إصدارات أنصار الإمام المهدي  / العدد (8)







التيـه
أو
الطريق إلى الله






السيد أحمد الحسن
وصي ورسول الإمام المهدي 





الطبعة الثانية
1431هـ - 2010 م












لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
أنصار الإمام المهدي (ع) اتباع الإمام احمد الحسن اليماني (ع) - انصار الامام المهدي (ع)








































الإهداء

إلى النبي الكريم
والقائد العسكري الفذ
ووصي موسى بن عمران 
الذي قاد بني إسرائيل للخروج من التيه
إلى أحد الرجلين الذي أنعم الله عليهما؛ حيث قال تعالى:
﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ المائدة:23
إلى السيد يوشع بن نون 
سيدي هذا المسكين يهديك هذه البضاعة المزجاة
فأوف لنا الكيل وتصدق علينا
إنّ الله يجزي المتصدقين






























المقدمـة


والحمد لله الذي قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ۞ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۞ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ﴾( ). لك الحمد ربنا أن عرفتنا ميعادك الذي لا يخلف، وسيفك القاطع وحجرك الدامغ وعبدك الذي استخلصته لنفسك وارتضيته لنصرة دينك واصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه وطهرته من الرجس ونقيته من الدنس وجعلت طاعته طاعتك ونصرته نصرتك وعرفته لعبادك على لسان نبيك الأمي وعلى لسان من سبق من الأنبياء وذكرته في التوراة والإنجيل والقرآن وحذرت عبادك من الغفلة وقلت سبحانك من قائل:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ۞ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ۞ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾( ).
في هذه الأوراق غيض من فيض، وقليل من كثير مما يختلج في نفوس المؤمنين. وفي هذه الأوراق شيءٌ من الماضي وشيء من الحاضر وكثير للمستقبل، وفي الماضي عبر لا تنكر، ثم إنّه سنّة إلهية لا تتغيّر.
قال الخاتم : (والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة حتى لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنّة بني إسرائيل) ( ).
وفي هذه الأوراق أمّة دخلت في التيه وخرجت منه وأمّة دخلت فيه ولا تزال فيه، وفي هذه الأوراق إشارة إلى طريق الخروج من التيه.
ارتأيت أنا المسكين قليل العمل كثير الزلل أن أكتبها لتكون صرخة كل مستضعف بوجه الطواغيت، ولتكون صرخـة من سيد المستضعفين الحجـة على الخلق أجمعين مهدي هذه الأمـة  إلى كل مؤمن ومؤمنة يستنصرهم بها، ولتكون حجـة على كل متخاذل عن نصرته  اليوم قبل قيامه وغداً بعد قيامه.
ثم إني أرجو من الله العزيز الرحيم الكريم أن يجعلها حجة من حججه في عرصات يوم القيامة.
والحمد لله الذي خلقني فهو يهديني، ربي ألحقني بالصالحين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
ربي وتقبل مني هذا العمل القليل وارضِ قلب صاحب الزمان عني ...
مولاي يا صاحب الزمان، يا حجة الله في أرضه يا بقية الأنبياء والأوصياء أيها المظلوم المغصوب الحق يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاه فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا إنّ الله يجزي المتصدقين …
مات التصبر في انتظارك ..... أيها المحيي الشريـعة
فانهض فما أبقى التحمل ...... غير أحشاء جزوعة
قد مزقت ثوب الأسى .. وشكت لواصلها القطيعة
فالسيف آن به شفاء .... قلوب شيعتك الوجيعـة
فسواه منهم ليس ينعش .... هذه النفس الصريعة
طالت حبال عواتق ..... فمتى تعـود به قطيـعة
كم ذا القعود ودينكم ..... هدمت قواعده الرفيعة
تنعى الفروع أصولـه ..... وأصوله تنعى فروعـه
فيه تحـكم من أبا .... ح اليوم حرمتـه المنيـعة
من لو بقيمـة قدره ... غاليت ما ساوى رجيعـه
فاشحذ شبا عضب له ... الأرواح مذعنة مطيعـة
إن يدعها خفت لدعـوته ... وإن ثقلت سريعـة
واطلب به بدم القتيل .... بكربلاء في خير شيعـة
ماذا يهيجك إن صبرت ..... لوقعة الطف الفظيعـة
أترى تجيء فجيعـة ..... بأمض من تلك الفجيعـة
حيث الحسين على الثرى..خيل العدى طحنت ضلوعه
قتلـته آل أمـية ..... ظامٍ إلى جـنب الشريعـة
ورضيعـه بدم الوريد .... مخضب فاطلب رضيعـه
يا غـيرة الله اهتـفي .... بـحمية الدين المنيعـة
وظبى انتقامك جردي ... لطلى ذوي البغي التليعـة
ودعي جـنود الله تمـلأ ... هذه الأرض الوسيعـة
واستأصلي حتى الرضيع ... لآل حرب والرضيعة ( ).










































الحمد لله رب العالمين، مالك الملك، مجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح ، ديّان الدين، رب العالمين. الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها، وترجف الأرض وعمّارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
















تيه بني إسرائيل
تاه بنو إسرائيل في سيناء أربعين سنة بعد خروجهم من مصر مع موسى وهارون عليهما السلام، وهذا التيه كان عقوبة لهم لتمردهم على موسى  وعلى الأمر الإلهي بدخول الأرض المقدسة (فلسطين)، كما كان لإصلاحهم وتخليصهم من المفاسد التي ترسخت في نفوسهم نتيجة لتسلط فرعون وحزبه عليهم في مصر، وقد جاء ذكر التيه في القرآن، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ۞ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ۞ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ۞ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۞ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ۞ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ۞ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾( ).
قبل التيه كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر، وأول من استوطن مصر منهم هو يوسف ابن يعقوب عليهما السلام ثم دعا أبويه وإخوته إلى مصر عندما كان وزيراً بالإجبار لأحد الفراعنة على بيت المال، ومنذ ذاك الحين انتقل إسرائيل أو نبي الله يعقوب بن اسحق بن إبراهيم  وبنيه من حياة البادية - حيث كانوا يرعون بعض المواشي - إلى مصر وحياة المدينة والاستقرار.
واستمر بعد ذلك ذرية نبي الله يعقوب يعيشون في مصر ويدعون إلى التوحيد ودين الحق وترك عبادة الأصنام وتأليه الفرعون، وربما كانت هذه الدعوة علناً حيناً وسرّاً حيناً آخر، وكثر عدد بني إسرائيل في مصر.
والدعوة إلى الحق تصطدم بمصالح حكّام الجور من الفراعنة فخشي هؤلاء الظلمة ذهاب ملكهم وانتقال الملك الدنيوي إلى الأنبياء العظام من بني إسرائيل؛ ولذلك مارسوا أشد أنواع البطش والإرهاب مع بني إسرائيل فأذلوهم واستضعفوهم وقتلوا أبناءهم ومنعوهم من ممارسة عباداتهم وشعائر الله، وحاولوا بكل طريق طمس تعاليم دين التوحيد وجبر المصريين وبني إسرائيل على الشرك والكفر بالله وبدينه وإطاعة الفرعون وكل ما يأمرهم به من عبادة التماثيل والصور وقتل المؤمنين، ولولا عقيدة الانتظار التي كانت موجودة عند بني إسرائيل التي أوجدتها في نفوسهم بشارة الأنبياء بالخلف المنتظر الذي سيقضي على فرعون وهامان وجنودهم لما بقي فيهم مؤمن ولما اجتمعوا حول هذا المنقذ عندما جاء، ولكن للأسف كان اجتماع مستضعفين حول قائد سيخلصهم من ظلم طاغوت فحسب، ولم يدركوا أنّ هذا القائد هو نبي عظيم أرسل ليزكيهم ويطهر نفوسهم ويعيد دين التوحيد وتعاليمه التي كادت تندرس.
وأُرسل موسى  بالآيات والبيّنات، ولكن فرعون وهامان وجنودهما المترفين في بني إسرائيل أمثال قارون استكبروا واستمروا في غيهم وإيذاء كل من آمن لموسى ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۞ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ۞ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ۞ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ۞ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾( ). وبعد هذه المرحلة كان لابد من الهجرة في أرض الله الواسعة، وخرج موسى  وبنو إسرائيل من مصر مهاجرين في سبيل الله، لكن فرعون لم يرق له أن يرى هؤلاء المستضعفين أحراراً وخارجين عن قبضته وبطشه فتبعهم هو وجنوده، وكان ذلك الموقف والامتحان العظيم، وقف بنو إسرائيل أمامهم البحر وخلفهم بدأ يتراءى جيش فرعون فخافوا وقالوا إنا لمدركون ولم يلتفتوا إلى أنّ الذي قادهم إلى هذا المكان هو نبي عظيم مرسل من الله سبحانه فنبههم  إنهم مهاجرون إلى الله بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾( ).
فأوحى الله له أن يضرب بعصاه البحر فانشق له البحر؛ لأنّ البحر عبد من عباد الله ولا يملك البحر أن يقف عائقاً أمام هذا العبد المخلص والمتوكل على الله، ولا يملك البحر أن يقف عائقاً أمام هذا السيل الجارف من الإيمان، ولا يملك البحر أن يقف عائقاً إمام موسى ؛ لأنّ موسى إنسان وكل شيء في الأرض خلق لخدمة الإنسان الذي هو أوسع المخلوقات قدرة على معرفة الله، لكنه إذا أطاع الشيطان كان أجهل وأقسى من الحجر، وإن من الحجارة لما يتفجّر منها الأنهار، وإن منها لما يهبط من خشية الله.
وكانت هذه المعجزة آخر آية رآها فرعون وجنوده من موسى ، ولكن قلوبهم كانت أقسى من الحجارة، فلم يقفوا مبهوتين بل ساروا بين جبلين من الماء ونفوسهم مليئة عناداً وتكبراً فاغرقوا فبعداً لهم.
ونجا بنو إسرائيل وعبروا البحر ووجدوا أنفسهم في صحراء مقفرة بعد أن كانوا يعيشون في وادي النيل الخصب، لكن موسى  جاءهم بالبشارة والأمر الإلهي بالدخول إلى الأرض المقدّسة ووعدهم بالنصر من الله، وكان المفروض بعد كل تلك الآيات والمعجزات التي رأوها في مصر، وبعد أن انشق البحر وأغرق فرعون وجنوده أن لا يتردّدوا بالطاعة، وكان المفروض أن يوقنوا بالنصر، لكنّهم تمرّدوا ورفضوا الدخول إلى الأرض المقدّسة!!
ولعل أهم أسباب هذا الرفض هي:
1- ضعف إيمانهم بنبوة موسى  ورسالته؛ فكان الكثير منهم يرونه كقائد لا كنبي عظيم، بل إنّ بعضهم تمرّد حتى على قيادته .
2- ضعف التقوى والخوف من الله؛ حيث أدّى بهم إلى التمرّد والمعصية دون اكتراث.
3- ضعف النفوس والخوف من الطواغيت والخضوع والاستسلام لهم والأنس بالظلم، وبالتالي ترك الجهاد في سبيل الله.
4- الاهتمام بالحياة الدنيا أكثر من الآخرة؛ وبالتالي ترسخ حب الدنيا في نفوسهم والتمسك بالحياة بشكل غير طبيعي كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم.
5- انتشار حب الذات بينهم؛ حتى إنّ بعضهم كان يرى نفسه أفضل من موسى وهارون عليهما السلام ولا يقبل قيادتهما له!! كما جاء في التوراة سفر العدد الإصحاح السادس عشر: (وأخذ قورح ابن يصهار ابن قهات ابن لاوي وادثان وابيرام أبناء الباب واون ابن قالت ابن داوبين 2 يقاومون موسى مع أناس من بني إسرائيل مئتين وخمسين رؤساء الجماعة مدعوين للاجتماع ذوي اسم 3 فاجتمعوا على موسى وهارون وقالوا لهما كفاكما أن كل الجماعة بأسرها مقدّسة وفي وسطها الرب فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب 4 فلما سمع موسى سقط على وجهه ….. 12 فأرسل موسى ليدعوا داثان وابرام ابني الياب فقالا لا نصعد 13 قليل إنك أصعدتنا من أرض تفيض لبناً وعسلاً لتميتنا في البرية حتى تترأس علينا أيضاً ترأساً ...).
وجاء في القرآن قريب من هذا المعنى.
وجدير بنا أن نتذكر أنّ حب الذات والتكبر آفة أخلاقية أهلكت بني آدم وأردت الكثير منهم في هاوية جهنم وكم حقق الشيطان وعده بغواية بني آدم من خلال التكبر، وكم كان التكبر العائق الرئيسي الذي يمنع الناس من طاعة الأنبياء وتصديقهم، وأكثر الناس تكبراً على الأنبياء والأوصياء هم الأغنياء والمترفون ورؤساء القوم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾( ).
حيث يرون أنفسهم أفضل من الأنبياء والأوصياء ، وكل قائد معين من الله دينياً أو دنيوياً، ويحسدونهم على ما أتاهم الله، قال تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾( ).
ومما مر نعلم إنّ نفوس بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى  قد انطوت على مساوئ أخلاقية كثيرة، فكان التيه الذي عاقبهم الله به على رفضهم الدخول إلى الأرض المقدّسة ضرورياً؛ لتطهير نفوسهم وإعادتهم إلى فطرة التوحيد والخير.
كما أنّ في سنين التيه الأربعين تربى جيل من بني إسرائيل في الصحراء، وهم أبناء وأحفاد الذين خرجوا مع موسى ، لم يكن لهم موطن يستقرون فيه ولا الكثير من زخرف الدنيا يشدّهم لها ويربطهم بأهلها، ولم يكونوا تحت سلطة أي طاغوت يسومهم سوء العذاب ويغرس في نفوسهم الضعف والخوف، فتربوا أحراراً ومحبين للحرية. ولعل للمعجزات التي كانوا يرونها في التيه أثراً كبيراً في تربيتهم تربية روحية وإيمانية عالية. فنشأ في التيه جيل مؤمن قوي وشجاع مؤهل لحمل الرسالة الإلهية ونشرها، ومؤهل لقتال الظلمة والجهاد في سبيل الله ودخول الأرض المقدّسة.
ومن هنا يتبيّن سبب الاهتمام الرباني بالآباء وإرسال نبي عظيم من أولي العزم لهم وهو موسى  مع أنّ أغلبهم كانوا فاسقين ولم يكونوا صالحين لحمل الرسالة الإلهية، بل إنّ هؤلاء الذين خرجوا مع موسى  ماتوا في التيه بأجمعهم ولم يبق منهم إلاّ كالب ويوشع عليهما السلام ليقود يوشع  فيما بعد الأبناء والأحفاد لدخول الأرض المقدّسة والانتصار على الجبابرة.
وبالجملة فإنّ المستفاد من التيه أنّه عملية إصلاحية إضافة إلى أنه عقوبة، وكان الهدف الرئيسي منه إصلاح نفوس بني إسرائيل وتربيتهم على رفض الظلم والفساد وحكّام الجور والطاغوت بعد أن كانوا أنسوا به واستسلموا له ولم يحركوا ساكناً لتغيير وضعهم السيء في مصر، وكان لمكان التيه أثر كبير كونه قفراً فيلجأ فيه الإنسان إلى الله ويتوكل عليه ويتحصّن بولاية الله وذكر الله، كما كان لشخصيته  أثر كبير في إصلاح بني إسرائيل وتأهيلهم لحمل الرسالة الإلهية، فهذا الكيان الرباني الذي اصطنعه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولنصرة دينه كما أخبر في القرآن ( )، جاهد في سبيل الله وحيداً عند ما كان في قصر فرعون فساعد المظلومين ووقف في وجه المتكبرين، وعند ما لم يكن بد من استخدام القوة قتل أحد هؤلاء الظلمة كما جاء في القرآن، قال تعالى:
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾( ).
أمّا قوله : (هذا من عمل الشيطان) فربما قالها قاصداً الأمر الذي وقع بسببه القتل أو لعله قصد الشخص المقتول نفسه، فهو من عمل الشيطان باعتبار أنّ من لوث فطرة التوحيد والخير فيه هو الشيطان.
وخرج موسى  بعد هذه الحادثة من مصر خائفاً على دينه مترقباً رحمة الله معاهداً الله على ما أعطاه من قوة وإيمان وهداية أن لا يكون عوناً لظالم ولو بالسكوت على ظلمه، فهاجر إلى الله تاركاً العالم المادي الخسيس والترف الموجود في قصر فرعون راضياً قانعاً بقسم الله فرزقه الله اللحاق بنبي عظيم، وهو شعيب  والزواج بإحدى بناته وبقي عنده عشر سنين يرعى الغنم، ولعل هذا من اصطناع الله له.
ثم شاء الله أن يعيده إلى قومه في مصر بعد هذه الغيبة عنهم؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى الحرية فأخرج منهم جيلاً صالحاً ربانياً مؤهلاً لحمل الرسالة الإلهية كما مرّ، ولم يكن ليخرج هؤلاء الأبناء الأحرار الخاضعون لله من أولئك الآباء العبيد المتمردين على أمر الله لولا رحمة الله وفضله عليهم ولولا هذا الكيان المقدّس؛ موسى  الذي اصطنعه الله وزكاه.

