فأبى الله ذلك عليه، قالَ: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، فإذا كان يوم الوقت المعلوم ظهر إبليس لعنه الله في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم، وهي آخر كرة يكرها أمير المؤمنين .
    فقلت: وإنها لكرات ؟ قال: نعم إنها لكرات وكرات، ما من إمام في قرن إلا ويكر معه البر والفاجر في دهره حتى يديل الله المؤمن من الكافر، فإذا كان يوم الوقت المعلوم كر أمير المؤمنين  في أصحابه و جاء إبليس في أصحابه، ويكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال له الروحا قريب من كوفتكم، فيقتتلون قتالاً لم يقتتل مثله منذ خلق الله عز وجل العالمين، فكأني أنظر إلى أصحاب علي أمير المؤمنين  قد رجعوا إلى خلفهم القهقرى مائة قدم، وكأني أنظر إليهم وقد وقعت بعض أرجلهم في الفرات، فعند ذلك يهبط الجبار عز وجل ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ رسول الله بيده حربة من نور، فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى ناكصاً على عقبيه، فيقولون له أصحابه: أين تريد وقد ظفرت؟ فيقول: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، فيلحقه النبي فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئاً، ويملك أمير المؤمنين  أربعاً وأربعين ألف سنة حتى يلد الرجل من شيعة علي  ألف ولد من صلبه ذكراً، وعند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله) ( ).
    أي إن الرواية تبين بوضوح أن هبوط ونزول وإتيان محمد هو هبوط الله سبحانه وتعالى عن الإتيان والهبوط فالمراد من قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾( )، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم محمد المظلل بالغمام، فالآية في محمد وآل محمد ، ومنهم أمير المؤمنين علي  والقائم .
    عن عبد الواحد بن علي، قال: قال أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) : (أنا أؤدي من النبيين إلى الوصيين، ومن الوصيين إلى النبيين، وما بعث الله نبياً إلا وأنا أقضي دينه وأنجز عداته، ولقد اصطفاني ربي بالعلم والظفر، ولقد وفدت إلى ربي اثنتي عشرة وفادة فعرّفني نفسه، وأعطاني مفاتيح الغيب - ثم قال: يا قنبر من على الباب (بالباب) ؟ قال: ميثم التمار - ما تقول أن أحدثك فإن أخذته كنت مؤمناً وإن تركته كنت كافراً، (ثم) قال: أنا الفاروق الذي أفرق بين الحق والباطل، أنا أدخل أوليائي الجنة و أعدائي النار، أنا قال الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ) ( ).
    وأيضاً قائم آل محمد يأتي في ظل من الغمام أي العذاب الذي يرافق المهدي الأول ويغطي الأرض بالغمام وبسحب الدخان ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾( ).
    وعن جابر، قال: قال أبو جعفر  في قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾، قال: (ينزل في سبع قباب من نور لا يعلم في أيها، هو حين ينزل في ظهر الكوفة فهذا حين ينزل) ( ).
    وقال أبو جعفر : (إنه نازل في قباب من نور حين ينزل بظهر الكوفة على الفاروق فهذا حين ينزل وأما ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فهو الوسم على الخرطوم يوم يوسم الكافر) ( ).
    والوسم على الخرطوم المقصود به ما يفعله القائم أو دابة الأرض ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾( ).
    والغمام أو السحاب والدخان باعتباره آية لرسول الله محمد ، وباعتباره آية ترافق المهدي الأول وقائم آل محمد أو المنقذ العالمي، ليس في القرآن فقط بل هو موجود في الأديان السابقة وبشر به الأنبياء السابقون، وهناك شواهد كثيرة في التوراة والإنجيل عليه ( ).
    وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِـهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِـينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾( ).
    فالآية تقول: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، وهم في الواقع الخارجي كانوا يظنون أن حصونهم تمنعهم من محمد ؛ لأنهم في الظاهر يؤمنون بالله فهم أهل كتاب سماوي وأتباع نبي من أنبياء الله وهو موسى ، والذي انتصر عليهم وحطم حصونهم وأتاهم من حيث لم يحتسبوا هو محمد ، بل وهو بحسب الظاهر من قذف في قلوبهم الرعب عندما قلع أبواب حصونهم وقتل أبطالهم، بل إن المنفذ والمباشر كان علي أمير المؤمنين  كما يعلم الجميع، وغير بعيد على كل مسلم أن علياً  هو قالع باب خيبر وقاتل مرحب بطل اليهود.
    وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾( )، هؤلاء في هذه الآية هم أهل كتاب ويدعون أنهم مؤمنون بالله، فكيف يتصور أحد أن يقولوا عن الله الذي يعتقدون به إنه فقير هكذا بألسنتهم.
    والله، إنهم ما قالوا إن الله فقير، بل قالوا عن الأنبياء والرسل إنهم فقراء وعيروهم بهذا، فقال العلماء غير العاملين ومقلدوهم بألسنتهم أو بأفعالهم في كل زمان عن الأنبياء والأوصياء لو كانوا مع الله لأغناهم الله، ولما كانوا يحتاجون لأنصار ولأموال ولأسلحة للدفاع عن عقيدتهم، واعتبروا أن كثرة أموال وأنصار العلماء غير العاملين تأييداً ودليلاً أنهم على الحق، فحكى الله سبحانه وتعالى قولهم هكذا: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ فجعل قولهم عن أنبيائه إنهم فقراء أنهم قالوا إن الله فقير ، وفي زمن الرسول محمد قالـوا إن محمداً فقير ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا .....﴾( )، في حين أن الله نقل قولهم إنهم قالوا إن الله فقير، أي إن قولهم إن محمداً فقير هو نفسه قول إن الله فقير؛ لأن محمداً هو وجه الله سبحانه وهو الله في الخلق.
    عن الباقر  في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ﴾، قال : (هم يزعمون أن الإمام يحتاج منهم إلى ما يحملون إليه) ( ).
    وعن الصادق  في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ قال: والله ما رأوا الله تعالى فيعلموا أنه فقير ولكنهم رأوا أولياء الله فقراء) ( ).
    وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ﴾ ( )، وهذا السجود كما هو لآدم  فهو أيضاً لمحمد وعلي والزهراء والأئمة ، وكونهم مقصودين بالسجود باعتبارهم قبلة الله سبحانه وتعالى فبهم يعرف الله وهم وجه الله وهم أسماؤه الحسنى، فهم الله في الخلق كما ورد في الحديث عن أسود بن سعيد، قال: كنت عند أبي جعفر  فأنشأ يقول ابتداء من غير أن يُسئل: (نحن حجة الله ونحن باب الله ونحن لسان الله ونحن وجه الله ونحن عين الله في خلقه ونحن ولاة أمر الله في عباده) ( ).
    وعن الحارث بن المغيرة النصري، قال: سُئل أبو عبد الله  عن قول الله تبارك وتعـالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾( )، فقال : (ما يقولون فيه ؟ قلت: يقولون يهلك كل شئ إلا وجه الله، فقال: سبحان الله لقد قالوا قولاً عظيماً، إنما عني بذلك وجه الله الذي يؤتى منه) ( ).
    وعن أبي جعفر ، قال: (نحن المثاني الذي أعطاه الله نبينا محمداً ، ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا .....) ( ).
    عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا ، قال: (قال النبي : من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله تعالى، ودرجة النبي في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى، قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: إن ثواب لا إله إلا الله النظر إلى وجه الله تعالى ؟ فقال : يا أبا الصلت، من وصف الله تعالى بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله تعالى أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾( )، وقال عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ) ( ).
    وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾( )، قَالَ : (نَحْنُ وَاللَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا) ( ).
    وَعَنِ الرِّضَا  أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا نَزَلَتْ بِكُمْ شَدِيدَةٌ فَاسْتَعِينُوا بِنَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ ) ( ).
    وعَنِ الرِّضَا ، قَالَ: (إِذَا نَزَلَتْ بِكُمْ شِدَّةٌ فَاسْتَعِينُوا بِنَا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : نَحْنُ وَاللَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا قَالَ فَادْعُوهُ بِها) ( ).
    وهذا هو الاتصاف بصفة الألوهية في الخلق أي أنهم عباد الله سبحانه وتعالى وبأمره يعملون ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾( )، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾( ).
    وهؤلاء العباد على درجة عالية من الكمال بحيث أنهم يقومون بخلافة الله سبحانه وتعالى حق خلافته، فإذا تم بعثهم واستخلافهم في هذا العالم فهم يقومون مقام الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته وبإذنه، فهم يدبرون هذا العالم بقوة الله ووفق ما علمهم الله فهم لا يشاؤون إلا ما يشاء الله، وقلوبهم أوعية لمشيئته سبحانه وتعالى، فالإرسال بعد بعثهم منهم (صلوات الله عليهم)، فمحمد خاتم الأنبياء والمرسلين من الله سبحانه وتعالى أما بعد بعثه فالإرسال منه صلوات الله عليه باعتباره الله في الخلق، فهو صورة الله التامة وأسماء الله الحسنى ووجه الله وكلمته التامة (..... وبكلمتك التي خلقت بها السماوات والارض ..... وبشأن الكلمة التامة ..... وأسألك بكلمتك التي غلبت كل شيء .....) ( )، وهو صلوات الله عليه ظهور الله في فاران (مكة) (..... وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران .....) ( )، كما كان عيسى  طلعة الله في ساعير ، والطلعة هي الإطلالة والظهور الجزئي، فكان عيسى  ممهداً لمحمد .
    فإرسال محمد للأئمة هو نفس إرسال الله سبحانه وتعالى لموسى  ولهذا كان محمد خاتم الأنبياء والمرسلين أي من الله، فهو صلوات الله عليه الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، وهذا هو سر ختم النبوة التي تخبط في سر ختمها علماء المسلمين وإلا فلا معنى لختم الإرسال والنبوة مع أن الحاجة هي هي لم تتبدل بعد بعث الرسول محمد ، بل ربما كانت الحاجة في بعض المواطن بعد بعث الرسول محمد أعظم، فالحالة أسوء وأكثر فساداً وظلماً وظلاماً وجاهلية، ولا تقوم الساعة - أي قيام القائم- إلا على شرار خلق الله، وقد نبأ الرسـول أن الحالة ستسوء من بعده ، إذن فالأئمة الإثنا عشر كانوا يقومون مقام أنبياء الله ورسله الماضين في هذه الأمة ولكن مرسلهم هو محمد ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ( ).
    عن جابر عن أبي جعفر ، قال: سألته عن تفسير هذه الآية: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، قال : (تفسيرها بالباطن، أن لكل قرن من هذه الأمة رسولاً من آل محمد يخرج إلى القرن الذي هو إليهم رسول، وهم الأولياء وهم الرسل، وأما قوله: ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، قال: معناه إن الرسل يقضون بالقسط وهم لا يظلمون كما قال الله) ( ).
    فالرسول محمد والأئمة أيضاً قاموا مقام الله في الخلق فهم رسل وهم مُرسِلين، فمحمد رسول الله سبحانه وتعالى، ومحمد مُرسِل للأئمـة أيضاً، والإمـام المهدي  رسول من محمد الله في الخلق أو وجه الله، والإمام المهدي  مُرسِل للمهديين الإثنى عشر من ولده، وهو بهذا يكون أيضاً في مقام محمد أي الله في الخلق أو وجه الله سبحانه وتعالى، ولا تتوهم أن اتصاف محمد وأهل بيته بصفة ألوهية هي بعينها ألوهية الله سبحانه وتعالى، بل إن هذا الامر لا يخرجهم عن كونهم خلقاً فقراء لهم حدود مقيدون بها، وألوهيته سبحانه وتعالى ألوهية مطلقة، فاتصاف محمد وآل محمد بصفة الألوهية وإن كان الفقر لا يكاد يميز فيها ولكنها محتاجة وفقيرة له سبحانه وتعالى، فهم صلوات الله عليهم يكادون أن يكونوا أغنياء ولكنهم فقراء ومساكين الله سبحانه وتعالى ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾( ).


    الله في الخلق
    لما خلق الخلق سبحانه وتعالى واجههم بالأسماء والصفات، وهذه هي مدينة الكمالات الإلهية أو الذات أو الله، وهذا الاسم أطلق على تجلي وظهور الحقيقة للخلق فهو ليس الحقيقة بل حجاب الحقيقة، فالحقيقة: هي الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، وهذا الاسم قريب من الاسم الأعظم كقرب سواد العين من بياضها كما ورد عن الإمام  في الحديث.
    وهذا الاسم (الله)، هو الاسم الجامع لكل صفات الكمال، فالتوجه إليه هو توجه إلى كل صفات وأسماء الكمال وهذا التوجه لا يخلو من الشرك في مرتبة ما؛ لأن تمام الإخلاص في التوحيد هو نفي الأسماء والصفات كما قال أمير المؤمنين : (..... أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف) ( ).
    وقال الكاظم : (أول الديانة به معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصفات عنه، بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة الموصوف أنه غير الصفة) ( ).
    وقال الرضا : (أول الديانة معرفته، وكمال المعرفة توحيده، وكمال التوحيد نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة) ( ).
    فهذا الاسم (الله) الجامع لصفات الكمال والمشير إلى الذات هو حجاب يجب أن يسعى العبد إلى رفعه بالتحلي بصفات الكمال الإلهية، وعندها يكشف الغطاء للعبد ليعرف الحقيقة، وتمام معرفة الحقيقة هو العجز عن المعرفة، فضمير الغائب المعبر عن الحقيقة أو الإسم الأعظم الأعظم الأعظم (هو) فالهاء لإثبات الوجود والواو لبيان غيبته فهو الشاهد الغائب سبحانه وتعالى.
    أما في مرتبة ما دون الذات الإلهية أو الله أي في مراتب الخلق والتنـزل فإن مراتب التجلي أو المقامات عشرة هي: سرادق العرش الأعظم، والعرش الأعظم، والكرسي، ثم العرش العظيم، وفيه سبع مراتب أو مقامات هي السماوات السبعة تنـزلاً من السابعة إلى السماء الأولى أو الدنيا.
    وخير خلق الله محمد يمتد بصفحة وجوده من سرادق العرش الأعظم إلى السماء الدنيا، فأول مراحل التجلي هي: النقطة الأولى (البرزخ) أو سرادق العرش الأعظم، ثم مرحلة التجلي الثانية هي وعاء النون أو العرش الأعظم، ثم مرحلة التجلي الثالثة وهي وعاء الباء أو الكرسي، ثم مرحلة التجلي الرابعة وهي النقطة الثانية في الخلق، وجميع هذه المراحل الأربعة هي محمد فهو نقطة النون والنون، وهو الباء ونقطة الباء، أو قل هو الفيض النازل من الحق إلى الخلق، وهو أي محمداً في المراحل الثلاث الأولى (سرادق, العرش, الكرسي) برزخ بين الحق والخلق فهو يخفق فساعة لا يبقى إلا الله الواحد القهار وساعة يعود إلى الأنا والشخصية، أما في مرتبة العرش العظيم فهو مستقر في الخلق وهو عبد الله.
    ويجب الالتفات إلى أن النقطة الأولى هي القرآن وهي الحجاب الذي بين محمد وبين الله (كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق) وعند الفتح (فنظر في مثل سم الإبرة) ( )، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾( )، رفع هذا الحجاب بأن احتواه محمد فأصبح القرآن ومحمد واحداً، وهو يخفق بين فناء فلا يبقى إلا الله الواحد القهار وبين عودة الأنا والشخصية الإنسية.
    فإن عرفنا ما تقدم تبين لنا أن محمداً هو مرتبة البرزخ بين الحق والخلق، ولذلك توهم به لما رآه ابراهيم  والملائكة وظنوا أنه الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه صورة تحاكي الذات الإلهية وتظهر اللاهوت المطلق للخلق ليعرفوا (..... وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران .....) ( )، وقال : (الله خلق آدم على صورته) ( ).
    فهو الله في الخلق وكذلك أهل بيته في مرتبة دون مرتبة الرسول الأعظم صلوات الله عليه، فهم أيضاً وجه الله وأسماء الله الحسنى، فهم يمثلون الله في الخلق وكل منهم يؤله إليه ويقصد في قضاء الحاجات وسد النقص وبلوغ الكمال، فهم على درجة عالية من الكمالات الإلهية ولكنها مقيدة بالحاجة والفقر لله سبحانه وتعالى، أما ألوهيته سبحانه وتعالى فهي ألوهية مطلقة وهي كمال وغنى مطلق وعطاء وفيض غير مقيد إلا بمشيئته سبحانه وتعالى.
    وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا المعنى، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾( )، أي أن هناك خالقين وهو سبحانه وتعالى أحسنهم وأفضلهم، وهؤلاء هم محمد وآل محمد ، وفي الدعاء: (..... يارب الأرباب وإله الآلهة .....) ( ).
    وكذلك ورد: (..... الإله الأكبر .....) ( )، وهذا من أدعية السر وهي واحد وثلاثون دعاء لحوائج الدنيا والآخرة مسندة متصلة وصحيحة السند، مذكورة في مصباح المتهجد، ومصباح الكفعمي، والبحار، وذكرها الحر العاملي في الجواهر السنية.
    وفي الحديث القدسي في فضلها: (يا محمد، قل للذين يريدون التقرب إلي إعلموا علم اليقين أن هذا الكلام أفضل ما أنتم متقربون به إلي بعد الفرائض) ( ).
    ولا شك أن ورود الإله الأكبر في الدعاء القدسي وهو من الله سبحانه وتعالى ونظير القرآن الكريم يدل بشكل يقيني قاطع لمن أراد النص على ما قدمت، حيث أن مخاطبة الله سبحانه وتعالى بالإله الأكبر دال على أن خلقه سبحانه يتصفون بصفة اللاهوت؛ وذلك لأن الأكبر صفة تفضيل دالة على وجود الأقل عند ذكرها وإلا فلا معنى لورودها في الكلام، فأفعل التفضيل أو صفات التفضيل دالة على المشاركة وزيادة كما هو بين وواضح، وقد ذكره علماء اللغة العربية بل هو بين لكل من قرأ الدعاء وتمعن فيه.


    بين الله سبحانه وتعالى ووجه الله أو الله في الخلق
    محمد عبد الله ورسوله، ليس في هذا العالم السفلي الجسماني فقط بل هو رسول الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق بقية الخلق، والرسول إذا كان وجه المُرسِل وصورة المُرسِل، قال الإمام الباقر : (نحن المثاني الذي أعطاه الله نبينا محمداً ، ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا ...) ( ). وفي الحديث: (الله خلق آدم على صورته) ( ).
    والرسول إذا كان أمره أمر المُرسِل - قال الإمام المهدي : (قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء الله شئنا، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾( ) ) ( ) - كان إرسال الرسول هو إرسال المُرسِل ومواجهة الرسول هي مواجهة المُرسِل، ومن هنا يتبين أن جميع الأنبياء والمرسلين من الله سبحانه وتعالى هم مُرسَلين من محمد إسرائيل أو عبد الله ووجه الله أو الله في الخلق، فالأنبياء والمُرسَلون واجهوا الله في الخلق وهو محمد ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾( )، ومعلمهم هو الله في الخلق وهو محمد ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾( )، بل إن مواجهتهم لم تكن إلا مع باب محمد وهو علي ، فعن أبي جعفر  عن آبائه قال: (قال رسول الله : أنا مدينة العلم وهي الجنة، وأنت يا علي بابها، فكيف يهتدي المهتدي إلى الجنة ولا يهتدي إليها إلا من بابها) ( ).
    وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله : (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب) ( ).
    وفي الكافي عن أبي عبد الله الصادق ، قال: قال رسول الله : (أنا المدينة وعلي الباب، وكذب من زعم أنه يدخل المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض علياً ) ( ).
    وعنه : (أنا مدينة العلم (الحكمة) وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها) ( ).
    فمحمد هو مَن عرَف الله وعرَّف الخلق بالله ولم تتم المعرفة إلا من باب محمد وهو علي، ومحمد هو البرزخ بين الحق والخلق (يخفق بين الإنسانية والفناء في الذات الإلهية)، وعلي هو الإنسان الأول في الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾( )، فالبشر هو علي والحجاب هو محمد، وأيضاً البشر هم الأئمة والحجاب علي والمتكلم محمد أو الله في الخلق، وأيضاً البشر هم الأنبياء والمرسلون والحجاب هم الأئمة والمتكلم علي أو الرحمن في الخلق، قال علي  الإمام الذي ظلمه حتى من يدَّعون موالاته: (أنا أؤدي من النبيين إلى الوصيين، ومن الوصيين إلى النبيين، وما بعث الله نبياً إلا وأنا أقضي دينه وأنجز عداته، ولقد اصطفاني ربي بالعلم والظفر، ولقد وفدت إلى ربي اثنتي عشرة وفادة فعرفني نفسه وأعطاني مفاتيح الغيب)( ).
    فيمكن أن نقول: إن علياً هو من كلم موسى ، بل إن من كلم موسى  من آل محمد يأتمر بأمر علي ، وعلي يأتمر بأمر محمد ، ومحمد يأتمر بأمر الله سبحانه وتعالى.
    عن علي أمير المؤمنين : (.... وعقدت الراية لعماليق كردان، ....، فتوقعوا ظهور مكلم موسى من الشجرة على الطور، فيظهر هذا ظاهر مكشوف، ومعاين موصوف ....)( ).
    قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾( )، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾( ).
    وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾( ).
    وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾( ).
    فكما أن المتوفي هو الله في كل تلك الأحوال كذلك فإن المتكلم هو الله في كل تلك الأحوال، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾( ).
    فتنـزه سبحانه وتعالى أن يكلّم بشراً إلا من وراء حجاب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾( )، فلم يكتب كلام الله سبحانه وتعالى مباشرة ومن غير حجاب إلا في صفحة وجود محمد ولذلك كان علي  هو الإنسان الأول والبشر الأول، ومحمد هو الحجاب بين الحق والخلق لفنائه في القرآن، ثم خفقه بين الإنسانية وبين الذات الإلهية فلا يبقى إلا الله الواحد القهار، ولم أقل: فلا يبقى إلا الله الرحمن الرحيم؛ لأن محمداً هو الرحمة في الخلق فإذا فني في الذات الإلهية لم تبق إلا النقمة والقهر، حيث إن نظر الله سبحانه وتعالى إلى محمد ، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.

    * * *
    من اقوال الامام احمد الحسن عليه السلام في خطبة الغدير
    ولهذا أقول أيها الأحبة المؤمنون والمؤمنات كلكم اليوم تملكون الفطرة والاستعداد لتكونوا مثل محمد (ص) وعلي (ص) وآل محمد (ص) فلا تضيعوا حظكم، واحذروا فكلكم تحملون النكتة السوداء التي يمكن أن ترديكم وتجعلكم أسوء من إبليس لعنه الله إمام المتكبرين على خلفاء الله في أرضه، أسأل الله أن يتفضل عليكم بخير الآخرة والدنيا.


  2. #2
    يماني الصورة الرمزية almawood24
    تاريخ التسجيل
    04-01-2010
    الدولة
    العراق
    المشاركات
    2,171

    افتراضي رد: كتاب الامام احمد الحسن ع التوحيد*

    التوحيد في التسبيح لا في الوصف
    التوحيد مما مضى تبين أنه في التسبيح لا في الوصف ( )، أي أنّ التوحيد الحقيقي يكون بتنـزيهه سبحانه عن المعرفة بكنهه وحقيقته، وإنما تكون غاية معرفته هي في معرفة العجز عن المعرفة، فغاية مايصل إليه الإنسان من الوصف أو الأسماء الذاتية الكمالية هو الوصول إلى هذه المعرفة - اي معرفة العجز عن المعرفة - التي يتجلّى للإنسان من خلالها بوضوح أن التوحيد الحقـيقي في التسبيح، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾( )، وذلك لأن المخلصين يعرفون أن الصفات ترجع في حقيقتها إلى التنـزيه عن النقص أو التسبيح والتقديس، أي أن ساحته سبحانه وتعالى خالية من النقص، أي أنه سبحانه وتعالى نور لا ظلمة فيه.
    فعن أبي عبد الله ، قال: (إن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه) ( ).
    وعن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبى الحسن الرضا : (روينا أن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه، قال : كذلك هو) ( ).
    والحقيقة، إن معرفة عجزنا عن معرفة اللاهوت هي الممكنة لنا، ومنها نعرف عجزنا عن معرفة الحقيقة؛ لأننا لا يمكن أن نعرف عجزنا عن معرفة حقيقته سبحانه إلا من خلال معرفتنا لعجزنا عن معرفة اللاهوت المطلق؛ لأن اللاهوت المطلق هو المواجه لنا وهو يناسب حالنا ويمكن أن نبحر في ساحة معرفته من خلال نقصنا الذي نعرفه ( )؛ لأن اللاهوت المطلق هو الكمال المطلق الذي نأله إليه ليسد نقصنا، ولكن هل يمكن مثلاً معرفة العجز عن معرفة الرحمة المطلقة دون أن نعرف رحمة ما ؟ أكيد إن الجواب سيكون: لا.
    وبالتالي فلكي نعرف عجزنا عن معرفة الرحمة المطلقة أو (الرحمن الرحيم سبحانه) لابد أن نعرف رحمة ما، وكلما كانت هذه الرحمة التي عرفناها أعظم وكلما كانت معرفتنا بها أعظم كانت النتيجة هي إن معرفة عجزنا عن معرفة الرحمة المطلقة أعظم، وبالتالي ستكون معرفة عجزنا عن معرفة الحقيقة التي واجهتنا بالرحمة المطلقة أعظم، فمعرفة الرحمة المطلقة تكون بمعرفة تجليها في الخلق، ومعرفة اللاهوت المطلق تكون بمعرفة تجليه في الخلق، كما أن معرفة الحقيقة تكون بمعرفة اللاهوت المطلق.
    إذن، فلابد لنا من معرفة خلفاء الله في أرضه؛ لانهم تجلي الله في الخلق، وبمعرفتهم يعرف الله أي يعرف العجز عن معرفته، وبالتالي يعرف العجز عن معرفة الحقيقة وهذا هو التوحيد المطلوب من ابن آدم، وهذا هو سر وعلة بعث الأنبياء والأوصياء الحقيقية أي إن بعثهم ضروريٌ؛ لأن المعرفة تتم بهم ومن خلالهم.
    فهنا تكمن حقيقة التوحيد وهي: إنه هو سبحانه وتعالى إنما تجلى لخلقه باللاهوت المطلق ليعرفوه وبما يناسب حالهم باعتبار أنهم فقراء ويألهون إلى الغني المطلق ليسد نقصهم، أي إن اللاهوت ليس هو الحقيقة بل هو وجه الحقيقة المناسب للخلق، فهو ظهوره سبحانه وتعالى لنا لنعرفه، فاللاهوت ليس الحقيقة بل هو الطريق الموصل لها ولكن هذا لا يعني أن اللاهوت المطلق غيره هو سبحانه وتعالى؛ لأنه في الحقيقة لا يوجد شيء اسمه لاهوت لولا وجود الخلق، فهو سبحانه وتعالى لاهوت بالنسبة لنا؛ لأننا فقراء ونحتاج أن نسد نقصنا فنأله إليه سبحانه وتعالى، أي إن تجليه هو سبحانه باللاهوت المطلق للخلق ليس إلا ظهوره سبحانه لهم بما يلائم حالهم هم لا أن اللاهوت هو الكاشف الحقيقي والتام عن الحقيقة؛ إنما هو مُعَرِّف بالحقيقة بما يلائم حال وفقر الخلق.
    عن ابن سنان، قال: سألت أبا الحسن الرضا : (هل كان الله عز وجل عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق ؟ قال: نعم، قلت: يراها ويسمعها ؟ قال: ما كان محتاجاً إلى ذلك؛ لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها، هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها؛ لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختـار لنفسه: العلي العظيم لأنه أعلى الأشياء كلها، فمعناه الله واسمه العلي العظيم، هو أول أسمائه، علا على كل شيء) ( ).
    وتقدم عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَاشْتِقَاقِهَا اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ، فَقَالَ : (يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَإِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً، وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ) ( ).
    وكلام الأئمة واضح في الروايات فقط يحتاج الإنسان لتدبر قول الإمام الرضا : (قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها؛ لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف)، وقول الامام الصادق : (يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَإِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً).
    ولتتوضح الصورة أكثر لابد أن نعرف أن معرفته سبحانه وتعالى بصفاته معرفة حقيقية وتامة غير ممكنة لأمرين:
    الأول: إن الصفات الإلهية جميعاً بل وجامعها وهو اللاهوت - الله - ما هو إلا وجه واجهنا به هو سبحانه وتعالى بما يناسب حالنا، فاللاهوت ليس الحقيقة بل هو طريق لمعرفة الحقيقة، فالوقوف عنده واعتبار معرفته هي المعرفة الحقيقية هو تماماً كالوقوف في منتصف الطريق المؤدي إلى الهدف وادعاء الوصول إلى الهدف.
    ثانياً: إن الصفات عندما تنسب له سبحانه وتعالى تكون مطلقة، فكيف يمكن لغير المطلق أن يَعرِف المطلق معرفة تامة في حين أن المعرفة التامة تعني أن العارف بالشيء محيط به، ولا يحيط بالشيء إلا من هو فوقه أو مساوٍ له على أقل تقدير، وبالتالي فادعاء إمكان معرفة الصفات الإلهية معرفة تامة تكون بمثابة ادعاء تعدد اللاهوت المطلق وبمثابة جعل العارف - وهو مخلوق - لاهوتاً مطلقاً وهذا باطل، إذن فما يمكن أن نعرفه من الصفات هو تجلياتها في الخلق، ومن المؤكد إن أقرب تجلياتها لها هم حجج الله على خلقه وخلفاؤه في أرضه ( ).
    فلو أخذنا الرحمة مثلاً وأردنا أن نعرف كل ما يمكن معرفته عن الرحمة فيمكننا معرفتها من علاقة الأنبياء والأوصياء مع بقية الخلق، ولنفرضها تتراوح بين (80 - 99) بالمئة، وكل منهم بحسبه، ولكنها أبداً لا تكون في أحدهم مئة بالمئة؛ لأن من يتصف بها حينها سيكون كمال لا نقص فيه وغنى لا فقر معه، أي إنه نور لا ظلمة فيه وهذا هو سبحانه وليس خلقه، وبالتالي تبقى معرفتنا بالرحمة مهما بلغت غير تامة وغاية ما توصلنا إليه هو معرفة العجز عن معرفة الرحمة المطلقة.
    وهذا يعني باختصار أنها معرفة تعتمد على نفي النقص ( )، أي إنها معرفة تعتمد على التنزيه أو التسبيح ولهذا قلت وقدمت بأن التوحيد في التسبيح لا في الوصف.
    وأيضاً هي معرفة بالنسبة لعامة الخلق مرتبطة بخلفاء الله في أرضه، فبهم يعرف الله وبهم يكون التوحيد، فبرحمتهم تعرف رحمته المطلقة، وبربوبيتهم في الخلق تعرف ربوبيته المطلقة، وبلاهوتهم في الخلق يعرف لاهوته المطلق سبحانه، ومن دونهم لا معرفة ولا توحيد عند بقية الخلق.
    فالتوحيد إذن مرتبط بخلفاء الله إرتباطاً وثيقاً بل لو دققنا في الأمر لعلمنا مما تقدم أن المعرفة والتوحيد غير ممكنة لبقية الخلق، لولا المخلوق الاول أو العقل الأول أو محمد الذي عَرَّف الخلق به سبحانه وتعالى.
    عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب ، قال: قال رسول الله : (ما خلق الله خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني، قال علي u: فقلت: يارسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل ؟ فقال: يا علي، إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا.
    يا علي، الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة، وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه، لأن أول ما خلق الله عزوجل خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده.
    ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا، فسبحنا لتعلم الملائكة إنا خلق مخلوقون، وأنه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا، لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وإنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلا الله، فلما شاهدوا كبر محلنا كبّرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به، فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العز والقوة قلنا: لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا: الحمد لله لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمته، فقالت الملائكة: الحمد لله، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده.
    ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما، وكان سجودهم لله عزوجل عبودية ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون، وإنه لما عرج بى إلى السماء أذّن جبرئيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد، فقلت له: يا جبرئيل أتقدم عليك ؟ فقال: نعم؛ لأن الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضّلك خاصة، فتقدمت فصليت بهم ولا فخر، فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدم يا محمد، وتخلف عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني ؟ فقال: يا محمد، إن انتهاء حدي الذي وضعني الله عز وجل فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدي حدود ربي جل جلاله.
    فزج بي في النور زجة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علو ملكه، فنوديت: يا محمد، فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فإياي فاعبد وعلي فتوكل، فإنك نوري في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجتي على بريتي، لك ولمن اتبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتهم أوجبت ثوابي.
    فقلت: يا رب، ومن أوصيائي ؟ فنوديت: يا محمد، أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثنى عشر نوراً، في كل نور سطر أخضر عليه إسم وصي من أوصيائي، أولهم: علي بن أبي طالب، وآخرهم مهدي أمتي، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي من بعدي ؟ فنوديت: يا محمد، هؤلاء أوليائي وأوصيائي وحججي بعدك على بريتي ، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزتي وجلالي، لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأمكننه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرن له الرياح، ولأذللن له السحاب الصعاب، ولأرقينه في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنه بملائكتي حتى تعلو دعوتي ويجتمع الخلق على توحيدي، ثم لأديمن ملكه، ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة) ( ).

    * * *


    الصلاة والتوحيد
    الصلاة معراج المؤمن وتمثل صورة لمنهج المعرفة، وخطوات المعرفة والحركات والأقوال فيها تعبر عن منهج المعرفة، فحركات الصلاة التي تبدأ من القيام ثم الركوع ثم السجود تعبر عن المعرفة التي ترافق الابتعاد عن الأنا، فمن القيام الذي هو مواجهة، إلى الركوع الذي يمثل تذلل وابتعاد عن الأنا بدرجة ما، إلى السجود الذي يمثل درجة أعظم من التذلل والخضوع والابتعاد عن الأنا، وأكيد إن التذلل والخضوع يزداد مع زيادة المعرفة ( )، كما إن المعرفة تزداد مع زيادة الخضوع والتذلل.
    فالذكر في الركوع والسجود الذي هو: سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى يمثل مرتبتين من الخضوع والتذلل والمعرفة المرافقة لكلا المرتبتين، ففي الركوع تنـزيه وتسبيح وتقديس الذات الإلهية أو الله، وفي السجود تنـزيه وتسبيح وتقديس الحقيقة والكنه.
    وحيث إنّ السجود مرتبة تذلل أعلى وأعظم من مرتبة التذلل في الركوع فالمناسب من التسبيح في الركوع هو سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي العلي، والمناسب من التسبيح في السجود هو سبحان ربي الأعلى أو سبحان ربي الأعظم، والفرق بين العظيم والأعظم وبين العلي والأعلى بيَّن ( )، ويبين هذا الفرق بوضوح أن المعرفة في السجود التي يشير لها السجود وتسبيحه أعظم من المعرفة في الركوع التي يشير لها الركوع وتسبيحه.
    وفي كلا التسبيحين نزهناه سبحانه عن النقص، وبالتالي نزهناه عن أن نحيط به معرفة أي نزهناه من أن نعرفه نحن معرفة تامة في كلا المرتبتين العظيم والأعظم او اللاهوت " الله " والحقيقة " هو "، وبالتالي نكون قد أثبتنا بقولنا هذا أننا عاجزون عن معرفة اللاهوت المطلق معرفة تامة فضلاً عن الحقيقة التي واجهتنا به.


