أسرار الإمام المهدي  - قسم التفسير / الإصدار الأول





شيء من تفسير
سورة الفاتحة


السيد
أحمد الحسن
وصي ورسول الإمام المهدي واليماني الموعود



إصدارات أنصار الإمام المهدي 
العدد (33)





الطبعة الثانية
1431هـ - 2010 م







لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
أنصار الإمام المهدي (ع) اتباع الإمام احمد الحسن اليماني (ع) - انصار الامام المهدي (ع)
































الحمد لله رب العالمين، مالك الملك مجري الفلك مسخر الرياح فالق الإصباح ديّان الدين رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمّارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدّم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق .












﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾:
﴿بِسْمِ﴾: الجار والمجرور متعلقان بفعل (اقرأ). أمّا معنى (الابتداء) فهو حاصل من موقع البسملة، التي ابتدأ بها الكلام. وأمّا معنى: (الاستعانة) فمتحقق؛ لأنّ في القراءة معنى (الاستعانة)؛ لأنّها - أي القراءة - لا تكون إلاّ بحول وقوّة منه سبحانه.
فالمعنى: اقرأ بالله الرحمن الرحيم؛ لأنّ أسماؤه وصفاته الكمالية عين ذاته.
وتوضيح هذا المعنى: إنّ عمل القراءة الذي أؤديه، قائم بالله، وما كان لولاه. أي إنّ في (بسم الله الرحمن الرحيم) اعتراف من العبد أنّه: (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله). واعتراف أنّ كل ما سواه أعدام، قامت بوجوده، وظلمة أشرقت بنوره.
وفي البسملة استعانة تامّة من الفقير المطلق بالغني المطلق، وبما أنّ القرآن هو الهادي إلى الصراط المستقيم، فلابد - لمن أراد البدء في السير على هذا الصراط المستقيم - من علم وحول وقوّة يهتدي بها ويستعين بها في سيره. ومن أين له بها إلاّ من مصدر الوجود، فكان الحق أن تكون البداية والاستعانة بسم الله، وهو الاسم الجامع لصفات الكمال الإلهية.
فـ (اسم): مأخوذ من سما، أي: علا وارتفع وظهر. و (الله): مأخوذ من: أله. فالخلق يتألهون إليه في حوائجهم، وسدّ نقائصهم. فمن أراد العلم قصد الله، ومن أراد الرزق قصد الله، ومن أراد القوّة قصد الله، ومن أراد الشفاء قصد الله، ومن أراد أن يجبر نقصه من أي جهة، قصد الله الجامع لكل الكمالات.
فسبحانه واجه خلقه بصفاته الذاتية الكمالية، ويجمعها اسم (الله) الذي يطلق على الذات الإلهية فقط.
أمّا كنهه وحقيقته سبحانه فلا يعلمها إلاّ هو. فكان حقاً على ابن آدم أن يبدأ سيره إلى الكمال مستعيناً بمالك الكمال، وواهب الكمال، سبحانه وتعالى، ناطقاً باسمه الجامع لصفات الكمال التي واجه بها خلقه وعرفوه بها.


﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾:
(الرحمن): كثير الرحمة. و (الرحيم): شديد الرحمة.
وكلاهما يشيران إلى رحمته سبحانه، سواء في الدنيا أم الآخرة، وسواء حول أمور الدنيا أم الدين، ولكن لمّا كان اسم الرحمن دالاً على كثرة الرحمة، دُرِجَت تحت قائمة فيوضاته الرحمة الدنيوية التي تشمل الكافر كالخلق والرزق والشفاء، ولمّا كان اسم الرحيم دالاً على شدّة الرحمة وقوتها، دُرِجَت تحت قائمة فيوضاته الرحمة الدينية؛ لأنّ النعم الدينية من بعث أنبياء وتشريع، أعظم من النعم الدنيوية، كما دُرِجَت تحت فيوضاته النعم الأخروية؛ لأنّها أعظم وأشد من النعم الدنيوية، ورحمة الله في الآخرة مائة ضعف للرحمة التي بثها في الدنيا، كما ورد في الحديث عنهم ، وفي الحديث عن الصادق : (الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة) ( ).
وعن الباقر  والصادق : (الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة) ( ).
أمّا تخصيص الرحمن بالدنيا أو بالنعم الدنيوية المادية، أو تخصيص الرحيم بالآخرة أو بالنعم الدينية والشرعية في هذه الدنيا، فيتعارض وصريح القرآن قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، والقرآن يقيناً هو أعظم النعم الدينية، بل والأخروية.
وفي الدنيا هو: الطريق الموصل إلى الله. وقد قرن سبحانه تعليم القرآن باسمه الرحمن، كما ورد في دعاء الصباح لزين العابدين : (رحمن الدنيا والآخرة).
وورد في الدعاء عنهم : (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) ( ).
فيكون معنى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾: أنّي أبدأ رجوعي إلى خالقي، ونصرتي لخالقي، وتسليمي لخالقي، ومظهري إلى الوجود، بعد أن لم أكن شيئاً مذكوراً، مستعيناً بظهوره بكمالاته جميعها، التي أفاضها على العالمين وعرفوه بها، فأقول: (بسم الله)، ثم أنّي أخص من كمالاته الرحمة، فأستغيث بها؛ لأنّه بها يعطي من لم يسأله ولم يعرفه، وذلك لأنّي لا أستحق عطاءه، إمّا لأنّ وجهي قد سودته المعاصي، وإمّا لأنّي تركت بعض ما أرشدني إليه بحجّة أنّه لم يأمرني به ولا يعاقبني على تركه، متناسياً كرمه وفضله.
وهب أنّ عبداً لم يعصه وأتبع ما أرشده إليه، ولا يزال يذكره ليلاً ونهاراً، بل هبه صالحاً محسناً شكوراً صبوراً مخلصاً لله سبحانه، فهو حتماً يعبد ويشكر ويعمل لله بحوله وقوّته وتوفيقه وعصمته، فلو رفع سبحانه قوّته عن عبد؛ لعاد عدماً لا وجود له، ولو سلب عبداً التوفيق ووكله إلى نفسه لعصى.
ومن هنا كلما كان شكر العبد عظيماً كان توفيق الله الذي توجّه به هذا العبد لهذا الشكر أعظم. فأصبحت النعمة على عباد الله المقربين أعظم، وأصبح عملهم وشكرهم نعمة جديدة تحتاج إلى شكر. وهذا الشكر بتوفيق الله وحوله وقوّته فهو نعمة جديدة أعظم من سابقتها تحتاج إلى شكر أعظم، وهكذا حتى ألجمهم الكريم بكرمه، فخرست ألسنتهم، وفاضت أعينهم من الدمع، لمّا عرفوا أنّهم قاصرون عن شكره سبحانه، بل إنّهم في مقاماتهم المحمودة - لمّا عرفوا أنّهم لا يزالون مشوبين بالعدم وظلمته والنقص وحقيقته - عدّوا وجودهم وبقاءهم ذنباً، فاستغفروا الله منه وتابوا إليه وطلبوا عفوه ورحمته. هذا مع أنّ وجودهم رهن بقاء هذا الحجاب، وبقاؤهم رهن تشوبهم بالظلمة والعدم، وهذا أمير المؤمنين علي  يقول: (إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها، فلها الويل إن لم تغفر لها) ( ).
فعدَّ التفاته إلى وجوده ذنباً، بل لعلّي أقول: عدَّ وجوده ذنباً لِمَا فيه من شائبة العدم، التي بدونها لا يبقى له اسم ولا رسم، بل يفنى ولا يبقى إلاّ الله الواحد القهار.
وفي الحديث عن الصادق : (فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له: مكانك يا محمد - أي هذا هو مقامك، فجبرائيل لا يستطيع الوصول إلى مقام النبي فأشار له بالعروج إلى مقامه - فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إنّ ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي. فقال: اللهم عفوك، عفوك. قال : وكان كما قال الله ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قيل: وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال : ما بين أسّتها إلى رأسها. قال : وكان بينهما حجاب يتلألأ يخفق ( )، ولا أعلمه إلا وقد قال : زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة ( ) إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى .....) ( ).
أمّا طلب النبي للعفو فقد تبيّن، وأمّا خفق الحجاب فهو: استجابة منه جلَّ شأنه لطلب النبي للعفو، وإماطة حجاب العدم والظلمة عن صفحة وجوده المباركة، ولكنّها استجابة جزئيّة بما هو أهله سبحانه، فلو رفع الحجاب لما عاد للنبي أسم ولا رسم ولا حقيقة.
ومن هنا تعرف مقام هذا الكريم ، فقد أعطى كلّه لله، فأعطاه الله ما لم يعطِ أحداً من العالمين (فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة).
وهذا يفي بالمقام، لتعلم أنّ الجميع يجب أن يحثوا الخطى إليه سبحانه ناكسي رؤوسهم، نائبين إليه، راجين عفوه ورحمته، متقلبين بين ركوع وسجود وخضوع وتذلل.
* * *
﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
يجب الالتفات إلى أنّ ما في سورة الفاتحة بعد البسملة ليس بشيء جديد، إنّما هو تفصيل للبسملة.
كما أنّ ما في القرآن غير سورة الفاتحة ليس بشيء جديد، بل هو تفصيل للفاتحة.
ومن هنا فإنّ القرآن كلّه في الفاتحة، بل في البسملة ( ).
ففي البسملة ثناء على واهب الكمال، واستعانة بمربي العباد، واستغاثة بالرحمن الرحيم من العبد، وهو يبدأ طريق العودة والإنابة إلى الحي القيوم، طالباً منه سبحانه هدايته إلى الطريق المستقيم الموصل إليه سبحانه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾( ).
أمّا الفاتحة فهي تبدأ بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الثناء على الكامل المطلق، المربي للخلق في عالم الملك والملكوت والعقل. ووصف (رب العالمين)، أي: مربي الخلق ومكملهم يناسب مقام العبد؛ لبيان نقصه وحاجته للكمال، ومن جهة شكره واعترافه بما مضى من نِعم وكمالات أفيضت عليه، وهي قطعاً لا تحصى، فبها ظهر للوجود بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وبها تغذّى ونما وتكامل بدنه، وربما نفسه وروحه إذا كان ممن سبقت لهم من الله الحسنى، وبها اهتدى إلى الصراط المستقيم، وجنب السقوط في هاوية الجحيم، فكأن الحمد والثناء على الله سبحانه بإضافة رب العالمين قد ضمن اعتراف وشكر واستجداء من العبد الناقص. وهو في مسيرته التكاملية للرب الكامل المكمل للعالمين.
فالحمد والثناء هو مفتاح كنوز الكمال، وبه فتحت السورة المباركة أُم الكتاب.