* * *


التيه في الأمة الإسلامية
ضيع المسلمون الطريق بعد وفاة رسول الله محمد بن عبد الله ، حيث قفز أبو بكر وجماعة من المنافقين إلى السلطة واغتصب خلافة رسول الله ، وتخاذل معظم الصحابة عن نصرة وصي رسول الله المعيّن من الله علي بن أبي طالب ، حيث نصبه رسول الله بأمر من الله أميراً للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين من بعده في غدير خم في حجة الوداع، ولم يكتفوا باغتصاب حق الإمام علي  وحق الإنسانية بأن تصل لها كلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ، بل تجاوز الأمر إلى محاولة عمر بن الخطاب وجماعة من المنافقين إحراق بيت فاطمة الزهراء وهي بنت رسول الله الوحيدة من صلبه، وهي والحسن والحسين وعلي من فرض الله مودتهم في القرآن، قال تعالى:
﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾( ).
ولما لم تنفع هذه المحاولة لإخراج الإمـام  لبيعة أبي بكر كرها اقتحموا الدار على الزهراء وكسروا ضلعها واسقطوا جنينها ونبت المسمار في صدرها، وهي التي قال فيها رسول الله : (أم أبيها وبضعة مني ويرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين) ( ).
فلم يكن المسلمون ليخطئوا التيه أو ليخطئهم بعد أن ساروا على نفس طريق بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، قال رسول الله : (والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنة بني إسرائيل)( ).
وضيعت هذه الأمة حظها ووالت عدوها وعادت وليها وإمامها وأغضبت ربها، فبدأت تدخل في التيه والضياع منذ ذلك الوقت حتى استقرت اليوم في قلب الصحراء، فمن معاوية وزياد إلى يزيد وابن زياد ومسلم ابن عقبة إلى مروان وعبد الملك وأولاده والحجاج إلى بني العباس السفاح والمنصور الدوانيقي والهادي والمهدي والرشيد الضالين إلى الأمين والمأمون غير المأمونين إلى المتوكل على الشيطان إلى...إلى.... رحلة رهيبة مرّت بها هذه الأمة، فكم من مدينة هتكت حرمتها وقُتل خيارها واعتدي على أعراض نسائها ولم تسلم حتى مدينة رسول الله والكعبة المكرمة ( أرسل يزيد لعنه الله مسلم بن عقبة - والأولى أن يسمى مجرماً - فقتل في المدينة أكثر من عشرة آلاف مسلم فيهم سبعمائة صحابي، واعتدي على أكثر من ألف بكر، ولم يكتفِ بهذا حتى قصد الكعبة المشرفة ولكن الله أهلكه كما أهلك أصحاب الفيل ) ( ).
وكم عُذّب الأحرار وقُتل الأبرار وكم قضى منهم في السجون والدهاليز المظلمة التي لا يُعرف فيها الليل من النهار، ولو اطلعت على ما فعله بنو أمية وبنو العباس بالمسلمين لملئت رعباً، ولو علمت فجورهم وكفرهم وخروجهم عن الدين لازددت عجباً.
يقول المسعودي في أحدهم، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك في مروج الذهب: (غناه ابن عائشة صوتاً فطرب فقال له الوليد أحسنت والله يا امرئ أعد بحق عبد شمس فأعاد فقال: أعد بحق أمية فأعاد .. فقال الوليد إلى المغني فأكب ولم يبق عضو من أعضائه إلاّ قبله، وأهوى إلى إحليله ليقبله فضمه المغني بين فخذيه فقال له الوليد لا والله حتى أقبله, وما زال به حتى قبله, وأعطاه ألف دينار وأركبه بغلة وقال: مر بها على بساطي ففعل ووضع حوضا في بستان وملأه خمراً, فكان يسبح فيه مع الفواحش ويشرب منه حتى يبين فيه النقص ونزل يوماً على ابنته وقال من راقب الناس مات غماً) ( ).
وقال السيد المرتضى في الأمالي: (أخبرنا أبو عبيد الله المزرباني قال: حدثني أحمد بن كامل قال: كان الوليد بن يزيد زنديقاً، وإنه افتتح المصحف يوما فرأى فيه (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) ( ) فاتخذ المصحف غرضاً ورماه حتى مزقه بالنبل وهو يقول:
أتوعد كل جـبار عنـيد ... فها أنا ذاك جـبار عنيد
فإن لاقيت ربك يوم حشر ... فقل يا رب خرقني الوليد) ( ).
وإني لآسف أن أنقل تاريخ مثل هذه القذارات، وما ذكرت غيضاً من فيض ولو لم يكن إلاّ قتل هؤلاء الحكام الظلمة لذرية رسول الله وتشريدهم إلى أقاصي البلاد؛ حيث نجد اليوم ذرية رسول الله يعيشون في إيران وأفغانستان والهند والبلاد البعيدة عن مدينة جدهم ؛ لكفى به دليلاً على خروجهم عن الدين ومحاربتهم الإسلام، ولكفى به دليلاً على حقدهم على رسول الله .
واستمر هذا الظلم والفساد حتى يومنا هذا؛ ثرواتنا بيد طواغيت يعيثون بها فساداً في البلاد والعباد ويغدقون على من يعبدهم من دون الله، سجونهم لم يعرف لها التاريخ مثيلاً ، فيها من أساليب التعذيب ما تقشعر له الأبدان، وجيوشهم مزودة بكل أنواع الأسلحة، لا للدفاع عن البلاد الإسلامية بل لقمع الشعوب الإسلامية، وكل من يعلو صوته بكلمة لا إله إلاّ الله ويدعو المسلمين إلى الحكم بما أنزل الله يلقى في تلك الدهاليز المظلمة أو يقتل، ولا نعلم متى سينتهي هذا التيه والضياع ومتى سيعود الإسلام ليحكم المسلمين كما كان في عهد رسول الله وينشر العدل في البلاد الإسلامـية وبالتالي في كل الأرض، لكننا نعلم يقيناً أنه سيعود؛ لأنّ رسول الله وعدنا وأخبرنا أنّ الإسلام يعود غضاً طرياً في آخر الزمان على يدي ولده المهدي .
وهذا الظهور المبارك لهذا المصلح الكبير لن يتحقق حتى ترتفع أسباب غيبته وينشأ جيل في هذه الأمة مهيئا لحمل الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض جميعاً ليتحقق الوعد الإلهي بظهور هذا الدين على الدين كلّه، فإذا كنا فعلاً نريد أن يتحقق العدل على الأرض ونريد أن نخرج من هذه الصحراء وهذا التيه ونريد ظهور الإمام المهدي  فعلينا أن نعود إلى الإسلام الذي يريده الله لا الذي يريده الطواغيت، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾( ).
إنّ الطواغيت الذين تسلطوا على هذه الأمة اليوم بمساعدة أمريكا - وإن كانوا يظهرون العداء لها؛ ليتموا فصول هذه المسرحية المقيتة - يريدون تهميش الإسلام وجعل المسلم قلباً فارغاً من الأيمان بالله مغلفاً بقشور دينيه لا حقيقة لها، ولو استطاعوا نبذ هذه القشور ومحاربتها لما تورعوا، كما فعلوا في تركيا اليوم. ومن كان يشك في عمالتهم لأمريكا والصهيونية - وخصوصاً الذين يدعون أنهم أعداء لها - فليراجع تاريخهم الأسود وسيجدهم في كل يوم يبقون في السلطة يخدمون أسيادهم الأمريكان والصهاينة بحروب يشنونها على المسلمين والعرب، وبقمع كل حركة إسلامية وصحوة دينية، ومن كان يريد دليلاً أكثر من هذا فليراجع التوراة سفر دانيال، وسيجد أنّ في منطقة الشرق الأوسط عشرة ملوك عملاء لأمريكا أو كما يرمز لها بمملكة حديدية تأكل وتدوس كل الممالك على الأرض ولكن سيدوسها إنشاء الله مهدي هذه الأمة  كما جاء في سفر دانيال نفسه.
ثم إنّ الطاغية لا يهمّه إلاّ نفسه وما يبقيه في السلطة، ولا يقوم عرشه إلاّ على الدماء والأشلاء فيقتل كل من يرفض ولايته وتسلطه ويشغل الشعب بالأزمات التي لا تنتهي إلاّ بانتهاء حكمه فيشهر الحروب وينشر بين القبائل العصبية والنعرات الشيطانية، بل ويمنع حتى الرغيف عن الشعب ليشغلهم بتحصيله، إنّ الحياة تحت ظل الطاغوت ذل، بل هي الموت في الحياة؛ إنها خسران الدنيا والآخرة.
يقول الفيلسوف اليوناني أفلاطون في وصف حكومة الطاغوت وتكوينها: (ويبرز بين دعاة الديمقراطية وحماة الشعب أشدهم عنفاً وأكثرهم دهاء، فينفي الأغنياء أو يعدمهم و يلغي الديون ويقسم الأراضي ويؤلف لنفسه حامية يتقي بها شر المؤامرات، فيغتبط به الشعب ويستأثر هو بالسلطة، ولكي يمكّن لنفسه ويشغل الشعب عنه ويديم الحاجة إليه يشهر الحرب على جيرانه بعد أن كان سالمهم؛ ليفرغ إلى تحقيق أمنيته في الداخل ويقطع رأس كل منافس أو ناقد ويقصي عنه كل رجل فاضل ويقرب إليه جماعة من المرتزقة والعتقاء ويجزل العطاء للشعراء الذين نفيناهم من مدينتنا فيكيلون له المديح كيلاً، وينهب الهياكل ويعتصر الشعب ليطعم حرّاسه وأعوانه، فيدرك الشعب أنّه انتقل من الحرية إلى الطغيان وهذه هي الحكومة الأخيرة).
أمّا عبيد الطاغوت ومرتزقته فيتوهمون أنهم آمنون وحياتهم مستقرة وادعة، فهم ماداموا في خدمة الطاغية لن يمسهم سوء، فسيدهم قوي يقطع الرقاب والشعب خاضع واستسلم للظلم.
وهذا وهم؛ لأنّ النار تبقى تحت الرماد، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾( ).
والحق ما يعرفه كل من تتبع تاريخ الأمم والشعوب حيث تكون نهاية كل طاغية ومرتزقته بثورة المستضعفين والمظلومين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
أمّا الذين استسلموا للطواغيت وخضعوا لهم وهم يزعمون أنّهم مسلمون فهم خارجون من ولاية الله ولكنهم لا يعلمون، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾( ).
ويزج بهم الطواغيت في حروب مع الشعوب الإسلامية ولا يتورعون عن معاونتهم خوفاً منهم، ويقاتلون أولياء الله وينتهكون حرمات المؤمنين، فأي حال أسوء من حالهم وأي كفر أعظم من كفرهم وهم ينصرون أعداء الله؟!
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾( ).
ولعل بعضهم يتعذّر بأنه يخاف من الطواغيت ويخاف من القتل، ولكنه عذر قبيح غير مقبول فإذا كان لابد من حمل السلاح فلنحمله بوجه الطواغيت لا لنصرتهم، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ۞ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾( ).
وكما أنّ معاونة الطواغيت والركون إليهم محرمة كذلك، فإنّ ترك الجهاد وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محرمة، فإنّ الابتعاد عن حياة المسلمين لا يسقط التكليف، ومن بات لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، وإن كان فقيهاً يدعي النيابة العامة عن الإمام . ولينظر كل إنسان مسلم إلى قلبه وما فيه؛ أخشية الله أم خشية الطاغوت؟ والخوفان لا يجتمعان في قلب المؤمن فإنّ الخوف من الله يصير الطواغيت في عين المؤمن أحقر من البعوض فلا يكون لهم أي تأثير عليه أو على قراراته إلاّ في حدود التقية الواجبة، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾( ).
والحمد لله أنّ الأمة الإسلامية اليوم بدأت في طريق العودة إلى الله، وفي طريق الصحوة الدينية الإسلامية التي نراها كل يوم تتسع لتشمل البلاد الإسلامية كلها، وتهدّد عروش الطغاة الذين تسلطوا على هذه الأمة واستفرغوا كل ما بوسعهم لإغراق الشباب المسلم في الشهوات المادية والجنسية، ونشروا الملاهي والخمور والفجور في البلاد الإسلامية وبثّوا من خلال التلفزيون وغيره كل ما حرّم الله من الأغاني ونساء عاريات وقصص عن حياة الغربيين، الهدف منها تفكيك الأسرة الإسلامية ولكن الله أفشل خططهم وأتى بنيانهم من القواعد، وسيخر السقف على رؤوسهم قريباً إن شاء الله.
لقد توهّم هؤلاء الطغاة كما توهم من سبقهم إنّهم يستطيعون طمس معالم دين التوحيد الحقيقية، ومسخ الإسلام وقتل العقائد الصحيحة فيه التي تهدّد عروشهم وخصوصاً عقيدة انتظار المهدي ، ولكن أنى لهم ذلك والقرآن بين أيدينا يهتف في أسماعنا:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾( ).
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ۞ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾( ).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾( ).
ولا تزال المعاني التي أطلقها رسول الله تهتف في آذاننا: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لخرج من ولدي من يملئها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) ( ).