    أمر السجود الأول والتوحيد
    في صلاتنا اليوم نسجد لله، هذا ما نعرفه جميعاً ولا نختلف فيه، ولكن أيضاً نحن نؤمن أن الملائكة سجدوا لآدم، وأيضاً نؤمن أن يعقوب وهو نبي ومعه زوجته وأبناؤه سجدوا لنبي الله يوسف u.
    وهذه المسألة لا يجب أن يغفلها من يبحث عن النجاة حقيقة، وإلا كان مضيعاً لدينه عن عمد؛ لأن هذه مسألة في غاية الأهمية والخطورة حيث إنّ السجود الذي يرتكز في الذهن اليوم إنه غير جائز لغير الله، وربما يرمى من يفعله بالشرك والكفر من قبل كثير ممن لا يكادون يعقلون، نجده وبوضوح تام قد حصل من الملائكة ويعقوب u وجميعهم معصومون ولا يخطئون، بل والسجود كان بأمر الله فلا يحسن المرور على هذا الأمر هكذا دون الالتفات إليه أو إهماله بسبب العجز عن فهمه وإدراكه كما هو حاصل من كثيرين، بل لابد للإنسان الذي يبحث عن الحقيقة أن يفهم كل شيء في دين الله؛ لأنه سبحانه لم يفعل شيئاً أو يذكر شيئاً، هكذا لنمر عليه مرور الكرام دون أن نفهمه أو نفهم الحكمة التي فيه.
    هذا السجود في الحقيقة يضعنا أمام حقيقة جلية وهي: إن الله سبحانه الذي قال لخلقه: اسجدوا لي لأني إلهكم وربكم، هو نفسه سبحانه قال لهم: اسجدوا لآدم، واسجدوا ليوسف u، وهذه مسألة في غاية الخطورة ولابد أن تفهم بدقة؛ لأن السجود هو غاية التذلل من الساجد ويبين فقر الساجد وغنى المسجود له، وبالتالي يبين بوضوح تأله الساجد للمسجود له واعترافه بربوبيته.
    ولو جعلنا الأمر على صيغة سؤال وقلنا: إن سجودنا لله يمثل أقصى ما يمكن أن نفعله من التذلل؛ لنبين حاجتنا وفقرنا التي تعني أننا نتأله إليه ليكملنا ونعترف بربوبيته وأنه مكمل لنا، فالسؤال الآن: ماذا يعني سجود الملائكة لآدم ؟ وماذا يعني سجود يعقوب ليوسف u ؟ هل أن الأمر هو هو، أم إنه تغير ؟
    في الحقيقة إن الأمر هو هو ولم يتغير شيء مما يدل عليه سجود الساجد للمسجود له، فالسجود نفسه والساجد نفسه، نعم تبدل المسجود له فيعقوب مثلاً سجد لله وسجد ليوسف فالذي تغير فقط المسجود له ولا فرق بين دلالة السجود الأول ودلالة السجود الثاني، فإذا كان السجود الأول يدل على تأله يعقوب واعترافه بربوبية المسجود له فكذا سجوده الثاني، وبالتالي فإن هذا السجود إنما يبين وبوضوح تام أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول إني بهذا أعرف، ومن يريد معرفة لاهوتي فليعرف هذا ، من يريد معرفة ربوبيتي فليعرف هذا .
    وفي الحقيقة إن هذه نعمة كبرى قد بينت عظمها سابقاً عندما قلت: إن معرفة الرحمة المطلقة غير ممكنة لنا ولكن نعرفها بمعرفة رحمة قريبة للرحمة المطلقة، وكلما كانت هذه الرحمة أقرب إلى الرحمة المطلقة كانت معرفتنا أعظم، ولهذا فإن أعظم النعم على الخلق هي خلفاء الله في أرضه ؛ لأن بهم يعرف الله ويوحد.
    عن الإمام الرضا u في كيفية زيارة الأنبياء والأوصياء ، قال u: (اَلسَّلامُ عَلى اَوْلِياءَ اللهِ وَاَصْفِيائِهِ، اَلسَّلامُ عَلى اُمَناءِ اللهِ وَاَحِبّائِهِ، اَلسَّلامُ عَلى اَنْصارِ اللهِ وَخُلَفائِهِ، اَلسَّلامُ عَلى مَحالِّ مَعْرِفَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى مَساكِنِ ذِكْرِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى مُظْهِرى اَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الْمُسْتَقِرّينَ فى مَرْضاتِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الُْمخْلِصينَ في طاعَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الاَْدِلاّءِ عَلَى اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الَّذينَ مَنْ والاهُمْ فَقَدْ والَى اللهَ، وَمَنْ عاداهُمْ فَقَدْ عادَى اللهِ، وَمَنْ عَرَفَهُمْ فَقَدْ عَرَفَ اللهَ، وَمَنْ جَهِلَهُمْ فَقَدْ جَهِلَ اللهَ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِمْ فَقَدِ اعْتَصَمَ بِاللهِ، وَمَنْ تَخَلّى مِنْهُمْ فَقَدْ تَخَلّى مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاُشْهِدُ اللهَ اَنّى سِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبْتُمْ، مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ، مُفَوِّضٌ فى ذلِكَ كُلِّهِ اِلَيْكُمْ، لَعَنَ اللهُ عَدُوَّ آلِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ وَاَبْرَأُ اِلَى اللهِ مِنْهُمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ) ( ).
    ولذا سماهم الله بالنعيم ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾( )، والملائكة قد عرفوا هذه النعمة عندما عرفهم آدم بما كانوا يجهلون، (قال أنبئهم بأسمائهم)، أي عرفهم بالله وبأسماء الله، فكان آدم هو السبيل ليتعلم وليعرف الملائكة حقائق الأسماء، فالذي عرفهم به آدم هو حقائق وليس ألفاظاً أو معاني، وهم بعد أن عرفوا من آدم الأسماء علموا أن خلق آدم نعمة أنعم الله بها عليهم، فالملك المخلوق من الرحمة مثلاً كان يعرف الرحمة المطلقة بقدره هو، أما عندما خلق آدم u الذي تتجلى فيه الرحمة بصورة أعظم وأقرب إلى الرحمة المطلقة فقد عرف هذا الملك الآن حقيقة الرحمة المطلقة بمعرفته عجزه عن معرفة الرحمة المطلقة.

    * * *














    مسيرة الإنسانية على هذه الأرض
    بين الشرك والكفر والتوحيد
    لابد في التوحيد من العدل أي وضع الشيء في موضعه فلا إفراط ولا تفريط، وكلا الحالـين (الإفراط والتفريط) باطل.
    لأن الإفراط: في حدود التوحيد يؤدي بالإنسان إلى التعطيل والخروج عن التوحيد؛ لأن نكران معرفته سبحانه هو بعينه نكرانه سبحانه، ولا يعرف سبحانه وتعالى إلا بوجهه الذي واجه به خلقه وهم حججه الأنبياء والأوصياء، وهذا (الإفراط) في الواقع كفر وشرك وإن لم يصرح به من يعتقده فهو كفر؛ لأن الكفر هو الستر وتغطية الحقيقة وحجبها، وهؤلاء المفرِطون يغطون حقيقة الأنبياء والأوصياء ويحجبونها وينكرونها فهم كافرون بها، ولما كانت هذه الحقيقة هي وجه الله الذي به يعرف ( ) كان هؤلاء كافرين بالله في حقيقتهم وواقعهم وكل بحسبه يتدرجون في مراتب الكفر.
    وفي أدنى مراتب هذا الإنكار لحقيقة الأنبياء والأوصياء يفقد الإنسان مراتب معرفة بالله ومراتب كمال، وأعظم مراتب إنكار حقيقتهم يؤدي بالإنسان إلى الجهل بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه سبحانه بهم يعرف.
    ويخرج الإنسان عن ولايتهم ، فيخرج بذلك عن ولاية الله سبحانه وتعالى، فيكون كافراً بالله سبحانه؛ لأنه كفر بالطريق الموصل إليه وإلى معرفته سبحانه، فلا ينفعه ادعاء الإيمان بالله وهو قد أعرض عن الطريق الموصل إلى الله وتنكب السبل المؤدية إلى الشيطان، وكمثال على هذا الأمر: لو كان هناك مزرعة ومزبلة وطريق رقم واحد يؤدي إلى المزرعة ورقم اثنين يؤدي إلى المزبلة، فوجدت شخصاً يسير على طريق رقم اثنين ومع هذا يدعي أنه ذاهب إلى المزرعة فبماذا تصفه ؟ أظن أقل ما يمكن أن تصفه به أنه كذاب ويخفي ويستر الحقيقة، أي يكفرها بل ويحاول خداع غيره.
    وهو أيضاً (أي الإفراط) شرك؛ لأن من يساوي حجج الله وهم الأنبياء والأوصياء بمن سواهم يكون قد ساوى وجه الله وأسماءه الحسنى بعامة خلقه ، حيث إنهم وجه الله الذي واجه به خلقه وأسماؤه الحسنى في الخلق، فتسويتهم بمن سواهم في أدنى مراتبها يؤدي بالإنسان إلى فقدان مرتبة كمال ومعرفة بالله سبحانه.
    أما في أعظم مراتب تسويتهم بمن سواهم، فإنه يؤدي بالإنسان إلى الجهل بالله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الإنسان جهلهم ومن جهلهم جهل الله، فتسويتهم بمن سواهم شرك بكل مراتبها، كما أن إنكارهم كفر بكل مراتبه ( ).
    أما التفريط: فيؤدي بالإنسان إلى الشرك؛ لأنه يعطي للأنبياء والأوصياء - وهم وجه الله - مرتبة الألوهية المطلقة والاستقلال عن الله سبحانه وتعالى والغنى عنه سبحانه.
    وهو أيضاً كفر؛ لأنه يؤدي بالإنسان إلى ستر وتغطية حقيقة الله سبحانه وتعالى وحجبها؛ لأنه ساواه بمن سواه من خلقه والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وكل من سواه خلقه سبحانه وتعالى ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾( ).
    فالإنسانية على هذه الأرض ترددت في هذه المراتب الأربعة من الشرك والكفر، فكل بني آدم مشمولون بهذه المراتب الأربعة من الشرك والكفر إلا عباد الله المخلصين، وهم الأنبياء والأوصياء ومن تابعهم وتغذى بعلومهم الإلهية التامة، حتى وصل إلى مراتب الإيمان العشرة، ومراتب المعرفة العشرة، وهم قلة لا تكاد تذكر على مدى مسيرة الإنسانية، ولم ينقل هؤلاء الأولياء هذه المعرفة الإلهية ولم يرووها عن الأنبياء والأوصياء لأنهم منعوهم من ذلك ( )، حيث إن الناس (وحتى من يؤمن بهم ) لا طاقة لهم على حملها ، فلم يُبث بين الناس إلا حرفان.
    واليوم بدأت هذه السبعة والعشرون حرفاً من العلم تبث بين الناس - ليؤمن بها من يؤمن بالقائم ، ويكفر بها من يكفر بالقائم - لحضور أهلها وحملتها في هذا الزمان المبارك وهم أصحاب القائم، والحمد لله وحده.
    ومن المناسب أن نعرض إلى الانحراف الذي أدى بأناس إلى الشرك التام أو الكفر التام في كلا حالتي الإفراط والتفريط في حدود التوحيد من خلال أمثلة من الأديان والمذاهب.

    * * *











    أولاً: الإفراط في حدود التوحيد
    ولنأخذ كمثال المذهب الوهابي أو من يسمون أنفسهم السلفية، وهؤلاء يعتبرون الرسـول محمداً مجرد ناقل ألفاظ عن الله سبحانه وتعالى، أما روح محمد وحقيقته فلا تضر ولا تنفع في حياته في هذه الحياة الدنيا، وبعد انتقاله إلى الملأ الأعلى، والاعتقاد بأنه يضر أو ينفع أو يشفع أو يعلم أو … أو …، عندهم شرك صريح وارتداد عن الإسلام حتى أدى بهم الأمر إلى جهالات خالفوا بها أحكام وضروريات الإسلام والقرآن، فأحلوا قتل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، لمجرد اعتقاده بأن روح الرسول تضر وتنفع وتشفع و… و … بعد انتقاله من هذه الحياة الدنيا بإذن الله، وبحوله وقوته سبحانه وتعالى ، مع أن الذمي الذي يدين بالمسيحية أو يدين باليهودية ويعيش في بلاد المسلمين ، ويحافظ على شروط الذمة لا يجوز قتله، ومحترم الدم عند كافة المسلمين، بل عندهم أيضاً.
    والحقيقة التي غفل عنها هؤلاء هي أن النفع والضر والشفاعة والقدرة على التأثير في هذه الحياة الدنيا عموماً متعلقة بالحياة والإذن من الله سبحانه، وبما أن الحياة ثابتة قطعاً للأنبياء والأوصياء المرسلين ؛ لأنهم سادة الشهداء على الخلق وهم من قتلوا أناهم في سبيل الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾( ).
    ومن يقول إنهم ليسوا أحياء عند ربهم يرزقون يعني أنه يتهم الأنبياء والأوصياء، فكيف يقرّ بأن من قتل تحت راياتهم حي عند ربّـه، وهم القادة وأصحاب الرايات لا يكونون كذلك ؟!
    إذن، فالحياة عند ربهم ثابتة للأنبياء والأوصياء وبالتالي فالقدرة ثابتة؛ لأن تأثير الروح المشرقة بنور ربها على هذا العالم الجسماني أهون ما يكون؛ لأنها من عالم مهيمن على هذا العالم فلم يبقَ إلا الإذن من الله لهم بالتأثير، والله سبحانه قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾( ).
    فهم إذن أحياء وقادرون بقدرة الله وما أودع الله فيهم من القدرة ويعملون بإذن الله وبأمر الله بل والله أمرنا أن نتخذهم وسيلة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾( ).
    بل ونطلب منهم حتى أن يكونوا شفعاءنا إلى الله في غفران الذنوب ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾( ).
    أما من يحصر تأثيرهم وقدرتهم بوجودهم الجسماني في هذه الحياة الدنيا فهو جاهل لحقيقة الأمر، ولم يلتفت إلى أنهم أحياء عند ربهم، والله يستعملهم وهم عمال عند الله ولهم مهام وأعمال يقومون بها، كما أن جبرائيل u الملك والحي عند ربه له مهام وأعمال يقوم بها بإذن الله.
    فاتهام من يعتقد بأن محمداً يضر وينفع بإذن الله بعد وفاته وانتقاله إلى ربه؛ لأنه حي عند ربه بأنه مشرك غير صحيح؛ لأن جبرائيل u الملك الحي عند ربه وهو روح وليس جسد جسماني في هذا العالم يضر وينفع وعمل ويعمل وسيعمل أعمالاً بإذن الله.
    ثم إنهم ادعوا أنهم يريدون بنفي الواسطة أو الشفاعة التوحيد الخالص، في حين أنهم وقعوا في أخس أنواع الشرك والكفر باعتقاداتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل إن القرآن ينص على نقضها وإبطالها.
    فهم يدعون أنهم لا يريدون أن يجعلوا بينهم وبين الله واسطة وشفيعاً، وأن من يجعل بينه وبين الله واسطة فهو مشرك وكافر، وغفلوا عن أنّ هذا هو تماماً موقف إبليس (لعنه الله) الذي رفض أمر الله سبحانه بأن يجعل آدم  واسطة وشفيعاً له بين يدي الله سبحانه، فإبليس (لعنه الله) كان يعبد الله بل كان طاووس الملائكة لكثرة عبادته ولم يرفض عبادة الله، ولكنه رفض أن يسجد لآدم وأن يكون آدم قبلته إلى الله، وبهذا رفض إبليس (لعنه الله) أن يكون آدم  واسطته إلى الله وشفيعه بين يدي الله.
    وهذا هو موقف هؤلاء الجهلة اليوم ، إنه موقف إبليس السابق بعينه، هؤلاء لم يفقهوا شيئاً من الدين والتوحيد، ومرقوا من الدين كما أخبر عنهم رسول الله ، ولم يفقهوا من الدين حتى القشور، ويا ليتهم يلتفتون لأنفسهم ويقرؤون قصص الأنبياء والمرسلين، ويقرؤون القرآن بتدبر، ولكن هيهات بعد اللتيا والتي، فهم لا يعرفون إلا عالم الأجسام ويريدون صب العلم كله من خلال معرفتهم المحدودة، مع أنّ الله لم ينظر إلى عالم الأجسام منذ أن خلقه كما قال رسول الله ، ويفصلون عالم الأرواح عن عالم الأجسام فصلاً تاماً وكأنه لا علاقة له به، فلا روح لها أثر ولا نفع ولا ضر ولا شفاعة عندهم، حتى أرواح الأنبياء والأوصياء، ولو تدبروا كتاب الله لميزوا بين سلام عيسى  على نفسه وسلام الله على يحيى، فهذا حال عيسى : ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾( )، وهذا حال يحيى : ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾( ). مع أنّ عيسى  أعلى مقاماً من يحيى .
    فلو تدبروا الآيات لعلموا أن عيسى  وصل بالارتقاء حتى أصبح هو الذي يسلم ويعطي الأمان لنفسه ولغيره، فهو شفيع مقبول الشفاعـة بمرتبة عالية في الدنيا وفي الآخـرة، أما يحـيى  فقد سلّم عليه الله سبحانه وتعالى، فعيسى  عند هؤلاء الجهلة لا يضر ولا ينفع والله سبحانه وتعالى جعله هو الذي يسلم على نفسه ويعطي الأمان لنفسه فأصبح هو السلام والأمان، بينما الذي يعطي الأمان ويسلم بالأصل هو الله سبحانه وتعالى السلام المؤمن.
    فعيسى  يسلم ويعطي الأمان؛ لأن عيسى  مفوض إليه هذا الأمر، وإلا فكيف له أن يقرر لفرد أنه آمن ومبارك في ساحة الله إن لم يكن قد فوض له هذا الأمر، وعلة هذا التفويض هي: أن عيسى  هو تجلي الله سبحانه في مرتبة تؤهله لذلك، فعيسى  هو طلعة الله (..... وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران .....) ( ).













    توحيد الوهابيين
    وإلغاء وساطة وشفاعة الأنبياء والأوصياء
    قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾( ).
    إن مسألة إلغاء دور ومكانة الأنبياء والأوصياء ليست جديدة بل هي ولدت مع أول نبي خلقه الله سبحانه وتعالى وهو آدم ، فقد أنكر ورفض وكفر إبليس (لعنه الله) بدور آدم  ورفض السجود لآدم ولم يقبل أن يكون آدم  قبلته إلى الله.
    لم يكفر إبليس بالله ولم يرفض عبادة الله ولكنه رفض أن يسجد لآدم، رفض الاعتراف بفضل آدم وأنه قبلة وشفيع وواسطة إلى الله، وربما يصح أن نقول إن إبليس توصل إلى توحيد الوهابيين قبلهم ، وربما الأصح إنه عداهم بدائه واستفزهم بندائه، فوجدهم نعم المجيبون وأفضل من تابع خطاه في التنكر لأولياء الله .
    وقد بيّن الله سبحانه وتعالى حال إبليس في القرآن بأوضح بيان، ولا يجد عاقل إن تدبر القرآن فرقاً بينه وبين الوهابيين، بل لم يكتف الوهابيون بإنكار مقام الأنبياء والأوصياء وشفاعتهم وكونهم قبلة الله ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾( )، حتى زادوا على إبليس في كفره وتنكره لحجج الله، فقاموا بهدم البقع الطاهرة المقدسة لحجج الله آل محمد ، وهي مواضع رحمة وبركة الله سبحانه وتعالى فتبين حقدهم وبغضهم لآل محمد وتبين مدى الشبه بين الوهابيين وبين إبليس، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾( ).
    فما أبين حقدهم على آل محمد بهدم أضرحتهم، وما أبعدهم عن المودة التي أمر الله بها المسلمين، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾( )، لكفى في بيان متابعتهم لإبليس في الكفر بأولياء الله سبحانه وتعالى.
    فإبليس (لعنه الله) لم يرض أن يكون شفيعه إلى الله، والواسطة بينه وبين الله، وقبلته إلى الله نبي الله آدم ، وهؤلاء الضالون المضلون أتباع إبليس في التنكر لأولياء الله لا يقبلون أن يكون النبي محمد شفيعهم إلى الله، والواسطة بينهم وبين الله، وقبلتهم إلى الله، بل ولا يقبلون حتى أن رحمة وبركة الله تنزل على من يزور أضرحة آل محمد الذين سأل الله المسلمين مودتهم في القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾( ).
    ولكل عاقل أن يتدبر: هل يوجد أوضح وأبين من متابعة الوهابيين لإبليس في الكفر وإنكار دور حجة الله وخليفته سبحانه من الأنبياء والأوصياء ؟ وهم يتعللون لتغطية بغضهم لحجج الله وخلفائه في أرضه بعلل واهية:
    - بأن الاعتقاد بشفاعة مخلوق بين يدي الله شرك.
    - بأن الاعتقاد بمخلوق يقضي الحوائج بإذن الله شرك.
    وباختصار: هم يعتقدون إن الاعتقاد بوجود الواسطة بين العباد والمعبود شرك، ويرفضون هذا الاعتقاد أو العمل به، وأتصور أنهم لو راجعوا موقف إبليس مع آدم لما وجدوه يختلف قيد أنملة عن موقفهم في رفض الوسيط والقبلة إلى الله سبحانه ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
    وهذه بعض النقاط للتوضيح أكثر ولرفع الشبهة عن المشتبه الذي يطلب الحق، ولعلهم يلتفتون أن الله تَعَبَّدَ الخلق أول ما تَعَبَّدَهم بالسجود لخليفته والواسطة بينه وبينهم، ولعلهم لا يرفضون السجود والاعتراف بدور خليفة الله في أرضه باعتباره واسطة إلى الله وشفيعاً بين يدي الله بحقيقته التي لا تموت ولا تفنى بموت جسده أو فنائه، فما دامت حقائقهم باقية فإن شفاعتهم ووساطتهم باقية، ولعلهم يتركون متابعة إبليس في إنكار الوساطة والتنكر للوسيط (خليفة الله).
    ومتوكلاً على الله أقول:
    1- الذهاب إلى الطبيب واستعمال الدواء لا يمثل شركاً بالله، كما إنهما لا ينفعان الإنسان إذا لم يشأ الله ويجعل بإمكان الطبيب والدواء أن ينفعا الإنسان، كذا الحال إذا كان الأمر بالنسبة للروح، ولكن الطبيب هذه المرة أرواح الأنبياء والدواء الكمال الذي يفيضونه على من يواليهم، فالتوجه لهم ليس شركاً بالله؛ لأنهم لا ينفعون الإنسان إلا بإذن الله، كما أن الإعراض عنهم هو غاية الجهل والكفر؛ لأنهم أسباب شفاء الأرواح وهذا مقام جعله الله لهم عندما جعلهم خلفاءه الذين يواجه بهم بقية خلقه في أرضه، وليس لأحد أن يسلبهم إياه ومن يعترض يكون كإبليس الذي رفض السجود لأولهم (آدم u).
    2- وأيضاً هم لا ينفعون شيئاً إذا لم يشأ الله كالطبيب والدواء، ولذا فلابد من التوجه إلى الله بالدعاء لينفع الطبيب والدواء وينتفع المريض، فهم لا ينفعون ولا يشفعون إلا بإذن الله وإرادته.
    3- من يتوجه إلى أطباء الأرواح الأنبياء والأوصياء ويترك التوجه إلى الله بالدعاء ويعتقد أنهم ينفعون دون التوجه إلى الله ودون أن يأذن الله لهم فهو مشرك، ولن ينفعونه شيئاً ولن ينتفع منهم شيئاً ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾( ). ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾( ).
    4- ومن يعرض عنهم ويدعي أنه يتوجه إلى الله مباشرة لكي لا يكون مشركاً، فهو في الحقيقة موقفه تماماً كموقف إبليس لا يفرق قيد أنملة، فهو كافر بمقامهم الذي جعله الله لهم، وكافر بأمر الله وهذا مطرود من رحمة الله وعبادته كعبادة إبليس (لعنه الله).
    قال الصادق u: (..... فأول من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أول معصية عصي الله بها، قال: فقال إبليس: يا رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال الله: لا حاجة لي إلى عبادتك، إنما أريد أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تريد، فأبى أن يسجد فقال الله تبارك وتعالى: اخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين .....) ( ).
    5- ثم إن من يفهم مابينته في أكثر من كتاب ومن خلال القرآن الكريم عن ملكوت السموات يعرف أنّ كون هؤلاء الأولياء من الأنبياء والأوصياء واسطة بين المعبود والعباد هي مسألة قهرية وحتمية وليست اختيارية للعباد، حيث إنّ مقام ومرتبة هؤلاء الأولياء فوق العباد، فلابد للعبد من المرور بهم ليصل إلى المعبود.

    * * *





    بين خوارج الأمس والوهابية
    المبدأ الأساسي لخروج الخوارج على علي بن أبي طالب  بل وخروجهم على الإسلام هو قولهم (لا حكم إلا لله)، ظاهر خادع وباطن أسود ولا يُخدع به إلا الأعراب الجهلة الذين لا يكادون يفقهون حديثاً ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾( ).
    هذا قول الخوارج (لا حكم إلا لله)، وهي كلمة حق فالحكم لله.
    أما عبادتهم الظاهرية فكانوا من أعبد الناس، وأكثر الناس صلاة في المساجد والمحافل.
    أما قتالهم عن عقيدتهم فيكفي أن تعرف أنهم استقتلوا في النهروان حتى لم ينجُ منهم إلا القليل.
    ومع ذلك لم يعرفوا بل ولم يحملوا من الإسلام شيئاً، وهذان حديثان عن رسول الله في الخوارج في أول الزمان ، وفي آخر الزمان (الوهابية):
    • الحديث الأول:
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، إذ أتاه ذوالخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم اعدل ؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس.
    قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته) ( ).
    • الحديث الثاني في خوارج آخر الزمان (الوهابية):
    عن سويد بن غفلة، قال: (قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله فلإن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية ( )، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا تجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) ( ).
    وأجد من الضروري تحليل مرتكز الخوارج وهو مرادهم من قول (لا حكم إلا لله)، وبيان مدى مطابقته لتوحيد الوهابية المدعى، فيتبين أنهم خوارج آخر الزمان.
    إن علياً  لما سمع قول الخوارج " لا حكم إلا لله "، قال : (كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر).
    (وفي رواية أخرى أنه  لما سمع تحكيمهم، قال: (حكم الله أنتظر فيكم (وقال) أمّا الإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته) ( ).
    إن معنى هذا الشعار (لا حكم إلا لله): هو حاكمية الله، أي أن من يرفعه المفروض أنه لا يقبل إلا بحاكمية الله التي تتمثل بالقانون الإلهي والحاكم المعين من الله، فالمفروض أن من يرفع هذا الشعار يطالب بتطبيق القانون الإلهي وتمكين الحاكم المنصب من الله.
    هذا هو معنى هذه الكلمة (لا حكم إلا لله)، وهذا هو المفروض أن يكون مطلب من يرفعها شعاراً، ولكن الخوارج جاءوا بهذه الكلمة لنقض حاكمية الله، لقد رفعوها بوجـه علي  بالذات وهو خليفة الله والوصي المنصب من الله، هم بحسب ظاهر الكلام لا يرفضون الله، فقط يرفضون علياً ، ولكن لو تدبرنا موقفهم نجده تماماً كموقف إبليس الذي لم يرفض السجود لله بل كان طاووس الملائكة من كثرة العبادة ولكنه فقط رفض السجود لآدم  خليفة الله.
    وجواب الإمام علي  في نقض مرادهم هو الواقع الموجود، فمع وجود المجتمع الإنساني (الناس) لابد من وجود قانون وحاكم يقوم بتطبيق القانون؛ لتنظيم حياة هذا المجتمع، فإذا رفض القانون الإلهي والحاكم (البر، التقي) المنصب من الله جاء القانون الوضعي والحاكم الطاغوت (الفاجر) حتماً؛ لأن الواقع لا يخلو من أحدهما، قال : (وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر).
    الآن فقط أطلب أن نستحضر المواقف الثلاثة:
    إبليس (لعنه الله): رفض السجود لآدم، (رفض أن يكون آدم "خليفة الله" واسطـة بينه وبين الله).
    الخوارج: رفضوا أن يكون الحاكم إنساناً منصباً من الله، حيث قالوا لا حكم إلا لله وهم يريدون لا إمرة إلا لله، (أي إنهم رفضوا أن يكون إنسان (خليفة الله) واسطة بينهم وبين الله) وهم يدعون بهذا التوحيد ونبذ الشرك !!
    الوهابية: هم يرفضون أن يكون إنسان (خليفة الله) واسطة بينهم وبين الله، ويدعون بهذا التوحيد ونبذ الشرك أيضاً !!!!
    ما هو الفرق بين المواقف الثلاثة ؟؟!!
    لو دققنا في المواقف الثلاثة لوجدنا أن مطابقة موقف الخوارج لموقف إبليس ربما يحتاج إلى التوضيح المتقدم، أما مطابقـة موقف الوهابـية لموقف إبليس فلا أعتقد، حيث إنّ موقفـهم (اعتقادهم) صورة طبق الأصل لموقف إبليس، فأين يكون موضع التوضيح لو أردناه ؟

    * * *




















    ثانياً: التَفرِيط في حدود التوحيد
    ولنأخذ كمثال النصارى ، ومن ثم نعرج على الوهابيين.
    والنصارى أو كما يسمون أنفسهم المسيحيون جعلوا لنبي الله عيسى  وهو عبد من عباد الله الألوهية المطلقة والغنى المطلق، وحجتهم فقط بعض الكلمات في أناجيلهم مثل قـول عيسى  أبي والإبن، مع أن هذه كلها مؤولة بأن المراد هو صفات الأبوة والبنوة لا ذاتها أي الرحمة والمداراة والتربية و …، والعطاء الذي ربما وصل إلى التضحية بالنفس من الأب إلى إبنه ويشترك الله سبحانه وتعالى ببعض الصفات مع الأبوة مع ملاحظة غناه سبحانه، وأيضاً من جهة الإبن تجاه الأب يمكن ملاحظة صفة بر الإبن الصالح بوالده وطاعته له في سلوك الأنبياء والأوصياء تجاه الله سبحانه وتعالى.
    والله سبحانه وتعالى يصل مع عبده في العطاء إلى أن يعطيه كله، فيخاطب عبده سبحانه وتعالى: (أنا حي لا أموت وقد جعلتك حياً لا تموت، أنا أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون) ( )، وهذا هو الاتصاف بصفة الألوهية في الخلق ، أي أن يوصف العبد ببعض أوصاف الألوهية مع ملاحظة فقره. فهذا العبد حي لا يموت ويقول للشيء كن فيكون وهي صفات الألوهية، ولكن الذي جعله هكذا هو الله سبحانه وتعالى وهو يحتاج وفقير إلى الله ليبقى هكذا، أما الله سبحانه وتعالى فقد كان ولا يزال وسيبقى حياً لا يموت ويقول للشيء كن فيكون دون أن يحتاج أو يفتقر إلى أحد، وهذا يميز بوضوح الفرق بين الاتصاف بصفة الإلوهية في الخلق (أو وجه الله أو يد الله أو طلعة الله في ساعير أو ظهور الله في فاران) ( ) التي مثلها خاصة أوليائه كمحمد وعيسى ، وبين الإلوهية الحقيقية المطلقة المحصورة بالله سبحانه وتعالى.
    ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾( ).
    ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ).
    ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾( ).
    ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾( ).
    ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾( ).

    * * *








    هو الله سبحانه الواحد الأحد وكل من سواه خلقه
    الله سبحانه وتعالى رد في القرآن الكريم على الذين قالوا إن لله سبحانه إبناً انفصل عنه أو وُلِدَ منه أو صَدَرَ عنه بمعنى أنه لاهوت مطلق صدر عن لاهوت مطلق، أو الذين يقولون إن الإنسان المخلوق يمكن أن يرتقي حتى يكون موصولاً باللاهوت المطلق، أي أن حقيقة هذا الإنسان تكون اللاهوت المطلق؛ لأنه اتحد باللاهوت المطلق، وبهذا حسب تفكيرهم يكون اللاهوت المطلق قد نزل في الناسوت وبالجسد، أو بين الناس في إنسان منهم وهذا الإنسان يكون ابن الله.
    والحقيقة مع أنّ هذا الطرح العقائدي الذي تبناه العلماء غير العاملين باطل، ولكن الله سبحانه وتعالى ولرحمته خاطبهم وكلمهم حتى في تفاصيل التنظير لهذا الاعتقاد، فتجده تعالى يفصل لهم ويبين لهم مواضع الخلل في عقيدتهم.
    قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾( ).
    ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾: وهذا النقض التام الذي كلمهم الله به لا يمكنهم رده بأي شكل أو صورة؛ حيث إنّ معناه: إنكم تقولون بوجود ولد له سبحانه وتعالى، وهذا الولد هو لاهوت مطلق (أي أنه كامل مطلق وغني مطلق لا يفتقر لغيره)، فإن قلتم إنه صدر منه وحده سبحانه وتعالى، فهذا يعني أن الإبن مطابق للأب تماماً - وبغض النظر عن أنّ الحقيقة البسيطة المطلقة يستحيل تعددها - فأي معنى ، وأي حكمة من هذا الصدور، مع عدم وجود أي تمايز أو اختلاف أو تغاير يمكن تصوره ؟! فهل تقولون إن الأب غير حكيم ليصدر أو ليلد ابناً له لا فائدة له سبحانه أو لغيره من صدوره ؟!
    وإن قلتم بوجود الاختلاف أو التمايز أو التغاير - كما يصرح النصارى اليوم إن الأقانيم متمايزة - فهذا يحتم وجود لاهوت ثان ﴿..... صَاحِبَةٌ .....﴾ ليكون الإبن صادراً عن الاثنين فلا يطابق أحدهما؛ لأنه صدر عنهما معاً، فهل أنتم تقولـون بوجود اللاهوت الثاني (الصاحبة) الذي سبق الابن ( ) ؟؟!!!
    فاعلموا أنكم إن قلتم بوجود الإبن فلابد أن تقولوا بوجود اللاهوت الثاني (الصاحبة) قبله وإلا فكيف تقولون بوجود الإبن (اللاهوت المطلق الذي صدر عنه) دون وجود اللاهوت المطلق الثاني (الصاحبة) ابتداءً معه سبحانه وتعالى، ووجود الإله المطلق الثاني (الصاحبة) ابتداءً معه سبحانه وتعالى محال؛ لأن اللاهوت المطلق حقيقة بسيطة مطلقة ولا يمكن أن تتعدد ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾.
    وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾( ).
    أي إن رتبتم ما توهمتوه من وجود الأقانيم الثلاثة (أو الأصول الثلاثة) بهذه الصورة، فقلتم بوجود الأب (الله سبحانه وتعالى)، واللاهوت المطلق الثاني الصاحبة (الإبن)، ثم صدر عنهما اللاهوت المطلق الثالث (الاقنوم الثالث) الروح القدس ، فالكلام يكون في وجود اللاهوت الثاني ابتداءً مع الله سبحانه وتعالى، فهل يوجد تمايز بينهما أم لا ؟ أي أنّ كليهما واحد ؟
    فمن يختار أنّ كليهما واحد يعود عليه النقض السابق؛ لأن الصادر عنهما مطابق لكل واحد منهما، ومن يختار التمايز بينهما ستنتقض عنده ألوهية الثاني ألوهيةً مطلقة؛ لورود النقص عليه، فالتمايز لا يكون إلا بالكمال المطلق ﴿..... وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

    والعلماء غير العاملين لأنهم نكسوا فطرتهم وانقلبوا رأساً على عقب، قالوا إن لله ولداً سبحانه وتعالى عما يصفون ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾( ).
    فلو أنهم عادوا إلى فطرة الله وتفكروا في آلاء الله لأنقذوا أنفسهم من هذا الهلاك المبين وتجنبوا الكلام فيما لا يعلمون، وكلام الإنسان فيما لا يعلم كذب ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾( ).
    وأيضاً: نقض الله سبحانه وتعالى عليهم مبدأ تعدد اللاهوت المطلق من أساسه كيفما كان الاعتقاد به:
    قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾( ).
    ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾: ومبدأ هذا النقض على كل من قال بتعدد اللاهوت المطلق - سواء بالبنوة أم بصورة أخرى يتوهمها من ضل عن سواء السبيل- هو أنّ الله قد أودع في فطرة الإنسان ما يميز به بين الحكمة والسفه ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾( )، فكل من استعمل هذا الميزان سيحكم بأن القول بتعدد اللاهوت مع عدم وجود مائز هو سفه ولا حكمة فيه. وبالتالي لا يبقى إلا القول بالتمايز، وهذا يُنقض بكلمة واحدة ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ فالتمايز في اللاهوت لا يكون إلا في الكمال، فيتعين فقر ونقص غيره فينتقض قول إن غيره لاهوت مطلق.
    أما بالنسبة لمسألة إرتقاء الإنسان، فإن الله خلق الإنسان وأودع فيه الفطرة التي تؤهله إلى الإرتقاء حتى يكون أسماء الله وصورة الله وتجلي الله والله في الخلق، ولكنه مهما إرتقى لن يكون لاهوتاً مطلقاً ولا غنياً مطلقاً، بل يبقى مخلوقاً وفقيراً إلى الله سبحانه وتعالى ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾( )، يكاد لا أنه يضيء من نفسه فيكون لاهوتاً مطلقاً، فكل من سواه خلقه وفقراء إليه سبحانه وتعالى ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾( ).
    وفي هذا النقض المتقدم الذي جاء في القرآن الكريم كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
    أما قولهم إنه واحد أحد مع قولهم بالأقانيم الثلاثة المتمايزة المستقلة بذاتها التي يرسل بعضها بعضاً حسب اعتقادهم وقولهم بوجود علاقة بينها كعلاقة البنوة والأبوة .... الخ، فهو قول يعلمون أنه سفيه ( )، وإلا كيف تجتمع الوحدة الأحدية مع تعدده وتجزئته وتمايز أجزائه وإن لم يسموها أجزاء.
    ولو أعرضنا عن كل ما تقدم فبيان باطلهم يكفيه هذا البيان إن كانوا يعقلون، وهو:
    إن الله نور لا ظلمة فيه، وكل عوالم الخلق هي نور مختلط بالظلمة وموجودات ظهرت بتجلي نوره سبحانه في الظلمات، ولذا فلا يمكن اعتبار أن الله قد حل في مخلوق أو ظهر في مخلوق ظهوراً تاماً في عوالم الخلق - كما يدعون بعيسى وروح القدس - ؛ لأن معنى هذا أنها لا تبقى بل تفنى ولا يبقى إلا نور لا ظلمة فيه، أي لا يبقى خلق بل فقط الله سبحانه وهو نور لا ظلمة فيه، ولذا قلنا وكررنا إن محمداً يخفق بين اللاهوت والأنا والإنسانية، وأكدت هذا لكي لا يتوهم متوهم أن الله - وهو نور لا ظلمة فيه - يحل في عوالم الخلق تعالى الله علواً كبيراً، والأمر بيّن واضح فمعنى ظهور النور الذي لا ظلمة فيه في عوالم الخلق ظهوراً تاماً هو فناؤها واندثارها ولا يبقى لها اسم ولا رسم ولا معنى، بل لا يبقى إلا الله النور الذي لا ظلمة فيه تعالى الله علواً كبيراً.
    * * *


    بعض الكلمات في التوراة والإنجيل
    التي توهم بعضهم أنها تعني أن اللاهوت المطلق يحل في عوالم الخلق بإنسان وبيان حقيقتها
    الكلمة:
    في كتاب لاهوت المسيح لشنودة الثالث (بابا الأرثذوكس)، قال شنودة الثالث:
    الفصل الأول: لاهوته من حيث مركزه في الثالوث القدوس - هو اللوجوس (الكلمة).
    ( ( يو1: 1) " في البدء كان الكلمة والكلمة عند الله. وكان الكلمة الله "، وهنا الحديث عن لاهوته واضح تماماً).
    الرد:
    قد بينت في هذا الكتاب أن عيسى u عبد وليس لاهوتاً مطلقاً، وسيأتي فصل الخطاب ومن آية محكمة ثابتة من الإنجيل ( )، وبالتالي هذا النص وغيره لا يصح تفسيره وفهمه بتكلف على أن عيسى u هو لاهوت مطلق حيث ثبت كما تقدم أن عيسى u أو يسوع u لا يمكن أن يكون نوراً لا ظلمة فيه، بل هو نور وظلمة وما كان هذا حاله فهو مخلوق محتاج فقير إلى اللاهوت المطلق سبحانه.
    تفسير هذا النص:
    (في البدء كان الكلمة): اللاهوت المطلق سبحانه لا بداية له ليقال في البدء، بل الذي في البدء هو المخلوق، إذن فيسوع (عيسى u) مخلوق وهذه الآية تبين بوضوح أنه مخلوق، نعم يمكن أن يقال إن المراد هنا المخلوق الأول أو العقل الأول فيتم نقاش هذا الأمر، هل أن يسوع (عيسى u) هو الكلمة الأولى ؟ أم أن يسوع (عيسى u) كلمة من كلمات الله المتأخرة عن الكلمة الأولى ؟
    (والكلمة عند الله): اللاهوت المطلق حقيقة غير مركبة والقول بتركيبها أو ما يلزم من قوله تركيبها باطل، فالاعتقاد بأن المراد بقوله (والكلمة عند الله) أن الكلمة هي اللاهوت المطلق نفسه يعني أن اللاهوت المطلق مركب. أما الاعتقاد ( ) بأن الكلمة هي الله - أي هو هي وهي هو بلا تمايز - مع أنه غير مركب يجعل هذا القول سفيهاً وخالياً من أي حكمة، فلا معنى للقول بأن الشيء عند نفسه.
    (وكان الكلمة الله): هنا موضع الشبهة وهنا المتشابه الذي وقع فيه شنودة كما وقع فيه من كان قبله، والحقيقة بعد أن تبين أن الكلمة هو مخلوق ولا يمكن أن يكون هو نفسه اللاهوت المطلق فلم يبقَ إلا أن الله هنا ليس هو اللاهوت المطلق، بل المراد الله في الخلق أي صورة الله كما ورد في التوراة أو العهد القديم، (26 وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) ( )، (فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه) ( ).

    عمانوئيل أو الله معنا:
    (لذلك هو ذا السيد يصعد عليهم مياه النهر القوية والكثيرة ملك أشور وكل مجده فيصعد فوق جميع مجاريه ويجري فوق جميع شطوطه. 8 ويندفق إلى يهوذا. يفيض ويعبر. يبلغ العنق ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل. 9 هيجوا أيها الشعوب وانكسروا وأصغي يا جميع أقاصي الأرض. احتزموا وانكسروا. احتزموا وانكسروا. 10 تشاوروا مشورة فتبطل. تكلموا كلمة فلا تقوم. لأن الله معنا) ( ).
    نعم، فالله مع الشعب المؤمن الموالي لخليفة الله في كل زمان.
    (وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. 23 هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا) ( ).
    خليفة الله في أرضه هو ممثل الله، وإذا كان هو يد الله ووجه الله فهو الله في الخلق، ولكنه ليس لاهوتاً مطلقاً بل هو مخلوق فقير محتاج وهو ليس نوراً لا ظلمة فيه بل هو نور وظلمة.
    وحتى لو قبل كل ما أضيف إلى العهد الجديد من رسائل وأعمال لن يتمكن العلماء غير العاملين من إثبات أن إنساناً هو لاهوت مطلق، إلا إنهم يتبعون ما تشابه عليهم معناه ويأولونه بما يوافق أهواءهم، وإلا فهو معارض في نفس هذه الرسائل والأعمال بما لا يقبل الشك ومحكم وبين أن عيسى  أو يسوع  عبد مخلوق بل ومعارض بالعهد القديم الذي يؤمنون به وبأقوال كل الأنبياء السابقين الذين يدعون الإيمان بهم، ولم يدعِ عيسى  (يسوع) ولا ادعى له الأوائل أنه لاهوت مطلق، بل إن الأمر طارئ وجاء بعد مئات السنين وثبت في مجمع نيقية عام 325 م ( ).
    وقد عارضه كثيرون في حينها، وبعد أن تم إقراره في مجمع نيقية وإلى اليوم هناك من المسيحيين من لا يقبل به ولا يقر بهذا الانحراف العقائدي.

    الله ظهر في الجسد:
    هذه إحدى الرسائل التي يستدل بها العلماء غير العاملين على ما ذهبوا إليه من ضلال وادعاء أن اللاهوت المطلق حل في الجسد.
    (1 بولس رسول يسوع المسيح بحسب أمر الله مخلصنا وربنا يسوع المسيح رجائنا 2 إلى تيموثاوس الابن الصريح في الإيمان نعمة ورحمة وسلام من الله أبينا والمسيح يسوع ربنا) ( ).
    (16 وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد) ( ).
    أولاً الأصحاح الأول من الرسالة لم يعطِ عيسى  غير صفة الربوبية وهي صفة لا إشكال أن يتصف بها نبي ورسول فهم مربو الناس وأولى بهذه الصفة من الأب الذي يتصف بها ويسمى نسبة لأسرته رباً.
    بل أيضاً بين الأصحاح أن الإرسال لا يكون إلا بأمـر الله سبحانه، وأن عيسى مأمـور (بحسب أمر الله)، إذن عيسى  مأمور ويأتمر بأمر الله هذا يعني أن الله أعلى وأعلم وأقدر منه فيثبت أن عيسى  يحتاج لغيره ويعتري صفحة وجوده النقص، وإلا فلا معنى لأن يكون مأموراً وهو كامل مطلق فهذا مخالف للحكمة فماذا يمكن أن ينتفع الكامل المطلق من سواه ؟!
    أما ما ورد في هذه الرسالة نفسها في الأصحاح الثالث فالمفـروض - بعد أن افتتحت بما رأينا - أن يفهم من ظهور الله في الجسد هو تماماً كظهوره في كل العوالم المخلوقة وتجليه فيها وظهورها به سبحانه، نعم هناك خصوصية لهذا القول هنا؛ لأنه يعني أن عيسى مثل (طلعة الله في ساعير) أي إنه يد الله ووجه الله وصورة الله ، ولكنه عبد مخلوق وليس الله سبحانه وتعالى هناك فرق كبير بين الحقيقة والصورة تماما كالفرق بين الشيء واللاشيء.
    فالله كما بينت سابقاً تجلى في عوالم الخلق وظهر فيها وأظهرها، وليس هذا يعني أنه حل بها أو أنها أصبحت لاهوتاً مطلقاً أو أن بعضها ممكن أن يكون لاهوتاً مطلقاً مهما عظم نوره؛ لأنه يبقى مخلوقاً ويبقى نوراً مختلطاً بالظلمة، فأعلى مرتبة يمكن أن يرتقيها الإنسان هي أن يكون الله في الخلق ﴿..... يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ .....﴾( )، يكاد يضيء من نفسه - ولهذا اشتبه على إبراهيم  الأمرابتداءً حتى عرفه الله الحقيقة ( ) - ولكن أبداً لايضيء من نفسه.
    والحديث القدسي عن الله سبحانه وتعالى: (لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن) ( )، أي أنه يكون وجه الله ويد الله كما ورد في القرآن : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾( )،﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾( ).
    وكما هو واضح في نصوص التوراة والإنجيل المتقدمة.



    الإبن:
    في التوراة والإنجيل (أبي أبوكم الابن الآب أبناء الله).
    (....... هكذا قال رب الجنود هم يبنون وأنا أهدم ويدعونهم تخوم الشر والشعب الذي غضب عليه الرب إلى الأبد . 5 فترى أعينكم وتقولون ليتعظم الرب من عند تخم إسرائيل 6 الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده . فإن كنت أنا أبا فأين كرامتي وإن كنت سيدا فأين هيبتي قال لكم رب الجنود أيها الكهنة المحتقرون اسمي) ( ).
    (21 وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك. 22 والتفت إلى تلاميذه وقال كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. 23 والتفت إلى تلاميذه على انفراد وقال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه. 24 لأني أقول لكم إن أنبياء كثيرين وملوكا أرادوا أن ينظروا ما أنتم تنظرون ولم ينظروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا) ( ).
    (1 قدموا للرب يا أبناء الله قدموا للرب مجدا وعزا. 2 قدموا للرب مجد اسمه. اسجدوا للرب في زينة مقدسة) ( ).
    (ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل. فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. 2 ففتح فاه وعلمهم قائلاً. 3 طوبى للمساكين بالروح. لأن لهم ملكوت السموات. 4 طوبى للحزانى. لأنهم يتعزون. 5 طوبى للودعاء. لأنهم يرثون الأرض. 6 طوبى للجياع والعطاش إلى البر. لأنهم يشبعون. 7 طوبى للرحماء. لأنهم يرحمون. 8 طوبى للأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله. 9 طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون. 10 طوبى للمطرودين من أجل البر. لأن لهم ملكوت السموات. 11 طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. 12 افرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم) ( ).
    هذه الكلمات التي جاءت في التوراة أو الإنجيل واشتبهت في موارد على جاهلها وتأولها العلماء غير العاملين - ليدعوا بنوة إنسان لله سبحانه أو ليدعوا الألوهية المطلقة لإنسان - لا تعني بأي شكل من الأشكال ألوهية إنسان ألوهية مطلقة، بل هي بمجموعها تنفي البنوة الحقيقية لأي إنسان ( )، وإذا التفت إليها الإنسان بقلب مفتوح طالباً معرفة الحقيقة كما أرادها الله سبحانه وتعالى الذي خلقه، لرأى أن عيسى  يحمد الله ويثني عليه قبل أن ينطق بهذه الكلمات، ولو نظر الإنسان بعين الإنصاف لعرف أن هذه الكلمات منطبقة على كل الأنبياء والمرسلين والأوصياء الذين كانوا حجج الله على خلقه وخلفاءه في أرضه، فكل حجة من حجج الله هو أعرف أهل زمانه بالله فيصدق عليه أنه من يعرف الله دون من سواه من أهل زمانه، وأيضا يصدق أنه لا يعرف خليفة الله وحجة الله حق معرفته إلا الله الذي خلقه (وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له).
    وهذا تجده في قول رسول الله محمد لوصيه علي بن أبي طالب : (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا) ( ).
    وأيضاً لعرف الإنسان الحقيقة وهي أن الخلق كلهم عيال الله سبحانه وتعالى فهو يرحمهم كما يرحم الأب أبناءه، بل هو أرحم بالخلق من الأم بولدها الوحيد وأكيد إن المخلصين من الأنبياء والأوصياء والأولياء أحب الخلق إلى الله سبحانه، فهم أولى بأن يكون الله سبحانه وتعالى أباهم بهذا المعنى، ولأنهم أطاعوه ولم يعصوه سبحانه كما يطيع ويبر الابن الصالح أباه فيصح أنهم أبناء الله بهذا المعنى، وهم ليسوا لاهوتاً مطلقاً بل عباد مكرمون؛ لأنهم شاكرون ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾( ).
    ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾( ).
    وقد بين القرآن أنهم ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، أي أنهم الله في الخلق، أي تجلي الله وصورة الله كما في الحديث عنهم : (أن الله خلق آدم على صورته) ( )، (26 وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) ( )، وليسوا الله سبحانه وتعالى وبالتالي فإن النظر إليهم هو نظر إلى الله ومعاينتهم هي معاينة الله، وفي الإنجيل: (طوبى للأنقـياء القلب. لأنهم يعاينون الله. 9 طوبى لصانعي السـلام. لأنهم أبناء الله يدعون).
    وفي القرآن تجد نفس الكلام ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ( )، عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا ، قال: (قال النبي : من زارني في حياتي أو بعد موتى فقد زار الله تعالى ودرجه النبي في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منـزله فقد زار الله تبارك وتعالى. قال: فقلت له: يا بن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: إن ثواب لا اله إلا الله النظر إلى وجه الله تعالى ؟ فقال : يا أبا الصلت من وصف الله تعالى بوجه كالوجوه فقد كفر ولكن وجه الله تعالى أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * َيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال عز وجل:﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾)( ).
    قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾( ).
    ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أي أن محمداً أقرب شيء إلى الله سبحانه، وأول مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، وأول من عبد الله سبحانه وتعالى فلو كان لله سبحانه وتعالى ولد (تعالى الله عن ذلك) لكان محمداً ؛ لأنهم يقولون إن أول ما صدر منه سبحانه وتعالى الولد أو الكلمة، فمحمد الذي يقول أنا أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى لم يقل أنا ابن انفصل عن الله سبحانه وتعالى، لم يقل أنا لاهوت مطلق، بل قال أنا عبد الله وابن عبد الله ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾( ).
    فمن يبحث عن الحقيقة لابد له من تحري الدقة والإخلاص في البحث ليصل إلى الحقيقة وينجي نفسه من سخط الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾( ).

    * * *










    نصوص التوراة والإنجيل
    تثبت أن الله واحد أحد
    غير مركب:
    وهذه النصوص واضحة محكمة بينة، فلا معنى لتأولها لتوافق نصوص اشتبه على العلماء غير العاملين معناها فاضلوا خلق الله بتفسيرها بأهوائهم تفسيرا خاطئاً.
    1- بعض النصوص في التوراة (العهد القديم):
    " فَاعْلمِ اليَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلى الأرض مِنْ أَسْفَلُ . ليْسَ سِوَاهُ " ( ).
    " اسمعْ يَا إِسْرَائِيلُ : الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ " ( ).
    " أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلٰهٌ مَعِي " ( ).
    " أَنَا ٱلأَوَّلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلاَ إِلٰهَ غَيْرِي " ( ).
    " أَنَا الرَّبُّ صَانِعٌ كلَّ شَيْءٍ نَاشِرٌ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي.بَاسِطٌ الأرض . مَنْ مَعِي ؟ " ( ).
    " أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي ؟ إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ . لَيْسَ سوَايَ " ( ).
    " أَلَيْسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا ؟ " ( ).
    " أَنَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ ٱلَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ ٱلْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي " ( ).

    2- بعض النصوص من الإنجيل (العهد الجديد):
    " بِالْحَقِّ قُلْتَ لأَنَّهُ اللَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ " ( ).
    " وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ ؟ " ( ).
    نصوص من الرسائل التي أرفقوها مع الإنجيل:
    " لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ " ( ).
    " وَأَنْ لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِداً " ( ).
    " وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ " ( ).
    " لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ " ( ).
    " أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَناً تَفْعَلُ " ( ).
    * * *




    فصل الخطاب من الإنجيل
    (عيسى سلام الله عليه يجهل الساعة)
    عيسى يقول عن نفسه إنه يجهل الساعة التي تكون فيها القيامة الصغرى: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) ( )، والجهل نقص بينما اللاهوت المطلق كامل مطلق لا يعتريه نقص أو جهل؛ لأنه نور لا ظلمة فيه فالجهل يعتري المخلوق لوجود الظلمة في صفحة وجوده.
    إذن، عيسى  نور وظلمة وهذا يثبت المطلوب إن عيسى ليس لاهوتاً مطلقاً، بل عبد مخلوق من ظلمة ونور، وليس نوراً لا ظلمة فيه تعالى الله علواً كبيراً.
    وفي هذا فصل الخطاب وبيان وموعظة لأولي الألباب، وهذا نص كلام عيسى  كما جاء في إنجيل مرقس: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب. 33 أنظروا. إسهروا وصلوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت. 34 كأنما إنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده السلطان ولكل واحد عمله وأوصى البواب أن يسهر. 35 اسهروا إذاً. لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت أمساء أم نصف الليل أم صياح الديك أم صباحاً. 36 لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياماً. 37 وما أقوله لكم أقوله للجميع اسهروا)( ).
    * * *



    الوهابيون أيضاً يفرِّطون بحدود التوحيد
    الوهابيون يشاركون النصارى فهم أيضاً ممن يفرِّطون بحدود التوحيد في جانب آخر من اعتقاداتهم التي أقل ما يقال فيها إنهم يحدون الله ويجزئونه، وبالتالي يجعلونه كخلقه تعالى الله علواً كبيراً، فإذا كان النصارى قد رفعوا إنساناً وهو عيسى u حتى جعلوه هو الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً، فالوهابية تابعوهم بنفس المنهج، ولكنهم جعلوا الله سبحانه وتعـالى في مصاف الخلق، وموصوفاً بصفات الأجسام، ومحدوداً بحدود عوالم الخلق تعالى الله علواً كبيراً.
    إذن، في الحقيقة إن النصارى قالوا عن إنسان إنه الله، والوهابية قالوا عن الله إنه إنسان عندما وصفوه بصفات الإنسان، إنه المنهج الصنمي القديم الذي لا يكاد يفارق المجتمع الإنساني وللأسف ( ).

    فالوهابية مجسمة، أو أقل ما يقال إن عقيدتهم باللاهوت يلزم منها التجسيم، فقد جعلوا لله يداً وأصابع وساقاً ويجلس على العرش و … الخ ( ).
    وإمامهم ابن تيمية قال في كتاب (العقيدة الواسطية): (وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلَائِكَتِهِ وَبِرُسُلِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ) ( ).
    لاحظ كلام ابن تيمية (عياناً بأبصارهم)، وانتبه إن النظر بالعين لا يمكن أن يكون إلا إلى جهة، لهذا بين وصرح بوضوح تام أحد كبار علمائهم وهو ابن جبرين بأن الله ينظر إليه في جهة( ).
    فهؤلاء بسبب تفسيرهم الخاطئ لبعض الكلمات المتشابهة في الكتب السماوية انحطوا إلى هذا الضلال العقائدي.
    فابن تيمية وأشباهه لا يفهمون القرآن ولا كلام الأنبياء ومنهم الرسول محمد الذين يتكلمون بالرمز وبحسب الحقائق الملكوتية أحياناً كثيرة، كما يكلم الله عباده بالوحي السماوي في الرؤى ( ) والكشف والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وكلامه ليس ككلام البشر ليقاس على كلامهم ويفسر كما يفسر كـلام البشر كما فعل هؤلاء الجهلة الذين يدعون العلم قال الإمام علي u: (... إياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء ( )، فإنه رب تنزيل يشبه كلام البشر وهو كلام الله، وتأويله لا يشبه كلام البشر، كما ليس شيء من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تبارك وتعالى شيئا من أفعال البشر، ولا يشبه شيء من كلامه كلام البشر، فكلام الله تبارك وتعالى صفته وكلام البشر أفعالهم، فلا تشبه كلام الله بكلام البشر فتهلك وتضل) ( ).
    فالوهابيون انحرفوا إلى التجسيم بسبب عدم وجود عاصم ؛ ولأنهم رجعوا إلى فهمهم وإلى علماء غير عاملين في فهم الروايات والقرآن، وعارضوا أهل بيت النبوة آل محمد الذين أمروا باتباعهم والأخذ عنهم ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾( )، - والمودة حب وطاعة - فلم يأخذوا من آل محمد وأخذوا ممن خالفهم.
    وهكذا انحرفوا وحرفهم هؤلاء العلماء غير العاملين وأضلوهم وأوقعوهم في التجسيم، والقول إن لله ساقاً ووجهاً وأيدي وينظر له بالعين وهو في جهة .. الخ اعتماداً على فهمهم لبعض الآيات في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾( ).
    وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ( )، وهذه عقائد باطلة واضحة البطلان وإثبات بطلانها لا يحتاج إلى عناء ( ).
    والمراد من هذه الآيات هو أن الوجوه الكريمة الطيبة الناضـرة ناظـرة إلى مربيها وهو محمد ، وكذا يكشف عن حقيقة محمد وآل محمد فلا يستطيع الظالمون السجود والخضوع؛ لأنهم اتبعوا إبليس لعنه الله في امتناعه عن السجود ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾( )، المراد عبد الله محمد فهو الله في الخلق وهو المبايع ويده فوق أيدي المبايعين.
    وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾( )، فالذي يأتي في ظل من الغمام هو محمد في عالم الرجعة ومعه أهل بيته وبعض الأنبياء ، ومعروف أن محمداً هو المظلل بالغمام وقد بشر بالرسول محمد والقائم من آل محمد بهذه الصفة في التوراة والإنجيل ( ).
    أما ما يقوله فقهاء وعلماء الوهابيين غير العاملين (أو من يسمون أنفسهم السلفية) - للخروج من حد التجسيم ولوازمه من الكفر والشرك - من أن لله سبحانه يداً وأصابع ( ) تليق بجماله وكماله أو جلاله أو كما يقولون إنه يجيء كما يشاء .. الخ، فهو باطل والظاهر إنهم لا يفقهون معنى قولهم وإلا لما قالوه لأن قولهم (باليد والساق والمجيء والنظر إليه بالبصر و ....) باطل وكفر وشرك مهما كان مرادهم مادياً جسمانياً أو روحانياً ( ) أو بلا كيف كما يقولون، حيث إن ما وقعوا فيه من الكفر والشرك ليس فقط بسبب أن اليد التي أثبتوها موصوفة فيخرجون من حد الكفر والشرك بنفي الوصف عنها بقولهم (بلا كيف)، ولا لعلة أن الساق التي أثبتوها ناقصة فيخرجون من كفرهم وشركهم بأن يثبتوا لها صفات اللاهوت المطلق بقولهم (تليق بكماله وجماله)، بل إن ما وقعوا فيه من الشرك والكفر سببه نفس إثباتهم اليد والساق مهما تكن الصفات والحيثيات التي يضفونها عليها، وذلك لأنهم عندما جعلوا له سبحانه اليد والساق فقد جعلوه مركباً وكل مركب معدود، وتعالى الله الأحد عن التركيب والعدد ،قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي أن ذاته أحدية وليست مركبة من أجزاء فيكون له يد وساق تعالى الله عما يشركون، والعدد ملازم للتركيب وهو واضح وظاهر الدلالة على شرك من يثبته لأنه يعني تعدد اللاهوت المطلق تعالى الله عما يقول الظالمون.
    * * *




    التوحـيد
    التوحيد الحقيقي لا يكون بالانتهاء عند الصفات التي يجمعها اسم الله، فلا تكون كلمة لا إله إلا الله هي نهاية التوحيد، بل بداية التوحيد ونهاية التوحيد وحقيقة التوحيد (هو)، وكما قدمت الهاء لإثبات الثابت والواو لغيبة الغائب، فهو الشاهد الغائب سبحانه وتعالى عما يشركون، ولذا كانت سورة التوحيد (قل هو) والباقي شرح وتفصيل وتوضيح، وكما بينت فالله أو مدينة الكمالات الإلهية ما هي إلا تجلٍ للحقيقة والكنه (هو)، والله وصف له سبحانه وتعالى واجه به خلقه ليُعرف وليس هو سبحانه وتعالى.
    والمطلوب من الإنسان التوحيد في هذه المرتبة، مرتبة الحقيقة والكنه؛ لأنها تمثل نفي الصفات عنه سبحانه وتمام الإخلاص له سبحانه وتعالى في العبادة الحقيقية والسجود الحقيقي، وما سوى هذه العبادة وهذا الإخلاص وهذا التوجه لا يخلو من شرك في مرتبة ما.
    فالألوهية وجهه سبحانه وتعالى الذي واجه به خلقه بما يناسبهم ويناسب حالهم، فهم خلق وهويتهم الفقر والنقص فالمناسب أن يواجههم سبحانه وتعالى بالكمال ليتوجهوا إليه ويألهون إليه ويسدون نقصهم ويعرفونه بمرتبة ما من خلال هذه المسيرة الأولية في المعرفة وهي معرفة الكمال المطلق من خلال سد النقص في صفحة وجود المخلوق الناقص، وبالتالي فحصر المعرفة بالألوهية هو جهل وتقصير وخسارة كبيرة، بل لابد أن يجعل الإنسان هدفه هو معرفة الحقيقة والكنه هذه المعرفة التي يمكن أن نسميها معرفة حقيقية ونهاية المعرفة الممكنة بالنسبة للمخلوق؛ لأنها تكون بمعرفة العجز عن المعرفة.
    * * *




    تجلي الألوهية في الخلق للخلق
    الألوهية كالربوبية ( )، فإذا كان معنى الرب هو المربي فالإله هو الذي يؤله إليه في سد النقص وتحصيل الكمال، وكما أن الرب يمكن أن يصدق على الأب بالنسبة لأبنائه فيقال رب الأسرة إذا كان المنظور من علاقته مع أبنائه هو وما يفيضه عليهم، كذا يمكن أن تصدق صفة الإله على الأب إذا كان المنظور من علاقة أبنائه به هم وما يطلبونه منه ، فصورة اللاهوت يمكن أن تصدق على خاصة من أنبياء الله ورسله الذين كانوا بحق صورة الله سبحانه وتعالى في الخلق.
    قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾( )، السجود في الأصل إنما هو لحقيقته وكنهه سبحانه وهو الرد الواجب على تجلي الحقيقة وظهورها للعابد، فالسجود نتيجة حتمية للمعرفة كما فعل رسول الله في المعراج، قال الصادق : (... فلما رفع رأسه تجلت له العظمة فخر ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر أمر به ...) ( ).
    وسجود مخلوق لمخلوق يعني تجلي حقيقته سبحانه وتعالى في المسجود له، والحقيقة إنما تتجلى باللاهوت كما بينت سابقاً. إذن، فالمسجود له إنما سُجِدَ له لتجلي اللاهوت فيه، إذن فالآية تدل على أن اللاهوت قد تجلى في آدم  ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له، والآية أيضاً واضحة في أن اللاهوت تجلى في آدم  عند نفخ روح الله فيه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، إذن فروح الله هو صورة اللاهوت (الله خلق آدم على صورته)، فكان من الطبيعي أن يُسجد لآدم عندما نفخ روح الله فيه، فهو في الحقيقة سجود لصورة اللاهوت التي تجلت في آدم وبالتالي فهو سجود للاهوت الحقيقي الذي مثلته هذه الصورة وخليفته في خلقه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
    والتجلي الأول للاهوت المطلق في الخلق وصورة الله الأوضح وخليفة الله الحقيقي والمخلوق الأول والعقل الأول والكلمة الأولى هو محمد .
    فيكون معنى الآية: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، أي إذا نفخت في آدم من نور محمد ( ) فاسجدوا لآدم وأطيعوه، فسمى سبحانه وتعالى محمداً ﴿رُوحِي﴾ أي تجلي ألوهيتي وحيـاتي ( ).
    فمحمد صورة الله في الخلق والمطلوب من الخلق النظر فيها ليعرفوا الله، فإذا كانت علة الخلق هي المعرفة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾( )، أي ليعرفون فيجب أن نعلم أن سبيل المعرفة الحقيقي هو محمد وبقية الأنبياء والأوصياء ، كل منهم تجل وظهور لهذا السبيل، وكل بحسبه ليُعَرِّفوا الخلق بالله ( ) سبحانه، فالسجود في الحقيقة لم يكن لآدم  بل لمحمد ، ولهذا أُشتُرِط بتجلي حقيقة محمد في آدم  ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، بل إنه سجود للاهوت الحقيقي الله سبحانه وتعالى بعد أن عرفنا أنه سجود لصورة أظهرت اللاهوت في الخلق ( ).
    فمحمد وعلي  والأئمة وعيسى  فقراء إليه سبحانه وتعالى، ويحملون صفة اللاهوت أي أنهم يؤله إليهم في قضاء الحوائج وسد النقص وتحصيل الكمال، وهم يقضون الحوائج ويسدون النقص ويكملون الخلق ولكن بحول وقوة وبإذن الله فلا حول ولا قوة لهم إلا بالله، كما لا يقدرون على تحريك ساكن إلا بإذن الله، فاتصافهم بصفة اللاهوت كما تبين ليست من نوع ألوهيته المطلقة سبحانه بلى هم صورته سبحانه وأسماؤه الحسنى ووجهه الذي واجه به خلقه، فبصفة اللاهوت التي اتصفوا بها تعرف ألوهيته الحقيقية سبحانه، فهم ليسوا آلهة تعبد من دونه ولا آلهة تعبد معه سبحانه كما تبين بل هم عباد مخلوقون يسدون النقص ويهبون الكمال بالله وبإذن الله سبحانه، وهذا معنى اتصافهم بصفة الألوهية، فهم ليسوا آلهة من دونه وليسوا شيئاً من دون الله، فهم خلق من خلقه قائمون به سبحانه وليسوا آلهة معه، أي أنهم ليسوا في مرتبة الألوهية الحقيقية بل هم في مرتبة الخلق، فهم تجلي الألوهية الحقيقية في الخلق، وهذا هو معنى أنهم الله في الخلق ومعنى أنهم صورة الله ومعنى أنهم وجه الله وأسماؤه الحسنى وأيضاً معنى أن الله معنا، وهذا يبين أيضاً أن من عرفهم عرف الله ومن جهلهم جهل الله؛ لأن الله سبحانه واجه سواهم من الخلق بهم ؛ ولأنهم الصورة التي تحاكي اللاهوت الحقيقي.
    ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾( )، أي من محاكاة اللاهوت وبالتالي تعريف الخلق به سبحانه.
    ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾( )، أي يكاد أن يكون نوراً لا ظلمة فيه ويكاد أن ينير من نفسه ولكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن نوره من الله وليس من نفسه ، ولذا اشتبه إبراهيم الخليل  ( )، وكذا الملائكة في المعراج ( ) بمحمد ، فمحمد وآل محمد بهذه المرتبة، وغاية الخلق الوصول إلى هذه المرتبة، وهم نهاية الكمال الممكن للإنسان ولذا ختم الدين بمحمد وآل محمد وتختم الدنيا بمحمد وآل محمد.

    * * *
    من اقوال الامام احمد الحسن عليه السلام في خطبة الغدير
    ولهذا أقول أيها الأحبة المؤمنون والمؤمنات كلكم اليوم تملكون الفطرة والاستعداد لتكونوا مثل محمد (ص) وعلي (ص) وآل محمد (ص) فلا تضيعوا حظكم، واحذروا فكلكم تحملون النكتة السوداء التي يمكن أن ترديكم وتجعلكم أسوء من إبليس لعنه الله إمام المتكبرين على خلفاء الله في أرضه، أسأل الله أن يتفضل عليكم بخير الآخرة والدنيا.