* * *


﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾:
إنّ تخصيص اسم الرحمن بـ (الدنيا أو الأرزاق)، والرحيم بـ (الآخرة والدين مطلقاً) غير دقيق، كما أنّ القول بأنّ صفة الرحمن عامّة تشمل المؤمن والكافر، وصفة الرحيم خاصة تشمل المؤمنين فقط مبني على التخصيص السابق؛ باعتبار أنّ رحمة الرزق في الدنيا تعم المؤمن والكافر، ورحمة الدين والآخرة تخص المؤمن ولا تشمل الكافر، إلاّ من جهة الدعوى إلى الإيمان.
والصحيح: أنّ الرحمن الرحيم اسمان مباركان يدلان على سعة الرحمة الإلهية وشمولها وشدّتها وعظمتها، وأختص الرحمن ببيان سعة الرحمة وشمولها، والرحيم ببيان شدّتها.
والدال على عدم التخصيص الآيات والروايات لمن تدبرها بإمعان، بلى يمكن القول: إنّ الأولى بأمور الدنيا من أرزاق وغيرها هو الرحمن؛ باعتبار دلالته على السعة والشمول للمؤمن والكافر. مع أنّه يبقى للرحيم في الدنيا حصّة كبيرة، فلولا شدّة رحمته تعالى لما شملت من لم يعرفه ومن لم يسأله من الكافرين.
كما يمكن القول: إنّ الأولى بالآخرة والدين والتشريع هو الرحيم.
وقد ورد في الحديث عنهم ما يدل على ذلك، فعنهم : (الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا) ( )، وورد: (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) ( )، والله أعلم وأحكم.
* * *
(الرحمن الرحيم) في سورة الفاتحة:
والرحمن الرحيم في سورة الفاتحة باعتبار أنّهما من كلام الله سبحانه فهما بشارة للمؤمنين به سبحانه، ودعوة للتوجه إليه، ودعائه والتوسل به بهذين الاسمين.
قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيم﴾( ).
وباعتبار أنّهما على لسان العبد، فهما أيضاً شكر وثناء، بل واستجداء. ولكن هذه المرّة بذكر صفته سبحانه التي طالما عرفه العبد بها، عرفه نوراً يهديه في ظلمات الأرض، وعرفه ربّاً عطوفاً لا ينسى من ذكره، ويذكر من نساه.
بقي أنّ الرحمن أسم خاص به سبحانه؛ وذلك لدلالته على سعة الرحمة والشمول المطلق لجميع الموجودات. أمّا الرحيم فاسم يعم غيره؛ لأنّه دال على قوّة وشدّة الرحمة، ويمكن أن يوصف مخلوق بأنّه شديد الرحمة، إذا ما قورن بمخلوق سواه. هذا ويمكن أن يقال: أنّ خصوصية الرحمن وعموم الرحيم؛ بسبب الاستعمال، والله أعلم.
وكرر الرحمن الرحيم؛ لأنّ الفاتحة تفصيل للبسملة، كما أنّ القرآن تفصيل للفاتحة.
* * *
﴿مَالِكِ ﴾ أو ﴿مَلِكِ ﴾ :
المالك: هو من ملك شيئاً، سواء ملك حقيقي كملكه سبحانه، أو اعتباري كملكنا نحن، الذي هو إعارة واستخلاف.
والملك: هو الحاكم المدبر لأمر الرعية.
وكلا الاسمين بالنسبة له سبحانه سواء. فإذا قلنا مالك يوم الدين فإنّ المالك للشيء ملك حقيقي له حق التصرف فيه وتدبير شؤونه على أي نحو يراه، فنكون قد أثبتنا له الملكية والملك. وإذا قلنا ملك يوم الدين - ومع أنّه ليس كسواه، بل هو مالك الملك - فيكون ملكاً يملك رعيته مُلكاً حقيقياً، فله حق تدبير شؤونهم على أي نحو يريد، فنكون قد أثبتنا له الملكية والملك كذلك.
ومن هنا نعرف أنّ كلتي القراءتين قد تضمنت الأخرى، وقد رويت كلتا القراءتين عن أهل البيت ، على أنّه رجّح بعض العلماء قراءة ملك؛ لكثرة ورودها عنهم ، والله أعلم.

﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾:
أي يوم الجزاء، ولعل الأصح أن نقول: جولة الجزاء أو الحساب. فاليوم هنا لا يعني الوقت المعين من شروق الشمس إلى غروبها، بل هو كما تقول اليوم عمل وغداً حساب، فاليوم هنا تقصد به الحياة الدنيا، كونها جولة عمل وامتحان، لا أنّك تريد الوقت المعين الذي ينصرف إليه الذهن عادة عند سماع كلمة يوم، فيكون هذا الوصف الجديد لألفات الانتباه إلى جولة الجزاء وإلى أنّ الملك والمالك فيها هو الله سبحانه.
وهنا يجب أن نلتفت إلى أنّه كمالك للأشياء أمر ثابت له سبحانه في الحياة الدنيا والآخرة، وكون عبيده قد أبقوا ( ) لا ينفي ملكيته، فهي سارية فيهم سريان الدم في أجسامهم وهم لا يزالون يحيون بفيضه ويعيشون في أرضه ويأكلون من رزقه، بل ويخضعون للقوانين الكونية التي وضعها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ ( ).
أمّا مُلكه أو حاكميته في الأرض، وفي الحياة الدنيا إجمالاً، فهو أمر قد كلّف عباده بقبوله، وأمتحنهم بإطاعة من خلّفه فيهم وملّكه أمرهم، ولم يجبرهم على قبوله أو إطاعة خليفته في أرضه، فمن شاء فليعبد الله ويقبل حاكميته في أرضه، ومن شاء فليعبد الطاغوت وينتظر النتيجة المظلمة.
ومن هنا فقد تشكّل على طول المسيرة، على هذه الأرض حزبان: حزب الله وحزب الشيطان. أو قل حزب يعبد الله، ويعترف أنّ الملك والحاكمية على هذه الأرض في الحياة الدنيا لله. فإذا أرادوا حاكماً أو ملكاً يحكمهم وفق الشريعة الإلهية لم يعينوه هم، ولم يقبلوا من ملكهم بالقوّة الغاشمة، كفرعون ونمرود وجالوت، بل طلبوا من الله أن يبعث لهم ملكاً؛ لأنّهم اعترفوا له بأنّه مالك الملك: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾( ).
فليس لسواه أن يحكم ويتصّرف إلاّ بإذنه، حتى وإن لم يخرج من حدود الشريعة.
ومثال هذه الجماعة المؤمنة التي تعترف بإنّ الله هو مالك الملك، (جماعة طالوت) من بني إسرائيل، وهم الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وربما يلحق بهم من هم دونهم في الإيمان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾( ).
وأمّا حزب الشيطان؛ فهم الذين قبلوا حاكمية الطاغوت والشيطان وملكه وتشريعه وقوانينه في هذه الأرض، واستسلموا لها ولم يحرّكوا ساكناً لتغيير الحال.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾( ).
والنتيجة فإنّ الله مالك الملك، وعلى الناس أن يقبلوا مَن عينه سبحانه. فإن تمردوا، فحظهم ضيعوا وربّهم أغضبوا، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾( ).
ومع الأسف كان على طول الخط أكثر الناس عبيداً للطاغوت، ولم يُحَكّموا شريعة الله فيهم، ولا من عيّنه مَلكاً عليهم، بل: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾( )، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾( ).
بل وقبلوا حكم الطاغوت والشيطان وحاكميته، سواء أنّهم رضوا بها أم لم يفعلوا شيئاً لإزاحة الطواغيت، وإبعادهم عن دفّة القيادة، التي استولوا عليها - في الغالب - بالقوّة الغاشمة، أو بالخداع في بعض الأحيان والتزوير وتغيير الحقائق.
وعلى كل حال المُلك في هذه الأرض كان - في الغالب - للطواغيت لا لله، فقليلة هي فترات حكم داود وسليمان وذو القرنين (عليهما السلام)؛ إذا ما قورنت بفترات حكم الطواغيت أمثال نمرود وفرعون ويزيد ... وأشباههم.
فالمُلك وإن كان لله في الدنيا والآخرة، ولكنّه في الدنيا مغصوبٌ من أهله وخلفاء الله في أرضه؛ ولهذا جاء التأكيد والتذكير بيوم عودته، وهو: يوم الدين أو جولة الحساب والجزاء.
ولهذا السبب قد تكون قراءة (ملك) هي الأصح، مع ما روي عن أهل البيت .
كما يمكن أن نقـول: أنّ يوم الجـزاء ليس يوم القيامـة الكبرى، بل هو يوم قيام الإمام المهدي . فعندما يحكم الأرض ، يكون الملك لله سبحانه والحاكمية لله؛ لأنّه خليفة الله، والمَلِك المُعيَّن من الله، ولأنّه يحكم بما أنزل الله في القرآن والتوراة والإنجيل والزبور.
ويمكن أن نقول: إنّ يوم الدين أو جولة الجزاء والحساب، تبدأ بقيام الإمام المهدي  وحكمه، وتنتهي بالحساب في القيامة الكبرى.
وإذا عرفت ما تضمنه مَلك الدين، من إشارة إلى مُلك الله وحاكميته الحقيقية، وملك الطاغوت وحاكميته الوهمية، عرفت أنّ العبد بعدها يجب أن يحدّد موقفه، والحزب الذي يريد أن ينضم إليه، حزب موسى  أو حزب فرعون (لعنه الله)، حزب الحسين  أو حزب يزيد (لعنه الله)، حزب الله أو حزب الشيطان (عليه اللعنة). أن يكون عبداً لله أو عبداً للشيطان.
* * *
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾:
عبادة الله هي: معرفة خليفته في أرضه والتسليم والانقياد له، والعمل بالشريعة المنطوية تحت جنبه. فهو كتاب الله، وحامل القرآن، بل هو القرآن.
وهنا يُحدّد المؤمن موقفه واختياره لله سبحانه، وهو ليس بالاختيار السهل، فهو يتضمّن الكفر بالطاغوت واختيار الحريّة والعمل لتحقيقها. ومن الطبيعي أنّ الشيطان وعمّاله من الطواغيت الذين يحكمون بالقوّة الغاشمة، لن يتركوا هذه الشرذمة المؤمنة لتتحرر من قبضتهم، وتعمل لنسف مملكتهم الوهمية، بل إنّهم سيمتطون صهوة الباطل حتى يصلوا إلى قعر جهنم. فلن يتركوا سوء القتل والتمثيل والخبث والخسّة والوضاعة لأحد غيرهم. وقديماً قال فرعون (لعنه الله)، عن موسى، وجماعته المؤمنة: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾( ). وهدّد السحرة الذين آمنوا بموسى ، فقال لهم فرعون (لعنه الله): ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾( ).
وشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون ثمن الحرية عظيماً؛ لأنّها معنى عظيم. ففي الدنيا دماء تسيل وعرق ينضح، وآلام ربما تتعدّى الجسد إلى النفس والروح. وفي الآخرة ثمن الحرية، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إنّه رضا الله سبحانه الواحد القهّار.
وفي خضم هذه الآلام والآمال يبرز النداء من أعماق هذا المؤمن الحر العابد لله، فيعترف أنّه عبد الله، بمعونته وحوله وقوّته سبحانه، وأنّه لا يزال محتاج لهذا العون والمدد (إياك نستعين)، وفي هذه الكلمات شكر واعتراف بفضل الله، إضافة إلى كونها بياناً لفقر العبد وطلبه المعونة من الله سبحانه الغني المطلق.
* * *
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾:
نحن نعبدك وحدك وبحولك وقوتك، فلم يبق لنا إلاّ أننا اخترنا عبادتك. وإذا كان هذا الاختيار بفضلك وتوفيقك، فهل بقي لنا من الأمر شيء ؟!
وهذا العبد لا يخاف دركاً ولا يخشى، فليلقه نمرود في النار، فإنّها ستكون برداً وسلاماً. وليجيش فرعون جيوشه، فسيبتلعهم بحر القلزم. ولكنّه ليكون عبداً مخلصاً لله حتى آخر لحظة من حياته، فإنّه يحتاج إلى المدد والعون والتوفيق الإلهي.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وكيف لا تكون حاضراً، وأنت أقرب إلى الناس من حبل الوريد ( ).
في هذه الآية ضمير المخاطب الحاضر الشاهد، وهل يمكن عبادة الغائب، أو طلب العون من الغائب، (أعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك) ( ).
وما أنا وما وجودي ؟!
وهل قمت بشيء سواك؟!
وهذه الأرض والشمس والقمر .. والنجم والشجر .. والمطر كلها تسبح في هواك.
وتنشد ... عميت عين لا تراك.
أمّا الجماعة في: نعبد، ونستعين؛ فلأننا حزب الله؛ ولأننا كالجسد الواحد، يكفي أن يتكلّم واحد منّا باسم كل الجماعة، فنحن قلب واحد، كما أنّ كل فرد في هذه الجماعة الإلهية لا يرى نفسه، بل يرى جماعة تعمل لإعلاء كلمة الله في أرضه.
* * *
تتميم
إذا اختار العبد الله سبحانه وتعالى وعبادته، وطاعة خليفته في أرضه، والكفر بالطاغوت، والعمل على إزالة دولته الشيطانية، فعليه أن يتم هذه العبادة والطاعة التي هي أصل لفروع كثيرة، هي العبادات والمعاملات، من صلاة وصيام وزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وقبول حكم الله وقوانينه في التجارة والاقتصاد والاجتماع، والحرب والسلم والسياسة عموماً، قال تعالى: ﴿إليهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾( ).
بل على العبد أن يوصل هذه القوانين الإلهية للناس، ويعمل بكل قواه على تطبيقها وإقرارها في المجتمع الإسلامي، على أقل تقدير. وهكذا تردّد روحه وكل عضو في جسده: إياك نعبد وإياك نستعين. بالاعتقاد الصحيح والعمل الصالح لا باللسان فقط.
ولعل كثيرين يردّدون: (إياك نعبد وإياك نستعين)، ولكن بألسنتهم وهم يعبدون شهواتهم ويستسلمون للطاغوت ويعبدونه، عندما ينصاعون لأوامره ونواهيه وقوانينه الشيطانية التي لم ينزل الله بها من سلطان، وهؤلاء تلعنهم هذه الكلمات الكريمـة: (فكم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه) ( ).
* * *
﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾:
بعد أن قرّر الإنسان أن يكون عبداً لله وفرداً من أفراد حزب الله سبحانه وتعالى، وما يتبع هذا القرار من طاعة لخليفة الله في أرضه، وقبول قوانين الله وحاكميته، والعمل على إقرار الشريعة الإلهية والحكم الإلهي في الأرض، وتحمّل المشقّة التي سيلاقيها من الطواغيت وعبيدهم، الذين يمثلون حزب الشيطان المقابل لحزب الله. عليه أن يعرف من هو خليفة الله، وما هي التشريعات الإلهية والعقائد الصحيحة، ثم يعمل لطاعة هذا الخليفة وتطبيق الشريعة، وهذا هو الطريق المؤدّي إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه سبحانه هو الحق وهذا هو الحق، ولعلّي أقول إنّ هذا الطريق هو أقصر طريق يعرفه الإنسان: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾( )، ولكننا نتعثّر بأعمالنا وسوء نياتنا، ونرضى بالجهل ونقصان العقل.
وعلى كل حال أقول: إنّ ما يحتاجه من اختار أن يكون عبداً لله، هو العلم والمعرفة أولاً، ثم العمل والتطبيق. ومن أين له العلم، ومن أين له التوفيق للعمل به. ولهذا جاء النداء: (اهدنا الصراط المستقيم).
اهدنا يا الله يا كامل (الحمد لله)، اهدنا يا رب العالمين، يا مربي الخلق، يا مكملهم (رب العالمين). اهدنا يا أرحم الراحمين برحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء، حتى من لم يعرفك ومن لم يسألك، وبرحمتك الشديدة العظيمة التي قبلت بها السحرة، بعد أن كانوا أعداءك ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، اهدنا، فنحن نحيا في مملكتك التي أغتصبها الظالمون وحزب الشيطان من خليفتك وحزبك ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
اهدنا يا من اخترنا عبادتك والانضمام إلى حزبك، بعونك وحولك وقوّتك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، اهدنا لمعرفة خليفتك وشريعتك، واهدنا لطاعته والعمل بالشريعة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾. اهدنا، عرفّنا، وفقنا، سدّ نقصنا وتكفل مؤنتنا.
والصراط: الابتلاع بسرعة كبيرة، وسمي به هذا الطريق؛ لأنّك ما أن تضع قدمك في أوله وبنيّة خالصة لله، حتى تجد نفسك قد وصلت إلى آخره.
وهذا ما ورد عنهم ، إنّ بعض المؤمنين يمرّون على الطريق كالبرق الخاطف ( )، وورد عن أمير المؤمنين  في نهج البلاغة: (وبرق له لامع كثير، فأبان له الطريق وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة) ( ).
المستقيم الذي يوصلنا إليك في طريق الإنابة والرجوع من عالم المادة إلى عالم العقل مروراً بعالم الملكوت. ونحن في جميع هذه العوالم فقراء نستجدي فيضك وكرمك، فنتحصّن بك من شرور خلقك في عالمي الكثرة والمتنافيات، عالمي الملك والملكوت، أو عالمي المادة والمثال. ونعتصم بك في عالم العقل والكليات. فمثلنا كالأعمى عندما يريد عبور الطريق، يحتاج إلى من يمسك معصمه ويوصله إلى الجانب الآخر. ثم إننا نرجو عونك ومددك دائماً وأبداً، من عالم الحقيقة الممتنع على خلقك.
قال أمير المؤمنين  ما معناه: (إذا خاف أحد فليقل: تحصنت بذي الملك والملكوت، واعتصمت بذي القدرة والجبروت، واستعنت بذي العزّة واللاهوت، من كل ما أخاف وأحذر، وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد ) ( ).
* * *
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾:
الحقيقة أنّ هناك صراطين: صراط الله، وصراط الجحيم اقتراباًً وابتعاداً، أو قل إقبالاً وإدباراً. وصراط الله هو (الصراط المستقيم). وطلب الهداية السابق - أي: اهدنا الصراط المستقيم - يحتاج إلى هذا التخصيص، أي بأنّه صراط الذين أنعم الله عليهم؛ وذلك لأنّ الصراط في عالمي الجزئيات (الملك والملكوت) سُبل كثيرة.
والهداية إلى بعضها يمكن أن يُعّبر عنه بأنّه هداية إلى الصراط المستقيم، وإن كانت هداية جزئية، ولكن تحديد الصراط بأنّه صراط الأنبياء ؛ لأنّهم هم المنعَم عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾( ).
يعني طلب الهداية إلى جميع سُبل السلام، أو الصراط المستقيم في عالمي الملك والملكوت. وبالتالي الوصول إلى تمام العقل وأعلى درجات القرب منه سبحانه الممكنة للإنسان.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾( ).
كما أنّ طلب تجنّب صراط الجحيم وهو صراط المغضوب عليهم في عالمي الملك والملكوت، يعني طلب تجنّب سُبل الجهل وجنوده، قال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾( ).
حيث إنّ انطواء النفس على بعض جنود الجهل فيه خطر عظيم، حتى وإن كان الإنسان مهتدياً إلى بعض سُبل الصراط المستقيم.
فمثلاً: الإسلام سبيل من سبل الصراط المستقيم، والإيمان سبيل، والولاية سبيل، والعقائد الصحيحة سبيل، والفقه والعلم سبيل، والعمل سبيل، والإخلاص سبيل.
وبجنب هذه السبل يعترض الإنسان الهوى والنفس والشيطان وزخرف الدنيا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾( ).
وعن أهل بيت العصمة ما معناه: صراط الذين أنعمت عليهم، أي: بنعمة العمل والإخلاص. وباختصار نعمة الدين الخالص، فلله الدين الخالص.
وفي هذه الآية - أي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ - عودة للثناء على الله سبحانه وشكره والاعتراف بفضله؛ وذلك لأنّ العبد فيها يعتبر عبادته وطاعته لله نعمة من نعم الله، وأي نعمة وفضل من الله وأي فضل.
وطلب الهداية هنا على مراتب؛ أدناها معرفة هذا الطريق ولو إجمالاً والسير عليه. فإن وصل بفضل الله ورحمته إلى تلك المراتب القدسية العالية، فهو من الذين أنعم الله عليهم، وكان من الذين سبقت لهم من الله الحسنى. وإن سار على هذا الطريق بالاهتداء إلى بعض سُبله (سُبل السلام)، كان مع ذلك متوخياً طاعة الله ورسوله، أي: في زماننا طاعة الإمام المهدي . وإن غلبته بعض الجهالات والظلمات التي انطوت عليه نفسه في بعض الأحيان، فهو يعثر بهذا الحجر ويهوي في تلك الحفرة، ومع ذلك ينهض ويبدأ من جديد. فمثل هذا العبد ربما تداركته الرحمة فكان مع الذين أنعم الله عليهم وليس منهم، فتدبّر. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾( )، والحمد لله وحده.
* * *
﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾:
وهؤلاء فئتان في مقابل أهل الحق، فالناس ثلاثة:
منهم: من طلب الحق وأصابه.
ومنهم: من طلب الباطل وأصابه.
ومنهم: من طلب الحق وأخطأه.
ولا يتصور أن يطلب أحد الباطل ويخطئه إلى الحق، فإصابة الحق تتطلب النية.
وعلى كل حال، من طلب الحق وأصابه، هم: أهل الحق، أو الذين اهتدوا إلى الصراط المستقيم، والذين طلبوا الباطل وأصابوه، هم: المغضوب عليهم. والذين طلبوا الحق وأخطؤوه هم الضالون.
وتطبيق المغضوب عليهم على اليهود، والضالين على النصارى لا يصح دائماً، فهو ربما ينطبق على فئة معينة منهم في زمن معين. فعندما بعث عيسى  رفض قوم من اليهود الاعتراف به كخليفة الله في أرضه وكنبي، وكفروا به، وهؤلاء هم اليهود المغضوب عليهم. وقَبل قوم من اليهود عيسى، ولكنّهم اعتقدوا فيه غير الحق فضلّوا.
ولعل سبب ضلالهم مع أنّهم طلبوا الحق هو أمراض في نفوسهم منعتهم من قبول الحق، بعد أن وصلوا إلى طرف الحق الموصل إليه، وهؤلاء هم الضالون.
أمّا اليوم فحال اليهود والنصارى مختلف، فانظر إلى ما يطلبون، ولعلّي لا أتردّد في قول إنّ معظمهم يطلب الباطل، وقد خاضوا في سبُل الغي والجور والظلم والفساد الأخلاقي وتحليل ما
حرّم الله، وهؤلاء طبعاً مغضوب عليهم سواء كانوا يهود أو نصارى.
ومن هنا فإنّ قصر المفهوم القرآني على مصداق معين في الخارج، عبارة عن محاولة اغتيال للقرآن لصالح إبليس وجنوده من الطواغيت ومن المتكبرين، الذين لا يؤمنون بيوم الحساب.
ولعل الأولى في هذا الزمان وفي البلاد الإسلامية، تطبيق المغضوب عليهم على الطواغيت وأعوانهم. فتدبّر أمر هذا الذي يدّعي أنّه مسلم وهو يعاون الطواغيت الذين يحاربون الشريعة الإسلامية المحمديّة، ويطبقون القوانين الوضعية الشيطانية.
ثم إنّك تجد أمثال هذا الذي هو حربة بيد الشيطان، يقنت ويصلّي ويقرأ سورة الفاتحة ويقول في آخرها: إلهي جنبنا صراط المغضوب عليهم، مع أنّه يعمل ليلاً ونهاراً ليكون من المغضوب عليهم، وهو على علم بأنّه يسلك صراط الجحيم، ﴿جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾( ).

* * *







إضـــــاءات
أولاً: إضاءة على أسمائه سبحانه
في الحقيقة إنّه لا يوجد له سبحانه وتعالى اسم يظهره من الغيب إلى الشهادة أو المعرفة التامّة بكنهه وحقيقته، بل جميع الأسماء الكريمة المقدسة هي أسماء لصفاته الذاتية أو الفعلية.
ويختص أسم الله بأنّه اسم لجميع الصفات الكمالية الذاتية والفعلية المتفرعة منها.
وبيان ذلك: إنّ اسم الرحمن وضع لصفة الرحمة، فهو راحم برحمته، والرحمة ذاته، واسم قادر وضع لصفة القدرة، فهو قادر بقدرته، والقدرة ذاته، كما روي عنهم ، راجع توحيد الصدوق ( ).
وهذه الذات الموصوفة بهذه الصفات والمعروفة بهذه الأسماء، هي غير كنهه وحقيقته سبحانه التي لا يعرفها غيره، والتي نثبتها بالهاء المضافة إلى كلمة ذات عندما نقول ذاته، ونعلن غيبتها بالضمة.
وبعبارة أخرى: ضمير الغائب (هو)، فالهاء للثبوت، والواو للغيبة، فعن الباقر : (أنزل الله تبارك وتعالى قل هو الله أحد، فالهاء تثبيت الثابت ، والواو إشارة إلى الغائب) ( ).
يجب الالتفات إلى أنّ الذات والكنه إنّما تختلف في مقام المعرفة والتجلّي (أي الظهو)، وإلاّ فهو سبحانه حقيقة واحدة بسيطة لا جزء له ولا تركيب فيه ، والنور الذي فتح لمحمد في مثل سم الإبرة، إنّما هو الذات الموصوفة لا الحقيقة والكنه الغائبة عن جميع خلقه، محمد وما دونه، كما روي عنهم ، فهم يعرفون نيفاً وسبعون حرفاً من الاسم الأعظم، وحرف أستأثر به سبحانه في علم الغيب عنده، وورد هذا المعنى في الدعاء عنهم ، وتكرّر في أكثر من دعاء هذا المعنى: ( الاسم المكنون المخزون الذي لم يخرج منك إلى غيرك) ( ).
وفي الحديث عن الصادق ، قال: (إنّ الله تبارك وتعالى خلق أسماً وهو عزّ وجل بالحروف غير منعوت، وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسد، وبالتشبيه غير موصوف، وباللون غير مصبوغ، منفي عنه الأقطار، مبعد عنه الحدود، محجوب عنه حس كل متوهم، مستتر غير مستور، فجعله كلمة تامّة على أربع أجزاء معاً، ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، وحجب منها واحد؛ وهو الاسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء الثلاثة التي أظهرت. فالظاهر هو الله تبارك و تعالى، وسخّر سبحانه لكل أسم من هذه أربعة أركان ... إلى آخر الحديث) ( ).
ولكل أسم من أسمائه سبحانه وتعالى ظل في خلقه، فظل الذات أو مدينة الكمالات الإلهية، أو اسم الله هو محمد ، أو مدينة العلم. وظل الرحمن - الذي هو باب مدينة الكمالات الإلهية - هو علي  الذي هو باب مدينة العلم، وظل الرحيم - الذي هو باب مدينة الكمالات الإلهية - فاطمة ، أو باب مدينة العلم. وهكذا بقية الأركان الاثني عشرة لهذه الأسماء الثلاثة. والاسم الوحيد الذي لا ظل له في الخلق هو الحقيقة أو الكنه، بل إنّ ظله الذات الإلهية؛ ولذلك فالعبادة الحقيقية هي عبادة الكنه والحقيقة، ولا يعرفها في أعلى درجاتها إلاّ محمد الذي فاز بالسباق، وأستحق أن يشهد له جميع الخلق بأنّه عبده.
قال أمير المؤمنين : ( ... وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخـلاص له، نفي الصفات عنه؛ لشهادة كل صفـة إنّها غير الموصوف، وشهادة كل موصـوف إنّه غير الصفـة ...) ( ).
وعن الرضا ، قال: (ولا معرفة إلاّ بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه) ( ). وهذا المقام مقام محمد .
وقال أمير المؤمنين : (وبالذات التي لا يعلمها إلاّ هو عند خلقه معروفاً) ( ).
أي: بظهور الذات وتجلّيها في الخلق بمحمد ، فالله عرف بمحمد، ولا يعرف محمد تمام
معرفته إلاّ الله الذي خلقه؛ ولذلك قال أمير المؤمنين : (التي لا يعلمها إلاّ هو ...)، فلا يعلم الذات، أي: الله إلاّ هو سبحانه. كما لا يعلم ظل الذات أو تجلّيها وظهورها في الخلق إلاّ هو سبحانه.
بلى، باب المدينة يعلم أكثر ما في المدينة لا كل ما في المدينة، فعلي وفاطمة يعرفان محمداً ، لكن لا كما هو يعرف نفسه وكما يعرفه الله.
قال أمير المؤمنين: (لو كشف لي الغطاء ....) ( )، بينما رسول الله كشف له مثل سم الإبرة، كما ورد في الحديث ( ).
فكمال عبادته والإخلاص له سبحانه، هو عبادة الكنه والحقيقة، والتوجّه إليه هو سبحانه وتعالى، لا إلى الذات التي لا يخلو التوجه إليها من الطمع في تحصيل الكمال على أقل تقدير.
ومن هنا نعرف مقام الرسول السيد الكريم محمد لما اعتبر بقاءه ذنباً، ووجوده خطيئة استغفر منها وطلب العفو منه سبحانه، فجاءه الجواب من أكرم الكرماء سبحانه برفع شيء من الحجاب، فظل يخفق حتى اشتبه على السادة الكرام ملائكة الله نوره بنور الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً، ففي حديث المعراج عن الصادق ، قال: (إنّ الله عرج بنبيه إلى سمائه سبعاً؛ أمّا أُولهن: فبارك عليه، والثانية ... إلى أن قال: ثم عرج إلى السماء الدنيا، فنفرت الملائكة إلى أطرف السماء، ثم خرّت سجداً، فقالت: سُبّوح قدّوس ربنا ورب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرائيل : الله أكبر، الله أكبر، فسكنت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، واجتمعت الملائكة، ثم جاءت فسلمت على النبي أفواجاً، ثم قالت: يا محمد كيف أخوك؟ قال: بخير. قالت: فإن أدركته فاقرأ له منّا السلام. فقال النبي: أتعرفونه؟ فقالوا: كيف لم نعرفه وقد أخذ الله عزّ وجل ميثاقك وميثاقه منّا، وإنّا لنصلي عليك وعليه .... ثم عرج به إلى السماء الثانية، فلما قرب من باب السماء تنافرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجداً، وقالت: سُبّوح قدّوس رب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرائيل : أشهد أن لا إله إلاّ الله. أشهد أن لا إله إلاّ الله .... إلى آخر الحديث ) ( ).