والمهدي  بيننا ينتفع به المسلمون كما تنتفع الأرض ومن عليها بالشمس إذا غيبها السحاب ( ).
أيّها المسلمون والمسلمات، أيّها الأحبة آمنوا بالله واكفروا بالطاغوت وتمسكوا بالعروة الوثقى حجة الله في أرضه المهدي ، واعلموا أنّ الإيمان بالله ملازم للكفر بالطاغوت، وهما شيء واحد كذهاب الظلمة وبزوغ النور فلا يمكن أن يفهم شيء من ذهاب الظلمة غير بزوغ النور.
قال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾( ).
خافوا الشيطان وهوى النفس واتبعوا ما جاءكم به رسول الله صلى الله عليه وآله الأطهار عن الله سبحانه إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً لكنه لا يغفر أن يشرك به.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾( ).
والإيمان بالطاغوت والتحاكم إليه ومعاونته والركون والخضوع والاستسلام له كلّها شرك بالله وضلال عن طريق الله المستقيم، وأي ضلال هل ترون أنّ كافراً بالله أو مشركاً به إذا صام وصلى تقبل صلاته وصومه ؟ إنّ العبادات جعلت ليثبت العبد من خلالها طاعة الله فإذا كان طائعاً للطاغوت وهو عدو لله فأي معنى بقي للعبادات، إنّ اللحظة التي ينصاع فيها الإنسان لأوامر الطاغوت وقوانينه هي لحظة كفر بالله وخروج من ولايته إلى ولاية الطاغوت، ومن النور إلى الظلمات.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾( ).
فطريق العودة إلى الله وولايته هو نفسه طريق الكفر بالطاغوت والخروج من ولايته، وكلاهما طريق واحد في الحقيقة، وهو الصراط المستقيم الذي تقبل به الأعمال؛ لأنّها لله الواحد الأحد، فإذا كنا نريد العودة الحقيقية إلى الإسلام المحمدي الأصيل فعلينا أن نؤمن بكل ما جاء به محمد بن عبد الله ، علينا أن نؤمن بكل الإسلام وأحكامه لا أن نؤمن بما يوافق أهواءنا منها ونترك الباقي، علينا أن نلازم الطريق الذي رسمه أوصياء محمد ، فهم سفن النجاة والمتقدّم عليهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق.
أمّا الذين يكفرون ببعض الكتاب ويؤمنون ببعض فسيجدون أنفسهم في النهاية يلهثون وراء سراب في الصحراء، وليكن لنا - كمؤمنين - في السحرة الذين آمنوا بموسى  قدوة، ومثل هؤلاء المؤمنين كانوا بعيدين عن المنهج الرباني الإلهي، بل كانوا أولياء للطاغوت ووقفوا مع فرعون لعنه الله في بادئ الأمر ليحاجوا موسى ، ولكنهم عندما خالفوا أهواءهم تبيّن لهم الحق فأمنوا بالله وكفروا بفرعون، وأشرق نور الحق في قلوبهم وانجلت ظلمة الطاغوت عن بصائرهم ووقفوا هذه المرّة مع موسى  ليجاهدوا في سبيل الله ويقارعوا فرعون لعنه الله وليبيّنوا للناس كذبه وهوانه وضعفه.
قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ۞ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾( ).
إنّ هؤلاء العباد المؤمنين هانت الدنيا في أعينهم غاية الهوان فلم يكن لتهديد فرعون لعنه الله بأن يقطع أيديهم وأرجلهم ويصلبهم أي تأثير على قرارهم بإتباع الحق، ولم يؤثروا الحياة بل اتضحت لهم حقيقة الدنيا وهذا العالم المادي الذي يتكالب عليه فرعون وهامان وقارون وأمثالهم، ونجح السحرة في الامتحان واجتازوا العقبة ففازوا برضا الله فطوبى لهم وحسن مآب.
قال ذبيح آل محمد الحسين :
إذا كانت الدنيا تـعد نفيسـة . . . فـدار ثواب الله أعلى وأنـبـلُ
وإن كانت الأرزاق قسماً مقدراً . . . فقِلَة حرص المرء بالكسب أجملُ
وإن كانت الأموال للترك جمعـها . . . فما بال متروك بـه المرء يبخلُ
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت . . فقتل امرئ بالسيف في الله أفضلُ ( ).
وحري بنا أن نتساءل: أما آن لقلوبنا أن تخشع لذكر الله ونتوب إلى الله توبة حقيقية فنوالي أولياء الله ونعادي أعداء الله، ونجعل الإسلام دستوراً ومنهاجاً لحياتنا، والقرآن شعاراً لنا، وكلمة لا آلة إلاّ الله ملجأً وحصناً لنا!!
أما آن لنا أن نقول للطاغوت اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا!!
أما آن لنا أن نختار حكم الإسلام وننبذ حكم الجاهلية!!
أما آن لقلوبنا أن تشرق بنور الحق؛ لتنجلي عنها ظلمة الطاغوت!!
هل سنبقى في هذا التيه، وفي هذه الصحراء نلهث وراء سراب، والخروج بأيدينا، والماء قريب منّا ؟
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾( ).
* * *