  3. #3
    يماني الصورة الرمزية almawood24
    تاريخ التسجيل
    04-01-2010
    الدولة
    العراق
    المشاركات
    2,171

    افتراضي رد: كتاب الامام احمد الحسن ع التوحيد*

    التوحيد في التسبيح لا في الوصف
    التوحيد مما مضى تبين أنه في التسبيح لا في الوصف ( )، أي أنّ التوحيد الحقيقي يكون بتنـزيهه سبحانه عن المعرفة بكنهه وحقيقته، وإنما تكون غاية معرفته هي في معرفة العجز عن المعرفة، فغاية مايصل إليه الإنسان من الوصف أو الأسماء الذاتية الكمالية هو الوصول إلى هذه المعرفة - اي معرفة العجز عن المعرفة - التي يتجلّى للإنسان من خلالها بوضوح أن التوحيد الحقـيقي في التسبيح، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾( )، وذلك لأن المخلصين يعرفون أن الصفات ترجع في حقيقتها إلى التنـزيه عن النقص أو التسبيح والتقديس، أي أن ساحته سبحانه وتعالى خالية من النقص، أي أنه سبحانه وتعالى نور لا ظلمة فيه.
    فعن أبي عبد الله ، قال: (إن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه) ( ).
    وعن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبى الحسن الرضا : (روينا أن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه، قال : كذلك هو) ( ).
    والحقيقة، إن معرفة عجزنا عن معرفة اللاهوت هي الممكنة لنا، ومنها نعرف عجزنا عن معرفة الحقيقة؛ لأننا لا يمكن أن نعرف عجزنا عن معرفة حقيقته سبحانه إلا من خلال معرفتنا لعجزنا عن معرفة اللاهوت المطلق؛ لأن اللاهوت المطلق هو المواجه لنا وهو يناسب حالنا ويمكن أن نبحر في ساحة معرفته من خلال نقصنا الذي نعرفه ( )؛ لأن اللاهوت المطلق هو الكمال المطلق الذي نأله إليه ليسد نقصنا، ولكن هل يمكن مثلاً معرفة العجز عن معرفة الرحمة المطلقة دون أن نعرف رحمة ما ؟ أكيد إن الجواب سيكون: لا.
    وبالتالي فلكي نعرف عجزنا عن معرفة الرحمة المطلقة أو (الرحمن الرحيم سبحانه) لابد أن نعرف رحمة ما، وكلما كانت هذه الرحمة التي عرفناها أعظم وكلما كانت معرفتنا بها أعظم كانت النتيجة هي إن معرفة عجزنا عن معرفة الرحمة المطلقة أعظم، وبالتالي ستكون معرفة عجزنا عن معرفة الحقيقة التي واجهتنا بالرحمة المطلقة أعظم، فمعرفة الرحمة المطلقة تكون بمعرفة تجليها في الخلق، ومعرفة اللاهوت المطلق تكون بمعرفة تجليه في الخلق، كما أن معرفة الحقيقة تكون بمعرفة اللاهوت المطلق.
    إذن، فلابد لنا من معرفة خلفاء الله في أرضه؛ لانهم تجلي الله في الخلق، وبمعرفتهم يعرف الله أي يعرف العجز عن معرفته، وبالتالي يعرف العجز عن معرفة الحقيقة وهذا هو التوحيد المطلوب من ابن آدم، وهذا هو سر وعلة بعث الأنبياء والأوصياء الحقيقية أي إن بعثهم ضروريٌ؛ لأن المعرفة تتم بهم ومن خلالهم.
    فهنا تكمن حقيقة التوحيد وهي: إنه هو سبحانه وتعالى إنما تجلى لخلقه باللاهوت المطلق ليعرفوه وبما يناسب حالهم باعتبار أنهم فقراء ويألهون إلى الغني المطلق ليسد نقصهم، أي إن اللاهوت ليس هو الحقيقة بل هو وجه الحقيقة المناسب للخلق، فهو ظهوره سبحانه وتعالى لنا لنعرفه، فاللاهوت ليس الحقيقة بل هو الطريق الموصل لها ولكن هذا لا يعني أن اللاهوت المطلق غيره هو سبحانه وتعالى؛ لأنه في الحقيقة لا يوجد شيء اسمه لاهوت لولا وجود الخلق، فهو سبحانه وتعالى لاهوت بالنسبة لنا؛ لأننا فقراء ونحتاج أن نسد نقصنا فنأله إليه سبحانه وتعالى، أي إن تجليه هو سبحانه باللاهوت المطلق للخلق ليس إلا ظهوره سبحانه لهم بما يلائم حالهم هم لا أن اللاهوت هو الكاشف الحقيقي والتام عن الحقيقة؛ إنما هو مُعَرِّف بالحقيقة بما يلائم حال وفقر الخلق.
    عن ابن سنان، قال: سألت أبا الحسن الرضا : (هل كان الله عز وجل عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق ؟ قال: نعم، قلت: يراها ويسمعها ؟ قال: ما كان محتاجاً إلى ذلك؛ لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها، هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها؛ لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختـار لنفسه: العلي العظيم لأنه أعلى الأشياء كلها، فمعناه الله واسمه العلي العظيم، هو أول أسمائه، علا على كل شيء) ( ).
    وتقدم عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَاشْتِقَاقِهَا اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ، فَقَالَ : (يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَإِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً، وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ) ( ).
    وكلام الأئمة واضح في الروايات فقط يحتاج الإنسان لتدبر قول الإمام الرضا : (قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها؛ لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف)، وقول الامام الصادق : (يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَإِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً).
    ولتتوضح الصورة أكثر لابد أن نعرف أن معرفته سبحانه وتعالى بصفاته معرفة حقيقية وتامة غير ممكنة لأمرين:
    الأول: إن الصفات الإلهية جميعاً بل وجامعها وهو اللاهوت - الله - ما هو إلا وجه واجهنا به هو سبحانه وتعالى بما يناسب حالنا، فاللاهوت ليس الحقيقة بل هو طريق لمعرفة الحقيقة، فالوقوف عنده واعتبار معرفته هي المعرفة الحقيقية هو تماماً كالوقوف في منتصف الطريق المؤدي إلى الهدف وادعاء الوصول إلى الهدف.
    ثانياً: إن الصفات عندما تنسب له سبحانه وتعالى تكون مطلقة، فكيف يمكن لغير المطلق أن يَعرِف المطلق معرفة تامة في حين أن المعرفة التامة تعني أن العارف بالشيء محيط به، ولا يحيط بالشيء إلا من هو فوقه أو مساوٍ له على أقل تقدير، وبالتالي فادعاء إمكان معرفة الصفات الإلهية معرفة تامة تكون بمثابة ادعاء تعدد اللاهوت المطلق وبمثابة جعل العارف - وهو مخلوق - لاهوتاً مطلقاً وهذا باطل، إذن فما يمكن أن نعرفه من الصفات هو تجلياتها في الخلق، ومن المؤكد إن أقرب تجلياتها لها هم حجج الله على خلقه وخلفاؤه في أرضه ( ).
    فلو أخذنا الرحمة مثلاً وأردنا أن نعرف كل ما يمكن معرفته عن الرحمة فيمكننا معرفتها من علاقة الأنبياء والأوصياء مع بقية الخلق، ولنفرضها تتراوح بين (80 - 99) بالمئة، وكل منهم بحسبه، ولكنها أبداً لا تكون في أحدهم مئة بالمئة؛ لأن من يتصف بها حينها سيكون كمال لا نقص فيه وغنى لا فقر معه، أي إنه نور لا ظلمة فيه وهذا هو سبحانه وليس خلقه، وبالتالي تبقى معرفتنا بالرحمة مهما بلغت غير تامة وغاية ما توصلنا إليه هو معرفة العجز عن معرفة الرحمة المطلقة.
    وهذا يعني باختصار أنها معرفة تعتمد على نفي النقص ( )، أي إنها معرفة تعتمد على التنزيه أو التسبيح ولهذا قلت وقدمت بأن التوحيد في التسبيح لا في الوصف.
    وأيضاً هي معرفة بالنسبة لعامة الخلق مرتبطة بخلفاء الله في أرضه، فبهم يعرف الله وبهم يكون التوحيد، فبرحمتهم تعرف رحمته المطلقة، وبربوبيتهم في الخلق تعرف ربوبيته المطلقة، وبلاهوتهم في الخلق يعرف لاهوته المطلق سبحانه، ومن دونهم لا معرفة ولا توحيد عند بقية الخلق.
    فالتوحيد إذن مرتبط بخلفاء الله إرتباطاً وثيقاً بل لو دققنا في الأمر لعلمنا مما تقدم أن المعرفة والتوحيد غير ممكنة لبقية الخلق، لولا المخلوق الاول أو العقل الأول أو محمد الذي عَرَّف الخلق به سبحانه وتعالى.
    عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب ، قال: قال رسول الله : (ما خلق الله خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني، قال علي u: فقلت: يارسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل ؟ فقال: يا علي، إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا.
    يا علي، الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة، وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه، لأن أول ما خلق الله عزوجل خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده.
    ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا، فسبحنا لتعلم الملائكة إنا خلق مخلوقون، وأنه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا، لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وإنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلا الله، فلما شاهدوا كبر محلنا كبّرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به، فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العز والقوة قلنا: لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا: الحمد لله لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمته، فقالت الملائكة: الحمد لله، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده.
    ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما، وكان سجودهم لله عزوجل عبودية ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون، وإنه لما عرج بى إلى السماء أذّن جبرئيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد، فقلت له: يا جبرئيل أتقدم عليك ؟ فقال: نعم؛ لأن الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضّلك خاصة، فتقدمت فصليت بهم ولا فخر، فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدم يا محمد، وتخلف عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني ؟ فقال: يا محمد، إن انتهاء حدي الذي وضعني الله عز وجل فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدي حدود ربي جل جلاله.
    فزج بي في النور زجة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علو ملكه، فنوديت: يا محمد، فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فإياي فاعبد وعلي فتوكل، فإنك نوري في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجتي على بريتي، لك ولمن اتبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتهم أوجبت ثوابي.
    فقلت: يا رب، ومن أوصيائي ؟ فنوديت: يا محمد، أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثنى عشر نوراً، في كل نور سطر أخضر عليه إسم وصي من أوصيائي، أولهم: علي بن أبي طالب، وآخرهم مهدي أمتي، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي من بعدي ؟ فنوديت: يا محمد، هؤلاء أوليائي وأوصيائي وحججي بعدك على بريتي ، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزتي وجلالي، لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأمكننه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرن له الرياح، ولأذللن له السحاب الصعاب، ولأرقينه في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنه بملائكتي حتى تعلو دعوتي ويجتمع الخلق على توحيدي، ثم لأديمن ملكه، ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة) ( ).

    * * *


    الصلاة والتوحيد
    الصلاة معراج المؤمن وتمثل صورة لمنهج المعرفة، وخطوات المعرفة والحركات والأقوال فيها تعبر عن منهج المعرفة، فحركات الصلاة التي تبدأ من القيام ثم الركوع ثم السجود تعبر عن المعرفة التي ترافق الابتعاد عن الأنا، فمن القيام الذي هو مواجهة، إلى الركوع الذي يمثل تذلل وابتعاد عن الأنا بدرجة ما، إلى السجود الذي يمثل درجة أعظم من التذلل والخضوع والابتعاد عن الأنا، وأكيد إن التذلل والخضوع يزداد مع زيادة المعرفة ( )، كما إن المعرفة تزداد مع زيادة الخضوع والتذلل.
    فالذكر في الركوع والسجود الذي هو: سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى يمثل مرتبتين من الخضوع والتذلل والمعرفة المرافقة لكلا المرتبتين، ففي الركوع تنـزيه وتسبيح وتقديس الذات الإلهية أو الله، وفي السجود تنـزيه وتسبيح وتقديس الحقيقة والكنه.
    وحيث إنّ السجود مرتبة تذلل أعلى وأعظم من مرتبة التذلل في الركوع فالمناسب من التسبيح في الركوع هو سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي العلي، والمناسب من التسبيح في السجود هو سبحان ربي الأعلى أو سبحان ربي الأعظم، والفرق بين العظيم والأعظم وبين العلي والأعلى بيَّن ( )، ويبين هذا الفرق بوضوح أن المعرفة في السجود التي يشير لها السجود وتسبيحه أعظم من المعرفة في الركوع التي يشير لها الركوع وتسبيحه.
    وفي كلا التسبيحين نزهناه سبحانه عن النقص، وبالتالي نزهناه عن أن نحيط به معرفة أي نزهناه من أن نعرفه نحن معرفة تامة في كلا المرتبتين العظيم والأعظم او اللاهوت " الله " والحقيقة " هو "، وبالتالي نكون قد أثبتنا بقولنا هذا أننا عاجزون عن معرفة اللاهوت المطلق معرفة تامة فضلاً عن الحقيقة التي واجهتنا به.


    أمر السجود الأول والتوحيد
    في صلاتنا اليوم نسجد لله، هذا ما نعرفه جميعاً ولا نختلف فيه، ولكن أيضاً نحن نؤمن أن الملائكة سجدوا لآدم، وأيضاً نؤمن أن يعقوب وهو نبي ومعه زوجته وأبناؤه سجدوا لنبي الله يوسف u.
    وهذه المسألة لا يجب أن يغفلها من يبحث عن النجاة حقيقة، وإلا كان مضيعاً لدينه عن عمد؛ لأن هذه مسألة في غاية الأهمية والخطورة حيث إنّ السجود الذي يرتكز في الذهن اليوم إنه غير جائز لغير الله، وربما يرمى من يفعله بالشرك والكفر من قبل كثير ممن لا يكادون يعقلون، نجده وبوضوح تام قد حصل من الملائكة ويعقوب u وجميعهم معصومون ولا يخطئون، بل والسجود كان بأمر الله فلا يحسن المرور على هذا الأمر هكذا دون الالتفات إليه أو إهماله بسبب العجز عن فهمه وإدراكه كما هو حاصل من كثيرين، بل لابد للإنسان الذي يبحث عن الحقيقة أن يفهم كل شيء في دين الله؛ لأنه سبحانه لم يفعل شيئاً أو يذكر شيئاً، هكذا لنمر عليه مرور الكرام دون أن نفهمه أو نفهم الحكمة التي فيه.
    هذا السجود في الحقيقة يضعنا أمام حقيقة جلية وهي: إن الله سبحانه الذي قال لخلقه: اسجدوا لي لأني إلهكم وربكم، هو نفسه سبحانه قال لهم: اسجدوا لآدم، واسجدوا ليوسف u، وهذه مسألة في غاية الخطورة ولابد أن تفهم بدقة؛ لأن السجود هو غاية التذلل من الساجد ويبين فقر الساجد وغنى المسجود له، وبالتالي يبين بوضوح تأله الساجد للمسجود له واعترافه بربوبيته.
    ولو جعلنا الأمر على صيغة سؤال وقلنا: إن سجودنا لله يمثل أقصى ما يمكن أن نفعله من التذلل؛ لنبين حاجتنا وفقرنا التي تعني أننا نتأله إليه ليكملنا ونعترف بربوبيته وأنه مكمل لنا، فالسؤال الآن: ماذا يعني سجود الملائكة لآدم ؟ وماذا يعني سجود يعقوب ليوسف u ؟ هل أن الأمر هو هو، أم إنه تغير ؟
    في الحقيقة إن الأمر هو هو ولم يتغير شيء مما يدل عليه سجود الساجد للمسجود له، فالسجود نفسه والساجد نفسه، نعم تبدل المسجود له فيعقوب مثلاً سجد لله وسجد ليوسف فالذي تغير فقط المسجود له ولا فرق بين دلالة السجود الأول ودلالة السجود الثاني، فإذا كان السجود الأول يدل على تأله يعقوب واعترافه بربوبية المسجود له فكذا سجوده الثاني، وبالتالي فإن هذا السجود إنما يبين وبوضوح تام أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول إني بهذا أعرف، ومن يريد معرفة لاهوتي فليعرف هذا ، من يريد معرفة ربوبيتي فليعرف هذا .
    وفي الحقيقة إن هذه نعمة كبرى قد بينت عظمها سابقاً عندما قلت: إن معرفة الرحمة المطلقة غير ممكنة لنا ولكن نعرفها بمعرفة رحمة قريبة للرحمة المطلقة، وكلما كانت هذه الرحمة أقرب إلى الرحمة المطلقة كانت معرفتنا أعظم، ولهذا فإن أعظم النعم على الخلق هي خلفاء الله في أرضه ؛ لأن بهم يعرف الله ويوحد.
    عن الإمام الرضا u في كيفية زيارة الأنبياء والأوصياء ، قال u: (اَلسَّلامُ عَلى اَوْلِياءَ اللهِ وَاَصْفِيائِهِ، اَلسَّلامُ عَلى اُمَناءِ اللهِ وَاَحِبّائِهِ، اَلسَّلامُ عَلى اَنْصارِ اللهِ وَخُلَفائِهِ، اَلسَّلامُ عَلى مَحالِّ مَعْرِفَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى مَساكِنِ ذِكْرِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى مُظْهِرى اَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الْمُسْتَقِرّينَ فى مَرْضاتِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الُْمخْلِصينَ في طاعَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الاَْدِلاّءِ عَلَى اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَى الَّذينَ مَنْ والاهُمْ فَقَدْ والَى اللهَ، وَمَنْ عاداهُمْ فَقَدْ عادَى اللهِ، وَمَنْ عَرَفَهُمْ فَقَدْ عَرَفَ اللهَ، وَمَنْ جَهِلَهُمْ فَقَدْ جَهِلَ اللهَ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِمْ فَقَدِ اعْتَصَمَ بِاللهِ، وَمَنْ تَخَلّى مِنْهُمْ فَقَدْ تَخَلّى مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاُشْهِدُ اللهَ اَنّى سِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبْتُمْ، مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ، مُفَوِّضٌ فى ذلِكَ كُلِّهِ اِلَيْكُمْ، لَعَنَ اللهُ عَدُوَّ آلِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ وَاَبْرَأُ اِلَى اللهِ مِنْهُمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ) ( ).
    ولذا سماهم الله بالنعيم ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾( )، والملائكة قد عرفوا هذه النعمة عندما عرفهم آدم بما كانوا يجهلون، (قال أنبئهم بأسمائهم)، أي عرفهم بالله وبأسماء الله، فكان آدم هو السبيل ليتعلم وليعرف الملائكة حقائق الأسماء، فالذي عرفهم به آدم هو حقائق وليس ألفاظاً أو معاني، وهم بعد أن عرفوا من آدم الأسماء علموا أن خلق آدم نعمة أنعم الله بها عليهم، فالملك المخلوق من الرحمة مثلاً كان يعرف الرحمة المطلقة بقدره هو، أما عندما خلق آدم u الذي تتجلى فيه الرحمة بصورة أعظم وأقرب إلى الرحمة المطلقة فقد عرف هذا الملك الآن حقيقة الرحمة المطلقة بمعرفته عجزه عن معرفة الرحمة المطلقة.

    * * *














    مسيرة الإنسانية على هذه الأرض
    بين الشرك والكفر والتوحيد
    لابد في التوحيد من العدل أي وضع الشيء في موضعه فلا إفراط ولا تفريط، وكلا الحالـين (الإفراط والتفريط) باطل.
    لأن الإفراط: في حدود التوحيد يؤدي بالإنسان إلى التعطيل والخروج عن التوحيد؛ لأن نكران معرفته سبحانه هو بعينه نكرانه سبحانه، ولا يعرف سبحانه وتعالى إلا بوجهه الذي واجه به خلقه وهم حججه الأنبياء والأوصياء، وهذا (الإفراط) في الواقع كفر وشرك وإن لم يصرح به من يعتقده فهو كفر؛ لأن الكفر هو الستر وتغطية الحقيقة وحجبها، وهؤلاء المفرِطون يغطون حقيقة الأنبياء والأوصياء ويحجبونها وينكرونها فهم كافرون بها، ولما كانت هذه الحقيقة هي وجه الله الذي به يعرف ( ) كان هؤلاء كافرين بالله في حقيقتهم وواقعهم وكل بحسبه يتدرجون في مراتب الكفر.
    وفي أدنى مراتب هذا الإنكار لحقيقة الأنبياء والأوصياء يفقد الإنسان مراتب معرفة بالله ومراتب كمال، وأعظم مراتب إنكار حقيقتهم يؤدي بالإنسان إلى الجهل بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه سبحانه بهم يعرف.
    ويخرج الإنسان عن ولايتهم ، فيخرج بذلك عن ولاية الله سبحانه وتعالى، فيكون كافراً بالله سبحانه؛ لأنه كفر بالطريق الموصل إليه وإلى معرفته سبحانه، فلا ينفعه ادعاء الإيمان بالله وهو قد أعرض عن الطريق الموصل إلى الله وتنكب السبل المؤدية إلى الشيطان، وكمثال على هذا الأمر: لو كان هناك مزرعة ومزبلة وطريق رقم واحد يؤدي إلى المزرعة ورقم اثنين يؤدي إلى المزبلة، فوجدت شخصاً يسير على طريق رقم اثنين ومع هذا يدعي أنه ذاهب إلى المزرعة فبماذا تصفه ؟ أظن أقل ما يمكن أن تصفه به أنه كذاب ويخفي ويستر الحقيقة، أي يكفرها بل ويحاول خداع غيره.
    وهو أيضاً (أي الإفراط) شرك؛ لأن من يساوي حجج الله وهم الأنبياء والأوصياء بمن سواهم يكون قد ساوى وجه الله وأسماءه الحسنى بعامة خلقه ، حيث إنهم وجه الله الذي واجه به خلقه وأسماؤه الحسنى في الخلق، فتسويتهم بمن سواهم في أدنى مراتبها يؤدي بالإنسان إلى فقدان مرتبة كمال ومعرفة بالله سبحانه.
    أما في أعظم مراتب تسويتهم بمن سواهم، فإنه يؤدي بالإنسان إلى الجهل بالله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الإنسان جهلهم ومن جهلهم جهل الله، فتسويتهم بمن سواهم شرك بكل مراتبها، كما أن إنكارهم كفر بكل مراتبه ( ).
    أما التفريط: فيؤدي بالإنسان إلى الشرك؛ لأنه يعطي للأنبياء والأوصياء - وهم وجه الله - مرتبة الألوهية المطلقة والاستقلال عن الله سبحانه وتعالى والغنى عنه سبحانه.
    وهو أيضاً كفر؛ لأنه يؤدي بالإنسان إلى ستر وتغطية حقيقة الله سبحانه وتعالى وحجبها؛ لأنه ساواه بمن سواه من خلقه والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وكل من سواه خلقه سبحانه وتعالى ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾( ).
    فالإنسانية على هذه الأرض ترددت في هذه المراتب الأربعة من الشرك والكفر، فكل بني آدم مشمولون بهذه المراتب الأربعة من الشرك والكفر إلا عباد الله المخلصين، وهم الأنبياء والأوصياء ومن تابعهم وتغذى بعلومهم الإلهية التامة، حتى وصل إلى مراتب الإيمان العشرة، ومراتب المعرفة العشرة، وهم قلة لا تكاد تذكر على مدى مسيرة الإنسانية، ولم ينقل هؤلاء الأولياء هذه المعرفة الإلهية ولم يرووها عن الأنبياء والأوصياء لأنهم منعوهم من ذلك ( )، حيث إن الناس (وحتى من يؤمن بهم ) لا طاقة لهم على حملها ، فلم يُبث بين الناس إلا حرفان.
    واليوم بدأت هذه السبعة والعشرون حرفاً من العلم تبث بين الناس - ليؤمن بها من يؤمن بالقائم ، ويكفر بها من يكفر بالقائم - لحضور أهلها وحملتها في هذا الزمان المبارك وهم أصحاب القائم، والحمد لله وحده.
    ومن المناسب أن نعرض إلى الانحراف الذي أدى بأناس إلى الشرك التام أو الكفر التام في كلا حالتي الإفراط والتفريط في حدود التوحيد من خلال أمثلة من الأديان والمذاهب.

    * * *











    أولاً: الإفراط في حدود التوحيد
    ولنأخذ كمثال المذهب الوهابي أو من يسمون أنفسهم السلفية، وهؤلاء يعتبرون الرسـول محمداً مجرد ناقل ألفاظ عن الله سبحانه وتعالى، أما روح محمد وحقيقته فلا تضر ولا تنفع في حياته في هذه الحياة الدنيا، وبعد انتقاله إلى الملأ الأعلى، والاعتقاد بأنه يضر أو ينفع أو يشفع أو يعلم أو … أو …، عندهم شرك صريح وارتداد عن الإسلام حتى أدى بهم الأمر إلى جهالات خالفوا بها أحكام وضروريات الإسلام والقرآن، فأحلوا قتل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، لمجرد اعتقاده بأن روح الرسول تضر وتنفع وتشفع و… و … بعد انتقاله من هذه الحياة الدنيا بإذن الله، وبحوله وقوته سبحانه وتعالى ، مع أن الذمي الذي يدين بالمسيحية أو يدين باليهودية ويعيش في بلاد المسلمين ، ويحافظ على شروط الذمة لا يجوز قتله، ومحترم الدم عند كافة المسلمين، بل عندهم أيضاً.
    والحقيقة التي غفل عنها هؤلاء هي أن النفع والضر والشفاعة والقدرة على التأثير في هذه الحياة الدنيا عموماً متعلقة بالحياة والإذن من الله سبحانه، وبما أن الحياة ثابتة قطعاً للأنبياء والأوصياء المرسلين ؛ لأنهم سادة الشهداء على الخلق وهم من قتلوا أناهم في سبيل الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾( ).
    ومن يقول إنهم ليسوا أحياء عند ربهم يرزقون يعني أنه يتهم الأنبياء والأوصياء، فكيف يقرّ بأن من قتل تحت راياتهم حي عند ربّـه، وهم القادة وأصحاب الرايات لا يكونون كذلك ؟!
    إذن، فالحياة عند ربهم ثابتة للأنبياء والأوصياء وبالتالي فالقدرة ثابتة؛ لأن تأثير الروح المشرقة بنور ربها على هذا العالم الجسماني أهون ما يكون؛ لأنها من عالم مهيمن على هذا العالم فلم يبقَ إلا الإذن من الله لهم بالتأثير، والله سبحانه قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾( ).
    فهم إذن أحياء وقادرون بقدرة الله وما أودع الله فيهم من القدرة ويعملون بإذن الله وبأمر الله بل والله أمرنا أن نتخذهم وسيلة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾( ).
    بل ونطلب منهم حتى أن يكونوا شفعاءنا إلى الله في غفران الذنوب ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾( ).
    أما من يحصر تأثيرهم وقدرتهم بوجودهم الجسماني في هذه الحياة الدنيا فهو جاهل لحقيقة الأمر، ولم يلتفت إلى أنهم أحياء عند ربهم، والله يستعملهم وهم عمال عند الله ولهم مهام وأعمال يقومون بها، كما أن جبرائيل u الملك والحي عند ربه له مهام وأعمال يقوم بها بإذن الله.
    فاتهام من يعتقد بأن محمداً يضر وينفع بإذن الله بعد وفاته وانتقاله إلى ربه؛ لأنه حي عند ربه بأنه مشرك غير صحيح؛ لأن جبرائيل u الملك الحي عند ربه وهو روح وليس جسد جسماني في هذا العالم يضر وينفع وعمل ويعمل وسيعمل أعمالاً بإذن الله.
    ثم إنهم ادعوا أنهم يريدون بنفي الواسطة أو الشفاعة التوحيد الخالص، في حين أنهم وقعوا في أخس أنواع الشرك والكفر باعتقاداتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل إن القرآن ينص على نقضها وإبطالها.
    فهم يدعون أنهم لا يريدون أن يجعلوا بينهم وبين الله واسطة وشفيعاً، وأن من يجعل بينه وبين الله واسطة فهو مشرك وكافر، وغفلوا عن أنّ هذا هو تماماً موقف إبليس (لعنه الله) الذي رفض أمر الله سبحانه بأن يجعل آدم  واسطة وشفيعاً له بين يدي الله سبحانه، فإبليس (لعنه الله) كان يعبد الله بل كان طاووس الملائكة لكثرة عبادته ولم يرفض عبادة الله، ولكنه رفض أن يسجد لآدم وأن يكون آدم قبلته إلى الله، وبهذا رفض إبليس (لعنه الله) أن يكون آدم  واسطته إلى الله وشفيعه بين يدي الله.
    وهذا هو موقف هؤلاء الجهلة اليوم ، إنه موقف إبليس السابق بعينه، هؤلاء لم يفقهوا شيئاً من الدين والتوحيد، ومرقوا من الدين كما أخبر عنهم رسول الله ، ولم يفقهوا من الدين حتى القشور، ويا ليتهم يلتفتون لأنفسهم ويقرؤون قصص الأنبياء والمرسلين، ويقرؤون القرآن بتدبر، ولكن هيهات بعد اللتيا والتي، فهم لا يعرفون إلا عالم الأجسام ويريدون صب العلم كله من خلال معرفتهم المحدودة، مع أنّ الله لم ينظر إلى عالم الأجسام منذ أن خلقه كما قال رسول الله ، ويفصلون عالم الأرواح عن عالم الأجسام فصلاً تاماً وكأنه لا علاقة له به، فلا روح لها أثر ولا نفع ولا ضر ولا شفاعة عندهم، حتى أرواح الأنبياء والأوصياء، ولو تدبروا كتاب الله لميزوا بين سلام عيسى  على نفسه وسلام الله على يحيى، فهذا حال عيسى : ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾( )، وهذا حال يحيى : ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾( ). مع أنّ عيسى  أعلى مقاماً من يحيى .
    فلو تدبروا الآيات لعلموا أن عيسى  وصل بالارتقاء حتى أصبح هو الذي يسلم ويعطي الأمان لنفسه ولغيره، فهو شفيع مقبول الشفاعـة بمرتبة عالية في الدنيا وفي الآخـرة، أما يحـيى  فقد سلّم عليه الله سبحانه وتعالى، فعيسى  عند هؤلاء الجهلة لا يضر ولا ينفع والله سبحانه وتعالى جعله هو الذي يسلم على نفسه ويعطي الأمان لنفسه فأصبح هو السلام والأمان، بينما الذي يعطي الأمان ويسلم بالأصل هو الله سبحانه وتعالى السلام المؤمن.
    فعيسى  يسلم ويعطي الأمان؛ لأن عيسى  مفوض إليه هذا الأمر، وإلا فكيف له أن يقرر لفرد أنه آمن ومبارك في ساحة الله إن لم يكن قد فوض له هذا الأمر، وعلة هذا التفويض هي: أن عيسى  هو تجلي الله سبحانه في مرتبة تؤهله لذلك، فعيسى  هو طلعة الله (..... وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران .....) ( ).













    توحيد الوهابيين
    وإلغاء وساطة وشفاعة الأنبياء والأوصياء
    قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾( ).
    إن مسألة إلغاء دور ومكانة الأنبياء والأوصياء ليست جديدة بل هي ولدت مع أول نبي خلقه الله سبحانه وتعالى وهو آدم ، فقد أنكر ورفض وكفر إبليس (لعنه الله) بدور آدم  ورفض السجود لآدم ولم يقبل أن يكون آدم  قبلته إلى الله.
    لم يكفر إبليس بالله ولم يرفض عبادة الله ولكنه رفض أن يسجد لآدم، رفض الاعتراف بفضل آدم وأنه قبلة وشفيع وواسطة إلى الله، وربما يصح أن نقول إن إبليس توصل إلى توحيد الوهابيين قبلهم ، وربما الأصح إنه عداهم بدائه واستفزهم بندائه، فوجدهم نعم المجيبون وأفضل من تابع خطاه في التنكر لأولياء الله .
    وقد بيّن الله سبحانه وتعالى حال إبليس في القرآن بأوضح بيان، ولا يجد عاقل إن تدبر القرآن فرقاً بينه وبين الوهابيين، بل لم يكتف الوهابيون بإنكار مقام الأنبياء والأوصياء وشفاعتهم وكونهم قبلة الله ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾( )، حتى زادوا على إبليس في كفره وتنكره لحجج الله، فقاموا بهدم البقع الطاهرة المقدسة لحجج الله آل محمد ، وهي مواضع رحمة وبركة الله سبحانه وتعالى فتبين حقدهم وبغضهم لآل محمد وتبين مدى الشبه بين الوهابيين وبين إبليس، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾( ).
    فما أبين حقدهم على آل محمد بهدم أضرحتهم، وما أبعدهم عن المودة التي أمر الله بها المسلمين، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾( )، لكفى في بيان متابعتهم لإبليس في الكفر بأولياء الله سبحانه وتعالى.
    فإبليس (لعنه الله) لم يرض أن يكون شفيعه إلى الله، والواسطة بينه وبين الله، وقبلته إلى الله نبي الله آدم ، وهؤلاء الضالون المضلون أتباع إبليس في التنكر لأولياء الله لا يقبلون أن يكون النبي محمد شفيعهم إلى الله، والواسطة بينهم وبين الله، وقبلتهم إلى الله، بل ولا يقبلون حتى أن رحمة وبركة الله تنزل على من يزور أضرحة آل محمد الذين سأل الله المسلمين مودتهم في القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾( ).
    ولكل عاقل أن يتدبر: هل يوجد أوضح وأبين من متابعة الوهابيين لإبليس في الكفر وإنكار دور حجة الله وخليفته سبحانه من الأنبياء والأوصياء ؟ وهم يتعللون لتغطية بغضهم لحجج الله وخلفائه في أرضه بعلل واهية:
    - بأن الاعتقاد بشفاعة مخلوق بين يدي الله شرك.
    - بأن الاعتقاد بمخلوق يقضي الحوائج بإذن الله شرك.
    وباختصار: هم يعتقدون إن الاعتقاد بوجود الواسطة بين العباد والمعبود شرك، ويرفضون هذا الاعتقاد أو العمل به، وأتصور أنهم لو راجعوا موقف إبليس مع آدم لما وجدوه يختلف قيد أنملة عن موقفهم في رفض الوسيط والقبلة إلى الله سبحانه ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
    وهذه بعض النقاط للتوضيح أكثر ولرفع الشبهة عن المشتبه الذي يطلب الحق، ولعلهم يلتفتون أن الله تَعَبَّدَ الخلق أول ما تَعَبَّدَهم بالسجود لخليفته والواسطة بينه وبينهم، ولعلهم لا يرفضون السجود والاعتراف بدور خليفة الله في أرضه باعتباره واسطة إلى الله وشفيعاً بين يدي الله بحقيقته التي لا تموت ولا تفنى بموت جسده أو فنائه، فما دامت حقائقهم باقية فإن شفاعتهم ووساطتهم باقية، ولعلهم يتركون متابعة إبليس في إنكار الوساطة والتنكر للوسيط (خليفة الله).
    ومتوكلاً على الله أقول:
    1- الذهاب إلى الطبيب واستعمال الدواء لا يمثل شركاً بالله، كما إنهما لا ينفعان الإنسان إذا لم يشأ الله ويجعل بإمكان الطبيب والدواء أن ينفعا الإنسان، كذا الحال إذا كان الأمر بالنسبة للروح، ولكن الطبيب هذه المرة أرواح الأنبياء والدواء الكمال الذي يفيضونه على من يواليهم، فالتوجه لهم ليس شركاً بالله؛ لأنهم لا ينفعون الإنسان إلا بإذن الله، كما أن الإعراض عنهم هو غاية الجهل والكفر؛ لأنهم أسباب شفاء الأرواح وهذا مقام جعله الله لهم عندما جعلهم خلفاءه الذين يواجه بهم بقية خلقه في أرضه، وليس لأحد أن يسلبهم إياه ومن يعترض يكون كإبليس الذي رفض السجود لأولهم (آدم u).
    2- وأيضاً هم لا ينفعون شيئاً إذا لم يشأ الله كالطبيب والدواء، ولذا فلابد من التوجه إلى الله بالدعاء لينفع الطبيب والدواء وينتفع المريض، فهم لا ينفعون ولا يشفعون إلا بإذن الله وإرادته.
    3- من يتوجه إلى أطباء الأرواح الأنبياء والأوصياء ويترك التوجه إلى الله بالدعاء ويعتقد أنهم ينفعون دون التوجه إلى الله ودون أن يأذن الله لهم فهو مشرك، ولن ينفعونه شيئاً ولن ينتفع منهم شيئاً ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾( ). ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾( ).
    4- ومن يعرض عنهم ويدعي أنه يتوجه إلى الله مباشرة لكي لا يكون مشركاً، فهو في الحقيقة موقفه تماماً كموقف إبليس لا يفرق قيد أنملة، فهو كافر بمقامهم الذي جعله الله لهم، وكافر بأمر الله وهذا مطرود من رحمة الله وعبادته كعبادة إبليس (لعنه الله).
    قال الصادق u: (..... فأول من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أول معصية عصي الله بها، قال: فقال إبليس: يا رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال الله: لا حاجة لي إلى عبادتك، إنما أريد أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تريد، فأبى أن يسجد فقال الله تبارك وتعالى: اخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين .....) ( ).
    5- ثم إن من يفهم مابينته في أكثر من كتاب ومن خلال القرآن الكريم عن ملكوت السموات يعرف أنّ كون هؤلاء الأولياء من الأنبياء والأوصياء واسطة بين المعبود والعباد هي مسألة قهرية وحتمية وليست اختيارية للعباد، حيث إنّ مقام ومرتبة هؤلاء الأولياء فوق العباد، فلابد للعبد من المرور بهم ليصل إلى المعبود.