مراتب أسمائه سبحانه
المرتبة الأولى: مرتبة الحقيقة أو الكنه.
المرتبة الأولى من أسمائه سبحانه هي: مرتبة الحقيقة أو الكنه. وهي مرتبة كلية لا يتميز لنا منها اسم ولا رسم، سوى ما ورد في بعض الروايات من الإشارة إليها بضمير الغائب (هو)؛ ولأنّه يشير إلى المرتبة الأعظم من أسمائه سبحانه وتعالى، أطلق عليه الاسم الأعظم، الأعظم، الأعظم.
المرتبة الثانية: هي مرتبة الذات.
وهي مرتبة تفصيلية منها الفيض وبها واجه خلقه سبحانه، وأقول: خلقه وأعني : محمداً فقط؛ لأنّه هو فقط من رأى آيات ربّه الكبرى، وفتح له من حجاب الذات فظل يخفق.
واسم الله يشير إلى هذه المرتبة فبها تحيّرت العقول، وبها هامت القلوب.
واسم الرحمن الرحيم باب الذات، ومنه وبه يفاض على الخلق: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾( ).
المرتبة الثالثة: هي مرتبة الإنسان.
فالذات الإلهية تجلّت وظهرت للخلق في الإنسان الكامل، كما ورد في الحديث ما معناه: (خلق الله آدم على صورته) ( )، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾( )، والتعليم هنا يتجاوز اللفظ والمعنى إلى شيء من الحقيقة الخارجية والتأثير. والأسماء هي أسماؤه الذاتية: .. الله، الرحمن، الرحيم، العليم، العزيز، الحكيم، ... الخ.
والفعلية الخالق: البارئ، المصور، الرازّق .. الخ. وما يتعلّق بها من ظهور وتجلّي؛ سواء في أعلى الساحات النورانية القدسية، كالأنبياء والأئمة والصالحين والملائكة، أو في أدنى الظلمات المادية،كالبساط الذي تجلس عليه،كما ورد في الحديث عن الإمام المعصوم .
وهذا العلم كان سبب أفضلية آدم على الملائكة، فوعاء الإنسان الفطري كبير، وسعة الأفق الذي يمكن أن ينظر فيه عظيم. وليس للملائكة الكرام إلاّ الشيء اليسير من هذه القدرة التي أودعها الله في الإنسان الفطري وائتمنه عليها؛ لهذا أُمِروا بالسجود له والخضوع بين يديه، إذا أطاع الله؛ وذلك لأنّه انطوى على معرفة الله سبحانه وتعالى، وأصبح تجلياً وظهوراً لأسمائه سبحانه وتعالى،
وفي الرواية عن الإمام الرضا  عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ، قال: قال رسـول الله : (ما خلق الله خلقاً أفضل منّي، ولا أكرم عليه مني، قال علي : فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرائيل ؟ فقال: يا علي، إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبيائه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، وأنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبينا، يا علي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة، وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله تقديسه؛ لأنّ أوّل ما خلق الله عزّ وجل خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة، فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً أستعظموا أمرنا، فسبحنا؛ لتعلم الملائكة إنّا خلق مخلوقون، وأنّه منـزّه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا. فلّما شاهدوا عظم شأننا، هللنا؛ لتعلم الملائكة أن لا إله إلاّ الله، وإنّا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن تُعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلاّ الله. فلما شاهدوا كبر محلّنا،كبرنا؛ لتعلم الملائكة أنّ الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلاّ به. فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العزّ والقوّة، قلنا: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوّة إلاّ بالله. فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة، قلنا: الحمد لله؛ لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمته، فقالت الملائكة: الحمد لله. فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده. ثم إنّ الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له؛ تعظيماً لنا وإكراماً، وكان سجودهم لله عزّ وجل عبودية، ولآدم إكراماً وطاعة؛ لكوننا في صلبه. فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون. وإنّه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرائيل مثنىً مثنى، وأقام مثنىً مثنى، ثم قال لي: تقدّم يا محمد، فقلت له: يا جبرائيل أتقدّم عليك؟ فقال: نعم؛ لأنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبيائه على ملائكته أجمعين، وفضلك خاصّة. فتقدّمت فصليت بهم ولا فخر. فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرائيل: تقدّم يا محمد، وتخلّف عنّي، فقلت: يا جبرائيل في مثل هذا الموضع تفارقني؟ فقال: يا محمد إنّ انتهاء حدّي الذي وضعني الله عزّ وجل فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي؛ بتعدي حدود ربي جل جلاله، فزجّ بي في النور زجّة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علو ملكه، فنوديت يا محمد. فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد أنت عبدي، وأنا ربك، فإياي فأعبد وعلي فتوكل، فأنّك نوري في عبادي، ورسولي إلى خلقي، وحجتي على بريتي، لك ولمن اتبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي ، ولشيعتهم أوجبت ثوابي. فقلت: يا رب ومن أوصيائي؟ فنوديت: يا محمد أوصيائك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت وأنا بين يدي ربي جلّ جلاله إلى ساق العرش، فرأيت إثنا عشر نوراً، في كل نور سطر أخضر عليه أسم وصي من أوصيائي، أولهم علي بن أبي طالب  وآخرهم مهدي أمتي ، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت: يا محمد هؤلاء أوليائي وأصفيائي، وحججي بعدك على بريتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك، وخير خلقي بعدك. وعزّتي وجلالي لأظهرنّ بهم ديني، ولأعلينّ بهم كلمتي، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأمكنّنه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللنّ له السحاب الصعاب، ولأرقينّه في الأسباب، ولأنصرنّه بجندي، ولأمدنه بملائكتي، حتى تعلو دعوتي، ويجتمع الخلق على توحيدي،ثم لأديمنّ ملكه ولأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة) ( ).
وعن الصادق ، قال: (كان جبرائيل إذا أتى النبي قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذن) ( ).
* * *