الإسلام والسياسة والحكم
يحاول الطواغيت الذين يحكمون البلاد الإسلامية اليوم أن ينشروا فكرة بين عامة المسلمين مفادها فصل الدين عن السياسة، ويرفعوا لها شعاراً (الدين للدين والسياسة للسياسة)، وهؤلاء الجهلة لم يبتدعوا هذه الفكرة، بل جاءوا بها من الغرب المادي، وما كانت هذه الفكرة المادية لتشيع في الغرب بين المسيح واليهود لولا أنّ الإنجيل والتوراة محرّفَين، ولولا تكالب الرهبان والقساوسة في حينها على الدنيا والمناصب.
وهي مغالطة لا تنطلي على أي مسلم مطّلع على الدين الإسلامي ولو إجمالاً، فالدين الإسلامي تعرّض لكل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، كما تعرّض للعبادات تماماً فلا توجد معاملة اقتصادية واجتماعية إلاّ وتعرّض لها الفقه الإسلامي،كما تعرّض للأمور العسكرية وقضايا الجهاد والتعامل مع غير المسلمين والعهود والعقود والصلح، وما هي السياسة إلاّ هذه الأمور مجتمعة. ولكن الطواغيت لا يرضون بهذا؛ فالسياسة عندهم الحيل والخداع التي يمارسونها ليتسلّطوا على الشعوب الإسلامية سياستهم ضد الشعوب، والسياسة التي يريدها الله لمصلحة الشعوب، ومن يريد أن يخرج عن السياسة التي يحددها الله في الإسلام فإنّه يخرج إلى ظلمات الجاهلية:
قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾( ).
إنّ السياسة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحكم والحاكم، فسياسة الطاغية هي الحيل والخداع وإيذاء الشعب، ومحاصرتهم ثقافياً وفكرياً واقتصادياً، ونشر الفساد والظلم بين العباد.
أمّا سياسة النبي أو المعصوم أو من ينوب عنهم؛ فهي نشر الرحمة بين الناس وعبادة الله ودفع الناس نحو التعقل والتفكر ونشر العدل والإنصاف في المجتمع، وتوفير قوت الناس وترفيههم اقتصادياً.
إنّ هدف الطاغية نفسه وبقاؤه في السلطة، وهدف النبي الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ونشر العدل فيما بينهم.
وإذا كان الأمر كذلك فهل يعقل إنّ الله سبحانه وتعالى يترك المسلمين بعد رسول الله دون أن يعين لهم قادة معصومين يحافظون على الدين وينشرون العدل بين الناس؟!
كيف ؟ وهو الحكيم الخبير الذي لم يترك الأسرة الصغيرة دون قائد ونص بالقرآن على أنّ الرجال قوامون على النساء!!
هل يعقل أنّ الله سبحانه وتعالى ترك الأمة الإسلامية دون قائد معين ليؤول الأمر إلى أعداء الله، أمثال يزيد بن معاوية ليقتل الحسين ، ويستبيح المدينة المنورة ويضرب بيت الله بالمنجنيق؟!!
ثم إنّ أي إنسان يمتلك سفينة صغيرة عليها مجموعة من العمال هل يتركهم دون أن يعين قائد للسفينة ؟ ثم إذا تركهم دون قائد وغرقت السفينة ألا نصف هذا الإنسان بأنّه جاهل وغير حكيم؟ فكيف نقبل أنّ الله سبحانه وتعالى ترك سفينته - وهي مليئة بعبيده - تجوب الفضاء دون قائد؟!
إنّ حرباً نووية بين هؤلاء العبيد اليوم كفيلة بإغراق هذه السفينة وتحويلها إلى أشلاء تتناثر في الفضاء، فهل من الحكمة ترك أهل هذه السفينة دون شرع وقانون إلهي، ودون قائد عادل معصوم ينفذ هذا الشرع؟ حاشا الله سبحانه وتعالى الحكيم العدل الملك القدوس.
ونحن كمسلمين متفقون أنّ الشرع والقانون في هذا الزمان هو الدين الإسلامي خاتم الأديان، وقد عيّن الله سبحانه وتعالى قادة عدولاً أطهاراً معصومين يقومون بأمر الدنيا والدين بالقسط والعدل، ولكن الطواغيت اغتصبوا حقّهم واستولوا على دفّة القيادة بالقوّة الغاشمة، والناس خذلوا القادة الأطهار ولم ينصروهم فحظهم ضيعوا وربهم أغضبوا.
وقد اتفق المسلمون على أنّ عددهم اثنا عشر، كما جاء في الحديث النبوي الصحيح المتواتر( )، ونقول: إنّ أولهم علي  وخاتمهم المهدي  ولا يتحقق حديث الخلفاء ومن بعدي اثنا عشر إلاّ بهم، وادعى كل منهم الإمامة وقيادة الأمة الدينية والدنيوية، ونص على الذي بعده كما نص عليهم النبي بالأسماء.
واتفق أهل كل زمان أنهم أكمل وأعلم أهل زمانهم، ولم ينقل عن أحدهم طلب العلم على أحد من الناس، بل إنّ علمهم لدنّي بإلهام من الله، وهم ذرية محمد ، ومن ذرية إبراهيم الذي نص القرآن على إمامتهم وتوّعد من كفر بها بجهنم، قال تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ۞ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾( ).
وقد اتفق المسلمون على إمامة خاتمهم؛ وهو المهدي  ،وإنّ الكافر به كالكافر برسول الله، والأحاديث التي وردت فيه تُعدّ بالمئات. ومع الأسف إنّ الكثير ممن يتسمّون بالإسلام سيكفرون به عند ظهوره المبارك وسيقفون مع السفياني قائد الضلال الذي يدعي الإسلام والدفاع عن المسلمين، قال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾( ).
هذا وهم سيعرفونه بالآيات والمعجزات، ولكنهم سيؤولونها، فالخسف بجيش السفياني سيجعلونه حادثاً طبيعياً كما جعل من سبقهم موت جيش أبرهة الحبشي بسبب وباء لا عذاب
إلهي.
والدلالات على إمامـة أول الأئمـة وهو علي  أكثر من أن تحصى؛ ومنها قول النبي فيه: (أقضاكم علي ) ( )، و(سلموا عليه بإمرة المؤمنين) ( )، و(أنت الخليفة من بعدي) ( )، و(أنت ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي) ( )، و(أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ( )، وهارون كان خليفة موسى في حياته.
ونفسه كنفس النبي في القرآن في آية المباهلة، قال تعالى:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾( ).
وأجمع المفسّرون أنّ النبي أخرج علياً وفاطمة والحسنين. وفاطمة هي النساء؛ لأنها سيدة نساء الأولين والآخرين، قال تعالى في إبراهيم إنّه أمة مع أنه شخص واحد( ). والحسنان هم الأبناء، وهذا لا اختلاف فيه. وعلي هو نفس النبي ( ).
أمّا الادعاء بأنّ النفس في الآية قصد بها نفس النبي فهذا إتباع هوى وجعل كلام الله سبحانه لغواً حاشا الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً عن اللغو؛ إذ لا معنى لأن يدعو الإنسان نفسه وهي حاضرة عنده.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾( ).
وأجمع أكثر المفسرين على نزولها في علي  عندما تصدّق بخاتمه وهو راكع ( ). والجمع لإدخال ولده الأحد عشر من بعده فأصبح  وولده الأحد عشر - وهم ولد النبي من فاطمة - من بعده أولى بالتصرف بالمؤمنين بعد رسول الله ؛ حيث ولايتهم مشتقة من ولاية رسول الله ، وولايته مشتقة من الولاية الإلهية.
ولما قرنت في هذه الآية بولاية الله فلا معنى لصرفها لغير ولاية الملك والتصرف وتدبير الأمور الدينية والدنيوية، وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾( ).
وأولي الأمر هنا هم الأئمة المعصومون الاثنا عشر بعد النبي ، ولو كان غيرهم لكان الأمر بالطاعة لمن يعصي أو من يخطئ طاعة مطلقة؛ لأنّها قُرنت بطاعة الله سبحانه، وهذا غير صحيح؛ لأنّ معناه إنّ الله يأمرنا بإطاعة أعدائه، وعلى أقل تقدير فإنّ معناه الأمر بمعصية الله والعياذ بالله.
فتبين أنّ المأمور بإطاعته بعد النبي هم علي وولده المعصومون . وعصمتهم من الذنوب قد نص عليها القرآن، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾( ).
ونص النبي على إنّهم علي وفاطمة والحسنان ، كما ورد في تفسير كثير من المفسرين ( ).
وقال النبي في حجة الوداع في غدير خم وقت الظهر: (أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار)( ).
وفي هذا الحديث أثبت النبي ولايته لعلي ابن أبي طالب ، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا الحديث متواتر عن النبي ومصادره بالعشرات من كتب المسلمين أوردوا أن الرسول طلب من المسلمين مبايعة علي بن أبي طالب  بعد خطبته في حجة الوداع في غدير خم، وقد بايعه أبو بكر وعمر وسلما عليه بإمرة المؤمنين ( )، وسنسأل ويسألون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
أمّا الأئمة من ولد علي فقد نص عليهم النبي كما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رض)، قال لما قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾( ).
قلت: يا رسول الله عرفنا الله فاطعناه وعرفناك فأطعناك فمن أولي الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم … قال: (هم خلفائي يا جابر وأولياء الأمر بعدي أولهم آخي علي  ثم من بعده الحسن  ولده ثم الحسين  ثم علي بن الحسين عليهما السلام ثم محمد بن علي عليهما السلام وستدركه يا جابر فإذا أدركته فأقرئه مني السلام ثم جعفر بن محمد عليهما السلام ثم موسى بن جعفر عليهما السلام ثم علي بن موسى الرضا عليهما السلام ثم محمد ابن علي عليهما السلام ثم علي بن محمد عليهما السلام ثم الحسن بن علي عليهما السلام ثم محمد بن الحسن عليهما السلام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً) ( ).
كما قال للحسين : (هذا ولدي الحسين إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم أفضلهم) ( ).
وسورة القدر دالة على إمامتهم ونزول الأمر مع الملائكة والروح عليهم في ليلة القدر بعد مضي رسول الله ، وإلاّ لقيل بمضيها معه، وهو باطل لورود النقل ببقائها بعده ، وإنها في العشر الأواخر من رمضان ( ).
هذا والدلائل على إمامة علي وولده الاثني عشر المعصومين بعد النبي كثيرة، وما ذكرته اليسير وأعتذر إلى الله ورسوله والأئمة والمؤمنين من التقصير. فلم يبق عذر لمن انحرف عنهم واتبع من اغتصب حقهم وهو يعلم أنّ الأمر لهم وليس له من الأمر شيء، قال أمير المؤمنين : ( أما والله لقد تقمصها فلان (يعني أبا بكر) وإنه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها المؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان (يعني عمر بن الخطاب) بعده ثم تمثّل قول الأعشى:
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر
فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته (حيث إنّ أبا بكر قال على المنبر أقيلوني فلست خيركم وعلي فيكم) إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس (أي خروج عن صراط الله المستقيم؛ لأنّ عمر أخذ يحلل ويحرّم على هواه فحرم متعتي النساء والحج، ورفع حي على خير العمل من الآذان وتخبط في المواريث تخبط العشواء)، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدّة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعه زعم أني أحدهم فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم ( يعني أبا بكر) حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر (تحقيراً لشأنهم)، لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه (سعد بن أبي وقاص)، ومال آخر لصهره (أي عبد الرحمن بن عوف) مع هن وهن (يشير إلى وضاعة القوم) إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه (يشير إلى عثمان ويمثله بالدابة التي ليس لها هم إلاّ العلف والروث) وقام معه بنو أبيه (أي بنو أمية لعنهم الله وهم الشجرة الملعونة في القرآن) يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته (أي قتلته بطنه المليئة بمال الله المغصوب)، فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع إليَّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾( ).
بلى، والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.
أمّا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كضة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكاس أولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز) ( ).
وقال: (يا أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني فإنّ الفراق قريب أنا إمام البرية، ووصي خير الخليقة، وزوج سيدة نساء الأمة، وأبو العترة الطاهرة، والأئمة الهادية، أنا أخو رسول الله ووصيه ووليه ووزيره وصاحبه وصفيه وحبيبه وخليله، أنا أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين، حربي حرب الله، وسلمي سلم الله وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله، وشيعتي أولياء الله، وأنصاري أنصار الله، والله الذي خلقني ولم أك شيئاً لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد أنّ الناكثين والقاسطين والمارقين ملعونين على لسان النبي الأمي، وقد خاب من افترى) ( ).
ولما جاءت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي  حاول أن يسير بالمسلمين إلى الله ويخرجهم من الظلمات إلى النور وينشر العدل بعد انتشار الظلم على يد ولاة عثمان، ولكن أنى له ذلك والناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم إلاّ القليل ممن وفى بعهد الله، وأنّى له ذلك وقد قفز إلى السلطة ابن أبي سفيان قائد الكفار وابن هند آكلة كبد حمزة سيد الشهداء، وكان ما كان من جهاده  للناكثين والقاسطين والمارقين لعنهم الله جميعاً مما لا يخفى على أحد، فبيّن  حقّه وأرشد الناس إلى صراط الله المستقيم لئلا تكون للناس حجة في الانحراف عن الأئمة، ولكن الناس خذلوهم ولم ينصروهم فقتل معاوية (لعنه الله) الحسن ، وقتل يزيد (لعنه الله) الحسـين  ولم ينصر الحسين  إلاّ سبعين أو يزيدون قليلاً، وهو خامس أصحاب الكساء وسيد شباب أهل الجـنة وآخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، وثالث أوصياء رسول الله . ولك أن تعرف إلى أي حال من الخضوع والاستسلام للطاغوت وصل المسلمون في عهد الحسين  أدّى به إلى أن يضحي بذرية رسول الله وبنفسه المقدسة؛ لينبه المسلمين إنهم ابتعدوا عن الدين وخرجوا من ولاية الله إلى ولاية الطاغوت والشيطان بالخضوع ليزيد وأمثاله لعنهم الله.
وهكذا واصل أوصياء رسول الله بعد الحسين  طريق الجهاد في سبيل الله ودعوة الناس للعودة إلى الدين الإسلامي الأصيل الذي جاء به محمد ، لا الذي يريده الطواغيت الذين تسلطوا على هذه الأمة، وكان لدم الحسين  أثر كبير في عودة الكثير من المسلمين إلى ولاية الله سبحانه، وبدأت منذ ذلك الوقت تتشكل قاعدة إسلامية شعبية يقودها آل محمد تمثل الإسلام الحقيقي المحمدي الأصيل، واستمروا في الدعوة إلى الله، واستمر الطواغيت في الدعوة إلى الشيطان، ووجدوا من يعاونهم ممن طلبوا الدنيا بالدين.
وأوذي أوصياء النبي غاية الأذى وقتل شيعتهم وفعل بهم طواغيت هذه الأمة كما فعل فرعون بالمؤمنين من بني إسرائيل، وقطعت الأيدي والأرجل وصلب المؤمنون على جذوع النخل، ولكنَّ للحق أهلاً، وكلّما ألحوا على المؤمنين بالأذى تشيع الناس بالآلاف.
ولمّا وصلت الإمامة إلى خاتم أوصياء آل محمد شاء الله سبحانه أن يحفظه فيغيبه عن عيون الطواغيت لئلا يقتلوه كما قتلوا آباءه ، وظل يقود الأمة الإسلامية لمدّة تزيد على سبعين عاماً من خلال أشخاص من خلص المؤمنين كانوا يتصلون به بشكل مباشر وينقلون كتب المسلمين إليه وأجوبته على المسائل وتوجيهاته .
ولما انقضت هذه المدّة شاء الله أن يغيبه الغيبة الطويلة حتى يأذن الله له بالقيام عندما يتهيأ جيل من هذه الأمة لنصرته ونصرة دين الله ليظهر على الدين كله، وقد ورد عنه  وعن آبائه بعض الروايات التي يستفاد منها أنّ قيادة الأمة الإسلامية دينياً ودنيوياً هي لرواة حديثهم.
وفسّر البعض رواة الحديث؛ الفقهاء العدول في زمن غيبته، هذا في حال عدم وجود نائب خاص عنه  يرسل عنه وينقل أوامره للمؤمنين.
أمّا في حالة إرساله  رسولاً منه فيجب طاعته حتى على الفقهاء، بل يجب عليهم نصرته، وإذا خذلوه أو عصوا أوامره فهم خارجين عن ولاية أهل البيت ، ولا يجب طاعتهم، بل يجب مخالفتهم وطاعة الرسول المرسل من الإمام .
جاء في كتاب ذخيرة الصالحين للشيخ عبد الكريم الزنجاني (رحمه الله) ص 7-8-9: (وأمّا ولاية المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء فهي فرع مشتق عن ولاية الإمام  المشتقة عن ولاية النبي المشتقة عن الولاية الإلهية والسلطة الربوبية.
وتوضيح ذلك: أنّ من الواضح البديهي أنّ سلطان الخالق جلت قدرته على مخلوقاته أسمى أنواع السلطنة واشد أنحاء الولاية، وقد اشتقت من هذه الولاية الإلهية والسلطنة الربوبية ولاية النبي وهي المنوّه بها في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾( )، ثم اشتقت من هذه الولاية النبوية ولاية الإمام كما أشار إليه رسول الله في حديث الغدير المروي بالطرق الصحيحة المتواترة في كتب الفريقين فقد مهد رسول الله لولاية الإمام بقولهألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه)( ) الخ .. لكي يكون هذا التمهيد قرينة قطعية على أنّه أراد معنى الأولى بالتصرّف من كلمة المولى وأظهر أنّ ولاية الإمام  فرع لولاية النبي ومرتبه منها.
ويؤيده ما جاء في الأحاديث المستفيضـة من أنّ الإمـام  حجـة الله على الناس، وإنّ له  سلطنة مطلقة على الرعية من قبل الله تعالى، وهذه الولاية أصل المذهب ودعامته التي بني عليها.
ومن فروع ولاية الإمام  ولاية الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء الملخصة في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري  بهذه العبارة: (وأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه) ( ).
ولقد بيّن الإمام  حقيقة مخالفة الهوى في الحديث الذي رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج بإسناده عن الإمام الثامن الرضا  أنه قال: ( قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهدي وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويداً لا يغرنكم فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه، وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام فرويداً لا يغرنّكم فإنّ شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرماً، فإذا وجدتموه يعفو عن ذلك لا يغرنّكم حتى تنظروا ما عقدة عقله فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله بجهده، فإذا أوجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنّكم حتى تنظروا أمع هواه يكون عقله؟ أو يكون مع عقله هواه، وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة، بترك الدنيا للدنيا ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة الباطلة، حتى إذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، وهو يخبط خبط عشواء، يقوده أول باطله إلى أبعد الخسارة، ويمدّه ربّه بعد طلبه لما يقدر عليه في طغيانه، وهو يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله لا يبالي ما فاته من دنياه إذا سلمت له رئاسته التي شقي من أجهلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً مهيناً، ولكن الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله وقواه مبذولة في رضا الله يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد، من العزّ في الباطل ويعلم أنّ قليل ما يحتمله من رضاها ويؤيده إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ، وإنّ كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال، كذلك الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، وإلى ربكم فارغبوا، فبه فتوسلوا فإنه لا يرد له دعوه، ولا يخيب له طلبه ( ).. الخ.
ثم إنّ عناصر ولاية المجتهد الجامع للشرائط مناصب ثلاثة:
أحدها: منصب الإفتاء فيما يحتاج إليه العامي في عمله، ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية من حيث ترتيب حكم شرعي عليها.
والثاني: منصب القضاء والحكم فيما يراه حقاً في المرافعات وغيرها من القضايا المخصوصة.
والثالث: منصب ولاية التصرّف في الأموال والأنفس، وهي مرتبة من الولاية العامة قابلة للتفويض).
وجاء في كتاب تهذيب الأصول من الزوائد والفضول للسيد عبد الأعلى السبزواري رحمه الله في (الجزء الثاني: ص128): ( ثم إنّ شؤون الفقيه الجامع للشرائط ليست منحصرة في حجية الفتوى ونفوذ الحكم، بل له حجية وجودية أيضاً ولو كان ساكتاً؛ لأنّه يصح أن يحتج به الله تعالى يوم القيامة، ويصح له أن يشتكي إلى الله تعالى من الجهّال أن لم يرجعوا إليه في فهم الأحكام، وقد ورد في الحديث: (ثلاثة ليشكون إلى ربهم يوم القيامة عالم لا يُسأل عنه - الحديث -،كما أنّ له الولاية الانتظامية أي نضم دنيا البشر وسياساتهم نظماً إلهياً، بشرط استيلائه على الكل في الكل وبسط يده على الحكم من كل حيثية وجهه).
إذن، فواجب المسلمين في زمن الغيبة هي نصرة الدين بتمكين نائب الإمام الخاص المرسل منه ، أو الفقـيه الجامع للشرائط العادل الزاهد في الدنيا في حال عدم وجـود نائب خاص له  من بسط يده على الحكم من كل حيثية وجهة.
كما أنّ واجب العلماء اليوم هو مواجهة الطواغيت؛ لأنّه جهاد دفاعي عن بيضة الإسلام في هذا الزمان الذي يحاول الطواغيت طمس الإسلام تماماً، والعودة في البلاد الإسلامية إلى الجاهلية كفعل يزيد لعنه الله في زمن الحسين ، بل أكثر من ذلك فقد ملؤوا البلاد الإسلامية بالأصنام والصور وفرضوا على المسلمين احترامها وتقديسها؛ لأنها تمثل أشخاصهم الشيطانية المقيتة، وهذه الحالة تمثل أجلى مظاهر الشرك بالله فعلى العالم إظهار علمه ومجاهدتهم وإعانة المجاهدين ولو بالفتوى وإيصالها إلى المجتمع، والعمل على تثقيف المجتمع دينياً.
أمّا العلماء أو قل الجهلاء لأنّ العالم غير العامل جاهل في الحقيقة كما ورد عنهم ( )، الذين يقبعون في دهاليز مظلمة ولا يكلفون أنفسهم حتى سماع أحوال المجتمع الإسلامي، أو النهوض بالدين الإسلامي نهوضاً حقيقياً فاعلاً في المجتمع أو تحريك ساكن، فلا يمتّون لهذه الفرقة الناجية بصلة، وسيجدون أنفسهم يوم القيامة في نفس هذه الدهاليز المظلمة مسودة وجوههم، قال رسول الله ما معناه: (إنّ شر الناس يوم القيامة عالم لم ينتفع بعلمه) ( ).
مما سبق تبيّن أنّ للدين الإسلامي نظريته السياسية المتكاملة تشريعاً وتنفيذاً، وعلى المسلمين أن لا يفرطوا بها؛ لأنها أكمل نظرية سياسية عرفتها الإنسانية، ولا توجد نظرية سياسية ترقى إلى مستواها؛ لأنّ واضعها ومشرعها هو الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم. والذي يجب أن ينفذها هو النبي أو الإمام المعصوم  من بعده أو الفقيه الرباني الجامع للشرائط العادل الزاهد في الدنيا في حال غيبة الإمام ، وعدم وجود نائب خاص عنه  والحمد لله وحده.