    * * *





    بين خوارج الأمس والوهابية
    المبدأ الأساسي لخروج الخوارج على علي بن أبي طالب  بل وخروجهم على الإسلام هو قولهم (لا حكم إلا لله)، ظاهر خادع وباطن أسود ولا يُخدع به إلا الأعراب الجهلة الذين لا يكادون يفقهون حديثاً ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾( ).
    هذا قول الخوارج (لا حكم إلا لله)، وهي كلمة حق فالحكم لله.
    أما عبادتهم الظاهرية فكانوا من أعبد الناس، وأكثر الناس صلاة في المساجد والمحافل.
    أما قتالهم عن عقيدتهم فيكفي أن تعرف أنهم استقتلوا في النهروان حتى لم ينجُ منهم إلا القليل.
    ومع ذلك لم يعرفوا بل ولم يحملوا من الإسلام شيئاً، وهذان حديثان عن رسول الله في الخوارج في أول الزمان ، وفي آخر الزمان (الوهابية):
    • الحديث الأول:
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، إذ أتاه ذوالخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم اعدل ؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس.
    قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته) ( ).
    • الحديث الثاني في خوارج آخر الزمان (الوهابية):
    عن سويد بن غفلة، قال: (قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله فلإن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية ( )، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا تجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) ( ).
    وأجد من الضروري تحليل مرتكز الخوارج وهو مرادهم من قول (لا حكم إلا لله)، وبيان مدى مطابقته لتوحيد الوهابية المدعى، فيتبين أنهم خوارج آخر الزمان.
    إن علياً  لما سمع قول الخوارج " لا حكم إلا لله "، قال : (كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر).
    (وفي رواية أخرى أنه  لما سمع تحكيمهم، قال: (حكم الله أنتظر فيكم (وقال) أمّا الإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته) ( ).
    إن معنى هذا الشعار (لا حكم إلا لله): هو حاكمية الله، أي أن من يرفعه المفروض أنه لا يقبل إلا بحاكمية الله التي تتمثل بالقانون الإلهي والحاكم المعين من الله، فالمفروض أن من يرفع هذا الشعار يطالب بتطبيق القانون الإلهي وتمكين الحاكم المنصب من الله.
    هذا هو معنى هذه الكلمة (لا حكم إلا لله)، وهذا هو المفروض أن يكون مطلب من يرفعها شعاراً، ولكن الخوارج جاءوا بهذه الكلمة لنقض حاكمية الله، لقد رفعوها بوجـه علي  بالذات وهو خليفة الله والوصي المنصب من الله، هم بحسب ظاهر الكلام لا يرفضون الله، فقط يرفضون علياً ، ولكن لو تدبرنا موقفهم نجده تماماً كموقف إبليس الذي لم يرفض السجود لله بل كان طاووس الملائكة من كثرة العبادة ولكنه فقط رفض السجود لآدم  خليفة الله.
    وجواب الإمام علي  في نقض مرادهم هو الواقع الموجود، فمع وجود المجتمع الإنساني (الناس) لابد من وجود قانون وحاكم يقوم بتطبيق القانون؛ لتنظيم حياة هذا المجتمع، فإذا رفض القانون الإلهي والحاكم (البر، التقي) المنصب من الله جاء القانون الوضعي والحاكم الطاغوت (الفاجر) حتماً؛ لأن الواقع لا يخلو من أحدهما، قال : (وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر).
    الآن فقط أطلب أن نستحضر المواقف الثلاثة:
    إبليس (لعنه الله): رفض السجود لآدم، (رفض أن يكون آدم "خليفة الله" واسطـة بينه وبين الله).
    الخوارج: رفضوا أن يكون الحاكم إنساناً منصباً من الله، حيث قالوا لا حكم إلا لله وهم يريدون لا إمرة إلا لله، (أي إنهم رفضوا أن يكون إنسان (خليفة الله) واسطة بينهم وبين الله) وهم يدعون بهذا التوحيد ونبذ الشرك !!
    الوهابية: هم يرفضون أن يكون إنسان (خليفة الله) واسطة بينهم وبين الله، ويدعون بهذا التوحيد ونبذ الشرك أيضاً !!!!
    ما هو الفرق بين المواقف الثلاثة ؟؟!!
    لو دققنا في المواقف الثلاثة لوجدنا أن مطابقة موقف الخوارج لموقف إبليس ربما يحتاج إلى التوضيح المتقدم، أما مطابقـة موقف الوهابـية لموقف إبليس فلا أعتقد، حيث إنّ موقفـهم (اعتقادهم) صورة طبق الأصل لموقف إبليس، فأين يكون موضع التوضيح لو أردناه ؟

    * * *




















    ثانياً: التَفرِيط في حدود التوحيد
    ولنأخذ كمثال النصارى ، ومن ثم نعرج على الوهابيين.
    والنصارى أو كما يسمون أنفسهم المسيحيون جعلوا لنبي الله عيسى  وهو عبد من عباد الله الألوهية المطلقة والغنى المطلق، وحجتهم فقط بعض الكلمات في أناجيلهم مثل قـول عيسى  أبي والإبن، مع أن هذه كلها مؤولة بأن المراد هو صفات الأبوة والبنوة لا ذاتها أي الرحمة والمداراة والتربية و …، والعطاء الذي ربما وصل إلى التضحية بالنفس من الأب إلى إبنه ويشترك الله سبحانه وتعالى ببعض الصفات مع الأبوة مع ملاحظة غناه سبحانه، وأيضاً من جهة الإبن تجاه الأب يمكن ملاحظة صفة بر الإبن الصالح بوالده وطاعته له في سلوك الأنبياء والأوصياء تجاه الله سبحانه وتعالى.
    والله سبحانه وتعالى يصل مع عبده في العطاء إلى أن يعطيه كله، فيخاطب عبده سبحانه وتعالى: (أنا حي لا أموت وقد جعلتك حياً لا تموت، أنا أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون) ( )، وهذا هو الاتصاف بصفة الألوهية في الخلق ، أي أن يوصف العبد ببعض أوصاف الألوهية مع ملاحظة فقره. فهذا العبد حي لا يموت ويقول للشيء كن فيكون وهي صفات الألوهية، ولكن الذي جعله هكذا هو الله سبحانه وتعالى وهو يحتاج وفقير إلى الله ليبقى هكذا، أما الله سبحانه وتعالى فقد كان ولا يزال وسيبقى حياً لا يموت ويقول للشيء كن فيكون دون أن يحتاج أو يفتقر إلى أحد، وهذا يميز بوضوح الفرق بين الاتصاف بصفة الإلوهية في الخلق (أو وجه الله أو يد الله أو طلعة الله في ساعير أو ظهور الله في فاران) ( ) التي مثلها خاصة أوليائه كمحمد وعيسى ، وبين الإلوهية الحقيقية المطلقة المحصورة بالله سبحانه وتعالى.
    ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾( ).
    ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ).
    ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾( ).
    ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾( ).
    ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾( ).

    * * *








    هو الله سبحانه الواحد الأحد وكل من سواه خلقه
    الله سبحانه وتعالى رد في القرآن الكريم على الذين قالوا إن لله سبحانه إبناً انفصل عنه أو وُلِدَ منه أو صَدَرَ عنه بمعنى أنه لاهوت مطلق صدر عن لاهوت مطلق، أو الذين يقولون إن الإنسان المخلوق يمكن أن يرتقي حتى يكون موصولاً باللاهوت المطلق، أي أن حقيقة هذا الإنسان تكون اللاهوت المطلق؛ لأنه اتحد باللاهوت المطلق، وبهذا حسب تفكيرهم يكون اللاهوت المطلق قد نزل في الناسوت وبالجسد، أو بين الناس في إنسان منهم وهذا الإنسان يكون ابن الله.
    والحقيقة مع أنّ هذا الطرح العقائدي الذي تبناه العلماء غير العاملين باطل، ولكن الله سبحانه وتعالى ولرحمته خاطبهم وكلمهم حتى في تفاصيل التنظير لهذا الاعتقاد، فتجده تعالى يفصل لهم ويبين لهم مواضع الخلل في عقيدتهم.
    قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾( ).
    ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾: وهذا النقض التام الذي كلمهم الله به لا يمكنهم رده بأي شكل أو صورة؛ حيث إنّ معناه: إنكم تقولون بوجود ولد له سبحانه وتعالى، وهذا الولد هو لاهوت مطلق (أي أنه كامل مطلق وغني مطلق لا يفتقر لغيره)، فإن قلتم إنه صدر منه وحده سبحانه وتعالى، فهذا يعني أن الإبن مطابق للأب تماماً - وبغض النظر عن أنّ الحقيقة البسيطة المطلقة يستحيل تعددها - فأي معنى ، وأي حكمة من هذا الصدور، مع عدم وجود أي تمايز أو اختلاف أو تغاير يمكن تصوره ؟! فهل تقولون إن الأب غير حكيم ليصدر أو ليلد ابناً له لا فائدة له سبحانه أو لغيره من صدوره ؟!
    وإن قلتم بوجود الاختلاف أو التمايز أو التغاير - كما يصرح النصارى اليوم إن الأقانيم متمايزة - فهذا يحتم وجود لاهوت ثان ﴿..... صَاحِبَةٌ .....﴾ ليكون الإبن صادراً عن الاثنين فلا يطابق أحدهما؛ لأنه صدر عنهما معاً، فهل أنتم تقولـون بوجود اللاهوت الثاني (الصاحبة) الذي سبق الابن ( ) ؟؟!!!
    فاعلموا أنكم إن قلتم بوجود الإبن فلابد أن تقولوا بوجود اللاهوت الثاني (الصاحبة) قبله وإلا فكيف تقولون بوجود الإبن (اللاهوت المطلق الذي صدر عنه) دون وجود اللاهوت المطلق الثاني (الصاحبة) ابتداءً معه سبحانه وتعالى، ووجود الإله المطلق الثاني (الصاحبة) ابتداءً معه سبحانه وتعالى محال؛ لأن اللاهوت المطلق حقيقة بسيطة مطلقة ولا يمكن أن تتعدد ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾.
    وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾( ).
    أي إن رتبتم ما توهمتوه من وجود الأقانيم الثلاثة (أو الأصول الثلاثة) بهذه الصورة، فقلتم بوجود الأب (الله سبحانه وتعالى)، واللاهوت المطلق الثاني الصاحبة (الإبن)، ثم صدر عنهما اللاهوت المطلق الثالث (الاقنوم الثالث) الروح القدس ، فالكلام يكون في وجود اللاهوت الثاني ابتداءً مع الله سبحانه وتعالى، فهل يوجد تمايز بينهما أم لا ؟ أي أنّ كليهما واحد ؟
    فمن يختار أنّ كليهما واحد يعود عليه النقض السابق؛ لأن الصادر عنهما مطابق لكل واحد منهما، ومن يختار التمايز بينهما ستنتقض عنده ألوهية الثاني ألوهيةً مطلقة؛ لورود النقص عليه، فالتمايز لا يكون إلا بالكمال المطلق ﴿..... وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

    والعلماء غير العاملين لأنهم نكسوا فطرتهم وانقلبوا رأساً على عقب، قالوا إن لله ولداً سبحانه وتعالى عما يصفون ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾( ).
    فلو أنهم عادوا إلى فطرة الله وتفكروا في آلاء الله لأنقذوا أنفسهم من هذا الهلاك المبين وتجنبوا الكلام فيما لا يعلمون، وكلام الإنسان فيما لا يعلم كذب ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾( ).
    وأيضاً: نقض الله سبحانه وتعالى عليهم مبدأ تعدد اللاهوت المطلق من أساسه كيفما كان الاعتقاد به:
    قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾( ).
    ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾: ومبدأ هذا النقض على كل من قال بتعدد اللاهوت المطلق - سواء بالبنوة أم بصورة أخرى يتوهمها من ضل عن سواء السبيل- هو أنّ الله قد أودع في فطرة الإنسان ما يميز به بين الحكمة والسفه ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾( )، فكل من استعمل هذا الميزان سيحكم بأن القول بتعدد اللاهوت مع عدم وجود مائز هو سفه ولا حكمة فيه. وبالتالي لا يبقى إلا القول بالتمايز، وهذا يُنقض بكلمة واحدة ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ فالتمايز في اللاهوت لا يكون إلا في الكمال، فيتعين فقر ونقص غيره فينتقض قول إن غيره لاهوت مطلق.
    أما بالنسبة لمسألة إرتقاء الإنسان، فإن الله خلق الإنسان وأودع فيه الفطرة التي تؤهله إلى الإرتقاء حتى يكون أسماء الله وصورة الله وتجلي الله والله في الخلق، ولكنه مهما إرتقى لن يكون لاهوتاً مطلقاً ولا غنياً مطلقاً، بل يبقى مخلوقاً وفقيراً إلى الله سبحانه وتعالى ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾( )، يكاد لا أنه يضيء من نفسه فيكون لاهوتاً مطلقاً، فكل من سواه خلقه وفقراء إليه سبحانه وتعالى ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾( ).
    وفي هذا النقض المتقدم الذي جاء في القرآن الكريم كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
    أما قولهم إنه واحد أحد مع قولهم بالأقانيم الثلاثة المتمايزة المستقلة بذاتها التي يرسل بعضها بعضاً حسب اعتقادهم وقولهم بوجود علاقة بينها كعلاقة البنوة والأبوة .... الخ، فهو قول يعلمون أنه سفيه ( )، وإلا كيف تجتمع الوحدة الأحدية مع تعدده وتجزئته وتمايز أجزائه وإن لم يسموها أجزاء.
    ولو أعرضنا عن كل ما تقدم فبيان باطلهم يكفيه هذا البيان إن كانوا يعقلون، وهو:
    إن الله نور لا ظلمة فيه، وكل عوالم الخلق هي نور مختلط بالظلمة وموجودات ظهرت بتجلي نوره سبحانه في الظلمات، ولذا فلا يمكن اعتبار أن الله قد حل في مخلوق أو ظهر في مخلوق ظهوراً تاماً في عوالم الخلق - كما يدعون بعيسى وروح القدس - ؛ لأن معنى هذا أنها لا تبقى بل تفنى ولا يبقى إلا نور لا ظلمة فيه، أي لا يبقى خلق بل فقط الله سبحانه وهو نور لا ظلمة فيه، ولذا قلنا وكررنا إن محمداً يخفق بين اللاهوت والأنا والإنسانية، وأكدت هذا لكي لا يتوهم متوهم أن الله - وهو نور لا ظلمة فيه - يحل في عوالم الخلق تعالى الله علواً كبيراً، والأمر بيّن واضح فمعنى ظهور النور الذي لا ظلمة فيه في عوالم الخلق ظهوراً تاماً هو فناؤها واندثارها ولا يبقى لها اسم ولا رسم ولا معنى، بل لا يبقى إلا الله النور الذي لا ظلمة فيه تعالى الله علواً كبيراً.
    * * *


    بعض الكلمات في التوراة والإنجيل
    التي توهم بعضهم أنها تعني أن اللاهوت المطلق يحل في عوالم الخلق بإنسان وبيان حقيقتها
    الكلمة:
    في كتاب لاهوت المسيح لشنودة الثالث (بابا الأرثذوكس)، قال شنودة الثالث:
    الفصل الأول: لاهوته من حيث مركزه في الثالوث القدوس - هو اللوجوس (الكلمة).
    ( ( يو1: 1) " في البدء كان الكلمة والكلمة عند الله. وكان الكلمة الله "، وهنا الحديث عن لاهوته واضح تماماً).
    الرد:
    قد بينت في هذا الكتاب أن عيسى u عبد وليس لاهوتاً مطلقاً، وسيأتي فصل الخطاب ومن آية محكمة ثابتة من الإنجيل ( )، وبالتالي هذا النص وغيره لا يصح تفسيره وفهمه بتكلف على أن عيسى u هو لاهوت مطلق حيث ثبت كما تقدم أن عيسى u أو يسوع u لا يمكن أن يكون نوراً لا ظلمة فيه، بل هو نور وظلمة وما كان هذا حاله فهو مخلوق محتاج فقير إلى اللاهوت المطلق سبحانه.
    تفسير هذا النص:
    (في البدء كان الكلمة): اللاهوت المطلق سبحانه لا بداية له ليقال في البدء، بل الذي في البدء هو المخلوق، إذن فيسوع (عيسى u) مخلوق وهذه الآية تبين بوضوح أنه مخلوق، نعم يمكن أن يقال إن المراد هنا المخلوق الأول أو العقل الأول فيتم نقاش هذا الأمر، هل أن يسوع (عيسى u) هو الكلمة الأولى ؟ أم أن يسوع (عيسى u) كلمة من كلمات الله المتأخرة عن الكلمة الأولى ؟
    (والكلمة عند الله): اللاهوت المطلق حقيقة غير مركبة والقول بتركيبها أو ما يلزم من قوله تركيبها باطل، فالاعتقاد بأن المراد بقوله (والكلمة عند الله) أن الكلمة هي اللاهوت المطلق نفسه يعني أن اللاهوت المطلق مركب. أما الاعتقاد ( ) بأن الكلمة هي الله - أي هو هي وهي هو بلا تمايز - مع أنه غير مركب يجعل هذا القول سفيهاً وخالياً من أي حكمة، فلا معنى للقول بأن الشيء عند نفسه.
    (وكان الكلمة الله): هنا موضع الشبهة وهنا المتشابه الذي وقع فيه شنودة كما وقع فيه من كان قبله، والحقيقة بعد أن تبين أن الكلمة هو مخلوق ولا يمكن أن يكون هو نفسه اللاهوت المطلق فلم يبقَ إلا أن الله هنا ليس هو اللاهوت المطلق، بل المراد الله في الخلق أي صورة الله كما ورد في التوراة أو العهد القديم، (26 وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) ( )، (فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه) ( ).

    عمانوئيل أو الله معنا:
    (لذلك هو ذا السيد يصعد عليهم مياه النهر القوية والكثيرة ملك أشور وكل مجده فيصعد فوق جميع مجاريه ويجري فوق جميع شطوطه. 8 ويندفق إلى يهوذا. يفيض ويعبر. يبلغ العنق ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل. 9 هيجوا أيها الشعوب وانكسروا وأصغي يا جميع أقاصي الأرض. احتزموا وانكسروا. احتزموا وانكسروا. 10 تشاوروا مشورة فتبطل. تكلموا كلمة فلا تقوم. لأن الله معنا) ( ).
    نعم، فالله مع الشعب المؤمن الموالي لخليفة الله في كل زمان.
    (وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. 23 هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا) ( ).
    خليفة الله في أرضه هو ممثل الله، وإذا كان هو يد الله ووجه الله فهو الله في الخلق، ولكنه ليس لاهوتاً مطلقاً بل هو مخلوق فقير محتاج وهو ليس نوراً لا ظلمة فيه بل هو نور وظلمة.
    وحتى لو قبل كل ما أضيف إلى العهد الجديد من رسائل وأعمال لن يتمكن العلماء غير العاملين من إثبات أن إنساناً هو لاهوت مطلق، إلا إنهم يتبعون ما تشابه عليهم معناه ويأولونه بما يوافق أهواءهم، وإلا فهو معارض في نفس هذه الرسائل والأعمال بما لا يقبل الشك ومحكم وبين أن عيسى  أو يسوع  عبد مخلوق بل ومعارض بالعهد القديم الذي يؤمنون به وبأقوال كل الأنبياء السابقين الذين يدعون الإيمان بهم، ولم يدعِ عيسى  (يسوع) ولا ادعى له الأوائل أنه لاهوت مطلق، بل إن الأمر طارئ وجاء بعد مئات السنين وثبت في مجمع نيقية عام 325 م ( ).
    وقد عارضه كثيرون في حينها، وبعد أن تم إقراره في مجمع نيقية وإلى اليوم هناك من المسيحيين من لا يقبل به ولا يقر بهذا الانحراف العقائدي.

    الله ظهر في الجسد:
    هذه إحدى الرسائل التي يستدل بها العلماء غير العاملين على ما ذهبوا إليه من ضلال وادعاء أن اللاهوت المطلق حل في الجسد.
    (1 بولس رسول يسوع المسيح بحسب أمر الله مخلصنا وربنا يسوع المسيح رجائنا 2 إلى تيموثاوس الابن الصريح في الإيمان نعمة ورحمة وسلام من الله أبينا والمسيح يسوع ربنا) ( ).
    (16 وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد) ( ).
    أولاً الأصحاح الأول من الرسالة لم يعطِ عيسى  غير صفة الربوبية وهي صفة لا إشكال أن يتصف بها نبي ورسول فهم مربو الناس وأولى بهذه الصفة من الأب الذي يتصف بها ويسمى نسبة لأسرته رباً.
    بل أيضاً بين الأصحاح أن الإرسال لا يكون إلا بأمـر الله سبحانه، وأن عيسى مأمـور (بحسب أمر الله)، إذن عيسى  مأمور ويأتمر بأمر الله هذا يعني أن الله أعلى وأعلم وأقدر منه فيثبت أن عيسى  يحتاج لغيره ويعتري صفحة وجوده النقص، وإلا فلا معنى لأن يكون مأموراً وهو كامل مطلق فهذا مخالف للحكمة فماذا يمكن أن ينتفع الكامل المطلق من سواه ؟!
    أما ما ورد في هذه الرسالة نفسها في الأصحاح الثالث فالمفـروض - بعد أن افتتحت بما رأينا - أن يفهم من ظهور الله في الجسد هو تماماً كظهوره في كل العوالم المخلوقة وتجليه فيها وظهورها به سبحانه، نعم هناك خصوصية لهذا القول هنا؛ لأنه يعني أن عيسى مثل (طلعة الله في ساعير) أي إنه يد الله ووجه الله وصورة الله ، ولكنه عبد مخلوق وليس الله سبحانه وتعالى هناك فرق كبير بين الحقيقة والصورة تماما كالفرق بين الشيء واللاشيء.
    فالله كما بينت سابقاً تجلى في عوالم الخلق وظهر فيها وأظهرها، وليس هذا يعني أنه حل بها أو أنها أصبحت لاهوتاً مطلقاً أو أن بعضها ممكن أن يكون لاهوتاً مطلقاً مهما عظم نوره؛ لأنه يبقى مخلوقاً ويبقى نوراً مختلطاً بالظلمة، فأعلى مرتبة يمكن أن يرتقيها الإنسان هي أن يكون الله في الخلق ﴿..... يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ .....﴾( )، يكاد يضيء من نفسه - ولهذا اشتبه على إبراهيم  الأمرابتداءً حتى عرفه الله الحقيقة ( ) - ولكن أبداً لايضيء من نفسه.
    والحديث القدسي عن الله سبحانه وتعالى: (لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن) ( )، أي أنه يكون وجه الله ويد الله كما ورد في القرآن : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾( )،﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾( ).
    وكما هو واضح في نصوص التوراة والإنجيل المتقدمة.



    الإبن:
    في التوراة والإنجيل (أبي أبوكم الابن الآب أبناء الله).
    (....... هكذا قال رب الجنود هم يبنون وأنا أهدم ويدعونهم تخوم الشر والشعب الذي غضب عليه الرب إلى الأبد . 5 فترى أعينكم وتقولون ليتعظم الرب من عند تخم إسرائيل 6 الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده . فإن كنت أنا أبا فأين كرامتي وإن كنت سيدا فأين هيبتي قال لكم رب الجنود أيها الكهنة المحتقرون اسمي) ( ).
    (21 وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك. 22 والتفت إلى تلاميذه وقال كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. 23 والتفت إلى تلاميذه على انفراد وقال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه. 24 لأني أقول لكم إن أنبياء كثيرين وملوكا أرادوا أن ينظروا ما أنتم تنظرون ولم ينظروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا) ( ).
    (1 قدموا للرب يا أبناء الله قدموا للرب مجدا وعزا. 2 قدموا للرب مجد اسمه. اسجدوا للرب في زينة مقدسة) ( ).
    (ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل. فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. 2 ففتح فاه وعلمهم قائلاً. 3 طوبى للمساكين بالروح. لأن لهم ملكوت السموات. 4 طوبى للحزانى. لأنهم يتعزون. 5 طوبى للودعاء. لأنهم يرثون الأرض. 6 طوبى للجياع والعطاش إلى البر. لأنهم يشبعون. 7 طوبى للرحماء. لأنهم يرحمون. 8 طوبى للأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله. 9 طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون. 10 طوبى للمطرودين من أجل البر. لأن لهم ملكوت السموات. 11 طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. 12 افرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم) ( ).
    هذه الكلمات التي جاءت في التوراة أو الإنجيل واشتبهت في موارد على جاهلها وتأولها العلماء غير العاملين - ليدعوا بنوة إنسان لله سبحانه أو ليدعوا الألوهية المطلقة لإنسان - لا تعني بأي شكل من الأشكال ألوهية إنسان ألوهية مطلقة، بل هي بمجموعها تنفي البنوة الحقيقية لأي إنسان ( )، وإذا التفت إليها الإنسان بقلب مفتوح طالباً معرفة الحقيقة كما أرادها الله سبحانه وتعالى الذي خلقه، لرأى أن عيسى  يحمد الله ويثني عليه قبل أن ينطق بهذه الكلمات، ولو نظر الإنسان بعين الإنصاف لعرف أن هذه الكلمات منطبقة على كل الأنبياء والمرسلين والأوصياء الذين كانوا حجج الله على خلقه وخلفاءه في أرضه، فكل حجة من حجج الله هو أعرف أهل زمانه بالله فيصدق عليه أنه من يعرف الله دون من سواه من أهل زمانه، وأيضا يصدق أنه لا يعرف خليفة الله وحجة الله حق معرفته إلا الله الذي خلقه (وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له).
    وهذا تجده في قول رسول الله محمد لوصيه علي بن أبي طالب : (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا) ( ).
    وأيضاً لعرف الإنسان الحقيقة وهي أن الخلق كلهم عيال الله سبحانه وتعالى فهو يرحمهم كما يرحم الأب أبناءه، بل هو أرحم بالخلق من الأم بولدها الوحيد وأكيد إن المخلصين من الأنبياء والأوصياء والأولياء أحب الخلق إلى الله سبحانه، فهم أولى بأن يكون الله سبحانه وتعالى أباهم بهذا المعنى، ولأنهم أطاعوه ولم يعصوه سبحانه كما يطيع ويبر الابن الصالح أباه فيصح أنهم أبناء الله بهذا المعنى، وهم ليسوا لاهوتاً مطلقاً بل عباد مكرمون؛ لأنهم شاكرون ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾( ).
    ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾( ).
    وقد بين القرآن أنهم ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، أي أنهم الله في الخلق، أي تجلي الله وصورة الله كما في الحديث عنهم : (أن الله خلق آدم على صورته) ( )، (26 وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) ( )، وليسوا الله سبحانه وتعالى وبالتالي فإن النظر إليهم هو نظر إلى الله ومعاينتهم هي معاينة الله، وفي الإنجيل: (طوبى للأنقـياء القلب. لأنهم يعاينون الله. 9 طوبى لصانعي السـلام. لأنهم أبناء الله يدعون).
    وفي القرآن تجد نفس الكلام ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ( )، عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا ، قال: (قال النبي : من زارني في حياتي أو بعد موتى فقد زار الله تعالى ودرجه النبي في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منـزله فقد زار الله تبارك وتعالى. قال: فقلت له: يا بن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: إن ثواب لا اله إلا الله النظر إلى وجه الله تعالى ؟ فقال : يا أبا الصلت من وصف الله تعالى بوجه كالوجوه فقد كفر ولكن وجه الله تعالى أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * َيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال عز وجل:﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾)( ).
    قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾( ).
    ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أي أن محمداً أقرب شيء إلى الله سبحانه، وأول مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، وأول من عبد الله سبحانه وتعالى فلو كان لله سبحانه وتعالى ولد (تعالى الله عن ذلك) لكان محمداً ؛ لأنهم يقولون إن أول ما صدر منه سبحانه وتعالى الولد أو الكلمة، فمحمد الذي يقول أنا أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى لم يقل أنا ابن انفصل عن الله سبحانه وتعالى، لم يقل أنا لاهوت مطلق، بل قال أنا عبد الله وابن عبد الله ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾( ).
    فمن يبحث عن الحقيقة لابد له من تحري الدقة والإخلاص في البحث ليصل إلى الحقيقة وينجي نفسه من سخط الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾( ).

    * * *










    نصوص التوراة والإنجيل
    تثبت أن الله واحد أحد
    غير مركب:
    وهذه النصوص واضحة محكمة بينة، فلا معنى لتأولها لتوافق نصوص اشتبه على العلماء غير العاملين معناها فاضلوا خلق الله بتفسيرها بأهوائهم تفسيرا خاطئاً.
    1- بعض النصوص في التوراة (العهد القديم):
    " فَاعْلمِ اليَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلى الأرض مِنْ أَسْفَلُ . ليْسَ سِوَاهُ " ( ).
    " اسمعْ يَا إِسْرَائِيلُ : الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ " ( ).
    " أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلٰهٌ مَعِي " ( ).
    " أَنَا ٱلأَوَّلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلاَ إِلٰهَ غَيْرِي " ( ).
    " أَنَا الرَّبُّ صَانِعٌ كلَّ شَيْءٍ نَاشِرٌ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي.بَاسِطٌ الأرض . مَنْ مَعِي ؟ " ( ).
    " أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي ؟ إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ . لَيْسَ سوَايَ " ( ).
    " أَلَيْسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا ؟ " ( ).
    " أَنَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ ٱلَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ ٱلْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي " ( ).

    2- بعض النصوص من الإنجيل (العهد الجديد):
    " بِالْحَقِّ قُلْتَ لأَنَّهُ اللَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ " ( ).
    " وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ ؟ " ( ).
    نصوص من الرسائل التي أرفقوها مع الإنجيل:
    " لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ " ( ).
    " وَأَنْ لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِداً " ( ).
    " وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ " ( ).
    " لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ " ( ).
    " أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَناً تَفْعَلُ " ( ).
    * * *




    فصل الخطاب من الإنجيل
    (عيسى سلام الله عليه يجهل الساعة)
    عيسى يقول عن نفسه إنه يجهل الساعة التي تكون فيها القيامة الصغرى: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) ( )، والجهل نقص بينما اللاهوت المطلق كامل مطلق لا يعتريه نقص أو جهل؛ لأنه نور لا ظلمة فيه فالجهل يعتري المخلوق لوجود الظلمة في صفحة وجوده.
    إذن، عيسى  نور وظلمة وهذا يثبت المطلوب إن عيسى ليس لاهوتاً مطلقاً، بل عبد مخلوق من ظلمة ونور، وليس نوراً لا ظلمة فيه تعالى الله علواً كبيراً.
    وفي هذا فصل الخطاب وبيان وموعظة لأولي الألباب، وهذا نص كلام عيسى  كما جاء في إنجيل مرقس: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب. 33 أنظروا. إسهروا وصلوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت. 34 كأنما إنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده السلطان ولكل واحد عمله وأوصى البواب أن يسهر. 35 اسهروا إذاً. لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت أمساء أم نصف الليل أم صياح الديك أم صباحاً. 36 لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياماً. 37 وما أقوله لكم أقوله للجميع اسهروا)( ).
    * * *



    الوهابيون أيضاً يفرِّطون بحدود التوحيد
    الوهابيون يشاركون النصارى فهم أيضاً ممن يفرِّطون بحدود التوحيد في جانب آخر من اعتقاداتهم التي أقل ما يقال فيها إنهم يحدون الله ويجزئونه، وبالتالي يجعلونه كخلقه تعالى الله علواً كبيراً، فإذا كان النصارى قد رفعوا إنساناً وهو عيسى u حتى جعلوه هو الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً، فالوهابية تابعوهم بنفس المنهج، ولكنهم جعلوا الله سبحانه وتعـالى في مصاف الخلق، وموصوفاً بصفات الأجسام، ومحدوداً بحدود عوالم الخلق تعالى الله علواً كبيراً.
    إذن، في الحقيقة إن النصارى قالوا عن إنسان إنه الله، والوهابية قالوا عن الله إنه إنسان عندما وصفوه بصفات الإنسان، إنه المنهج الصنمي القديم الذي لا يكاد يفارق المجتمع الإنساني وللأسف ( ).