عطفاً على ما سبق:
للالتفات إلى كنه وحقيقة معرفة الرسول بالذات الإلهية سبحانه وتعالى، وتجلّيها وظهورها فيه للخلق. يتدبر هذا المثل: وهو الفرق بين علم من عرف النار برؤيتها فقط، ومن احترق في النار حتى أصبح هو ناراً، وهذا هو مقام الرسول الكريم عندما فتح له مثل سم الإبرة، فهو بين حالين؛ حال فناء ولا يبقى له منها اسم ولا رسم ولا يبقى إلاّ الله الواحد القهار، وحال يعود فيها إلى الأنا والشخصية.
وإذا لم تكتفِ بحديث المعراج السابق أعرّج بك على سورة الفتح، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾( ).
وليس المراد فتح مكّة في هذه الآية، وإن كان فتح مكّة من لوازم هذا الفتح؛ لأنّ الفتح في الملكوت يتبعه فتح في الشهادة، فما بالك إن كان الفتح في عالم اللاهوت! بين الذات الإلهية ومحمد ، وهو إماطة شيء من الحجاب.
وقصر الآية على فتح مكّة تعسّف، وميل بالآية عن المراد منها؛ حيث استخدم صيغة الماضي ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾، أي: إنّ الفتح تحقّق في فترة سبقت نزول الآية، أو أثناء نزولها، بينما فتح مكّة تحقّق بعد عامين من نزول الآية.
ثم إنّ هذا الفتح كان سبباً لمغفرة ذنب الرسول الملازم له (تقدّم، وتأخر)، وهذا الذنب - كما مر - هو تشوّبه بالظلمة التي لا يخلو منها مخلوق؛ لأنّه هو سبحانه وتعالى فقط نور لا ظلمة فيه.
فعن هشام بن سالم، قال: دخلت على أبي عبد الله ، فقال: (أتنعت الله؟ فقلت : نعم . قال : هات. فقلت: هو السميع البصير. قال : هذه صفة يشترك فيها المخلوقون. قلت: فكيف تنعته؟ فقال : هو نور لا ظلمة فيه ...) ( ).
وبسبب إماطة الحجاب والفتح المبين وفناء الرسول الكريم في الذات الإلهية، أصبح هو وجه الله وكلمته التامّة. وبتعبير آخر: أصبح هو أسم الله في خلقه وأسماؤه الحسنى في خلقه.
وهذه هي المرتبة الثالثة لأسمائه سبحانه وتعالى، وكذلك حجج الله صلوات الله عليهم، من أئمة وأنبياء وأوصياء ومرسلين -كل بحسب مرتبته وقربه - يمثلون وجه الله وأسماءه الحسنى، منهم المرآة التي انعكست فيها الأسماء الحسنى، وهم الذين تخلّقوا بأخلاق الله سبحانه وتعالى.
روى الصدوق في التوحيد وفي العيون عن الهروي: قال: قلت لعلي بن موسى الرضا : يا ابن رسول الله ، فما معنى الخبر الذي روي: أنّ ثواب لا إله إلاّ الله النظر إلى وجه الله؟ فقـال : (يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه (صلوات الله عليهم) ( ).
روى الكليني في أصول الكافي: عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله  في قوله عزّ وجل: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾( )،قال : (… نحن والله الأسماء الحسنى، التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلاّ بمعرفتنا) ( ). والأخبار في هذا المعنى كثيرة ومستفيضة.
* * *
بقي أن نعرف:
بقي أن نعرف أنّ كل مرتبة أدنى، هي تجلٍّ وظهور لمرتبة أعلى لأسمائه سبحانه وتعالى، فأسم الله أو الذات الإلهية؛ هو تجلٍّ وظهور للحقيقة أو الكنه أو الاسم الأعظم أو هو. ومحمد ؛ هو تجلّي وظهور للذات الإلهية في الخلق أو اسم الله في الخلق. أما الرحمن الرحيم؛ فهما اسم واحد معبّر عن الرحمة ولا يفترقان، بلى بينهما تمايز في السعة والشدّة فقط، وهما باب الذات الإلهية أو اسم الله، وتجلّيهما أو ظهورهما في الخلق، هما علي وفاطمة (عليهما السلام)، باب مدينة العلم أو محمد ، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾( ).والرحيم منطوٍ في الرحمن.
فهذه الأسمـاء الثلاثـة: (الله، الرحمن، الرحيم)، هي أركان الاسم الأعظم؛ ولهذا برحيل علي  من هذا العالم إلى جوار ربّه نادى جبرائيل: (تهدّمت أركان الهدى) - أي في هذا العالم - بعودة ثالثها علي ، بعد أن سبقه محمد وفاطمة .
ولأهمية هذه الأسماء الثلاثة، بل ولقيام الخلق والسماوات والأرض ببركتها، فتحت بها سورة الفاتحة، بل القرآن أو الكتاب التدويني،كما فتح بها الكتاب التكويني، فأول ما خلق الله سبحانه نور محمد وعلي وفاطمة ، كما ورد في الروايات ( )، وهما - كما تبيّن - نور: الله، الرحمن، الرحيم على التوالي، والله أعلم وأحكم، وما أوتينا من العلم إلاّ قليلاً.

* * *






الأسماء الإلهية في سورة الفاتحة
الأسماء الإلهية التي وردت في الفاتحة:
أولاً: الله، الرحمن، الرحيم
اسم الله موضوع للذات الجامعة للكمالات الربانية. والرحمن الرحيم باب الذات، ولولا أنّ الرحمة هي الباب لما زكى أحد من العالمين، فلا يتحقّق كمال لأحد، بل لا يفاض شيء على جميع العوالم المخلوقة إلاّ بهذين الاسمين، فالفيض من الله وبالرحمن الرحيم؛ ولذا قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾( ).
ثانياً: رب العالمين
العوالم ثلاثة، وهي:
أ- عالم الملك: أو هذا العالم الجسماني الذي نعيش فيه، ويتكوّن من المادة - الشبيهة بالعدم والتي ليس لها حظ من الوجود إلاّ قابليتها للوجود - ، ومن الصورة المظهرة لها. والمادة متقوّمة بالصورة، وكل ما للجسم من إحساس وطعم ورائحة وحركة ونمو واندثار، فهي للصورة الجسمانية والمثالية لا للمادة. فمثلاً: الإصبع في جسم إنسان ما يتحسّس الحرارة والبرودة والنعومة والخشونة، وعند موت هذا الإنسان - ففي الغالب - يتحوّل جسمه إلى تراب، فُيمسي هذا الإصبع حفنة تراب.
وحقيقة هذا الأمر هو: أنّ صورة إصبع الإنسان ارتفعت عن المادة، وعرضت عليها صورة جديدة، هي صورة حفنة التراب، وهي جسم جديد غير حسّاس، فتبيّن لنا أنّ الإحساس في الأجسام من لوازم الصورة لا المادة. وهكذا لو تحولت حفنة التراب إلى برتقالة، أصبحت ذات رائحة جميلة وطعم طيب، ومع أنّ المادة نفسها في الإصبع والتراب والبرتقالة، ولكن تغيّر الصورة سبب تغيّر الرائحة والطعم والتحسّس، بل وحرمة أكل التراب وإصبع الإنسان وحلية أكل البرتقال.
فعن الصادق  قال: (اعلم يا فلان إنّ منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أنّ جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدية عنه، الأذنان والعينان والأنف والفم واليدان والرجلان والفرج، فإنّ القلب إذا هم بالنظر فتح الرجل عينه، وإذا هم بالاستماع حرك أذنيه وفتح مسامعه فسمع، وإذا هم القلب بالشم استنشق بأنفه، فأدى تلك الرائحة إلى القلب، وإذا هم بالنطق تكلّم باللسان، وإذا هم بالبطش عملت اليدان، وإذا هم بالحركة سعت الرجلان، وإذا هم بالشهوة تحرّك الذَكر. فهذه كلّها مؤدية عن القلب بالتحريك، وكذلك ينبغي للإمام أن يطاع للأمر منه) ( ).
ومن هنا نعرف أنّ التشريع لا ينظر إلى المادة، بل إلى الصورة، بل ويكفي النظر إلى الصورة المثالية الملكوتية التي هي أصل الصورة الجسمانية؛ ولهذا ورد عن المعصومين ما معناه: (إنّ الله لم ينظر إلى هذا العالم منذ خلقه)، (وأنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) ( ).
كما وتندفع بما قدّمت شبهة الآكل والمأكول ( )؛ حيث إنّ المشترك بين الإصبع والتراب والبرتقالة في المثال هو: المادة فقط ، والمادة: عدم قابل للوجود لا غير.
فتبين أنّه لا يوجد أي اشتراك حقيقي بين الإصبع والتراب والبرتقالة.
ب- عالم الملكوت: وهو عالم مثالي مجرّد عن المادة، شبيه بما يراه النائم، وهو أشرف من هذا العالم الجسماني، بل ومسيطر عليه ويتصرّف فيه. ولكل جسم في عالم الملك صورة في عالم الملكوت، وهي حقيقته.
وصورة الإنسان في عالم الملكوت، هي نفسه أو الناطقة المغروسة في الجَنان ( )، وهي المدبرة للجسم في هذا العالم المادي، وهذه النفس أو الناطقة المغروسة في الجَنان هي: ظل العقل.
ج- العالم العقلي: وهو العالم الثالث، أشرف من عالم الملكوت. وهو عالم كلي، الموجودات فيه مستغرقة بعضها في بعض، ولا تنافي بينها، كما هو الحال في عالمي الملكوت والملك.
وغاية الإنسان هي الوصول إلى هذا العالم، والغرض من هذا الوصول هو معرفة الله سبحانه وتعالى، على ما قدّمت من أنّها ليست معرفة كنهه وحقيقته سبحانه، ولا معرفة ذاته أو أسمائه وصفاته التي هي عين ذاته، بل هي معرفة ظلال أسمائه الحسنى، وهم الحجج . وأؤكد أنّهم ظلال أسمائه الحسنى، لا أسمائه الحسنى التي هي عين الذات.
وأمّا ما ورد في بعض الروايات التي تسميهم بالأسماء الحسنى؛ فمن حيث إنّ الصورة تحكي الأصل، فأنت عندما ترى صورة شخص ما تقول: هذا فلان مع أنّ ما رأيته هو صورته، وليس هو ذاته.
وربما اختار سبحانه من خلقه من فتح لهم باب رحمته، وكشف عنهم الغطاء فنظروا إلى الرسول الكريم ، الحاكي عن الذات أو مدينة الكمالات، وبابه علي وفاطمة (عليهما السلام)، أو قل إلى ظل: الله، الرحمن، الرحيم، ووجهه سبحانه في الممكنات.
والإنسان في جميع هذه العوالم يحمد الله رب العالمين ويثني عليه؛ لأنّه الكريم الذي يعطي بلا مقابل. فهو سبحانه المربي في هذا العالم الجسماني، فمن حفنة التراب تكون النبات، ثم الحيوان المنوي والبويضة، ثم الجنين، ثم الطفل، ثم أخذ جسم الطفل ينمو ويتكامل شيئاً فشيئاً.
والإنسان في جميع هذه الأطوار فقير ومحتاج إلى ربّ غني، يوفّر له البيئة الملائمة، والغذاء الكافي لنموه وتكامله، ويدفع عنه أذى المتنافيات.
وربما يقول أحد: ما فائدة التكامل في العالم المادي، والنتيجة أنّ جسم الإنسان الذي هو غاية الكمال في العالم الجسماني يعود إلى حفنة التراب، وهي جماد، وهو أخس الموجودات الجسمانية؟
أقول: إنّ جسم الإنسان إذا تكامل بشكل حقيقي، وبني على الحلال، وزكي بالعمل الصالح الخالص لله سبحانه، فهو لا يعود حفنة تراب، بل يبقى جسم إنسان، وورد في الروايات أنّ الأرض لا تأكل (أجسام الأنبياء والأوصياء والشهداء، ومن واظب على غسل الجمعة أربعين أسبوعاً) ( )، وقد لمس الناس هذه الحقيقة كثيراً عندما كشف عن قبور بعض الشهداء، ووجدوا أنّها على حالها لم تتغيّر. كما روي أنّه كُشف عن جسد الحر بن يزيد الرياحي (رحمه الله)، فُوجد على حاله لم يتغيّر، مع مرور مئات السنين على شهادته مع الحسين بن علي (عليهما السلام) ( ).
إذن، فانهيار أجسام معظم الناس وعودتها حفنة تراب؛ لأنّهم بنوها على جرف هار ولم يزكّوها بالعمل الصالح.
أمّا في عالم الملكوت؛ فالإنسان محتاج إلى المربي الذي يفيض عليه الكمالات الأخلاقية التي ترقى به إلى عالم العقل، ومحتاج إلى الربّ الذي يدفع عنه الأهواء النفسية الباطلة، ووساوس شياطين الإنس والجن التي تقيد سيره في طريق الله سبحانه وتعالى.
أمّا الثلّة الذين يصلون إلى عالم العقل، فهم محتاجون إلى الربّ الذي يفيض عليهم ويكملهم كل بحسب درجته: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾( ).كما ويثبّت أقدامهم في هذا العالم. وهكذا فجميع الموجودات في جميع العوالم محتاجة إلى الربّ سبحانه، وترجو فضله، وتترقب عطاء مربيها لتتكامل وتبقى.