* * *




طريــق الخــروج من التيــه
يا أيّها الأحبة أيها المؤمنون والمؤمنات لنعمل جميعاً على أن نكون نحن الجيل الذي يخرج من التيه والصحراء التي وجدنا أنفسنا فيها، ولنبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعنا الإسلامي، كل حسب مقدرته ووسعه، قال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾( ).
أيّها الأحبة إنّ الابتعاد عن الدين الإسلامي والمنهج الرباني جعل على القلوب أقفالاً وريناً، وعلى البصائر حُجباً لا تُزال إلاّ بالإخلاص لله وبالاندفاع بقوة من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله، ومن ذل طاعة الطاغوت والخضوع له إلى عز طاعة الله والتسليم له؛ ليبزغ النور في القلوب وتنجلي الظلمة عن البصائر، قال تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ۞ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ۞ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾( ).
أعاذني الله وإياكم من الشقاء وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه لعـل الله يمن علينا بفرج مولانا محمد بن الحسن  فنفوز بالحُسنيين الشهادة بعد النصر وقتل أعداء الدين والمنافقين
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾( ).
إنّ في طريق الخروج من التيه الصلاة والزكاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والحب في الله والبغض في الله، وفي طريق الخروج من التيه الالتزام بالشريعة الإسلامية كلها والإخلاص لله والعمل له سبحانه، وفي طريق الخروج من التيه دماء تسيل وعرق ينضح.
إنّ السير في طريق الخروج من التيه غير يسير، ولكن عاقبته الخير؛ لأنّ في نهاية هذا الطريق رضا الله سبحانه ورضا رسوله ، وفي نهاية هذا الطريق إقامة دولة الحق والعدل الإلهي على الأرض وبسط كلمة الله أكبر على كل بقعة في الأرض.
ولطريق الخروج من التيه آيات وعلامات واضحة يستدل بها السائرون إلى الله على صراطه المستقيم، ولا ينبئك عن هذه العلامات مثل خبير بهذا الطريق وهو الله سبحانه ومثل العلماء وهم محمد وآل محمد ، وأنا في هذا البحث أتطرّق لبعض آيات الكتاب العزيز وبعض أحاديث محمد وآله وحالاتهم لعل الله ينفع بها من ألقى السمع وهو شهيد، وأهم العلامات في هذا الطريق:

الصلاة:
وهي عمود الدين ومعراج المؤمن وشرفه، إذا قبلت قبل ما سواها، وإن ردّت ردّ ما سواها، وبها تطهر الأرواح من الرجس كما تطهر الأبدان من الخبث بالماء، وعن رسول الله : (إنّ الله تعالى ذكره قسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين) ( ).
فإذا حضر وقتها فلا تؤخرها فإنّ التأخير أول السهو عنها، وهو يجر إلى الاستخفاف بها، قال رسول الله : (من حبس نفسه في صلاة فريضة فأتم ركوعها وسجودها وخشوعها ثم مجد الله وعظمه وحمده حتى يدخل وقت صلاة فريضة أخرى لم يقطع بينهما كتب الله له كأجر الحاج المعتمر وكان من أهل عليين) ( ).
وعن الباقر والصادق عليهما السلام إنهما قالا: (إنما لك من صلاتك ما أقبلت عليه، فإنّ أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفت وضرب بها وجه صاحبها) ( ).
وتفكّر في عظمة الله وأنت واقف بين يديه، وأطل سجودها وركوعها فهي هديتك إلى الملك الحق، وثوابها أعظم منها. ومهما تمكنت فلا تفوت الجماعة في المساجد فإنّ فضل الجماعة عظيم. وعليك ببعض الصلوات المستحبة، وخصوصاً صلاة الغفيلة وصلاة الليل لا تتركها على كل حال فإنّ ثوابها عظيم، وهي ثمان ركعات وركعتي الشفع وركعة الوتر، بعد كل ركعتين سلام كصلاة الصبح إلاّ ركعة الوتر فهي ركعة واحدة، ويمكن أن تقتصر صلاة الليل على الحمد فقط، ويمكن أن تصلي ركعتي الشفع والوتر فقط.
وروي أنه من استيقظ قبل صلاة الفجر فصلى الوتر ونافلة الفجر - وهي ركعتان قبل صلاة الفجر - كتبت له صلاة الليل فلا تفوت حظك ( ).
عن أبي عبد الله : (جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله يسأل الله عمّا سوى الفريضة فقال: لا، قال: فو الذي بعثك بالحق لا تقربت إلى الله بشيء سواها. قال: ولم؟ قال؛ لأنّ الله قبّح خلقتي قال فامسك النبي ، ونزل جبرائيل  فقال: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول اقرأ عبدي فلاناً السلام، وقل له: أما ترضى أن أبعثك غداً في الآمنين؟ فقال: يا رسول الله وقد ذكرني الله عنده! قال: نعم. قال فو الذي بعثك بالحق لا بقي شيء يتقرّب به إلى الله عنده إلاّ تقربت به) ( ).
ومن منا لم يذنب، ومن منا لا يريد أن يأتي آمناً يوم القيامة؟

والدعاء:
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ( ).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾( ).
عليكم بالدعاء في اليسر والعسر ولقضاء كل حاجة صغيرة أو كبيرة، ولا تستصغر شيئاً أن تطلبه من الله، ولا تستكثر شيئاً أن تطلبه من الله، فإنّك لم تصب خيراً قط إلاّ من الله ولم يدفع عنك شراً أحد قط إلاّ الله.
وروي أنّ الله أوحى إلى موسى : (يا موسى أدعوني لملح عجينتك ولشسع نعلك ولعلف دابتك).
واعلموا أيّها الأحبة إنّ الله سبحانه وتعالى لا يحد بوصف، وعطاؤه ما لا نهاية له، وإنما ينـزل بقدر؛ لأنّ عالمنا محدود فاطلب ما بدا لك من خير الدنيا والآخرة لما فيه صلاح دينك ورضا ربك، ولا تفوتك أدعية الصحيفة السجادية المباركة، فهي زبور آل محمد ، ودعاء كميل خصوصاً في ليالي الجمع، ودعاء أبي حمزة الثمالي، والمناجاة الشعبانية.
وأورد هنا هذه المناجاة لعل الله يجعل فيها نجاتنا من مكائد الدنيا وخدعها ويوفق البعض لتدبّر معانيها أو لحفظها والدعاء بها على كل حال.

بسم الله الرحمن الرحيم
(إلهي أسكنتنا داراً حفرت لنا حفر مكرها، وعلقتنا بأيدي المنايا في حبائل غدرها، فأليك نلتجئ من مكائد خدعها، وبك نعتصم من الاغترار بزخارف زينتها، فإنها المهلكة طلابها المتلفة حلالها، المحشوّة بالآفات المشحونة بالنكبات. إلهي فزهدنا فيها وسلمنا منها بتوفيقك وعصمتك، وانزع عنّا جلابيب مخالفتك، وتول أمورنا بحسن كفايتك، وأوفر مزيدنا من سعة رحمتك، وأجمل صلاتنا من فيض مواهبك، واغرس في أفئدتنا أشجار محبتك، وأتم لنا أنوار معرفتك، وأذقنا حلاوة عفوك ولذّة مغفرتك، وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتك، وأخرج حب الدنيا من قلوبنا كما فعلت بالصالحين من صفوتك والأبرار من خاصتك، برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين) ( ).
وعليكم بذكر الله على كل حال في العمل وفي الفراغ وفي الليل والنهار، وخاصة بعد الصلاة الواجبة قبل أن تقوم من مقامك. وأكثروا من الصلاة على محمد وآل محمد، ولا تتركوا سجدة الشكر بعد الصلاة وبعد كل نعمة ينعم الله سبحانه وتعالى بها عليك وبعد كل مكروه يدفع عنك. وصفتها أن تسجد ثم تضع خدك الأيمن على الأرض ثم الأيسر ثم تعود للسجود، وأقل ما يقال فيها شكراً لله ثلاث مرّات، والأفضل مائة مرّة.
ومن الأذكار التي على المؤمنين المداومة عليها خصوصاً بعد صلاة الصبح:
1- لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير (10مرّات) بعد صلاة الصبح وقبل غروب الشمس.
2- سبحان الله العظيم وبحمده، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم (10 مرّات).
3- أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يتخذ صاحبه ولا ولداً (10 مرات).
4- اللهم صل على محمد وعجل فرجهم (100 مرّة).
5- سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلاّ الله، والله أكبر (30 مرّة).
وهذه الأذكار كما أن لها فائدة أخروية كذلك لها فائدة دنيوية وتدفع شر السلطان والشيطان .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو من أهم الواجبات التي يقوم بها المجتمع الإسلامي ككل، فطالب العلوم الدينية والطبيب والفلاح والمهندس وكل فرد في المجتمع الإسلامي مسؤول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أنذر رسول الله هذه الأمة عن تركه بأن يسلط الله عليها شرارها ثم يدعون فلا يستجاب لهم ( )، وهل يوجد أشر من الطواغيت المتسلطين على الأمة اليوم؟! فعودوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولترفع الأصوات بوجه كل عاصٍ لعل الله يرحمنا ويرفع عنا هذا البلاء، قال تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾( ).
وقد ورد عنهم : إنّ بالأمر بالمعروف تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وتمنع المظالم وتعمر الأرض وينتصف للمظلوم من الظالم ولا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر فإن لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء ( ).
وقال النبي : (كيف بكم إذا فسدت نساؤكم ، وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، فقيل له ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم فقال كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له يا رسول الله ويكون ذلك ؟ فقال : نعم وشر من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً) ( ).
فعلى كل مؤمن ومؤمنة اليوم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعملوا ليل نهار لإصلاح النفوس الفاسدة التي أصبحت ترى المعروف منكراً والمنكر معروفاً والحمد لله وحده.

والخمس والزكاة:
ورد في جملة من الأخبار أنّ مانع الزكاة كافر( )، وقال الباقر : (إنّ أشد ما فيه الناس يوم القيامة إذا قام صاحب الخمس فقال يا رب خمسي) ( )، وقال إمام العصر عجل الله فرجه الشريف : (من أكل من مالنا شيئاً في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً) ( ).
ودفع الخمس والزكاة فيه خير الدنيا والآخرة ويوجد البركة والزيادة في المال، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ۞ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾( ).
ولعل أهم ما يجب أن تعرفه أنّ من لا يدفع ماله في سبيل الله لا يدفع نفسه في سبيل الله، فالذي لا يدفع الخمس والزكاة لن يقاتل مع صف الإمام الحجة ، بل لا يبعد أنّه سيحارب ضد الإمام  إذا تعارضت عدالة الإمام  مع مصالحه الشخصية، وانظر بعين الإنصاف أنّ المال كلّه لله فهو مالك كل شيء، ومع ذلك فقد جعل لك أربعة أخماس، ما جعلك مستخلفاً فيه، وفرض عليك أن تدفع الخمس والزكاة لتعبّر عن طاعتك له وحبّك له ولرسوله وذريته، لا لحاجة الله لهذا المال، فأنت اليوم تنفقه على الفقراء والمساكين إن أخرجته.
وأضرب مثالاً: صاحب مزرعة أعطاها لعمّال فقال لهم اعملوا فيها وخذوا أربعة أخماس الإنتاج، والخمس الباقي أعطوه لجيرانكم من الفقراء؛ لأني لا أريدهم أن يجوعوا أو يعروا، فطمع العمّال حتى بالخمس وأكلوه، هل ترى أكرم من صاحب المزرعة، وهل ترى أبخل من هؤلاء العمّال؟! والحمد لله رب العالمين.

والصيام:
وهذه العبادة تربي في النفس الاهتمام بأحوال المسلمين الفقراء إضافة إلى تقوى الله، فلا تقض نهار صيامك في التفكير بإفطارك ونوع الطعام الذي ستتناوله فيه، فعندما تحس بالجوع وأنت صائم تذكر كم من المسلمين يقضون معظم أيام السنة جياع ولا تكن من الذين
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾( ).
وليس كل ما في وسعك هو إطعام بعض الفقراء، بل علينا جميعاً أن نعمل لرفع الفقر عن هؤلاء المسلمين الذين يمثلون اليوم معظم أبناء الأمة الإسلامية الغنية بكل أنواع الثروات من أرض زراعية ومعادن ونفط، ولو أنّ ما في أرض المسلمين ينفق على المسلمين وفق الشريعة الإسلامية لأصبح المسلم اليوم من أغنى الناس، ولكن وللأسف تسلط اليوم على الأرض الإسلامية الغنية طواغيت لا هم لهم إلاّ نهب ثرواتها وبناء القصور والفجور وشرب الخمور، إنّ أحد هؤلاء الطواغيت يسافر إلى إحدى دول الغرب ومعه سبع طائرات عملاقة ومائتا طن من المواد الغذائية والكماليات وغيرها ومن الخدم وغيرهم الذين ينفق عليهم ما يكفي لإطعام مدينة من المدن الإسلامية التي يتضور أهلها جوعاً، وأحدهم ينفق على بعض وسائل الإعلام ما يكفي لإطعام الشعب المؤمن الذي تسلط عليه بإراقة الدماء والذي يتضور جوعاً، كل هذا في سبيل أن تغطي وجهه الأسود وفمه الذي يقطر من دماء المؤمنين ليبقى متسلطاً على المسلمين ولو ليوم آخر ينهب فيه الأموال ويأكل فيه الكثير من الطعام لا أشبع الله بطنه.
أيّها الأحبة إنّ في الصيام تدبّراً وتفكّراً في أحوال المسلمين. وفي الصيام جهاد للنفس وللشيطان وللهوى ولزخرف الدنيا، وفي الصيام حب في الله وبغض في الله، وفي قلب الصائم رحمة للمؤمنين وشدّة وغلظة على الكافرين والمنافقين، فاحذروا أن يكون صيامكم جوعاً وعطشاً.
روي عن رسول الله : (ما أقل الصوم وما أكثر الجوع) ( ).
وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلاّ العناء، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم) ( ).
وروي أنّ رسول الله قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: (يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداً من ليله وعف بطنه وفرجه وكف لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر. قال جابر ما أحسن هذا الحديث، فقال رسول الله : يا جابر، وما أشد هذه الشروط) ( ).
ولعل أهم العبادات المقترنة بشهر الصيام هي قراءة القرآن، فاعملوا على تدبّر القرآن ودرس القرآن لتعيشوا حياة السعداء وتموتوا موت الشهداء، فعن رسول الله : (سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه) ( ).
وما أكثر نسخ القرآن اليوم، وما أكثر من يقرأ القرآن والحمد لله، ولكن هل نتدبر القرآن؟ هل نتخلّق بأخلاق القرآن ؟ هل نتفكر بآياته ؟ هل نحن عباد الله ؟ هل نحن كافرون بالطاغوت كما أمرنا في القرآن؟ هل نحن موقنون ؟
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾( ).
سبحان الله، كل هذا في القرآن ونحن غافلون عن القرآن!! فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وهل نظن إننا تدبّرنا القرآن ونحن نجزع لأقل نازلة تنزل بنا ؟ ففي القرآن دروس لا تحصى في الصبر والتوكل على الله في سورة الشعراء:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۞ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ). هل تدبّرنا معنى هذه الآيات؟؟
أصحاب موسى  يؤكدون أنهم واقعون بيد فرعون وجنوده، وموسى  يؤكد أنّ الله سيهديه وينجيه من فرعون وجنوده:
﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
هل استعملت هذه الآية سلاحاً تهزم به عدوك كما فعل موسى  ؟!