    فالوهابية مجسمة، أو أقل ما يقال إن عقيدتهم باللاهوت يلزم منها التجسيم، فقد جعلوا لله يداً وأصابع وساقاً ويجلس على العرش و … الخ ( ).
    وإمامهم ابن تيمية قال في كتاب (العقيدة الواسطية): (وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلَائِكَتِهِ وَبِرُسُلِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ) ( ).
    لاحظ كلام ابن تيمية (عياناً بأبصارهم)، وانتبه إن النظر بالعين لا يمكن أن يكون إلا إلى جهة، لهذا بين وصرح بوضوح تام أحد كبار علمائهم وهو ابن جبرين بأن الله ينظر إليه في جهة( ).
    فهؤلاء بسبب تفسيرهم الخاطئ لبعض الكلمات المتشابهة في الكتب السماوية انحطوا إلى هذا الضلال العقائدي.
    فابن تيمية وأشباهه لا يفهمون القرآن ولا كلام الأنبياء ومنهم الرسول محمد الذين يتكلمون بالرمز وبحسب الحقائق الملكوتية أحياناً كثيرة، كما يكلم الله عباده بالوحي السماوي في الرؤى ( ) والكشف والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وكلامه ليس ككلام البشر ليقاس على كلامهم ويفسر كما يفسر كـلام البشر كما فعل هؤلاء الجهلة الذين يدعون العلم قال الإمام علي u: (... إياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء ( )، فإنه رب تنزيل يشبه كلام البشر وهو كلام الله، وتأويله لا يشبه كلام البشر، كما ليس شيء من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تبارك وتعالى شيئا من أفعال البشر، ولا يشبه شيء من كلامه كلام البشر، فكلام الله تبارك وتعالى صفته وكلام البشر أفعالهم، فلا تشبه كلام الله بكلام البشر فتهلك وتضل) ( ).
    فالوهابيون انحرفوا إلى التجسيم بسبب عدم وجود عاصم ؛ ولأنهم رجعوا إلى فهمهم وإلى علماء غير عاملين في فهم الروايات والقرآن، وعارضوا أهل بيت النبوة آل محمد الذين أمروا باتباعهم والأخذ عنهم ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾( )، - والمودة حب وطاعة - فلم يأخذوا من آل محمد وأخذوا ممن خالفهم.
    وهكذا انحرفوا وحرفهم هؤلاء العلماء غير العاملين وأضلوهم وأوقعوهم في التجسيم، والقول إن لله ساقاً ووجهاً وأيدي وينظر له بالعين وهو في جهة .. الخ اعتماداً على فهمهم لبعض الآيات في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾( ).
    وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ( )، وهذه عقائد باطلة واضحة البطلان وإثبات بطلانها لا يحتاج إلى عناء ( ).
    والمراد من هذه الآيات هو أن الوجوه الكريمة الطيبة الناضـرة ناظـرة إلى مربيها وهو محمد ، وكذا يكشف عن حقيقة محمد وآل محمد فلا يستطيع الظالمون السجود والخضوع؛ لأنهم اتبعوا إبليس لعنه الله في امتناعه عن السجود ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾( )، المراد عبد الله محمد فهو الله في الخلق وهو المبايع ويده فوق أيدي المبايعين.
    وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾( )، فالذي يأتي في ظل من الغمام هو محمد في عالم الرجعة ومعه أهل بيته وبعض الأنبياء ، ومعروف أن محمداً هو المظلل بالغمام وقد بشر بالرسول محمد والقائم من آل محمد بهذه الصفة في التوراة والإنجيل ( ).
    أما ما يقوله فقهاء وعلماء الوهابيين غير العاملين (أو من يسمون أنفسهم السلفية) - للخروج من حد التجسيم ولوازمه من الكفر والشرك - من أن لله سبحانه يداً وأصابع ( ) تليق بجماله وكماله أو جلاله أو كما يقولون إنه يجيء كما يشاء .. الخ، فهو باطل والظاهر إنهم لا يفقهون معنى قولهم وإلا لما قالوه لأن قولهم (باليد والساق والمجيء والنظر إليه بالبصر و ....) باطل وكفر وشرك مهما كان مرادهم مادياً جسمانياً أو روحانياً ( ) أو بلا كيف كما يقولون، حيث إن ما وقعوا فيه من الكفر والشرك ليس فقط بسبب أن اليد التي أثبتوها موصوفة فيخرجون من حد الكفر والشرك بنفي الوصف عنها بقولهم (بلا كيف)، ولا لعلة أن الساق التي أثبتوها ناقصة فيخرجون من كفرهم وشركهم بأن يثبتوا لها صفات اللاهوت المطلق بقولهم (تليق بكماله وجماله)، بل إن ما وقعوا فيه من الشرك والكفر سببه نفس إثباتهم اليد والساق مهما تكن الصفات والحيثيات التي يضفونها عليها، وذلك لأنهم عندما جعلوا له سبحانه اليد والساق فقد جعلوه مركباً وكل مركب معدود، وتعالى الله الأحد عن التركيب والعدد ،قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي أن ذاته أحدية وليست مركبة من أجزاء فيكون له يد وساق تعالى الله عما يشركون، والعدد ملازم للتركيب وهو واضح وظاهر الدلالة على شرك من يثبته لأنه يعني تعدد اللاهوت المطلق تعالى الله عما يقول الظالمون.
    * * *




    التوحـيد
    التوحيد الحقيقي لا يكون بالانتهاء عند الصفات التي يجمعها اسم الله، فلا تكون كلمة لا إله إلا الله هي نهاية التوحيد، بل بداية التوحيد ونهاية التوحيد وحقيقة التوحيد (هو)، وكما قدمت الهاء لإثبات الثابت والواو لغيبة الغائب، فهو الشاهد الغائب سبحانه وتعالى عما يشركون، ولذا كانت سورة التوحيد (قل هو) والباقي شرح وتفصيل وتوضيح، وكما بينت فالله أو مدينة الكمالات الإلهية ما هي إلا تجلٍ للحقيقة والكنه (هو)، والله وصف له سبحانه وتعالى واجه به خلقه ليُعرف وليس هو سبحانه وتعالى.
    والمطلوب من الإنسان التوحيد في هذه المرتبة، مرتبة الحقيقة والكنه؛ لأنها تمثل نفي الصفات عنه سبحانه وتمام الإخلاص له سبحانه وتعالى في العبادة الحقيقية والسجود الحقيقي، وما سوى هذه العبادة وهذا الإخلاص وهذا التوجه لا يخلو من شرك في مرتبة ما.
    فالألوهية وجهه سبحانه وتعالى الذي واجه به خلقه بما يناسبهم ويناسب حالهم، فهم خلق وهويتهم الفقر والنقص فالمناسب أن يواجههم سبحانه وتعالى بالكمال ليتوجهوا إليه ويألهون إليه ويسدون نقصهم ويعرفونه بمرتبة ما من خلال هذه المسيرة الأولية في المعرفة وهي معرفة الكمال المطلق من خلال سد النقص في صفحة وجود المخلوق الناقص، وبالتالي فحصر المعرفة بالألوهية هو جهل وتقصير وخسارة كبيرة، بل لابد أن يجعل الإنسان هدفه هو معرفة الحقيقة والكنه هذه المعرفة التي يمكن أن نسميها معرفة حقيقية ونهاية المعرفة الممكنة بالنسبة للمخلوق؛ لأنها تكون بمعرفة العجز عن المعرفة.
    * * *




    تجلي الألوهية في الخلق للخلق
    الألوهية كالربوبية ( )، فإذا كان معنى الرب هو المربي فالإله هو الذي يؤله إليه في سد النقص وتحصيل الكمال، وكما أن الرب يمكن أن يصدق على الأب بالنسبة لأبنائه فيقال رب الأسرة إذا كان المنظور من علاقته مع أبنائه هو وما يفيضه عليهم، كذا يمكن أن تصدق صفة الإله على الأب إذا كان المنظور من علاقة أبنائه به هم وما يطلبونه منه ، فصورة اللاهوت يمكن أن تصدق على خاصة من أنبياء الله ورسله الذين كانوا بحق صورة الله سبحانه وتعالى في الخلق.
    قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾( )، السجود في الأصل إنما هو لحقيقته وكنهه سبحانه وهو الرد الواجب على تجلي الحقيقة وظهورها للعابد، فالسجود نتيجة حتمية للمعرفة كما فعل رسول الله في المعراج، قال الصادق : (... فلما رفع رأسه تجلت له العظمة فخر ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر أمر به ...) ( ).
    وسجود مخلوق لمخلوق يعني تجلي حقيقته سبحانه وتعالى في المسجود له، والحقيقة إنما تتجلى باللاهوت كما بينت سابقاً. إذن، فالمسجود له إنما سُجِدَ له لتجلي اللاهوت فيه، إذن فالآية تدل على أن اللاهوت قد تجلى في آدم  ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له، والآية أيضاً واضحة في أن اللاهوت تجلى في آدم  عند نفخ روح الله فيه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، إذن فروح الله هو صورة اللاهوت (الله خلق آدم على صورته)، فكان من الطبيعي أن يُسجد لآدم عندما نفخ روح الله فيه، فهو في الحقيقة سجود لصورة اللاهوت التي تجلت في آدم وبالتالي فهو سجود للاهوت الحقيقي الذي مثلته هذه الصورة وخليفته في خلقه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
    والتجلي الأول للاهوت المطلق في الخلق وصورة الله الأوضح وخليفة الله الحقيقي والمخلوق الأول والعقل الأول والكلمة الأولى هو محمد .
    فيكون معنى الآية: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، أي إذا نفخت في آدم من نور محمد ( ) فاسجدوا لآدم وأطيعوه، فسمى سبحانه وتعالى محمداً ﴿رُوحِي﴾ أي تجلي ألوهيتي وحيـاتي ( ).
    فمحمد صورة الله في الخلق والمطلوب من الخلق النظر فيها ليعرفوا الله، فإذا كانت علة الخلق هي المعرفة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾( )، أي ليعرفون فيجب أن نعلم أن سبيل المعرفة الحقيقي هو محمد وبقية الأنبياء والأوصياء ، كل منهم تجل وظهور لهذا السبيل، وكل بحسبه ليُعَرِّفوا الخلق بالله ( ) سبحانه، فالسجود في الحقيقة لم يكن لآدم  بل لمحمد ، ولهذا أُشتُرِط بتجلي حقيقة محمد في آدم  ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، بل إنه سجود للاهوت الحقيقي الله سبحانه وتعالى بعد أن عرفنا أنه سجود لصورة أظهرت اللاهوت في الخلق ( ).
    فمحمد وعلي  والأئمة وعيسى  فقراء إليه سبحانه وتعالى، ويحملون صفة اللاهوت أي أنهم يؤله إليهم في قضاء الحوائج وسد النقص وتحصيل الكمال، وهم يقضون الحوائج ويسدون النقص ويكملون الخلق ولكن بحول وقوة وبإذن الله فلا حول ولا قوة لهم إلا بالله، كما لا يقدرون على تحريك ساكن إلا بإذن الله، فاتصافهم بصفة اللاهوت كما تبين ليست من نوع ألوهيته المطلقة سبحانه بلى هم صورته سبحانه وأسماؤه الحسنى ووجهه الذي واجه به خلقه، فبصفة اللاهوت التي اتصفوا بها تعرف ألوهيته الحقيقية سبحانه، فهم ليسوا آلهة تعبد من دونه ولا آلهة تعبد معه سبحانه كما تبين بل هم عباد مخلوقون يسدون النقص ويهبون الكمال بالله وبإذن الله سبحانه، وهذا معنى اتصافهم بصفة الألوهية، فهم ليسوا آلهة من دونه وليسوا شيئاً من دون الله، فهم خلق من خلقه قائمون به سبحانه وليسوا آلهة معه، أي أنهم ليسوا في مرتبة الألوهية الحقيقية بل هم في مرتبة الخلق، فهم تجلي الألوهية الحقيقية في الخلق، وهذا هو معنى أنهم الله في الخلق ومعنى أنهم صورة الله ومعنى أنهم وجه الله وأسماؤه الحسنى وأيضاً معنى أن الله معنا، وهذا يبين أيضاً أن من عرفهم عرف الله ومن جهلهم جهل الله؛ لأن الله سبحانه واجه سواهم من الخلق بهم ؛ ولأنهم الصورة التي تحاكي اللاهوت الحقيقي.
    ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾( )، أي من محاكاة اللاهوت وبالتالي تعريف الخلق به سبحانه.
    ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾( )، أي يكاد أن يكون نوراً لا ظلمة فيه ويكاد أن ينير من نفسه ولكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن نوره من الله وليس من نفسه ، ولذا اشتبه إبراهيم الخليل  ( )، وكذا الملائكة في المعراج ( ) بمحمد ، فمحمد وآل محمد بهذه المرتبة، وغاية الخلق الوصول إلى هذه المرتبة، وهم نهاية الكمال الممكن للإنسان ولذا ختم الدين بمحمد وآل محمد وتختم الدنيا بمحمد وآل محمد.

    * * *
    من اقوال الامام احمد الحسن عليه السلام في خطبة الغدير
    ولهذا أقول أيها الأحبة المؤمنون والمؤمنات كلكم اليوم تملكون الفطرة والاستعداد لتكونوا مثل محمد (ص) وعلي (ص) وآل محمد (ص) فلا تضيعوا حظكم، واحذروا فكلكم تحملون النكتة السوداء التي يمكن أن ترديكم وتجعلكم أسوء من إبليس لعنه الله إمام المتكبرين على خلفاء الله في أرضه، أسأل الله أن يتفضل عليكم بخير الآخرة والدنيا.


  4. #4
    يماني الصورة الرمزية almawood24
    تاريخ التسجيل
    04-01-2010
    الدولة
    العراق
    المشاركات
    2,171

    افتراضي رد: كتاب الامام احمد الحسن ع التوحيد*

    حسن الختام
    التوحيد هو الصراط المستقيم وهو أحد من السيف وأرق من الشعرة، وقد تبين أن الانحراف والميل عنه يؤدي بالإنسان إلى الشرك والكفر، فلابد من معرفته معرفة دقيقة ليعبر به الإنسان إلى آخرة كريمة وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين العاملين العارفين، فعلى الإنسان أن لا يضيع حظه ويبحث بدقة ويعمل ليلاً ونهاراً ليصل إلى الحقيقة والتوحيد.
    واعلموا أنّ النوم على المزابل وأكل خبز الشعير كثير مع سلامة الدين، فالحمد لله الذي منّ علينا بنعمة الهداية بعافية منه ورحمة، والحمد لله الذي تفضل علينا وعاملنا بالإحسان، والحمد لله على كل نعمة أنعم الله بها عليّ وعلى والدي وولدي والمؤمنين والمؤمنات وعلى كل أحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة.
    اللهم صلّ على محمد حبيبك وصفيك وخليفتك حقاً، وصل اللهم على آل محمد الطيبين الطاهرين، اللهم وإن رفعتني عند الناس فحطني عند نفسي ولا تبتليني بالكبر فأكون من الخاسرين، وطهرني من الشك والشرك واصطنعني بصنعك وخلصني لنفسك وخلصني مما أنا فيه ومما أخاف وأحذر بلطفك الخفي يا الله يا رب يا أرحم الراحمين.
    والسلام على المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها ورحمة الله وبركاته.

    أحمد الحسن
    18 رمضان 1425 هـ.ق




    ملحق1
    الله:
    الله: هذا الاسم الذي يعرفه الناس إسماً للذات الإلهية - بل هو بالفعل يطلق عليها فقط إذا كان يراد به الألوهية المطلقة - هل يمكن أن يطلق - إذا لم يُرَد به الألوهية المطلقة - على غير الذات الإلهية المقدسة ؟
    وقبل معرفة هذا الأمر لابد من بيان هل أن اسم الله علم جامد أم أنه مشتق؛ لأن الجواب يعتمد على هذا البيان، وكما قال رسول الله : إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، فعن أبي عبد الله ، قال: (ما كلّم رسول الله العباد بكنه عقله قط، وقال: قال رسول الله : إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) ( ).
    والرأي الأول إن اسم الله علم جامد: واختاره السيد الخوئي (رحمه الله)، واستدل عليه بأمور سأعرضها وأبين بطلانها، فيتبين بطلان هذا الرأي.
    • قال السيد الخوئي في كتاب البيان: (ومن توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ ودليلنا على ذلك أمور: الأول: التبادر، فإن لفظ الجلالة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدسة ولا يشك في ذلك أحد. وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة وقد حققت حجيتها في علم الأصول)( ).
    أقول: الانصراف الى الذات المقدسة بلا قرينة ليس دليلاً على أنه علم جامد، فاسم الرحمن ينصرف إلى الذات المقدسة بلا قرينة ولا أحد يقول إنه علم جامد، وإذا قال أحد لا يلتفت إلى قوله؛ لأنه مشتق وإنما هذا الانصراف بسبب الاستعمال.
    أما قول السيد الخوئي رحمه الله (وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة وقد حققت حجيتها في علم الأصول) فمنقوض؛ لأنه إن أراد نقل من وضعوا قواعد اللغة فعدم نقلهم لا يدل على عدم الوجود، بل أن المنقول من كلام العرب هو قطرة في بحر الذي لم ينقل من كلامهم ، مع أن ما ينقل عن العرب - مع احتمال وقوع الخطأ منهم - في هكذا لفظ تعتمد عليه العقيدة لا يمكن أن يكون حجة تامة بل لا قيمة له إن عارضته النصوص الشرعية.
    ولا أدري لم تشبث السيد الخوئي بظنون وأوهام كقاعدته المتقدمة التي بنيت على ما جمع بالاستقراء الناقص، مع أن قاعدته من نسج العقول الناقصة غير المعصومة واستقراءهم ناقص، وأعرض عن نص المعصوم فقد جاء عنهم نص أو أكثر تدل على الاشتقاق.
    قال أمير المؤمنين : (الله معناه: المعبود الذي يأله فيه الخلق ويؤله إليه‏، والله هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات) ( ).
    قال الباقر : (الله‏ معناه: المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيته، والإحاطة بكيفيته، وتقول العرب: أله الرجل إذا تحير في الشي‏ء فلم يحط به علماً، ووله إذا فزع إلى شي‏ء مما يحذره و يخافه فالإله هو المستور عن حواس الخلق) ( ).
    هذا مع أنّ الأئمة حثوا خاصة أصحابهم على عدم نقل ورواية الجواهر التي خصوهم بها:
    فعن حفص بن نسيب فرعان، قال: دخلت على أبي عبد الله  أيام قتل المعلى بن خنيس مولاه فقال  لي: (يا حفص حدثت المعلى بأشياء فأذاعها فابتلي بالحديد إني قلت له إن لنا حديثاً من حفظه علينا حفظه الله وحفظ عليه دينه ودنياه، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه، يا معلى إنه من كتم الصعب من حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه ورزقه العز في الناس، ومن أذاع الصعب من حديثنا لم يمت حتى يعضه السلاح أو يموت متحيراً).
    وعن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر  يقول: (سر أسره الله إلى جبرئيل، وأسره جبرئيل إلى محمد، وأسره محمد إلى علي، وأسره علي إلى من شاء الله واحداً بعد واحد، وأنتم تتكلمون به في الطرق).
    وقال أبو عبد الله : (من أذاع علينا حديثنا هو بمنزلة من جحدنا حقنا).
    وقال أبو عبد الله : (إني لأحدث الرجل الحديث فينطلق فيحدث به عني كما سمعه فأستحل به لعنه و البراءة منه) ( ).
    فلم لا تكفي بعض الروايات - إن كان قد اطلع عليها السيد الخوئي - لإثبات أن اسم الله مشتق، وبالتالي رد الظنون والتخرصات العقلية غير المعصومـة عند السيد الخوئي، وهل يعتقد (رحمه الله) أو من يتبنى رأيه أن هؤلاء الأولياء الذين هم خاصة شيعة آل محمد وأصحابهم قد خالفوا الأئمة ونقلوا كل ما سمعوا منهم حتى ما نهاهم الأئمة عن نقله ؟ وهم الذين أخلصوا غاية الإخلاص في طاعـة الأئمـة والتزموا الحدود التي بينها لهم أئمتهم .
    ثم إنّ هذه القاعدة التي تبناها السيد الخوئي (رحمه الله) وطرحها كأنها من اليقينيات المسلمة بقوله: (بأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك) هي قاعدة عقلية وظنية في أحسن أحوالها وهي عند السيد الخوئي كذلك، وإلا فإن بعض الفقهاء (السنة والشيعة) ينفيها جملة وتفصيلاً. وعلى القول بأنها ظنية فإن الكلام هنا في العقائد، والظن لا يغني عن الحق شيئاً في العقائد، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ( )، فلابد من اليقين في العقائد.
    وكأن السيد الخوئي (رحمه الله) نسي قوله في كتابه هذا نفسه (البيان) عندما رد خبر الآحاد صحيح السند بقوله: (إن أخبار الآحاد لا تفيد علماً ولا عملاً) البيان ( )، فبربكم أيهما أولى أن يعتمد عليه ظن يستند إلى قول معصوم، أم ظن يستند إلى عقول بعض بني آدم الناقصة ؟
    فإذا كان السيد الخوئي (رحمه الله) لا يعتمد على ما يعتبره ظناً مستنداً إلى قول معصوم في العقائد، فالأولى به أن لا يعتمد على ظن مستند إلى دليل عقلي ظنـي، فرد هكذا ظن أولى وأحجى، وإن لم يعتبر السيد الخوئي نتيجة هذا البحث عبارة عن إرساء قانون ستبنى عليها اعتقادات تتعلق بالتوحيد، ومن ثم قال بقبول الظن هنا فكان عليه الالتفات إلى أن ما تصوره ظناً مستنداً إلى قول الباقر  المتقدم أولى أن يأخذ به من ظن يستند إلى قاعدة واستنتاج عقول ناقصة غير معصومة.
    • قول السيد الخوئي: (الثاني: إن لفظ الجلالة لما له من معنى لا يستعمل وصفاً، فلا يقال العالم اله، الخالق الله. على أن يراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة كونه الله وهذه آية كون لفظ الجلالة جامداً. وإذا كان جامداً كان علماً لا محالة، فان الذاهب إلى إنه اسم جنس فسّره بالمعنى الاشتقاقي) ( ).
    أقول: الوصف هو توضيح وبيان وتعريف ، والسيد الخوئي (رحمه الله) استخدم المغالطة في هذا المقام، فصحيح أنّ الله لا يقع وصفاً لاسم الخالق أو العالم ولكنه يقع وصفاً لـ (هو) قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾؛ وذلك لأنّ العالم والخالق هي توضيح وبيان وتعريف للذات الإلهيـة أو (الله)، ولكن الذات الإلهية أو (الله) توضيح وبيان وتعريف لـ (هو) أو الإسم الأعظم أو الكنه والحقيقة ، حيث إن الكنه والحقيقة تجلت بالذات الإلهية أو الله لمواجهة الخلق أي ليعرف سبحانه وتعالى ، ولذلك قال تعالى :
    - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾( ).
    - ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾( ).
    - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾( ).
    - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾( ).
    - ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾( ).
    أي من أراد أن يعرف الحقيقة والكنه فليتوجه إلى تجليها وهي الذات المقدسة أي الله، وقد تبين أن إسم الله وقع وصفاً في كل الآيات المتقدمة، والأصح أن يقال في كل أسماء الله أنها بمقام الوصف وليست وصفاً كسواها.
    • قول السيد الخوئي: (الثالث: إن لفظ الجلالة لو لم يكن علماً لما كانت كلمة (لا إله إلا الله) كلمة توحيد، فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حين إذ كما لايدل عليه قول لا اله إلا الرزاق، أو الخالق، أو غيرهما من الألفاظ التي تطلق على الله سبحانه، ولذلك لا يقبل إسلام من قال بإحدى هذه الكلمات) ( ).
    أقول: إنه لو كان إسم الله علماً جامداً لم تكن كلمة (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد، فالسيد الخوئي (رحمه الله) قلب الأمور رأساً على عقب وذلك لأن كل معاني كلمة إله - وهي المستثنى منه - تحتمل غيره سبحانه وتعالى وتشمل غيره، وإليك هذه المعاني:
    1- الخفاء (حقيقة محمد خفية عن الخلق لا يعرفه تمام المعرفة إلا الله).
    2- التحير (وحقيقة محمد تحيرت فيها العقول).
    3- الغيبة عن الأبصار (والأرواح غائبة عن الأبصار).
    4- التعبد (وهو الخضوع إلى الغير والائتمار بأمره ، والملائكة أيضاً مأمورون بالخضوع للأنبياء والمرسلين والائتمار بأمرهم ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾( ) ).
    5- الإقامة في المكان (والحقيقة المحمدية متجلية في كل مكان لأن الخلق خلقوا من نوره ).
    6- الارتفاع (ومحمد أيضاً مرتفع نسبة إلى الخلق).
    7- الوله أو الأله (وبمحمد أيضاً ولهت قلوب الأولياء).
    8- الرجوع والفزع في الحوائج (وإلى محمد أيضاً يفزع في الحوائج ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾( ) ).
    9- السكون (وإلى محمد تسكن النفوس ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾( ) ).
    فالحق، إن معنى كلمة التوحيد أنه لا إله إلا الإله الكامل المستغرق لكل الكمالات الإلهية، الذي لا يعتريه نقص أو الإله الذي هو نور لا ظلمة فيه، وهو الله سبحانه وتعالى فالألف واللام لاستغراق الكمالات الإلهية، أي أنّ كلمة التوحيد نظير من يقول لا إنسان إلا الإنسان أي الإنسان الكامل، أي أنّ التعريف بالألف واللام يراد منها استغراق كل الكمالات الإنسانية.
    وعلى هذا فإن كلمة التوحيد لا إله إلا الله تبين بوضوح أنّ الألوهية المطلقة محصورة به سبحانه وتعالى.
    وأيضاً: تبين ضمناً أن الاتصاف بصفة الألوهية المقيدة بالافتقار إليه سبحانه وتعالى تشمل خاصة من خلقه يفزع إليهم في الحوائج أي يؤله إليهم، فهم يقضون الحوائج بإذن الله ويخلقون بإذن الله ويشفعون بإذن الله سبحانه وتعالى ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾( ).
    ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾( ).
    وقال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ( )، أي إنه يوجد خالقون غيره سبحانه وتعالى يخلقون بحوله وقوته وهو أحسنهم ؛ لأنه غني وهم فقراء إليه سبحانه.
    وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ( )، والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
    فعلى ما تقدم تبين أنه على القول بأن اسم الله علم جامد تكون كلمة (لا إله إلا الله) ليست كلمة التوحيد؛ لأنه يقال لك هذا يفزع إليه في الحوائج فهو إله يؤله إليه فكلامك غير مستقيم؛ لأن من يؤله إليهم في الحوائج كثير إلا أن تقدر كلمة كامل مطلق أو غني مطلق فتقول لا إله كامل مطلق إلا الله، وفي هذه الحالة نرد كلمة السيد الخوئي (رحمه الله) عليه فنقول: (إن لفظ الجلالة لو كان علماً جامداً لما كانت كلمة لا إله إلا الله كلمة التوحيد فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حينئذ).
    قال الإمام الرضا : (حدثنا أبي العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي أبو جعفر بن علي باقر علوم الأنبياء، قال: حدثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين، حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب ، قال: سمعت النبي يقول: سمعت جبرائيل يقول: قال الله جل جلاله: إنى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل في حصني، ومن دخل في حصني أمن من عذابي) ( ).
    وقال : (سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: سمعت النبي يقول: سمعت الله عز وجل يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي، قال: فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها) ( ).
    يعني قالها بالعمل أي أن يكون ممن شملهم الحديث القدسي: (من تقرب إلي بالفرائض كان يدي وعيني ...)، وممن شملهم الحديث القدسي: (عبدي أطعني تكن مثلي تقل للشيء كن فيكون). ويكون ممن يخاطبهم الجليل كما في الحديث القدسي: (أنا حي لا أموت وقد جعلتك حياً لا تموت أنا أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون).
    فالمطلوب من العبد أن يكون صورة لولي الله وخليفته في أرضه فنقص مرتبة أو مقام أكيد إنه عذاب من الله وإن كان العبد من أهل الجنة؛ لأنه نسبة إلى من فوقه معذب وفاقد لكمال كان ممكناً أن يتحصله، فالأمن من العذاب يتحقق بأن يكون العبد مثل الله ويد الله وعين الله ويقول للشيء كن فيكون وحي لا يموت، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾( ).
    وقال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾( ).
    وهذه تتحقق بأن يقول العبد بالفعل والعمل لا إله إلا الله، وقولها يكون بمتابعة ولي الله وخليفته في أرضه في كل حركة وسكنة وكما قال الإمام الرضا : (بشرطها وشروطها وأنا من شروطها).
    فتبين أن قول لا إله إلا الله يكون بتحصيل أسماء الله الحسنى أي أن يتحلى بها العبد أي أن يكون هو أسماء الله الحسنى، أي أن يكون العبد الله في الخلق، فيكون مصداقاً لمن أحصى أسماء الله الحسنى ودخل الجنة، جنة الحق وجنة أسماء الله وجنة إسم الله، فتبين إن خير ما قال رسول الله والنبيون من قبله لا إله إلا الله، وتبين إن إسم الله ليس علماً جامداً كما توهم السيد الخوئي (رحمه الله) ومن تابعه في قوله، بل وتبين أن لا إله إلا الرازق، ولا إله إلا الخالق كلمات توحيد؛ لأنه سبحانه الخالق والرازق المطلق الذي لا يحتاج إلى غيره، ولكن لا إله إلا الله أكملها وخيرها ؛ لأنها توحيد من كل الجهات كما قال : (خير ما قلت والنبيون من قبلي لا إله إلا الله).
    • قول السيد الخوئي (رحمه الله) (الرابع: إن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات المقدسـة ،كما تقتضي الوضع بازاء سائر المفاهيم. وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجلالة ، فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها.
    إن قلت: إن وضع لمعنى يتوقف على تصور كل منهما، وذات الله سبحانه يستحيل تصورها، لإستحالة إحاطة الممكن بالواجب، فيمتنع وضع لفظ لها.
    ولو قلنا بأنّ الواضع هو الله - ولا يستحيل عليه أن يضع اسماً لذاته لأنه محيط بها - لما كانت لهذا الوضع فائدة؛ لإستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه، فإن الإستعمال أيضاً يتوقف على تصور المعنى كالوضع على إن هذا القول باطل في نفسه.
    قلت: وضع اللفظ بازاء المعنى يتوقف على تصوره في الجملة، ولو بالإشارة إليه. وهذا أمر ممكن في الواجب وغيره. والمستحيل هو تصور الواجب بكنهه وحقيقته. وهذا لايعتبر في الوضع ولا في الاستعمال. ولو اعتبر ذلك امتنع الوضع والاستعمال في الموجودات الممكنة التي لا يمكن الإحاطة بكنهها: كالروح والملك والجن . ومما لايرتاب فيه أحد انه يصح استعمال اسم الإشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة، فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها. وبما ان الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال، ولم يلحظ فيها - في مرحلة الوضع - جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال: لفظ الجلالة موضوع للذات المستجمعة صفات الكمال …) ( )، انتهى كلام السيد الخوئي.
    أقول: وفيه:
    1- إن السيد الخوئي (رحمه الله) استخدم قياس التمثيل وهو باطل، بل ومن أساليب المغالطة فلا يمكن أن يقاس سبحانه وتعالى بخلقه.
    2- إن مفهوم الألوهية موضوع له لفظ إله، والذات المقدسة واقعة ضمن هذا المفهوم فهي مصداق له في الخارج، ولو لم تكن الذات المقدسة مصداقاً لمفهوم الألوهـية لما وقع الشرك أصلاً، فالإنسان لما حصل على مفهوم الألوهية أخذ في البحث عن مصداق له في الخارج فوقع الخطأ في المصداق وانحرف أناس في اعتقادهم فألَّهوا الحجر والشجر واتخذوا الأصنام آلهة تعبد من دون الله سبحانه، ولا أحد يقول إنه يجب أن يوضع لفظ إزاء كل مصداق، فالسيد الخوئي رحمه الله الظاهر أنه خلط بين المفهوم والمصداق.
    ولم أعرّض لباقي كلام السيد الخوئي؛ لأنه انتقض من أصله وقد بناه السيد (رحمه الله) على وهم تبين بطلانه.
    والحق، إنّ إسم الله ليس علماً جامداً كما توهم السيد الخوئي (رحمه الله)، وقـد روي عنهم ما يبين أنه مشتق كما تقدم، كما وإن القرآن استخدم للذات إسم الله كما استخدم إله، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾( )، وهذه الآية نظير لا إله إلا الله أي إن القرآن استخدم إله واحد في كلمة التوحيد.
    كما استخدم القرآن اسم الله بمعنى إله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَـاوَاتِ وَفِي الْأَرْض﴾( )، وفي الآية القرآنية اسم الله بمعنى إله، ولا داعي للعناء الذي تجشمه السيد الخوئي (رحمه الله) في تفسير هذه الآية، فقد تخبط العشواء وخاض في مقام أجنبي عن موضوع البحث، فأكيد أنّ الله سبحانه وتعالى محيط بالمكان والزمان ويعلم سركم وجهركم، ولكن الآية القرآنية استخدمت (الله) بمعنى إله، وهذا يفهمه كل عربي دون عناء، وكفة هذا المعنى راجحة لدى كل صاحب فهم مستقيم، وأكتفي بهذا القدر فقد تبين أن اسم الله ليس علماً جامداً.
    الآن نعود إلى إجابة السؤال: (الله: هذا الاسم الذي يعرفه الناس إسماً للذات الإلهية - بل هو بالفعل يطلق عليها فقط إذا كان يراد به الألوهية المطلقة - هل يمكن أن يطلق - إذا لم يُرَد به الألوهية المطلقة - على غير الذات الإلهية المقدسة ؟ ).
    ويكون الجواب بحسب ما تقدم: نعم يمكن أن يطلق ولكن ما يمنع إطلاقه هو الاستعمال تماماً كما يمنع إطلاق الرحمن على غيره سبحانه وتعالى الاستعمال، ولكن هذا المنع يمكن أن يرتفع بوضع قيد أو وصف إضافي يميزه عند الإطلاق على غير الذات الإلهية كالقول: (الله في الخلق)، أي بمعنى صورة الله ( ) كما ورد في الحديث، وبمعنى روح الله ( ) كما ورد في القـرآن ، أوكالقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾( )، أوكالقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾( ).

    * * *












    ملحق 2
    أقوالهم في كون اسم الله علماً أم مشتقاً
    لقد اختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علماً ؟
    فذهب إلى الأول كثير منهم، واختلفوا في اشتقاقه وأصله:
    فقال بعضهم: إن اصله "إلاه" مثل فعال؛ فأدخلت الألف واللام بدلا عن الهمزة، مثل: الناس أصله أناس.
    وقال بعضهم: أصل الكلمة "لاه" وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وتمثلوا بالقول:
    لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
    وقال بعضهم: معنى (بسم الله) بسم الإله، فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاماً مشددة، كما قال عز وجل: ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾( ) ومعناه: لكن أنا.
    وقالوا: هو مشتق من (وله) إذا تحير، والوله: ذهاب العقل. يقال: رجل واله وامرأة والهة وواله، وماء موله: أرسل في الصحارى. فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل "إلاه" و"لاه" وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة.
    وقال بعضهم: إنما سمي "الله" إلهاً؛ لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم.
    وقال بعضهم: لأن الخلق يألهون إليه (بنصب اللام)، ويألهون أيضاً (بكسرها) وهما لغتان.
    وقالوا: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاهاً، فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس لاهت.
    وقـالوا: هو مشتـق من أله الرجل إذا تعبد، وتألـه إذا تنسك، ومن ذلك قولـه تعالى: ﴿ويذرك وإلاهتك﴾( )، على هذه القراءة فإن ابن عباس وغيره قالوا: وعبادتك، قالوا: فاسم الله مشتق من هذا، فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة، ومنه قول الموحدين: لا إله إلا الله، معناه لا معبود غير الله. و"إلا" في الكلمة بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء.
    وقال بعضهم إن الأصل فيه "الهاء" التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في فطرة عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية عن الغائب، ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار "له" ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً.
    القول الثاني: قالوا هو اسم علم جامد غير مشتق، أي ليس يجب فيه كل لفظ الاشتقاق وإلا تسلسل وقال به بعضهم وقالوا إن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه. وقالوا الدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف دخول حرف النداء عليه كقولك: يا الله وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف، ألا ترى أنك لا تقول: يا الرحمن ولا يا الرحيم، كما تقول: يا الله، فدل على أنهما من بنية الاسم. هذه بعض أقوالهم وتبين بوضوح وجلاء أنهم مختلفون اختلافاً كبيراً جداً، وللمزيد يمكن مراجعة أقوال بعضهم من أمثال: سيبويه، والخليل، والكسائي، والفراء ، والغزالي، والقرطبي .... وغيرهم.