ثالثاً: ملك يوم الدين
تبيّن من البحث السابق أنّ الحجج ، هم وجه الله وظلال أسمائه الحسنى، فأمرهم أمره سبحانه، وملكهم ملكه، فإذا ملك أو حكم أحدهم كان الملك لله؛ لأنّ المعصوم  يحكم بشريعة الله، ويبثّها بين عباد الله، وأعماله كلّها بأمر الله وفي رضا الله سبحانه وتعالى، فهذا الحاكم المعصوم  طاعته واجبة، وهي طاعة الله ومعصيته والتمرد عليه محرمة؛ لأنّها معصية الله والتمرد على الله؛ لأنّه خليفة الله في أرضه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾( ).
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾( ).
والآيات الدالة على أنّ المُلك لله سبحانه وتعالى كثيرة، وليس للعباد أن يتصرّفوا وفق أهوائهم أو تخرصاتهم العقلية.
وكما قدّمت أنّ كلتي القراءتين (مالك، وملك) تتضمّن معنى الملك الثابت له سبحانه وتعالى على هذه الأرض، سواء رضي الناس أم أبوا.
بلى، هم عند رفضهم لِمُلكِهِ سبحانه، فهو لا يجبرهم على طاعة وليه وحجته، وخليفته والمَلك المعيّن منه سبحانه وتعالى؛ حيث إنّ الضرر سيقع عليهم، والتلف سيكون في أموالهم وأنفسهم، بل هم خُلقوا في هذه الأرض لعبادة الله، والكفر بالطاغوت باختيارهم، فإجبارهم على رفض حكم الطاغوت ومحاربة رموزه، وإقامة حكم الله ومناصرة خليفته تنفي أصل الامتحان، وتضيع الغرض منه.
وهذا يبيّن لنا شرف أمّة محمد وعظم شأنها؛ حيث إنّها التي تقيم حكم الله على أرضه في حدث ليست له سابقة ولا نظير، وتنصر خليفة الله المهدي  في يوم الدين، أو جولة الجزاء والحساب في هذه الأرض.
وتلك الأمّة أنصار وأصحاب الإمام المهدي ، هم خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أمّا من سبقهم فلا يمكن إطلاق اسم أمّة محمد عليهم بهذا الوصف، أي: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. كيف وقد قتلوا خلفـاء الله علي ، وولده ، سواء مَن ناصر الطواغيت أم مَن خذل المعصومين .
بلى، هناك أفراد قلائل نصروا المعصومين ، وفي الغالب قضوا كما قضى أئمتهم ، فهم بين مسموم ومقطع بالسيوف كمالك الأشتر، وحجر بن عدي الكندي، وأصحاب الحسـين .
كما أنّ شرف هذه الأمّة يتمثّل بأنّها ستنصر أول من سيقيم حكم الله في أرضه، وينشر القسط والعدل بين الناس، بل لعليّ أقول: هو الشخصية الوحيدة المنفذة لشريعة الله التامّة في أرضه، ومعظم من سبقه (صلوات الله عليهم) هم مبلغون ومنذرون ومبشرون.
وملك سليمان وذي القرنين ليسا بسعة ملكه، ولم يُعطيا من التمكين والسلطة بقدر ما سيُعطى ؛ حتى ورد في بعض الروايات: أنّ موسى بن عمران  تمنّى أن يكون هو قائم آل محمد ( ).
وإذا عرفنا فيما سبق من البحث أنّ الحجج هم ظلال أسمائه سبحانه وتعالى، تبيّن لنا هنا أنّ الإمام المهدي  هو ظل اسمه سبحانه المَلك، فالإمام هو الحاكم والمَلك في الأرض في يوم الله أو يوم الدين، والله هو المَلك الحقيقي ليوم الدين.
ومن المناسب أن تفتح سورة الفاتحة بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، ويختم الحمد بمَلك يوم الدين.
ومحمد ظل اسم الله سبحانه، والإمام المهدي ظل اسم المَلك سبحانه وتعالى، وكما ورد عنهم : (بنا فتح الله وبنا يختم) ( ).
* * *

ثانياً: إضاءة على العبادة والاستعانة
العـبادة:
العبادة عبادة الله سبحانه وتعالى ببساطة وبدون أي تعقيد هي: طاعة الله والانصياع لأوامره ونواهيه؛ ولهذا كان الامتحان الأول للعقل الأول أو محمد في عالم العقل بسيط وخالٍ من أي تفاصيل، وهو أدبر فأدبر، أقبل فأقبل.
قال أبو عبد الله الصادق : (اعرفوا العقل وجنده تهتدوا، واعرفوا الجهل وجنده تهتدوا، قال سماعة: قلت: جعلت فداك لا نعرف إلاّ ما عرفتنا؟ فقال أبو عبد الله : إنّ الله تبارك وتعالى خلق العقل، وهو أول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال الله تبارك وتعالى له: خلقتك خلقاً عظيماً، وكرمتك على جميع خلقي. قال: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل، فلم يقبل، فقال الله عزّ وجل: استكبرت فلعنت، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً ... إلى آخر الحديث) ( ).
وإذا كانت العبادة هي الطاعة أصبح الأمر بسيطاً، فكل من أطاع الله عبد الله، وكل من لم يطع الله لم يعبد الله سبحانه وتعالى، وإن ظهر منه شيء في البداية يدل على طاعة الله كأدبار الجهل؛ فإنّ الذي يقتصر على الظاهر يظن أنّ إدبار الجهل كان طاعة لأمر الله، ولكن لو تدبرنا قليلاً لعلمنا أنّه طاعة لهواه، كذلك عبادة إبليس التي سبقت تكبّره ومعصيته. ولو عدنا إلى هذه الأرض لوجدنا أنّ أول من خلق من الإنس هو أبينا آدم ، وكان الأمر الأول من الله للملائكة، ومن دخل معهم هو السجود لآدم، وهو سجود لنور محمد وعلي  في صلبه، وهذا السجود كان لله سبحانه وتعالى، وإنّما كان آدم  قبلة للملائكة توجّهوا به إلى الله، واعترفوا بأفضليته  عليهم، وهكذا أصبحت هذه سنّة الله في الأرض، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً، يبعث خلفاءه وحججه ، ويأمر عباده بطاعتهم، فطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله.
أمّا الشريعـة؛ فهي منطوية تحت أجنحتهم، وهم المبلغـون لها، فالعمل بالشريعة وقبولها دون طاعتهم والانقياد والتسليم لهم لا قيمة له. وكيف تكون له قيمة وحُكمه سبحانه في أهل السماء وأهل الأرض واحد، وقد طرد إبليس (عليه اللعنة) ولعنه؛ لأنّه رفض السجود لآدم وتكبّر عليه، مع أنّه لم يرفض عبادة الله سبحانه في غير هذا الأمر، بل كان مجتهداً فيها كما روي ( ).
ومن هنا فإنّ معرفة حجّة الله وخليفته في أرضه، ومن ثم طاعته والتسليم والانقياد له هي طاعة الله سبحانه وعبادته، وأولئك الذين لا يطيعون حجّة الله وخليفته في أرضه لم يعبدوا الله سبحانه وتعالى، وإن عملوا بالشريعة وصاموا وصلوا وحجّوا، وقد ورد عنه ما معناه: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) ( )، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾( ).
ولم ولن تتحقق الهداية للإنسان إلى الصراط المستقيم ما لم يعرف الهادي ويسلم وينقاد له، ومن هنا فإنّ من لا ينقاد لخليفة الله في أرضه ولا يتوجّه بطاعته  إلى الله سبحانه وتعالى عندما يقول: إياك نعبد، فإنّه يخاطب هواه وإبليس (لعنه الله) والجهل (لعنه الله)، وعندما يتوجّه جسمه إلى القبلة، فإنّ حقيقته ونفسه تتوجّه إلى عكس القبلة؛ لأنّه في حقيقته متوجّه إلى المادة والعدم، ورافض لطاعة الله، ومتكبّر على ولي الله، وإن تظاهر بطاعته سبحانه وتعالى، كما أنّ خليفة الله أو الإمام المهدي  في هذا الزمان هو باب الله، ومنه ينزل الفيض الإلهي والوجود، والإعراض عنه إعراض عن الله سبحانه وإنكار وجحود لفضل هذا العبد على جميع أهل الأرض، حيث بإخلاصه لله أصبح أهلاً لإيصال الفيض الإلهي إلى الأرض وأهلها، ولولاه لساخت الأرض بأهلها ، كما ورد عنهم ( )، وطاعة الإمام المهدي  تتمثل في أمور، منها التهيئة لظهوره، سواء بتهيئة النفس أو المجتمع أو الظروف الملائمة لتمكينه من الحكم وإقامة شريعة الله في أرضه، ونشر القسط والرحمة بين العباد.