والصبر:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ۞ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۞ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾( ).
وعن أبي عبد الله : قال رسول الله : (لا حاجة لله فيمن ليس في ماله وبدنه نصيب) ( ).
وعن رسول الله عندما سئل من أشد الناس بلاءً في الدنيا؟ فقال: (النبيون ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعد على قدر أيمانه وحسن أعماله، فمن صح أيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه) ( ).
وقال أمير المؤمنين : (لو أحبني جبل لتهافت) ( ).
وقال : (من أحبنا أهل البيت فليستعد للبلاء جلباباً) ( ).
فالمؤمن مبتلى ولا بد له من الصبر سلاحاً قوياً يواجه به المصائب والابتلاءات.
والصبر في سبيل الله من أعظم العبادات وله مظاهر كثيرة: منها الصبر على العبادة، والصبر عن المعصية، والصبر عند المصيبة، ولعل من أعظم مصاديق الصبر تحمل المشقّة والمصائب التي تعترض الإنسان المؤمن الذي يخلص في طاعة الله؛ حيث إنّه يواجه الباطل بما فيه من طواغيت ومترفين وجهّال، فاصبروا أيّها المؤمنون والمؤمنات على الأذى الذي تتعرّضون له من الطواغيت وعبيدهم من مترفين وسفهاء، وعضوا على دينكم بالنواجذ، واصبروا على ضيق المعيشة، ولا توردوا أنفسكم موارد الهلكة، فهذه الحياة ساعة الموت لا يراها الإنسان إلاّ كساعة ما لبث أن يعرف الناس فيها.
واعلموا أنّ دنيا زويت عن محمد بن عبد الله لا خير فيها، فاعملوا على إصلاح دينكم لتصلح دنياكم وأخراكم، عن رسول الله : (ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلاّ من يفر من شاهق إلى شاهق، ومن حجر إلى حجر كالثعلب بأشباله. قالوا: ومتى ذلك الزمان يا رسول الله؟ قال: إذا لم ينل المعيشة إلا بمعاصي الله فعند ذلك حلت العزوبة. قالوا: يا رسول الله أمرتنا بالتزويج!! قال: بلى، ولكن إذا كان ذلك الزمان فهلاك الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فإن لم يكن له زوجه ولا ولد فعلى يدي قرابته وجيرانه. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق حتى يوردونه موارد الهلكة) ( ).
أيّها الأحبة تحملوا المشقة واقبلوا القليل من الحلال، وأقلوا العرجة على الدنيا، ولا تداهنوا الطواغيت وأعوانهم، فإن فرج آل محمد وفرجكم قريب إن شاء الله، إنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً، عن رسول الله ، قال: (لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية فاستهوته الخدعة فركن إلى دار السوء، سريعة الزوال وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أو صر حالب فعلى ما تعرجون وماذا تنتظرون؟ فكأنكم والله وما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل فخذوا أهبة لا زوال لنقله وأعدوا الزاد لقرب الرحلة واعلموا أن كل امرئٍ على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم) ( ).
إذا كان قبل ألف وأربعمائة سنة تقريباً لم يبق من الدنيا في جنب ما مضى إلاّ كإناخة راكب، فاعلمـوا أنّ ما بقي اليوم من الدنيا ليس بشيء يذكر أو يمثل، فلربما ظهر الإمـام المهدي  في هذه السنة أو في السنة التي تليها، فهل نبقى غافلين منكبين على طلب الدنيا غافلين عمّا يراد بنا؟! (الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا) ( ).
سُئل أبو ذر رضي الله عنه لماذا نحن نكره الموت فأجاب: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم ، والمرء يكره أن ينتقل من عمار إلى خراب ( ).
خلقنا الله للعبادة فوقتنا يجب أن يكون للعبادة، وما زاد منه لطلب الرزق والعمل لا العكس.
قال رسول لله : (أيها الناس إن الرزق مقسوم لن يعدو أمرؤ ما قسم له فأجملوا في الطلب وإن العمر محدود لن يتجاوز أحد ما قدر له …) ( ).
وقال عند منصرفه من أحد: (أيها الناس اقبلوا على ما كلفتموه من إصلاح آخرتكم وأعرضوا عما ضمن لكم من دنياكم …) ( ).
وقال علي : (لن يفوتك ما قسم لك فأجمل في الطلب، لن تدرك ما زوي عنك فأجمل في المكتسب) ( ).
وقال : (سوف يأتيك أجلك، فأجمل في الطلب، سوف يأتيك ما قدر لك فخفض في المكتسب) ( ).
وقال : (عجبت لمن علم إنّ الله قد ضمن الأرزاق وقدرها وأن سعيه لا يزيده فيما قدر له منها وهو حريص دائب في طلب الرزق) ( ).
واعلموا أنّ هذه الأحاديث لا تتناقض مع طلب الرزق والسعي في مناكب الدنيا، ولكنها تعارض الطلب الذي يجعلك تترك العبادة، أو تقصر فيها أو تؤخر الصلاة عن وقتها، أو تهلك بدنك في الطلب، فإنّ لبدنك عليك حقاً.
واعلموا أنّ الذي يجهد بدنه لن يقوى على العبادة، فيجب أن نوفر وقتاً للعبادة الواجبة والمستحبّة، ونعد العدّة لها، وخصوصاً صلاة الليل لا تتركوها على كل حال.
قال الإمام الحسن : (يا هذا لا تجاهد الطلب جهاد المغالب ولا تتكل على التقدير اتكال المستسلم فإن ابتغاء الفضل من السنة والإجمال في الطلب من العفة وليست العفة بدافعة رزقاً ولا الحرص بجالب فضلاً فإن الرزق مقسوم والأجل موقوت واستعمال الحرص يورث المآثم) ( ).

والتقية:
نحن جميعاً نمارس التقية في حياتنا اليومية، فالإنسان مفطور على تجنب الضرر المادي، بل الحيوان الصامت كذلك، ولكننا نحتاج إلى تقنين هذه الطبيعة وفق التشريع الإسلامي، فالتقية في الإسلام عبادة من أهم العبادات التي يجب أن يلتزم بها المؤمنون التزاماً كاملاً ودقيقاً، وترك التقية في مواردها محرّم كما أن العمل بها في غير مواردها يورد المؤمن موارد الهلكة.
فكثير من المؤمنين يُفرِطون في التقية، وقليل من المؤمنين يُفرِّطون بها وقد ورد عن الأئمة النهي عن حالتي الإفراط والتفريط في التقية، فعن الصادق  ما معناه: (التقية ديني ودين آبائي) ( ).
وعنه : (من لا تقية له لا دين له) ( ).
كما ورد عنه  ما معناه: (إنكم لو دعيتم لتنصرونا لكانت التقية أحب إليكم من آبائكم) ( ).
فبينما هو يؤكد  على التقية والعمل بها في مواردها يذكر أنّ بعضهم يتخاذلون عن نصرة آل محمد ويعتذرون بالتقية، خصوصاً في زمن ظهور الإمام المهدي !!
إذن، فالتقية لا تعني ترك الجهاد والعمل في سبيل الله، ولكنها تعني العمل بحذر، فمثلاً: إذا كنت تريد أن تقتل أفعى سامّة فعليك أن تقترب منها بهدوء ثم تضرب رأسها، أمّا إذا أثرت الكثير من الضجيج فستنتبه هذه الأفعى إنك تقترب منها وربما ستبدأ هي بالهجوم عليك.
وعن أبي جعفر  في صحيح الحذاء: (والله إنّ أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا …) ( ).
وكتم حديث أهل البيت عن غير أهله من الذين لا يقولون بإمامة آل محمد ، المعاندين لهم والخارجين عن ولايتهم.

والجها د:
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۞ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾( ).
أيّها المؤمنون والمؤمنات إنّ هؤلاء الحكّام تسلطوا على المسلمين بالقوّة، واستبيحت الدماء التي حرم الله وبالمكر والخداع وشراء المرتزقة من الأراذل، وأخذوا يحاربون كل إنسان حرّ يرفض التعبّد بقوانينهم لأنّهم يرون أنفسهم آلهة يجب أن تطاع من دون الله، إنّهم يعتبرون أنفسهم فوق البشر فعليهم أن يقولوا ويفعلوا وعلى الناس أن يثنوا على الأقوال ويحمدوا الأفعال، إنهم مستكبرون لا يعون الكلمة الطيبة، إنّما يفهمونه القوّة، والقوّة فقط هي التي تحل مشكلتنا مع هؤلاء الظلمة المستكبرين، وهذا قدرنا، إنّ الله سبحانه وتعالى شاء أن يمتحن المؤمنين بالجهاد ليعلم الصادق في إيمانه من الكاذب الذي يدعي الإيمان.
قال تعالى: ﴿الم ۞ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ۞ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ۞ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۞ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾( ). إنّ هؤلاء الطواغيت ركزوا بين اثنين السلّة أو الذلة كما قال مولانا الحسين  ( )، ويأبى الله لنا الذلة ورسوله والمؤمنون، فلا بد من جهاد هؤلاء الطواغيت ومرتزقتهم الذين يمتصوّن دماء المسلمين قبل أن يأتي يوم نصبح فيه أجساد بلا دماء وأموات نسير على الأرض، وليس لمسلم أن يقول لا أريد أن أتدخل في السياسة؛ لأنّ كل مسلم ملتزم بإسلامه متفقّه في دينه هو سياسي.
انظروا إلى كتب الفقه الإسلامي إنّ ما فيها من أحكام المعاملات الاقتصادية والاجتماعية والقضائية والسياسية أكثر بكثير مما فيها من أحكام العبادات، ثم أليس القرآن هو دستور حياتنا والطريق الذي يرسمه لنا هو الصراط المستقيم الذي يجب أن نسير عليه؟ فإذا تدبّرنا القرآن وجدناه ثورة الأنبياء والمؤمنين المستضعفين بوجه الطواغيت المستكبرين، وإذا تدبّرنا حديث النبي وجدناه يقول: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ( ).
إنّ في هذا الحديث تفضيل لجهاد الحاكم الجائر؛ وذلك لأنه يحكم بحكم الجاهلية ويتّبع هواه ويستبيح الدماء والأموال والفروج ولا يبقى من الإسلام إلاّ ما يوافق هواه، ويشتري من علماء السوء من يفسّر له القرآن وفق هواه فيجعل أولي الأمر في الآية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾( )،
هم الحكام الظلمة لا الأئمة الاثنا عشر المعصومون ، ويصبح موسى وعلي والحسين بغاة على أئمة زمانهم فرعون ومعاوية ويزيد لعنهم الله، وهكذا يرجع الناس إلى الجاهلية ولا يبقى من القرآن إلاّ رسمه ومن الإسلام إلاّ اسمه.
ومن هنا نعرف أنّ جهاد الحاكم الجائر جهاد دفاعي عن الإسلام فلابد للمسلمين من مجاهدة الطواغيت المتسلطين على البلاد الإسلامية والقضاء على مرتزقتهم، وإقامة الحكومة الإلهية الربانية الإسلامية، وبالتالي تنفيذ ما شرّعه الله في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه العظيم وما جاء به الأئمة الاثنا عشر المعصومون عن رسول الله في البلاد والعباد، ونشر العدل والقضاء على الفساد.
ولابد من الجهاد المسلح، ولكي نهيئ هذه الأمة لهذه المرحلة لابد من أمور، هي:
1- نشر الفقه الديني بين المؤمنين:
وهذه مهمّة كل مؤمن، وهو واجب شرعي؛ لأنه مقدمة كل العبادات ولصحة المعاملات، ولكن كل بحسبه ووسعه، فواجب خريجي الجامعات ليس كواجب الأمي؛ فمثلاً على خريج الجامعة أن يدرس الفقه أو بعض المسائل الفقهية ويستعين بطلبة العلوم الدينية، وهذا واجبهم كمرشدين، ثم يقوم هو بنشر الفقه بين المؤمنين.
أمّا الذي لا يقرأ فيستطيع أن يتعلّم بعض المسائل الفقهية في الجامع أو من بعض المؤمنين ثم يقوم بنشرها بين المؤمنين، ولا يستقل أحد علمه فلو كنت تعرف مسألة فقهية واحدة فاعمل على نشرها بين المؤمنين.
واعلموا أنّ بنشر الفقه وتباحث المؤمنين حول التشريع الإسلامي وأحوال المسلمين اليوم يتعرّى الطواغيت وأعوانهم الذين يتظاهرون بالإسلام، ويعرف المسلمون مدى خروج هؤلاء الحكّام الظلمة عن الشريعة المقدسة واستهزائهم بها ومحاربتهم لأولياء الله الربانيين والمؤمنين المتدينين.