    * * *






    ملحق 3
    بعض الأمثلة مما في كتب الوهابية من كلمات كلها تجسيم وحد لله تعالى الله علواً كبيراً، وللإختصار أقتصر على نقل القليل من كتاب (لمعة الاعتقاد) لابن قدامة المقدسي وتعليق ابن جبرين وبعض فتاوى ابن جبرين الملحقة بهذا الكتاب، وأيضاً بعض فتاوى ابن عثيمين في هذا البـاب:
    قال ابن قدامة في كتاب (لمعة الاعتقاد):
    (فَصْلٌ رُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِأَبْصَارِهِمْ وَيَزُورُونَهُ، وَيُكَلِّمُهُمْ، وَيُكَلِّمُونَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾( )، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾( )، فَلَمَّا حَجَبَ أُولَئِكَ فِي حَالِ السُّخْطِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ فِي حَالِ الرِّضَى، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ)، حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا تَشْبِيهٌ لِلرُّؤْيَةِ، لَا لِلْمَرْئِيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا شَبِيهَ لَهُ ، وَلَا نَظِيرَ) ( ).
    وعلق ابن جبرين عليه فقال:
    (وأما الرؤية في الآخرة فأثبتها أهل السنة رؤيـة صريحة، أن المؤمنـين في الجنـة يرون الله "تعالى" ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه ............. عرفنا بذلك مذهب أهل السنة، وهل نقول: إنهم يرونه في جهة ؟ لا شك أنهم يرونه من فوقهم، وأنهم يرونه رؤية حقيقية ورؤية مقابلة كما يشاءون، وأن الأدلة واضحة، ومن أصحها حديث جرير لقوله: (كما ترون القمر ليلة البدر) أو: (كما ترون هذا القمر).
    والتشبيه هنا للرؤية، شبه الرؤية بالرؤية، وليس المراد تشبيه الرب - تعالى - بالقمر، وإنما تشبيه رؤيتكم بأنها رؤية حقيقية كرؤيتكم لهذا القمر).
    وقال ابن جبرين:
    (في تعليقه على قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
    أثبت الله أن الأبصار لا تحيط به - يعني: متى رأته الأبصار لم تحط به إذا حصلت الرؤية يوم القيامة ، فإن الأبصار لا تحيط به - أي: لا تدرك ماهيته، ولا تدرك كنهه، ولا تدرك كيفيـة ذاته، وذلك لعظمته التي لا يحيط علماً أحد من الخلق بها، ولا يحيطون به علماً، إذن فصارت الآية دليلاً على إثبات الرؤية لا على نفيها، ولكنهم قوم يجهلون).
    وأنكر ابن جبرين على الأشاعرة الذين هم معظم السنة في العالم الإسلامي قولهم بأن الرؤية هنا قلبية فقال :
    (أما الأشاعرة يتظاهرون بأنهم من أهل السنة، وبأنهم من أتباع الأئمة الأربعة: منهم شافعية، ومنهم مالكية، ومنهم حنفية، ومنهم حنابلة كثيرون، ولا يقدرون على أن يصرحوا بالإنكار، أكثرهم الشافعية قد اشتهر عن إمامهم أنه أثبت الرؤية فلا يقدرون على الإنكار.
    يثبتون الرؤية ولكن ما المراد بالرؤية عندهم ؟ ليس الرؤية التي هي رؤية الأبصار، إنما يفسرونها بالتجليات التي تتجلى للقلوب، ومن المكاشفات التي تنكشف لهم ، ويظهر لهم منها يقين وعلم بما كانوا جاهلين به، تمحلوا وهذا بلا شك قول باطل، وإنكار للحقائق، فتجدهم يثبتون الرؤية ويقررونها في كتب تفاسيرهم حتى أكابر الأشاعرة: كالرازي، وأبي السعود، والبيضاوي، ونحوهم. ولكن عندما تكلموا عن هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، قالوا: (يُرى نفي الجهة) كيف يرى بلا جهة، يرى بلا مقابلة! ما هي الرؤية بلا مقابلة؟ الرؤية تجليات، الرؤية مكاشفات، فأثبتوا الاسم ولكن لم يثبتوا الحقيقة).
    قال ابن قدامة:
    (إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى، وقوله تعالى إخباراً عن عيسى ، أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ ).
    وعلق عليه ابن جبرين، فقال:
    (فإثبات صفة المجيء ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وكذلك: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ ومثلها قوله - تعالى- في سورة الأنعام: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ...... ونحن نقول: لا يلزم من إتيان أمر الله في آيات امتناع إتيان الله - تعالى- في آية أخرى، وإذا أثبتنا لله الإتيان قلنا: يجيء كما يشاء).

    وهذه بعض الأسئلة وإجابة ابن جبرين عليها وهي ملحقة بتعليقه على نفس الكتاب:
    (س: وهذا يقول: يوجد حديث ورد فيه ما نصه لمسلم عن ابن عمر مرفوعاً : (يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأراضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟
    ج: التساؤل في إثبات لفظ الشمال لله كيف يمكن الجمع بينه وبين الراوية وبين حديث: (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)، يعني أن في هذا الحديث: (كلتا يديه يمين)، وفي الحديث الثاني: (يطويهن بشماله).
    يظهر لي الجمع بينهما أن المراد بالشمال ما تقابل اليمين، فإن ما يقابل اليمين اسمه شمال، ويظهر من قوله: (وكلتا يديه يمين) أن المراد أنها يمين في البركة، وفي الخير، فإن اليُمن أصله كثرة الخير أصله البركة والخير، فعلى هذا لا مخالفة بينهما (كلتا يديه يمين) مباركة في كثرة الخير ، ولله شمال تقابل اليمين، وليس في ذلك نقص).
    (س: هذا السائل يقول: هل يصح أن يقال إن العينين في الوجه لله - تعالى - وأن الأصابع في اليد، وهكذا أم هذا من التشبيه ؟
    ج: لم يرد في ذلك ما يعتمد عليه، ولكن بالنسبة للأصابع ورد الحديث الذي فيه أن ذلك اليهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشار بيده، أشار بأصابعه، وقال: (إنا وجدنا في كتبنا أن الله يضع السماوات على ذه والأراضين على ذه والجبال على ذه والمياه والبحار على ذه والمخلوقات على ذه وكل ذلك يشير إلى أصابعه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بعد ذلك الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وضحك تصديقاً لقول الحبر) فإذا أقره على ذلك أفاد بأن الأصابع في اليد، ولكن مع ذلك لا يلزم أن تكون مثل أصابع المخلوقين في أناملها وفي طولها وفي كذا وكذا، بل إنما فيه إثبات اليد وفيه إثبات الأصابع فيها).
    (س: يقول: كيف نوفق بين ما نقل عن ابن تيمية في الفتاوى في آية البقرة ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وأنها لا تدل على صفة الوجه وما ذكر هو في بيان تلبيس الجهمية من أنها تدل على صفة الوجه، وما ذكره ابن القيم كذلك من أنها تدل على الوجه في "مختصر الصواعق" فهل يصح أن يقال: إن الوجه جزء من ذات الله ؟
    ج: سؤاله الأول: يعني المشهور أن آية البقرة: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قد أخذها بعض أهل الوحدة والاتحاد دليل على أن الله في كل مكان؛ لأنهم قالوا إذا توجه الإنسان فوجه الله هنا، ووجه الله هنا، ووجه الله هنا ، فقال ابن تيمية: في مواضع من "المجموع" إن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وإنما المراد وجه الله يعني: الجهة التي يوجه العبد إليها أو يأمل في توجهه إليها، هكذا الذي نفهم، أما في تلبيس الجهمية ما أذكر أنه قال ذلك، وإن كان قال ذلك فيمكن إنه قال: إنها دالة على إثبات صفة الوجه باللزوم، ولكن يكون معناها أنها دالة على صفة الوجه وعلى صفة الجهات الأخرى، والوجه لا شك انه جزء من الذات في حق الإنسان، وكذلك في حق الله - تعالى- أنه من ذاته، وجه الله من ذاته).
    (س: هذا يقول: ما تفسير السلف الصالح رضوان الله عليهم لقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإن بعض الطوائف من أهل هذه البلاد تقول: إن كل صفاته هالكة إلا الوجه، ومن ثم يستدلون أن صفاته مخلوقة فهي تبلى كما تبلى كل المخلوقات.
    ج: لا يلزم ذلك ولا يجوز، بل وجه الله - تعالى- صفة من صفاته وجزء من ذاته وكل صفاته لا يأتي عليها التغير، فلا يقال إنها تفنى، - تعالى- الله عن ذلك، فإذا كان وجهه باقيـاً ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ فكذلك بقية صفاته التي هي من ذاته، ونقف عند هذا، والله أعلم وصلى الله على محمد).

    وهذه بعض الأسئلة وإجابة ابن عثيمين عليها:
    السؤال: بارك الله فيكم فضيلة الشيخ من الجزائر أبو بسام يقول فضيلة الشيخ ما قول أهل السنة والجماعة في رؤية المسلم لربه عز وجل يوم القيامة.
    الجواب: الشيخ: قول أهل السنة والجماعة في رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ما قاله الله عن نفسه وقاله عنه رسوله صلى الله عليه واله وسلم، فالله تعالى قال في كتابه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذ﴾، يعني يوم القيامة ﴿نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ناضرة الأولى: بمعنى حسنة، الثانية: من النظر بالعين؛ لأنه أضاف النظر إلى الوجوه، فالوجوه محل العينين التي يكون بهما النظر وهذا يدل على أن المراد نظر العين ولو كان المراد نظر القلب وقوة اليقين لقال: (قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) ولكنه قال: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) ( ).
    (السؤال: السائل م ن، من المدينة النبوية يقول: أسأل عن هذا الدعاء هل هو وارد: (اللهم يا من لا تراه العيون ولا يصفه الواصفون) ؟
    الجواب: الشيخ: لا هذا غلط هذا غلط عظيم؛ لأنه إذا قال: اللهم يا من لا تراه العيون وأطلق صار في هذا إنكار لرؤية الله تعالى في الآخرة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر ..........) ( ).
    السؤال: .......... السائل يسأل: أين الله ؟ فأجيب بأنه في السماء، واستشهد المجيب على ذلك بآيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ولكن يبدو أن هذا الأخ قد استشكل هذه الإجابة ولم تطابق مفهومه الذي كان يعتقده فأرسل يستفسر حول ذلك أليس توضحون له الحقيقة حول هذا الموضوع ؟
    الجواب: (الشيخ: الحقيقة حول هذا الموضوع أنه يجب على المؤمن أن يعتقد أن الله تعالى في السماء كما ذكر الله ذلك عن نفسه في كتابه حيث قال سبحانه وتعالى: (أمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير .........) ( ).
    * * *












    ملحق 4
    قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾( ).
    وفي التوراة - سفر العدد - الأصحاح الثاني عشر: (........ 5 فنزل الرب في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما. 6 فقال اسمعا كلامي. إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا أستعلن له في الحلم أكلمه. 7 وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي. 8 فما إلى فم وعيانا أتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين ...) ( ).
    وفي التوراة - سفر الخروج - الأصحاح السادس عشر: (... وإذا مجد الرب قد ظهر في السحاب .11 فكلم الرب موسى قائلاً .12......) ( ).
    وفي التوراة - سفر الخروج - الأصحاح التاسع عشر: (.........9 فقال الرب لموسى ها أنا آت إليك في ظلام السحاب لكي يسمع الشعب حينما أتكلم معك فيؤمنوا بك أيضا إلى الأبد . ................) ( ).
    وفي التوراة - سفر الخروج - الأصحاح الرابع والعشرون: (............. 13 فقام موسى ويشوع خادمه. وصعد موسى إلى جبل الله. 14 وأما الشيوخ فقال لهم اجلسوا لنا ههنا حتى نرجع إليكم. وهو ذا هرون وحور معكم. فمن كان صاحب دعوى فليتقدم إليهما. 15 فصعد موسى إلى الجبل. فغطى السحاب الجبل. 16 وحل مجد الرب على جبل سيناء وغطاه السحاب ستة أيام. وفي اليوم السابع دعي موسى من وسط السحاب. 17 وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل. 18 ودخل موسى في وسط السحاب وصعد إلى الجبل . وكان موسى في الجبل أربعين نهارا وأربعين ليلة) ( ).
    وفي التوراة - سفر الخروج - الأصحاح الثالث والثلاثون: (........ 8 وكان جميع الشعب إذا خرج موسى إلى الخيمة يقومون ويقفون كل واحد في باب خيمته وينظرون وراء موسى حتى يدخل الخيمة. 9 وكان عمود السحاب إذا دخل موسى الخيمة ينزل ويقف عند باب الخيمة. ويتكلم الرب مع موسى. 10 فيرى جميع الشعب عمود السحاب واقفاً عند باب الخيمة. ويقوم كل الشعب ويسجدون كل واحد في باب خيمته. 11 ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه. وإذا رجع موسى إلى المحلة كان خادمه يشوع بن نون الغلام لا يبرح من داخل الخيمة) ( ).
    وفي التوراة - سفر الخروج - الأصحاح الرابع والثلاثون: (....... وبكر موسى في الصباح وصعد إلى جبل سيناء كما أمره الرب. وأخذ في يده لوحي الحجر 5 فنزل الرب في السحاب. فوقف عنده هناك ونادى باسم الرب. 6 فاجتاز الرب قدامه ونادى الرب الرب إله رحيم ورؤوف بطي الغضب وكثير الاحسان والوفاء. 7 حافظ الاحسان إلى ألوف . غافر الإثم والمعصية والخطية. ولكنه لن يبرئ إبراء. مفتقد إثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء في الجبل الثالث والرابع. 8 فأسرع موسى وخر إلى الأرض وسجد. 9 وقال إن وجدت نعمة في عينيك أيها السيد فليسر السيد في وسطنا . فإنه شعب صلب الرقبة. واغفر إثمنا وخطيتنا واتخذنا ملكا .......) ( ).
    وفي التوراة - سفر المزامير - المزمور السابع والتسعون: (1 الرب قد ملك فلتبتهج الأرض ولتفرح الجزائر الكثيرة. 2 السحاب والضباب حوله. العدل والحق قاعدة كرسيه. 3 قدامه تذهب نار وتحرق أعداءه حوله. 4 أضاءت بروقه المسكونة. رأت الأرض وارتعدت. 5 ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب قدام سيد الأرض كلها. 6 أخبرت السموات بعدله ورأى جميع الشعوب مجده 7 يخزى كل عابدي تمثال منحوت المفتخرين بالأصنام. اسجدوا له يا جميع الآلهة. 8 سمعت صهيون ففرحت وابتهجت بنات يهوذا من أجل أحكامك يا رب. 9 لأنت أنت يا رب علي على كل الأرض. علوت جداً على كل الآلهة 10 يا محبي الرب أبغضوا الشر. هو حافظ نفوس أتقيائه. من يد الأشرار ينقذهم. 11 نور قد زرع للصديق وفرح للمستقيمي القلب. 12 افرحوا أيها الصديقون بالرب واحمدوا ذكر قدسه) ( ).
    وفي التوراة - سفر المزامير - المزمور التاسع والتسعون: (1 الرب قد ملك. ترتعد الشعـوب. هو جالس على الكروبيم. تتزلزل الأرض. 2 الرب عظيم في صهيون وعال هو على كل الشعوب. 3 يحمدون اسمك العظيم والمهوب. قدوس هو. 4 وعز الملك أن يحب الحق. أنت ثبت الاستقامة أنت أجريت حقاً وعدلاً في يعقوب 5 علوا الرب إلهنا واسجدوا عند موطئ قدميه . قدوس هو. 6 موسى وهرون بين كهنته وصموئيل بين الذين يدعون باسمه. دعوا الرب وهو استجاب لهم. 7 بعمود السحاب كلمهم . حفظوا شهاداته والفريضة التي أعطاهم. 8 أيها الرب إلهنا أنت استجبت لهم. إلها غفوراً كنت لهم ومنتقماً على أفعالهم. 9 علوا الرب إلهنا. واسجدوا في جبل قدسه لأن الرب إلهنا قدوس) ( ).
    وفي التوراة - سفر المزامير - المزمور المئة والرابع: (1 باركي يا نفسي الرب. يا رب إلهي قد عظمت جداً مجداً وجلالاً لبست. 2 اللابس النور كثوب الباسط السموات كشقة 3 المسقف علاليه بالمياه الجاعل السحاب مركبته الماشي على أجنحة الريح 4 الصانع ملائكته رياحا وخدامه نارا ملتهبة 5 المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد. 6 كسوتها الغمر كثوب. فوق الجبال تقف المياه . 7 من انتهارك تهرب من صوت رعدك تفر. 8 تصعد إلى الجبال. تنزل إلى البقاع) ( ).
    وفي إنجيل متى - الأصحاح الرابع والعشرون: (....... 29 وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السموات تتزعزع. 30 وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. 31 فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السموات إلى أقصائها ........... 36 وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلا أبي وحده. 37 وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضا مجئ ابن الإنسان. 38 لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك 39 ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع. كذلك يكون أيضا مجئ ابن الإنسان. 40 حينئذ يكون اثنان في الحقل. يؤخذ الواحد ويترك الآخر. 41 اثنتان تطحنان على الرحى. تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى 42 اسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم. 43 واعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أي هزيع يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب. 44 لذلك كونوا أنتم أيضا مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان. 45 فمن هو العبد الأمين الحكيم الذي أقامه سيده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه. 46 طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا. 47 الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله. 48 ولكن إن قال ذلك العبد الردي في قلبه سيدي يبطئ قدومه . 49 فيبتدئ يضرب العبيد رفقاءه ويأكل ويشرب مع السكارى. 50 يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها. 51 فيقطعه ويجعل نصيبه مع المرائين. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان) ( ).
    وفي إنجيل متى - الأصحاح السادس والعشرون: (....... ......... فأجاب رئيس الكهنة وقال له أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. 64 قال له يسوع أنت قلت. وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء. 65 فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلا قد جدف. ما حاجتنا بعد إلى شهود. ها قد سمعتم تجديفه. 66 ماذا ترون. فأجابوا وقالوا إنه مستوجب الموت. 67 حينئذ بصقوا في وجهه ولكمـوه. وآخرون لطموه 68 قائلين تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك 69 أما بطرس فكان جالساً خارجا في الدار . فجاءت إليه جارية قائلة وأنت كنت مع يسوع الجليلي. 70 فأنكر قدام الجميع قائلاً لست أدري ما تقولين. 71 ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك وهذا كان مع يسوع الناصري. 72 فأنكر أيضاً بقسم إني لست أعرف الرجل. 73 وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقا أنت أيضا منهم فإن لغتك تظهرك. 74 فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إني لا أعرف الرجل. وللوقت صاح الديك. 75 فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. فخرج إلى خارج وبكى بكاء مراً) ( ).
    وفي إنجيل مرقس - الأصحاح الثالث عشر: (............. 24 وأما في تلك الأيام بعد ذلك الضيق فالشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه. 25 ونجوم السماء تتساقط والقوات التي في السموات تتزعزع. 26 وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيا في سحاب بقوة كثيرة ومجد 27 فيرسل حينئذ ملائكته ويجمع مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء الأرض إلى أقصاء السماء. ................ 32 وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) ( ).
    وفي إنجيل مرقس - الأصحاح الرابع عشر: (........ فسأله رئيس الكهنة أيضاً وقال له أأنت المسيح ابن المبارك. 62 فقال يسوع أنا هو . وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء. 63 فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود. 64 قد سمعتم التجاديف. ما رأيكم. فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت. 65 فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له تنبأ . وكان الخدام يلطمونه 66 وبينما كان بطرس في الدار أسفل جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة. 67 فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت وأنت كنت مع يسوع الناصري. 68 فأنكر قائلاً لست أدري ولا أفهم ما تقولين. وخرج خارجا إلى الدهليز. فصاح الديك. 69 فرأته الجارية أيضاً وابتدأت تقول للحاضرين إن هذا منهم. 70 فأنكر أيضاً. وبعد قليل أيضاً قال الحاضرون لبطرس حقاً أنت منهم لأنك جليلي أيضاً ولغتك تشبه لغتهم. 71 فابتدأ يلعن ويحلف أني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه. 72 وصاح الديك ثانية. فتذكر بطرس القول الذي قاله له يسوع إنك قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. فلما تفكر به بكى) ( ).
    وفي العهد الجديد - رؤيا يوحنا اللاهوتي - الأصحاح الأول: (......... 7 هو ذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين والذين طعنوه وينوح عليه جميع قبائل الأرض .........) ( ).

    * * *














    ملحق 5
    عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن أبي عبد الله ، قال: (قال: ما تروي هذه الناصبة ؟ فقلت: جعلت فداك فيماذا ؟ فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم، فقلت: إنهم يقولون: إن ابي بن كعب رآه في النوم، فقال: كذبوا فإن دين الله عز وجل أعز من أن يرى في النوم، قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكرا، فقال أبو عبد الله : إن الله عز وجل لما عرج بنبيه إلى سماواته السبع أما اوليهن فبارك عليه، والثانية علمه فرضه فأنزل الله محملاً من نور فيه أربعون نوعاً من أنواع النور، كانت محدقة بعرش الله تغشي أبصار الناظرين، أما واحد منها فأصفر فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة ، وواحد منها أحمر فمن أجل ذلك احمرت الحمرة، وواحد منها أبيض فمن أجل ذلك ابيض البياض، والباقي على ساير عدد الخلق من النور والالوان في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضة، ثم عرج به إلى السماء فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجداً وقالت: سبوح قدوس ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرئيل : الله أكبر الله أكبر، ثم فتحت أبواب السماء واجتمعت الملائكة فسلمت على النبي أفواجاً وقالت: يا محمد كيف أخوك إذا نزلت فاقرأه السلام، قال النبي : أفتعرفونه ؟ قالوا: وكيف لا نعرفه وقد أخذ ميثاقك وميثاقه منا وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وإنا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم وليلة خمساً - يعنون في كل وقت صلاة - وإنا لنصلي عليك وعليه.
    [قال:] ثم زادني ربي أربعين نوعاً من أنواع النور لا يشبه النور الأول وزادني حلقاً وسلاسل وعرج بي إلى السماء الثانية، فلما قربت من باب السماء الثانية نفرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجداً وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا ، فقال جبرئيل : أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فاجتمعت الملائكة وقالت: يا جبرئيل من هذا معك ؟ قال: هذا محمد ، قالوا: وقد بعث ؟ قال : نعم، قال النبي : فخرجوا إلي شبه المعانيق فسلموا علي وقالوا: اقرأ أخاك السلام، قلت: أ تعرفونه ؟ قالوا: وكيف لا نعرفه وقد أخذ ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا وإنا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم وليلة خمساً - يعنون في كل وقت صلاة - قال: ثم زادني ربي أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه الأنوار الأولى، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فنفرت الملائكة وخرت سجداً وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا ؟ فقال جبرئيل : أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. فاجتمعت الملائكة وقالت: مرحباً بالأول ومرحباً بالآخر ومرحباً بالحاشر ومرحباً بالناشر محمد خير النبيين وعلي خير الوصيين. قال النبي : ثم سلموا علي وسألوني عن أخي، قلت: هو في الأرض أ فتعرفونه ؟ قالوا: وكيف لا نعرفه وقد نحج البيت المعمور كل سنة وعليه رق أبيض فيه اسم محمد واسم علي والحسن والحسين [والأئمة] وشيعتهم إلى يوم القيامة، وإنا لنبارك عليهم كل يوم وليلة خمساً - يعنون في وقت كل صلاة - ويمسحون رؤوسهم بأيديهم.
    قال: ثم زادني ربي أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه تلك الأنوار الأولى، ثم عرج بي حتى انتهيت إلى السماء الرابعة فلم تقل الملائكة شيئاً وسمعت دوياً كأنه في الصدور، فاجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء وخرجت إلي شبه المعانيق فقـال جبرئيل : حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح. فقالت الملائكة: صوتان مقرونان معروفان، فقال جبرئيل : قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فقالت الملائكة: هي لشيعته إلى يوم القيامة، ثم اجتمعت الملائكة وقالت: كيف تركت أخاك ؟ فقلت لهم: وتعرفونه ؟ قالوا: نعرفه وشيعته وهم نور حول عرش الله وإن في البيت المعمور لرقا من نور [فيه كتاب من نور] فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والأئمة وشيعتهم إلى يوم القيامة، لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل وإنه لميثاقنا وإنه ليُقرأ علينا كل يوم جمعة، ثم قيل لي: ارفع رأسك يا محمد، فرفعت رأسي فإذا أطباق السماء قد خرقت والحجب قد رفعت، ثم قال لي: طأطئ رأسك، أنظر ما ترى ؟ فطأطأت رأسي فنظرت إلى بيت مثل بيتكم هذا وحرم مثل حرم هذا البيت لو ألقيت شيئاً من يدي لم يقع إلا عليه، فقيل لي: يا محمد إن هذا الحرم وأنت الحرام ولكل مثل مثال، ثم أوحى الله إلي: يا محمد ادنُ من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن، فتلقى رسول الله الماء بيده اليمنى فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين، ثم أوحى الله عز وجل إليه أن اغسل وجهك فإنك تنظر إلى عظمتي، ثم اغسل ذراعيك اليمنى واليسرى فإنك تلقى بيدك كلامي، ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يديك من الماء ورجليك إلى كعبيك فإني أبارك عليك وأوطيك موطئا لم يطأه أحد غيرك، فهذا علة الأذان والوضوء.
    ثم أوحى الله عز وجل إليه: يا محمد استقبل الحجر الأسود وكبرني على عدد حجبي فمن أجل ذلك صار التكبير سبعاً؛ لأن الحجب سبع فافتتح عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنة والحجب متطابقة بينهن بحار النور وذلك النور الذي أنزله الله على محمد ، فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات، فصار التكبير سبعاً والافتتاح ثلاثاً، فلما فرغ من التكبير والافتتاح أوحى الله إليه سمِّ باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة ، ثم أوحى الله إليه أن احمدني، فلما قال: الحمد لله رب العالمين، قال النبي في نفسه شكراً، فأوحى الله عز وجل إليه قطعت حمدي فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل في الحمد الرحمن الرحيم مرتين، فلما بلغ ولا الضالين قال النبي : الحمد لله رب العالمين شكراً ، فأوحى الله إليه قطعت ذكري فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة ثم أوحى الله عز وجل إليه : اقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
    ثم أمسك عنه الوحي فقال رسول الله : الواحد الأحد الصمد ، فأوحى الله إليه: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ثم أمسك عنه الوحي فقال رسول الله : كذلك الله كذلك [الله] ربنا، فلما قال ذلك أوحى الله إليه: اركع لربك يا محمد، فركع فأوحى الله إليه وهو راكع قل: سبحان ربي العظيم ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أوحى الله إليه: أن ارفع رأسك يا محمد، ففعل رسول الله فقام منتصباً فأوحى الله عز وجل إليه: أن اسجد لربك يا محمد، فخر رسول الله ساجداً، فأوحى الله عز وجل إليه قل: سبحان ربي الأعلى، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أوحى الله إليه: استو جالساً يا محمد، ففعل فلما رفع رأسه من سجوده واستوى جالساً نظر إلى عظمته تجلت له فخر ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر أُمر به فسبح أيضا ثلاثاً، فأوحى الله إليه: انتصب قائماً، ففعل فلم ير ما كان رأى من العظمة فمن أجل ذلك صارت الصلاة ركعة وسجدتين.
    ثم أوحى الله عز وجل إليه: اقرأ بالحمد لله، فقرأها مثل ما قرأ أولاً، ثم أوحى الله عز وجل: إليه اقرأ إنا أنزلناه فإنها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة، وفعل في الركوع مثل ما فعل في المرة الأولى ثم سجد سجدة واحدة، ثم أوحى الله إليه: ارفع رأسك يا محمد ثبتك ربك، فلما ذهب ليقوم قيل: يا محمد اجلس، فجلس فأوحى الله إليه يا محمد إذا ما أنعمت عليك فسمِّ باسمي فأُلهم أن قال: بسم الله وبالله ولا إله إلا الله والأسماء الحسنى كلها لله، ثم أوحى الله إليه: يا محمد صل على نفسك وعلى أهل بيتك، فقال: صلى الله علي وعلى أهل بيتي، وقد فعل، ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة والمرسلين والنبيين فقيل: يا محمد سلم عليهم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأوحى الله إليه: أن السلام والتحية والرحمة والبركات أنت وذريتك.
    ثم أوحى الله إليه أن لا يلتفت يساراً وأول آية سمعها بعد قل هو الله أحد وإنا أنزلناه آية أصحاب اليمين و أصحاب الشمال فمن أجل ذلك كان السلام واحدة تجاه القبلة، ومن أجل ذلك كان التكبير في السجود شكراً وقوله: سمع الله لمن حمده لأن النبي سمع ضجة الملائكة بالتسبيح والتحميد والتهليل، فمن أجل ذلك قال: سمع الله لمن حمده، ومن أجل ذلك صارت الركعتان الأوليان كلما أحدث فيهما حدثا كان على صاحبهما إعادتهما فهذا الفرض الأول في صلاة الزوال يعني صلاة الظهر) ( ).
    (....... فلما رفع رأسه من سجوده واستوى جالساً نظر إلى عظمته تجلت له فخر ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر أُمر به .......):
    هذه الكلمات تبين بوضوح ملازمة السجود الحقيقي للمعرفة.
    (... ثم اجتمعت الملائكة وقالت كيف: تركت أخاك ؟ فقلت لهم: وتعرفونه ؟ قالوا: نعرفه وشيعته وهم نور حول عرش الله وإن في البيت المعمور لرقا من نور [فيه كتاب من نور] فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والأئمة وشيعتهم إلى يوم القيامة لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل وإنه لميثاقنا وإنه ليُقرأ علينا كل يوم جمعة ....) :
    وشيعة علي هنا الذين لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل هم الأئمة والمهديون حجج الله من ولد علي ، فهم النور الذي حول العرش وأسماؤهم مكتوبة في رق من نور وموضوعة في البيت المعمور الذي هو قبلة الملائكة، والذي ورد في الروايات أن الكعبة إنما هي صورة له صورت للناس في الأرض، وكون هذه الأسماء أي أسماء الأئمة والمهديين هي ميثاق الملائكة، ويقرأ عليهم كل يوم جمعة يبين بوضوح تام أن هذه الأسماء متعلقة بسجودهم وباستغفارهم عن اعتراضهم عندما أمروا بالسجود، بل وبحسب العلاقة بين البيت المعمور والكعبة وبحسب هذه الرواية المباركة تعرف أن السجود إلى الكعبة إنما لعلة وجود نور هذه الأسماء فيها ، والذي أشار له بوضوح تام ولادة علي بن أبي طالب  في الكعبة ووضع الحجر الذي أودع العهد والميثاق في ركنها.
    (.... ثم أوحى الله عز وجل إليه: يا محمد استقبل الحجر الأسود وكبرني على عدد حجبي، فمن أجل ذلك صار التكبير سبعاً لأن الحجب سبع ......) :
    التكبيرات السبع في الصلاة معروفة للمؤمنين وهي تكبيرة الإحرام وست تكبيرات تفتتح بها الصلاة.
    أما كون الحجر الأسود بالخصوص من الكعبة هو الذي أمر الله محمداً باستقباله فلأن الحجر يشير إلى المهدي، والمهدي أو يوسف آل محمد هو قبلة محمد وآل محمد ، فكلهم قد بشروا به وشاركوا في تهيئة الطريق لإقامة دولة العدل الإلهي التي سيقيمها المهدي.