الاستـعانة:
الاستعانة، على العبد أن لا يستعين بغير الله سبحانه وتعالى في جميع أموره الدنيوية والأخروية، في أعماله وعبادته، في نومه ويقظته، في مرضه وصحته.
ولكن كيف يتحقّق هذا الأمر، ونحن نستعين بالعامل والفلاح والمهندس والطبيب وعالم الدين وبالملائكة وبأرواح الصالحين، من الأنبياء والأوصياء والشهداء والأولياء؟
إن هذا الإخلاص في الاستعانة بالله وحده لا يتحقق إلاّ إذا عرف العبد أنّ كل شيء قائم به، وإنّه سبحانه حقيقة الوجود، وإنّ أزمّة الأمور بيده، فلا حول ولا قوّة، ولا موجود ولا مؤثر ولا علة ولا معلول، إلاّ بالله الواحد القهار.
ولا أقصد بمعرفة العبد المعرفة السطحية الخالية من اليقين الذي يظهر في أفعاله وأقواله، فإذا عرف العبد أنّ الشافي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وإنّه لا دواء ولا طبيب إلاّ بالله،كما أنّه لا تأثير لهما إلاّ إذا شاء الله، فليذهب إلى الطبيب وليستعمل الدواء، فإنّ استعانته بهما في هذه الحال ستكون استعانة بالله؛ لأنّ هذا العبد لا يرى إلاّ الله كما ورد عنهم : (ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله قبله وبعده ومعه) ( ).
مع أنّ مثل هذا العبد يستغني في كثير من الأحيان عن الدواء أو الطبيب، ويستعين بالدعاء أو بقراءة سورة من القرآن، فقد ورد ما معناه: (إنّ الفاتحة شفاء من كل داء إلاّ الموت) ( ).
ويجب الالتفات إلى أنّ الاستعانة بالأنبياء والأوصياء والملائكة في قضاء الحوائج عند الله سبحانه لا ينافي الإخلاص له سبحانه، بل إنّ شفاعتهم للعباد كرامة أكرمهم الله بها، وجعلهم أبواباً لنزول فضله، وأسباباً لإفاضة رحمته، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾( ).
وشفاعتهم في حياتهم ثابتة قطعاً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾( ).
وشفاعتهم يوم القيامة ثابتة بالآيات والروايات، وإجماع المسلمين على أنّ رسول الله شافع مشفّع يوم القيامة.
أمّا شفاعتهم بعد موتهم، سواء للأحياء في الدنيا أو للأمـوات في البرزخ، فهي أيضاً ثابتة في القرآن، قال تعـالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾( ).
وفي الآية ذِكر الشفاعة جاء بعد ذِكر الأرض والسماوات، أي: الدنيا والآخرة. فالأرض تعبّر عن الحياة المادية الدنيوية، والسماوات تعبّر عن الحياة الأخروية، فالآية تثبت الشفاعة بأذن الله لمن يشاء من نبي أو وصي أو ولي لعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بل وعلى التنزيل،كما ورد في قراءة الأئمة لآية الكرسي: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما وَمَا تَحْتَ الثَّرَى عَاِلمُ الغَيْبِ وَالشَهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ...﴾( ).
تكون الشفاعة ثابتة في البرزخ (وما بينهما)، بل وفي العوالم السفلية (الأرضين السبع)، أي: للجن المؤمنين (ما تحت الثرى)، والله أعلم.
ثم إنّ الشفاعة المثبَتة في الآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، ولا حال دون حال، بل إنّ القوم الذين نفوا الشفاعة اشتبه عليهم الأمر؛ لما ظنوا أنّ الموت عدم.
والحق أنّه انتقال النفس الإنسانية من دار إلى دار، والحق أنّ الموت تكامل في الإحساس والشعور ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾( )، بل إنّ القرآن أنكر هذا الفهم السقيم للموت.
قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾( ).
فإذا كان رسول الله حي عند الله سبحانه وتعالى، والقرآن أثبت الشفاعة العامّة المطلقة غير المقيدة إلاّ بإذن الله سبحانه، فما الوجه لنفي شفاعة النبي بإذن الله - وهو حي عند الله - لمن شاء الله من الأحياء أو الأموات؟ بلى هناك شفاعة واحدة نفاها القرآن، وهي الشفاعة عند الموت.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾( ).
والآية تحذّر الإنسان وتدعوه إلى الخشية من يوم سيأتي عليه لن يشفع له فيه أحد، وهذا اليوم الآتي، أمّا يوم الموت، أو يوم القيامة، وبما أنّ الشفاعة ثابتة في يوم القيامة، يبقى يوم الموت فقط. وهذا ما ورد عن أئمة أهل البيت إنّ الشفاعة المنفية هي عند الموت فقط، راجع تفسير الصافي وغيره عن هذه الآية للإطلاع على الروايات ( ).
وأوّلَ بعض المفسرين الشفاعة في الآية، أنّها الشفاعة الباطلة التي ادعاها المشركون بأصنامهم وأوليائهم أعداء الله لعنهم الله.
وهذا التأويل غير دقيق؛ لأنّ الآية تنفي الشفاعة في وقت معين، بل إنّ الآية تنفي شفاعة من له شفاعة في هذا اليوم، وهو يوم الموت، فسكرات الموت والآلام العظيمة عند خروج الروح من البدن لا ينجو منها إلاّ من صاحبوا الناس بأبدانهم، وأرواحهم معلّقة بالملأ الأعلى، فالإنسان إذا أقحم روحه في الدنيا والمادة إقحاماً شديداً أو كثيفاً وتعلّق بها بعلائق كثيرة، أمسى إخراجه منها يحتاج إلى قطع كل تلك العلائق، أمسى إخراج روحه من بدنه كإخراج الحسكة من الصوف، وهذه الحالة إذا تدبّرناها جيداً علمنا أنّه أصلاً لا تتصور الشفاعة فيها؛ لأنّها تتطلب خرق للنظم الكونية والقوانين الإلهية والتي لم نرَ إنّها خُرقت على طول المسيرة الإنسانية في هذه الأرض، إلاّ في حالات نادرة؛ لإثبات وجود الله ،كعدم إحراق النار لإبراهيم ، مع أنّ هذه الحالة نفسها لو تعمّقنا فيها لم نجدها خرقاً لقانون كوني، فربما كانت نار إبراهيم محرقة، وبدن إبراهيم قابل للاحتراق، ولكنّه عُزل عنها بعازل، وفُصل منها بفاصل، والله أعلم.

* * *
ثالثاً: إضاءة على الصراط المستقيم
هو الله سبحانه وتعالى: (تخلقوا بأخلاق الله) ( ).
وهو الإنسان الكامل محمد : (إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ( )، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾( ).
وهو علي وفاطمة (عليهما السلام): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ( ).
وهو الحسن والحسين (عليهما السلام): (حسين مني وأنا من حسين) ( ).
وهو عبادة السجاد، وعلم الباقر، وصدق الصادق، وصبر موسى، ورضا الرضا، وجود الجواد، وهدي الهادي، وتقوى ونقاء وزكاة العسكري.
وهو المهدي، وهو المهدي، وهو المهدي.
كلمة أراها مكتوبة في صفحة السماء، وفي الأرض على الحجر القاسي، وعلى الماء، وعلى أوراق الشجر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾( ).
اللهم أنت أهل للثناء؛ لأنّك المربي الكريم الرحمن الرحيم في جميع العوالم، ونحن نعترف أنّ المُلك لك، وإنّه سيأتي يوم يكون المُلك لك فيه بالفعل، سواء كان هذا اليوم هو يوم القيامة الصغرى وظهور الإمام المهدي ، أم يوم القيامة الكبرى، حيث سيكون أولياؤك على الأعراف يحكمون بين العباد، فيُدخلون بأذنك فريقاً إلى الجنة ، وفريقاً إلى السعير.
والحمد لله أولاً وأخراً وظاهراً وباطناً.

بقية آل محمـد عليهــم السـلام
الـركن الشديـد أحمـد الحسن
وصي ورسول الإمام المهدي 
إلى الناس أجمعين
المؤيد بجبرائيل المسدد بميكائيل المنصور بإسرافيل
( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )
النجف الأشرف
26 شوال 1424 هـ . ق

الفهرس
الافتتاح ...................................................................... .................................... 5
( بسم الله الرحمن الرحيم ) ...................................................................... .................. 7
( الحمد لله رب العالمين ) ...................................................................... .................. 10
( الرحمن الرحيم ) ...................................................................... ........................ 12
الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة ...................................................................... ............. 12
( مالك أو ملك ) ...................................................................... ......................... 13
( يوم الدين ) ...................................................................... ............................. 14
( إياك نعبد وإياك نستعين ) ...................................................................... ................ 16
تتميم ...................................................................... .................................... 18
( اهدنا الصراط المستقيم ) ...................................................................... ................. 19
( صراط الذين أنعمت عليهم ) ...................................................................... ............ 21
( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ...................................................................... ....... 23
اضاءات ...................................................................... .................................. 25
أولاً: إضاءة على أسماء الله سبحانه وتعالى.......................................................... ................ 25
مراتب أسماء الله سبحانه.......................................................... ................................ 28
الأسماء الإلهية في سورة الفاتحة ...................................................................... .............. 34
1- الله الرحمن الرحيم ...................................................................... .................... 34
2- رب العالمين ...................................................................... .......................... 34
3- ملك يوم الدين ...................................................................... ....................... 37
ثانياً: إضاءة على العبادة والاستعانة ...................................................................... ......... 40
ثالثاً: إضاءة على الصراط المستقيم ...................................................................... .......... 45
الفهرس ...................................................................... .................................. 47

والحمد لله رب العالمين