    وهذا جواب أحد الأسئلة التي وردت عن طريق الأنترنت وفيه تفصيل عن الحجر الأسود وارتباطه بالمهدي أو القائم:
    س/ من هذا الرجل ؟
    السلام على يماني آل محمد ورحمة الله وبركاته
    اللهم صل على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً
    في عام 1424هـ قمت بأداء مناسك الحج وكانت الحجة الثانية لي ولله الحمد ومعي زوجتي، وكنا مع أحد حملات الحج المشهورة في الأحساء، وكان لنا عبر وقصص في تلك الحجة المباركة، فعندما كانت ليلة عرفه حصلت حادثة لنساء الحملة فسمعوا ليلة عرفه بعد أعمال تلك الليلة صيحة قوية (صراخاً قوياً) تكرر مرتين أيقظ النائمة من نومها، والغريب أن بعض الجالسين من النساء لم يسمعوا تلك الصيحة، فهذه الصيحة أرعبت النساء وأخافتهم ولم يعرفوا من أين هذا الصوت.
    والقصة الثانية والأهم هي: عندما دخلت أنا وزوجتي الحرم لطواف الحج شاهدت زحاماً شديداً وخشيت أن لا أستطيع تطويف زوجتي طواف الحج، وقال لنا المرشد الديني للحمله: عندما تشاهدون زحاماً قولوا: يا عليم يا عظيم ينفك الزحام، حيث جربت هذا الذكر في طواف العمرة ولاحظت الزحام ينفك - عموماً - قلت مرة واحدة: يا عليم يا عظيم، وإذا برجل يأتي فوراً من بين الركن والمقام ويشق صفوف الحجيج بعد انتهائي من الذكر، وكأنه آتٍ لنا من طوافه أو قبل أن ينهي طوافه حيث لم يعبر الركن والمقام، واستقبلنا مخصوص والكعبة خلفه ولم يكن في طريقه لنا أحد من الحجيج، وقال لي: تعال خلفي أطوفكما وذهبت خلفه مع زوجتي وطوفنا طواف الحج ولم نشعر بأي زحام أو ضيق، وكان يقرأ أدعية وأذكار ومن بينها دعاء كميل وأنا أكثر الصلاة على محمد وآل محمد وأقول في نفسي: ربما يكون هذا المهدي محمد بن الحسن  ولكن أقول: من أنا حتى يخرج لي المهدي ويطوفني ؟ وفي أثناء الشوط الأول من الطواف كانت زوجتي خلفي وقال لي: دع زوجتك أمامك، وأمرتها أن تكون أمامي وخلفه أي وسطنا وهو قصد أن يعلمني كيف أحافظ على زوجتي أثناء الطواف.
    وعند وصولنا إلى الحجر الأسود يشير إليه بيمينه ويقول: الله أكبر، وعندما انتهينا من الشوط السابع بعد مقام إبراهيم  قلت له: أريد أن أطوف طواف النساء معك، فقال لي: إن شاء الله، وكأنه يودعني وقابلني بوجهه وهو يمشي عني إلى الوراء وكأنه أزاح تلك الآلاف من الناس وهو يمشي إلى الخلف، واتسع له المكان ومضى ، وكأن الحجيج بحر وهو موجة قوية أزاحت مياه البحر.
    أما أوصاف هذا الرجل: فهو غائر العينين، مشرف الحاجبين، طويل نحيف، أسمر اللون، شعره أسود طويل، والغريب أنه يلبس لباساً أخضر فاتحاً يوم طواف الحج وعلى رأسه غطاء نسميه نحن بالخليجي الطاقية. سؤالي: من هو هذا الرجل ؟ هل هو يماني آل محمد ؟ ومن أنا حتى يأتي يماني آل محمد  ويطوفني ؟ أم هو الخضر بما أنه لابس لباساً أخضر، أم أنه من أنصار الإمام المهدي محمد بن الحسن  ؟؟؟
    وسألت أحد طلبة الحوزة وقال: إنه الإمام ، وسألت أحد المؤمنين، وقال: ربما يكون الخضر  أو أحد أعوان الإمام .
    سمعت قصة حصلت لأحد الأنصار وقصها عليّ ووصفه لي وهي نفس الصفات التي رأيتها ولو رأيت الرجل الذي طوفني بعد هذه السنين عرفته من بين مليون رجل.
    والسلام على يماني آل محمد ورحمة الله وبركاته
    اللهم صل على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً
    مسلم أنصاري 40 سنة
    الأحساء - السعودية
    تحصيل ثانوي


    ج/ بسم الله الرحمن الرحيم
    والحمد لله رب العالمين
    وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً
    إعلم أن الله ذاكر من ذكره ويعطي الكثير بالقليل وأنت ذكرته سبحانه في بيته بإخلاص فذكرك وأعانك ويسر أمرك، أسأل الله أن يوفقك دائماً للإخلاص له سبحانه والعمل لما يرضيه، أما عبد الله الذي أعانك فهو أعانك بحول الله وقوته ، وعندما أمره الله أن يعينك فالفضل كله لله سبحانه، فاشكر الله سبحانه وتعالى الذي منَّ عليك بهذا ولو أن الله أمره أن يخبرك باسمه لأخبرك. أما إن هذا العبد عندما كان يصل الحجر يقول: الله أكبر فهذا تكليفه هو، أما أنت وغيرك من الناس فتكليفكم أن تقولوا عند وصول الحجر: (اللَّهُمَّ أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ اللَّهُمَّ تَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ وَعَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وأن علياً والأئمة من ولده حجج الله وأن المهدي والمهديين من ولده حجج الله - وتعدهم الى حجة الله في زمانك - آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَبِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ وَعِبَادَةِ كُلِّ نِدٍّ يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ).
    ودين الله كله يكاد يكون مسألة واحدة فتح بها خلق الإنسان الأرضي ذكرها تعالى بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، والقرآن كله في الفاتحة والفاتحة في البسملة والبسملة في الباء والباء في النقطة والنقطة علي ، قال أمير المؤمنين: (أنا النقطة)، وماذا كان أمير المؤمنين علي  غير أنه خليفة الله في أرضه ؟!
    إذن، فالنقطة والباء والبسملة والفاتحة والقرآن والدين كله هو خليفة الله في أرضه، والقرآن والدين كله هو العهد والميثاق الذي أُخذ على العباد بإطاعة خلفاء الله وأودعه الله في حجر الأساس أو الحجر الأسود أو حجر الزاوية أو الحجر المقتطع من محمد لهدم حاكمية الشيطان والطاغوت، وقد ذكر هذا الحجر في الكتب السماوية وفي الروايات، وقريش عندما اختلفوا فيمن يحمل الحجر كانوا يعلمون أن هذا الحجر يشير إلى أمر عظيم ولهذا اختلفوا فيمن يحمله ، وكانت مشيئة الله أن محمداً هو من حمل الحجر ووضعه في مكانه لتتم آية الله، وإشارته سبحانه إن قائم الحق والعبد الذي أودعه الله العهد والميثاق الذي يشير له هذا الحجر سيخرج من محمد الذي حمل الحجر.
    عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: (إِنَّ قُرَيْشاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَدَمُوا الْبَيْتَ فَلَمَّا أَرَادُوا بِنَاءَهُ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِمُ الرُّعْبُ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَيَأْتِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَطْيَبِ مَالِهِ وَلَا تَأْتُوا بِمَالٍ اكْتَسَبْتُمُوهُ مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ حَرَامٍ فَفَعَلُوا فَخُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بِنَائِهِ فَبَنَوْهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَتَشَاجَرُوا فِيهِ أَيُّهُمْ يَضَعُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ فَحَكَّمُوا أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا أَتَاهُمْ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَبَسَطَ ثُمَّ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ أَخَذَتِ الْقَبَائِلُ بِجَوَانِبِ الثَّوْبِ فَرَفَعُوهُ ثُمَّ تَنَاوَلَهُ فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ فَخَصَّهُ اللَّهُ بِهِ) ( ).
    فمحمد حمل الحجر الأسود وهذه إشارة أن القائم وحامل الخطيئة وحامل الراية السوداء التي تشير إليها سيخرج من محمد ، وأيضاً محمد هو من يحمله في صلبه؛ لأنه مستودع في فاطمة بنت محمد ولذا يكون حامل الخطيئة الحقيقي هو رسول الله محمد .
    أما اللون الأسود الذي شاء الله أن يكتسي به هذا الحجر فهو يشير إلى ذنوب العباد ويذكرهم بخطاياهم لعلهم يتوبون ويستغفرون وهم في بيت الله، وهو نفسه لون رايات قائم الحق، قائم آل محمد السوداء، فالرايات السود تشير إلى الحجر والحجر يشير إليها وكلاهما يشيران بلونهما الأسود إلى خطيئة نقض العهد والميثاق المأخوذ على الخلق في الذر، وأيضاً يشيران إلى ما يتحمله من عناء حامل هذه الخطيئة - وحامل الراية السوداء التي تشير إلى الخطيئة - العبد الذي أوكل بكتاب العهد والميثاق، وهو الحجر الأسود وهو قائم آل محمد.
    والحجر مرتبط بمسألة الفداء الموجودة في الدين الإلهي وعلى طول المسيرة المباركة لهذا الدين فدين الله واحد؛ لأنه من عند واحد، والفداء قد ظهر في الإسلام بأجلى صوره في الحسين ، وقبل الإسلام تجد الفداء في الحنيفية دين إبراهيم  بإسماعيل، وتجده أيضاً بعبد الله والد الرسول محمد ، وأيضاً تجده في اليهودية دين موسى  بيحيى بن زكريا ، وتجده في النصرانية بالمصلوب، وبغض النظر عن كون النصارى يتوهمون أن المصلوب هو عيسى  نفسه، فإنهم يعتقدون بأن المصلوب هو حامل الخطيئة ومعتقداتهم وإن كان فيها تحريف ولكن هذا لا يعني أنها جميعاً جاءت من فراغ تام وليس لها أي أصل في دين الله سبحانه حرفت عنه، بل كثير من العقائد المنحرفة في الحقيقة هي تستند إلى أصل ديني أخذه علماء الضلال غير العاملين وحرفوه وبنوا عليه عقيدة فاسدة، فقضية كون الرسل يتحملون بعض خطايا أممهم ليسيروا بالأمة ككل إلى الله موجودة في دين الله ولم تأتِ من فراغ، ويمكنك مراجعة نصوص التوراة مثلاً للإطلاع على تحمل موسى  عناءً إضافياً لما يقترفه قومه من الخطايا، ورسول الله محمد تحمل خطايا المؤمنين قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾( ).
    وتفسيرها في الظاهر: أنه تحمل خطايا أمته وغفرها الله له ، عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: (قلت: لأبي عبد الله : قول الله في كتابه ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ قال: ما كان له من ذنب ولا هم بذنب ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له)( ).
    وتحمل الرسل لخطايا أممهم لا يعني أنهم يتحملون خطيئة نقض العهد والميثاق عن منكري خلفاء الله الذين يموتون على هذا الإنكار، بل هم يتحملون خطيئة من غفل عن تذكر العهد والميثاق ، ونقضه مدة من الزمن في هذه الحياة الدنيا، كما أن تحملهم لخطايا أممهم لا يعني أنهم يصبحون أصحاب خطيئة عوضا عن أممهم، بل معناه ... أنهم يتحملون أثقالاً إضافية وعناءً إضافياً في تبليغ رسالاتهم في هذه الدنيا للناس، وهذا طبعا بإرادتهم هم؛ لأنهم هم من يطلب هذا، فالأب الرحيم بأبنائه يتحمل نتائج أخطائهم في كثير من الأحيان، وإن كانت تسبب له عناءً ومشقة وربما الآلام والقتل في سبيل الله، كما هو الحال في الحسين ؛ وذلك لأن الأب يرجو صلاح أبنائه في النهاية، وربما كثيرون لا يتذكرون العهد حتى يراق دم أبيهم ولي الله فيكون سبباً لتذكرهم العهد والميثاق، ولهذا تجد الحسين  الذي شاء الله أن يجعله سبباً لتذكر عدد كبير من الخلق قد ترك الحج وأقبل يحث الخطى إلى مكان ذبحه .
    أما علاقة الحجر بخطيئة آدم  فهذا أمر قد تكفل الأئمة بيانه وإن كان ربما خفي فيما مضى على الناس لعلة أرادها الله سبحانه، بل وعلاقة الحجر بخطايا الخلق أيضاً قد تكفلوا بيانه وقد بين هذا الأمر رسول الله محمد بأوضح بيان بالعمل - عندما قبَّل الحجر - ولكنه بيان لمن لهم قلوب ويعون أفعال محمد الحكيم الذي يعمل الحكمة، لا كعمر بن الخطاب الذي يصرح إنه لا يفهم لماذا رسول الله محمد قبَّل الحجر ؟! ويصرح أن نفسه وحقيقته لا تتقبل تقبيل الحجر ولكنه يفعله فقط لأنه رأى رسول الله محمداً يفعل ذلك أمام الآلاف المسلمين، ولا يمكنه مخالفة محمد لأنه يدعي أنه خليفته ، فهو يسفه فعل محمد ويستن به مجبراً فأي مكر هذا، روى البخاري ومسلم وأحمد: (أن عمر جاء إلى الحجر فقبله وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللة صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك).
    وروى أحمد بسنده عن سويد بن غفلة، قال: (رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفياً).
    فعمر بن الخطاب عندما قبل الحجر صرح بأنه كاره لهذا الفعل ومنكر له ومستخف بهذا الحجر وكونه الشاهد على العباد بالوفاء بالعهد والميثاق المأخوذ عليهم في الذر ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾( ).
    وهذه إشارة جلية لمن لهم قلوب يفقهون بها، بأن عمر بن الخطاب منكر للعهد والميثاق المأخوذ ولذا فنفسه تشمئز من الحجرالشاهد، وبالتالي يحاول عمر إنكار كون الحجر شاهداً حقيقياً ، فيخاطب عمر بن الخطاب الحجر الشاهد والحجر الأساس والحجر الأسود بقوله: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع)، وبما أن الناس الذين كانوا يحيطون بعمر في هذا الموقف قد رأوا رسول الله محمداً حفياً بهذا الحجر شديد الاهتمام به ويقبل هذا الحجر ويسجد عليه، بل هم أنفسهم قد ورثوا عن حنيفية إبراهيم  تقديس هذا الحجر والاهتمام به، لذا تدارك عمر قوله بفعله فقبل الحجر ولكن بعد ماذا ؟! بعد أن سفه عمر تقبيل الحجر الأسود بأنه حجر لا يضر ولا ينفع ، وبالتالي فلا حكمة في تقبيله، وبالتالي فإن عمر بقوله وفعله أراد أن يهمش الحجر الأسود وينفي كونه شاهداً، ويجعل تقبيل رسول الله للحجر وسجوده عليه أمراً مبهماً غير مفهوم خالياً من الحكمة، والحقيقة أنه لو كان الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع لكان فعل رسول الله - وحاشاه - خالياً من الحكمة ولا يمكن أن يكون فعل رسول الله له معنى وحكيماً إن لم يكن هذا الحجر يضر وينفع بإذن الله وبحوله وقوته سبحانه. إذن، فمشيئة الله أن يظهر ما يبطنه عمر من موقف تجاه الحجر أو العبد الموكل بالعهد والميثاق أو قائم آل محمد، وسبحان الله لا يضمر الإنسان سوءاً إلا أظهره الله في فلتات لسانه.
    وقد تكفل رسول الله محمد بيان أهمية الحجر الأسود وفضله بأقواله وأفعاله، ويكفي أن تعرف أن رسول الله قبله وسجد عليه ولم يسجد رسول الله على جزء من الكعبة غير الحجر الأسود، وبلغ عظيم هذا الأمر وأهميته أن رسول الله قال: (استلموا الركن، فإنه يمين الله في خلقه، يصافح بها خلقه، مصافحة العبد أو الدخيل، ويشهد لمن استلمه بالموافاة) ( ).
    والمراد بالركن أي الحجر الأسود؛ لأنه موضوع فيه، وتابع الأئمة نهج رسول الله في بيان أهمية الحجر بأقوالهم وأفعالهم، فبينوا أن الحجر هو حامل كتاب العهد والميثاق، وأن آدم قد بكى أربعين يوماً ونصب مجلساً للبكاء بقرب الحجر ليكفر عن خطيئته في نقض العهد ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾( ).
    وإن الحجر كان درة بيضاء تضيء ولكنه في الأرض تحول للسواد بسبب خطايا العباد، فهذه الكلمات والأفعال المباركة التي كرروها مرات أمام أصحابهم كلها تأكيد وبيان لأهمية الحجر الأسود، ولعلاقة الحجر بالخطيئة الأولى بل والخطايا على طول مسيرة الإنسانية في هذه الأرض.
    عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: (سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : لِأَيِّ عِلَّةٍ وَضَعَ اللَّهُ الْحَجَرَ فِي الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَلَمْ يُوضَعْ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَيِّ عِلَّةٍ تُقَبَّلُ، وَلِأَيِّ عِلَّةٍ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلِأَيِّ عِلَّةٍ وُضِعَ مِيثَاقُ الْعِبَادِ وَالْعَهْدُ فِيهِ وَلَمْ يُوضَعْ فِي غَيْرِهِ، وَكَيْفَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ تُخْبِرُنِي جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ فَإِنَّ تَفَكُّرِي فِيهِ لَعَجَبٌ. قَالَ: فَقَالَ: سَأَلْتَ وَأَعْضَلْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاسْتَقْصَيْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ وَفَرِّغْ قَلْبَكَ وَأَصْغِ سَمْعَكَ أُخْبِرْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَضَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَهِيَ جَوْهَرَةٌ أُخْرِجَتْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى آدَمَ ، فَوُضِعَتْ فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ لِعِلَّةِ الْمِيثَاقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ حِينَ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَفِي ذَلِكَ الْمَكَانِ تَرَاءَى لَهُمْ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ يَهْبِطُ الطَّيْرُ عَلَى الْقَائِـمِ ، فَأَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ ذَلِكَ الطَّائِرُ وَهُوَ وَاللَّهِ جَبْرَئِيلُ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ يُسْنِدُ الْقَائِمُ ظَهْرَهُ وَهُوَ الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْقَائِمِ وَهُوَ الشَّاهِدُ لِمَنْ وَافَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالشَّاهِدُ عَلَى مَنْ أَدَّى إِلَيْهِ الْمِيثَاقَ وَالْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَمَّا الْقُبْلَةُ وَالِاسْتِلَامُ فَلِعِلَّةِ الْعَهْدِ تَجْدِيداً لِذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَتَجْدِيداً لِلْبَيْعَةِ لِيُؤَدُّوا إِلَيْهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ، فَيَأْتُوهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيُؤَدُّوا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْعَهْدَ وَالْأَمَانَةَ اللَّذَيْنِ أُخِذَا عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ ؟ وَوَاللَّهِ مَا يُؤَدِّي ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُ شِيعَتِنَا وَلَا حَفِظَ ذَلِكَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَحَدٌ غَيْرُ شِيعَتِنَا، وَإِنَّهُمْ لَيَأْتُوهُ فَيَعْرِفُهُمْ وَيُصَدِّقُهُمْ، وَيَأْتِيهِ غَيْرُهُمْ فَيُنْكِرُهُمْ وَيُكَذِّبُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ غَيْرُكُمْ، فَلَكُمْ وَاللَّهِ يَشْهَدُ وَعَلَيْهِمْ وَاللَّهِ يَشْهَدُ بِالْخَفْرِ وَالْجُحُودِ وَالْكُفْرِ، وَهُوَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجِي‏ءُ وَلَهُ لِسَانٌ نَاطِقٌ وَعَيْنَانِ فِي صُورَتِهِ الْأُولَى يَعْرِفُهُ الْخَلْقُ وَلَا يُنْكِرُهُ، يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ وَجَدَّدَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ عِنْدَهُ بِحِفْظِ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَيَشْهَدُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ وَجَحَدَ وَنَسِيَ الْمِيثَاقَ بِالْكُفْرِ وَالْإِنْكَارِ، فَأَمَّا عِلَّةُ مَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ الْحَجَرُ ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: كَانَ مَلَكاً مِنْ عُظَمَاءِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمَّا أَخَذَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمِيثَاقَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَقَرَّ ذَلِكَ الْمَلَكُ، فَاتَّخَذَهُ اللَّهُ أَمِيناً عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ فَأَلْقَمَهُ الْمِيثَاقَ وَأَوْدَعَهُ عِنْدَهُ وَاسْتَعْبَدَ الْخَلْقَ أَنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الْإِقْرَارَ بِالْمِيثَاقِ وَالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعَ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ يُذَكِّرُهُ الْمِيثَاقَ وَيُجَدِّدُ عِنْدَهُ الْإِقْرَارَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَمَّا عَصَى آدَمُ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْسَاهُ اللَّهُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى وُلْدِهِ لِمُحَمَّدٍ وَلِوَصِيِّهِ  وَجَعَلَهُ تَائِهاً حَيْرَانَ، فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ حَوَّلَ ذَلِكَ الْمَلَكَ فِي صُورَةِ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ فَرَمَاهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى آدَمَ  وَهُوَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ آنَسَ إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ جَوْهَرَةٌ وَأَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ لَهُ: يَا آدَمُ أَ تَعْرِفُنِي ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَجَلْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكَ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكَ ذِكْرَ رَبِّكَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ مَعَ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ لآِدَمَ: أَيْنَ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ ؟ فَوَثَبَ إِلَيْهِ آدَمُ وَذَكَرَ الْمِيثَاقَ وَبَكَى وَخَضَعَ لَهُ وَقَبَّلَهُ وَجَدَّدَ الْإِقْرَارَ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، ثُمَّ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جَوْهَرَةِ الْحَجَرِ دُرَّةً بَيْضَاءَ صَافِيَةً تُضِي‏ءُ فَحَمَلَهُ آدَمُ  عَلَى عَاتِقِهِ إِجْلَالًا لَهُ وَتَعْظِيماً، فَكَانَ إِذَا أَعْيَا حَمَلَهُ عَنْهُ جَبْرَئِيلُ  حَتَّى وَافَى بِهِ مَكَّةَ، فَمَا زَالَ يَأْنَسُ بِهِ بِمَكَّةَ وَيُجَدِّدُ الْإِقْرَارَ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ وُلْدِ آدَمَ أَخَذَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَفِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَلْقَمَ الْمَلَكَ الْمِيثَاقَ، وَلِذَلِكَ وَضَعَ فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ وَنَحَّى آدَمَ مِنْ مَكَانِ الْبَيْتِ إِلَى الصَّفَا وَحَوَّاءَ إِلَى الْمَرْوَةِ، وَوَضَعَ الْحَجَرَ فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ فَلَمَّا نَظَرَ آدَمُ مِنَ الصَّفَا وَقَدْ وُضِعَ الْحَجَرُ فِي الرُّكْنِ كَبَّرَ اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَمَجَّدَهُ، فَلِذَلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ بِالتَّكْبِيرِ وَاسْتِقْبَالِ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ مِنَ الصَّفَا، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْدَعَهُ الْمِيثَاقَ وَالْعَهْدَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلِمُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ وَلِعَلِيٍّ  بِالْوَصِيَّةِ اصْطَكَّتْ فَرَائِصُ الْمَلَائِكَةِ، فَأَوَّلُ مَنْ أَسْرَعَ إِلَى الْإِقْرَارِ ذَلِكَ الْمَلَكُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَشَدُّ حُبّاً لِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَأَلْقَمَهُ الْمِيثَاقَ وَهُوَ يَجِي‏ءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانٌ نَاطِقٌ وَعَيْنٌ نَاظِرَةٌ يَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ وَافَاهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَحَفِظَ الْمِيثَاقَ) ( ).
    ورسول الله محمد دخل بيت الله فبدأ بالحجر وختم بالحجر، وأمر أصحابه أن يكون آخر عهدهم بالبيت استلام الحجر، بل ويستحب أن يستلم الحجر في كل طواف، ومس الحجر يسبب غفران الذنوب وحط الخطايا، بل وسجد رسول الله محمد على الحجر الأسود ووضع جبهته عليه بعد أن قبَّله، فماذا يمكن أن تفهم من هذا غير أن الحجر هو أهم ما في البيت.
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : (ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَجَّ فَكَتَبَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابُهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُرِيدُ الْحَجَّ يُؤْذِنُهُمْ بِذَلِكَ لِيَحُجَّ مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ ............................................ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ وَذَكَرَ ابْنُ سِنَانٍ أَنَّهُ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، فَلَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ  وَدَخَلَ زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً وَرِزْقاً وَاسِعاً وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَسُقْمٍ ، فَجَعَلَ يَقُولُ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالْكَعْبَةِ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) ( ).
    وروى البهيقي عن ابن عباس، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر).
    ولابد من الالتفات إلى أمر مهم جداً وهو أن رسول الله قد سن ركعتي الطواف عند مقام إبراهيم، وكان رسول الله والأئمة يصلون عند مقام إبراهيم  والذي يقف في صلاته عند مقام إبراهيم  يكون الحجر الأسود بين يديه وفي قبلته، وهذا يبين بوضوح تام انطباق هذه الآية على قائم آل محمد أو يوسف آل محمد أو الحجر الأسود ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾( ).
    وقد بينت سابقاً ما معنى هذا السجود عندما بينت تأويل هذه الآية في الإمام المهدي ، ولكن السجود هنا عند تأويله في القائم يكون لفاطمة والسر المستودع فيها معاً، تماماً كما أن السجود للكعبة والحجر الأسود المودع فيها ، فيكون هنا الشمس محمداً والقمر علياً  والأحد عشر كوكبا هم الأئمة من ولد علي  وفاطمة وهم: (الحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد)، وسجودهم بمعنى أنهم يمهدون للقائم ولإقامة العدل وإنصاف المظلوم، وبالخصوص أخذ حق صاحبة المظلومية الأولى والأعظم منذ خلق الله الخلق وإلى أن تقوم الساعة.
    أما سجود بقية الخلق ممن فرض عليهم أن يسجدوا إلى الكعبة وبالتالي إلى الحجر الأسود فهو بمثابة إشارة واضحـة وبيان أنهم بأجمعهم يمهدون للقائم سواء شاءوا أم أبوا، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾( ).
    فالكل يمهد للوارث أو القائم شاءوا أم أبوا، فالشمس والقمر والنجوم يمهدون للقائم، وأيضاً من حق عليه العذاب يمهد للقائم وكل بحسبه، فحركة الخلق ومسيرتهم العامة هي تمهيد للقائم الذي ينصف المظلومين، وإن كان أكثر الخلق يجهلون هذا، تماماً كطوافهم بالكعبة والحجر الأسود المودع فيها مع أنهم لا يكادون يفقهون شيئاً من طوافهم.
    أما في الأديان السابقة فقد ذكر الحجر أيضاً في التوراة والإنجيل:
    (قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية ومن قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى الأمة التي تعمل أثماره ومن سقط عليه هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه) ( ).
    فالحجر الذي تكلم عنه عيسى  هو في أمة أخرى غير الأمة التي كان يخاطبها، فالملكوت ينزع من الأمة التي كان يخاطبها عيسى  وهم بنو إسرائيل والذين آمنوا بعيسى  - لأنه كان يخاطب بهذا الكلام تلاميذه المؤمنين به وغيرهم من بقية الناس - ويعطى للأمة المرتبطة بالحجر التي تعمل أثمار الملكوت، فكلام عيسى  واضح كل الوضوح أنه في بيان فضل حجر الزاوية، وأن الملكوت سينزع في النهاية ممن يدعون اتباع عيسى، ويعطى لأمة الحجر وهم أمة محمد وآل محمد ، فعيسى  ربط بحكمة بين الحجر وبين الأمة التي تعطى الملكوت في النهاية.
    وأيضاً قابل هذه الأمة ببني إسرائيل ومن يدعون اتباعه وبين أنهم لن يناولوا الملكوت في النهاية، فعيسى  جعل الحجر علة إعطاء الملكوت لأمة أخرى غير الأمة التي تدعي اتباع موسى  وعيسى ، أي أن من يشهد لهم الحجر بأداء العهد والميثاق ومن ينصرونه هم من سيرثون الملكوت، سواء كان في هذه الأرض بإقامة حاكمية الله أم في السماوات عندما يكشف الله لهم عن ملكوته ويجعلهم ينظرون فيه أم في النهاية عندما يسكنهم الله الجنان في الملكوت.
    ومن يريد أن يفسر هذا الكلام بصورة أخرى ويقول أن عيسى أراد بهذا الكلام نفسه ويصر على هذا القول فإنه يغالط ولا يطلب معرفة الحقيقة، وإلا فليقرأ أصل القول وهو لداود  في المزامير، فأيضاً يمكن أن يقول اليهود إن داود قصد نفسه وهكذا لا ينتهي الجدل، ولكن الحقيقة إن داود  وعيسى  أرادوا المخلص الذي يأتي باسم الرب في آخر الزمان، وقد بشر به عيسى  في مواضع أخرى في الإنجيل وسماه المعزي والعبد الحكيم ، وهنا سماه حجر الزاوية فيكون السؤال: من هو الذي عرف أو يمكن أن يعرف بأنه حجر الزاوية ؟ هل إن داود أو عيسى عليهما السلام عُرفوا بأنهم حجر الزاوية في بيت الرب ؟ أو ذكروا في موضع آخر على أنهم حجر الزاوية في بيت الرب ؟ وهل هناك حجر موضوع في زاوية بيت الرب أو الهيكل عند اليهود والنصارى يدل على داود أو عيسى عليهما السلام ؟
    الحقيقة إن هذا غير موجود ولكنه موجود في الأمة الأخرى من ولد إبراهيم ، وفي بيت الرب الذي بناه إبراهيم  وإسماعيل  ابنه، وموجود في الزاوية وبالذات الزاوية التي اسمها الركن العراقي ( )، وكل هذه الأمور تشير إلى أمر واحد هو المخلص الذي يأتي في آخر الزمان أو الذي أشار إليه داود في المزامير أنه حجر الزاوية والآتي باسم الرب.
    (............... 19 افتحوا لي أبواب البر. أدخل فيها وأحمد الرب. 20 هذا الباب للرب . الصديقون يدخلون فيه. 21 أحمدك لأنك استجبت لي وصرت لي خلاصاً. 22 الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية. 23 من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا 24 هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه. 25 آه يا رب خلص. آه يا رب أنقذ. 26 مبارك الآتي باسم الرب. باركناكم من بيت الرب .........) ( ).
    وللتأكيد أكثر على أن المراد بحجر الزاوية في التوراة وفي الإنجيل هو المخلص الذي يأتي في آخر الزمان وفي العراق وهو قائم الحق، أورد هذه الرؤيا التي رأها ملك العراق في زمن دانيال النبي  وفسرها دانيال النبي  وهي تكاد لا تحتاج إلى توضيح:
    وهذا قول دانيال النبي  لملك العراق، وهو يخبره برؤياه وتفسيرها كما في التوراة الموجود: (...............31 أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم هذا التمثال العظيم البهي جدا وقف قبالتك ومنظره هائل. 32 رأس هذا التمثال من ذهب جيد. صدره وذراعاه من فضة. بطنه وفخذاه من نحاس. 33 ساقاه من حديد. قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف. 34 كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. 35 فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معا وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلا كبيرا وملأ الأرض كلها. 36 هذا هو الحلم. فنخبر بتعبيره قدام الملك 37 أنت أيها الملك ملك ملوك لأن إله السموات أعطاك مملكة واقتدارا وسلطانا وفخرا. 38 وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعها. فأنت هذا الرأس من ذهب. 39 وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض. 40 وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأن الحديد يدق ويسحق كل شئ وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء. 41 وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة ويكون فيها قوة الحديد من حيث إنك رأيت الحديد مختلطا بخزف الطين. 42 وأصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف فبعض المملكة يكون قويا والبعض قصما. 43 وبما رأيت الحديد مختلطا بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف. 44 وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفني كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. 45 لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب. الله العظيم قد عرَّف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين) ( ).
    إذن، فالحجر أو المخلص الذي ينقض هيكل الباطل وحكم الطاغوت والشيطان على هذه الأرض ويكون في ملكه نشر الحق والعدل في الأرض يأتي في آخر الزمان، ويأتي في العراق كما هو واضح في رؤيا دانيال، وهو الحجر الذي ينسف الصنم أو حكم الطاغوت والأنا، بينما لا عيسى  ولا داود  أرسلوا في العراق وفي آخر الزمان فلا يمكن أن يكون أي منهما هو حجر الزاوية المذكور، بل تبين بوضوح من كل ما تقدم أن حجر الزاوية في اليهودية والنصرانية هو نفسه الحجر الأسود الموضوع في زاوية بيت الله الحرام في مكة.
    فالحجر الأسود الموضوع في ركن بيت الله والذي هو تجلٍ ورمز للموكل بالعهد والميثاق، هو نفسه حجر الزاوية الذي ذكره داود وعيسى عليهما السلام، وهو نفسه الحجر الذي يهدم حكومة الطاغوت في سفر دانيال ، وهو نفسه قائم آل محمد أو المهدي الأول الذي يأتي في آخر الزمان كما روي عن رسول الله محمد وأهل بيته .
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته












    الفهرس
    الإهداء 5
    لماذا هذا الكتاب 7
    المقدمة 11
    بسملة التوحيد 19
    قل هو الله أحد 27
    الله الصمد 28
    الصمد 30
    لم يلد ولم يولد 31
    ولم يكن له كفواً أحد 33
    الألوهية 37
    الله في الخلق 49
    بين الله سبحانه وتعالى ووجه الله أو الله في الخلق 52
    التوحيد في التسبيح لا في الوصف 56
    الصلاة والتوحيد 62
    امر السجود الاول والتوحيد 63
    مسيرة الانسانية على هذه الارض 66
    أولاً : الإفراط في حدود التوحيد 69
    توحيد الوهابيين 73
    بين خوارج الامس والوهابية 77
    ثانيا : التَفرِيِّط في حدود التوحيد 81
    هو الله سبحانه الواحد الاحد وكل من سواه خلقه 83
    بعض الكلمات في التوراة والانجيل 87
    الكلمة 87
    عمانوئيل او الله معنا 88
    الله ظهر في الجسد 91
    الابن 93
    نصوص التوراة والانجيل 97
    فصل الخطاب من الانجيل 99

    الوهابيون ايضا يفرِّطون بحدود التوحيد 100
    التوحيد 105
    تجلي الالوهية في الخلق للخلق 106
    حسن الختام 110
    ملحق1 111
    ملحق 2 اقوالهم في كون اسم الله علم ام مشتق 122
    ملحق 3 124
    ملحق 4 130
    ملحق 5 136
    الفهرس 159

    والحمد لله رب العالمين
    من اقوال الامام احمد الحسن عليه السلام في خطبة الغدير
    ولهذا أقول أيها الأحبة المؤمنون والمؤمنات كلكم اليوم تملكون الفطرة والاستعداد لتكونوا مثل محمد (ص) وعلي (ص) وآل محمد (ص) فلا تضيعوا حظكم، واحذروا فكلكم تحملون النكتة السوداء التي يمكن أن ترديكم وتجعلكم أسوء من إبليس لعنه الله إمام المتكبرين على خلفاء الله في أرضه، أسأل الله أن يتفضل عليكم بخير الآخرة والدنيا.


  5. #5
    مشرف الصورة الرمزية ناصر السيد احمد
    تاريخ التسجيل
    22-02-2009
    الدولة
    Australia
    المشاركات
    1,385

    افتراضي رد: كتاب الامام احمد الحسن ع التوحيد*

    كتاب التوحيد للإمام أحمد الحسن ع
    https://www.youtube.com/watch?v=v9nY...crbFZEQhI3v02j
    اللهُمَ صَلِّ عَلىَ مُحَمَدٍ وَآَلِ مُحَمَدٍ الأئَمّةِ والمَهدِيينْ وَسَلّمْ تَسْلِيمَا
    اللهم اشغل الظالمين بالظالمين واخرجنا من بينهم سالمين


المواضيع المتشابهه

  1. بعض الكلمات في التوراة والإنجيل أقرأ ما بينه المعزي الامام احمد الحسن (ع) كتاب ( التوحيد )
    بواسطة التسليم 10313 في المنتدى أهل الكتاب (المسيحيون واليهود)
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-08-2016, 20:09
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-08-2016, 19:45
  3. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-08-2016, 19:37
  4. الألوهـية أقرأ بيان يماني ال محمد (ص) الامام احمد الحسن اليماني (ع) كتاب التوحيد
    بواسطة التسليم 10313 في المنتدى علم الإمام أحمد الحسن (ع)
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-08-2016, 19:30
  5. قراءة صوتية في كتاب التوحيد (تفسير سورة التوحيد) للامام احمد الحسن (ع)
    بواسطة اختياره هو في المنتدى المكتبة الصوتية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-06-2013, 11:58

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
من نحن
أنت في منتديات أنصار الإمام المهدي (ع) أتباع الإمام أحمد الحسن اليماني (ع) المهدي الأول واليماني الموعود وصي ورسول الامام المهدي محمد ابن الحسن (ع) ورسول من عيسى (ع) للمسيحيين ورسول من إيليا (ع) لليهود.

لمحاورتنا كتابيا يمكنك التسجيل والكتابة عبر الرابط.
ويمكنك الدخول للموقع الرسمي لتجد أدلة الإمام احمد الحسن (ع) وسيرته وعلمه وكل ما يتعلق بدعوته للبيعة لله.


حاورنا صوتيا  أو كتابيا  مباشرة على مدار الساعة في :
 
عناوين وهواتف : بالعراق اضغط هنا.
روابط مهمة

الموقع الرسمي لأنصار الإمام المهدي (ع)

.....................

وصية رسول الله محمد (ص) العاصمة من الضلال

.....................

كتب الامام احمد الحسن اليماني (ع)

خطابات الامام احمد الحسن (ع)

سيرة الامام احمد الحسن اليماني (ع)

.....................

إميلات

مكتب السيد احمد الحسن ع في النجف الاشرف najafoffice24@almahdyoon.org

اللجنة العلمية allajna.alalmea@almahdyoon.org

اللجنة الاجتماعية allajna.ejtima3ea@almahdyoon.org

المحكمة الشرعية mahkama@almahdyoon.org

الحوزة المهدوية / مدرسة انصار الامام المهدي عليه السلام في النجف الأشرف najafschool@almahdyoon.org

معهد الدراسات العليا الدينية واللغوية ihsn@almahdyoon.org

تابعنا
تذكر...

"أيها الناس لا يخدعكم فقهاء الضلال وأعوانهم إقرؤوا إبحثوا دققوا تعلموا واعرفوا الحقيقة بأنفسكم لا تتكلوا على احد ليقرر لكم آخرتكم فتندموا غدا حيث لا ينفعكم الندم (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا). هذه نصيحتي لكم ووالله إنها نصيحة مشفق عليكم رحيم بكم فتدبروها وتبينوا الراعي من الذئاب".

خطاب محرم الحرام ـ الإمام أحمد الحسن اليماني (ع).