2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ذكرت فيما سبق أنّ هذا العمل هو مهمّة المجتمع بأسره، وهو واجب من أهم الواجبات الشرعية نكسب بها رضا الله ونفضح بها الطواغيت. ويجب أن نركز على إصلاح نفوس الخاضعين للطاغوت فنذكرهم بالقرآن والأنبياء وجهادهم للطواغيت:
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ۞ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾( ).
وقال تعالى:﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۞ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ۞ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾( ).
إنّ الذي في نفسه ولو جذوة من الحق سيتذكّر ويرجع إلى ولاية الله ولا ينصاع إلى أوامر الطاغوت، وينضم إلى صفوف المؤمنين.
وأمّا الشقي الذي يظن أن استسلامه للطاغوت سينجيه ويبقيه حياً، فلا تأسوا عليه، فهذا يظن أنّ الحياة بيد الطاغوت لا بيد الله ! وانطوت نفسه على خوف وجبن من الطاغوت حتى أصبح طبيعة ثانوية.
أمّا أعوان الطاغوت فهؤلاء قد اسودت قلوب معظمهم وعميت بصائرهم، وأصبحوا يرون المنكر معروفاً والمعروف منكراً، ولكن هذا لا يعني أن نتركهم ليكونوا جميعاً حطباً لجهنم، فلعل فيهم من يمكن إصلاحه وأعادته إلى ولاية الله.
وليكن لنا كمؤمنين في الحسين  أسوة، حيث نصح لجيش يزيد بن معاوية لعنهم الله وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فكانت النتيجة عودة قائد من قواد جيش الأمويين وهو الحر بن يزيد الرياحي (رضي الله عنه) إلى الحق، ولو لم تكن إلاّ هذه النتيجة من خطبة أبي عبد الله  لكفى.
وعلى المؤمنين الاحتياط والحذر في نصح هذه الفئة الضالة، وعلى أرحامهم من المؤمنين أو من يأمن منهم الضرر أن ينصحهم ويحاول إصلاحهم، ولا ييأس المؤمنون من إصلاح المجتمع الإسلامي فهم حزب الله وجنده قد كتب الله لهم الفلاح والغلبة، وسيرسل الله سبحانه لهم القائد الرباني المهدي  المصلح العظيم والمنفذ لشريعة الله على الأرض، والكلمة التي سبقت من الله لعباده المرسلين ووعده سبحانه لهم بالنصر، ولابد أن تشرق الشمس بعد هذا الغياب الطويل والعناء المرير، فاعملوا ليلاً ونهاراً وسرّاً وعلانيةً، واعلموا أن أجر المؤمن الذي يعمل لتهيئة الأساس لدولة صاحب الزمان  في هذا الوقت عظيم.
عن أبي عبد الله ، قال: (قال رسول الله : طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه، يتولى وليه ويتبرأ من عدوه، ويتولى الأئمة الهادية من قبله، أولئك رفقائي وذوو ودي ومودتي، وأكرم أمتي عليّ. قال رفاعة: وأكرم خلق الله علي) ( ).
وعن الصادق ، قال : (قال رسول الله لأصحابه: سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن؟ فقال: إنكم لو تحملوا لما حملوا لم تصبروا صبرهم) ( ).
عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير، قال: قال أبو عبد الله : ( يا أبا محمد إنّ عندنا والله سراً من سر الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للأيمان، والله ما كلف الله ذلك أحد غيرنا، ولا استعبد بذلك أحد غيرنا. وإنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعلماً من علم الله، أمرنا الله بتبليغه فبلغنا عن الله  ما أمرنا بتبليغه فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحتملونه حتى خلق الله لذلك أقواماً خلقوا من طينة خلق منها محمد وآله وذريته ومن نور خلق الله منه محمداً وذريته وصنعهم بفضل صنع رحمته التي صنع منها محمداً وذريته فبلغنا عن الله ما أمرنا بتبليغه فقبلوه واحتملوا ذلك (فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه)، وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك لا والله ما احتملوه.
ثم قال: إنّ الله خلق لجهنم والنار خلقاً فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا ساحر كذّاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق فهم ينطقون به وقلوبهم منكره ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه، وأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان، فاكتموا عمّن أمر الله بالكف عنه، واستروا عمّن أمر الله بالستر والكتمان عنه.
ثم رفع يده وبكى، وقال: اللهم إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم، ولا تسلط عليهم عدواً لك فتفجعنا بهم فإنك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبداً في أرضك، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً) ( ).


3- نشر فكر الثورة الإسلامية:
الثورة الإسلامية هي ثورة محمد بن عبد الله والمؤمنين والمستضعفين على طواغيت زمانه، أمثال أبي سفيان وكسرى وقيصر وأعوانهم، ولن تنتهي هذه الثورة حتى يقول كل من على الأرض (لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله)، ويتحقق العدل الإلهي وينبسط على كل أرجاء المعمورة على يد مهدي هذه الأمة .
ولا يشك مسلم أنّ ثورة الحسين  هي استمرار لثورة الرسول حيث قال في الحديث المشهور: (حسين مني) ( ).
فثورة الحسـين  هي ثورة حزب الله وجنوده على الطاغوت وحزبه، وخروج الحسـين  هو خروج الرسول في شخص ولده الحسين  سيد شباب أهل الجنة.
لم يكن خروج الحسين  ليحقق نصراً عسكرياً في ساحة المعركة وهو يعلم أنّ معه سبعين رجلاً أو يزيدون قليلاً، بل إنّ الحسين  خرج بعهد من جده رسول الله وكان يعلم أنّه سيقتل ويقتل أصحابه وولده حتى الرضيع، وتسبى النساء وفيهن زينب بنت فاطمة بنت رسول الله .
إنّ ثورة الحسين  استهدفت إحياء الثورة الإسلامية المحمدية وحقيقتها الإصلاحية التي كان الأمويون يريدون تحويلها إلى مجرّد نهضة عسكرية لإقامة إمبراطورية عربية باسم الإسلام، فجاءت نهضة الحسين  لتقول للناس جميعاً في كل مكان وزمان إنّ الإسلام لا يستهدف إقامة إمبراطورية عربية أو إسلامية.
إنّ هدف الإسلام هو أن يقول كل من على الأرض: ( لا إله إلاّ الله ).
إنّ هدف الإسلام هو إقامة العدل الإلهي على الأرض.
جاءت ثورة الحسين  لتعلن براءة الله سبحانه وتعالى ورسوله من الحكّام الذين تسلطوا على هذه الأمة، وأبعدوا خلفاء الله في أرضه أوصياء محمد الأئمة الاثني عشر عن الحكم.
إنّ ما حصل في كربلاء في العاشر من المحرّم سنة إحدى وستين للهجرة يؤكد أنّ الأمة الإسلامية ارتدت إلى الجاهلية بعد وفاة النبي ، وكان أعظم مظاهر هذه الردّة هو قتل الحسين ابن علي (عليهما السلام)، ورفع رأسه على رمح، وأسر الوصي الرابع من أوصياء محمد علي بن الحسين (عليهما السلام) وجرّه إلى الشام مكبّلاً بالحديد، فكان ما فعلته هذه الأمة مع أوصياء نبيها استكمالاً لما فعله بنو إسرائيل مع أنبيائهم ، إن لم يكن ما فعلته هذه الأمة أنكى وأعظم.
وأصبح ما حصل في كربلاء لعنة على ذلك الجيل من الأمة الإسلامية الذي ارتضى أن يقتل الحسين ، وفي نفس الوقت فهو رحمة لأجيال هذه الأمة التي جاءت بعد مقتل الحسين ، حيث بدأ يتعمّق في نفوس الكثيرين فكر الثورة الإسلامية التي وضع خطتها الله سبحانه وتعالى وينفذها محمد وآل محمد من بعده.
ونحن اليوم نستوعب هذه الحقيقة؛ لأنها واقع عملي فلا يأتي يوم عاشوراء حتى تسمع الدويَّ والعويل يرتفع على كل بقعة في الأرض يتواجد فيها المؤمنون.
لقد ضحى الحسين  بكل شيء ليصبح أوضح علامات الطريق إلى الله والخروج من التيه الذي وقعت فيه هذه الأمة؛ وليضع الأساس القوي والمتين الذي يرجع إليه كل مسلم يرفع سيفه بوجه الطواغيت الذين تسلطوا على هذه الأمة ليعيدوها إلى الجاهلية، فثورة الحسـين  المحمدية الإسلامية الأصلية استهدفت إصلاح نفوس أبناء هذه الأمة وتهيئة جيل مؤهل لحمل الرسالة الإلهية، جيل رباني يعبد الله ولا يقبل إلاّ بالقرآن دستوراً وبالمعصوم المعين من الله أو من ينوب عنه حاكماً، فإنّ كان مقتل الحسين  أمراً عظيماً فإنّ الهدف منه بقدر تلك العظمة إنّه إقامة دولة لا إله إلاّ الله الكبرى على الأرض، دولة العدل الإلهي بقيادة ابن الحسن عليهما السلام الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف.

4- تهيئة القوة للجهاد:
إذا تفقّه المسلمون في دينهم وبدؤوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واستوعبوا هدف الثورة الإسلامية، وهو حمل كلمة لا إله إلاّ الله إلى أهل الأرض وإقامة العدل الإلهي على الأرض، أصبح لدينا جيل مهيّأ لجهاد الطواغيت، فتكون المرحلة الرابعة هي الاستعداد للجهاد بدنياً وتهيئة السلاح ولو كان سكين صغيرة أو قطعة حديد، ولا تستصغروها فإنّ أصحاب رسول الله انتصروا بجريد النخل على سيوف مشركي قريش.
واعلموا أنّ الله معكم وهو مثبتكم وناصركم بملائكته إن كنتم مخلصين له سبحانه، ومع جنود الطاغية الشيطان هو الذي يستفزّهم وسينكص على عقبيه عندما يتراءى الجمعان وسيهزم الجمع ويولون الدبر، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ).
فبهذه المراحل التي مرّت يتهيأ جنود المهدي ، جنود الله سبحانه وتعالى للجهاد نفسياً وبدنياً. وليستحضر كل مؤمن مجاهد في نفسه أنّه مع الله سبحانه جبّار السماوات والأرض فلا يخاف ولا يخشى من الطاغوت وجنوده مهما كثر عددهم وعدتهم:
﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾( ).
وعندئذٍ سيفرّج الله سبحانه وتعالى عن هذه الأمة ويرسل لها القائد الرباني المهدي  الذي يقودها للخروج من التيه ولدخول الأرض المقدسة إن شاء الله سبحانه وتعالى.
والمهدي  هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فهو من ولد علي  وفاطمة بنت محمد رسول الله .
والمسلمون متفقون على خروجه في آخر الزمان، والأحاديث في ذلك متواترة، ومنكره كافر بما جاء به محمد كما جاء في الحديث عنه .
ولادته  سنة 255 هـ قبل شهادة أبيه الإمام العسكري بخمس سنين، وأمّه حفيدة قيصر ملك الروم يرجع نسبها إلى أحد حواري عيسى ، وقد رآه الكثير من المؤمنين في حياة أبيه الإمام العسكري ، وبعد توليه منصب الإمامة كان يراه سفراؤه الأربعة في زمن الغيبة الصغرى ولمدّة تزيد عن سبعين عاماً، ثم شاء الله أن تقع الغيبة الكبرى، وسيبقى  حياً حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وجاء ذكره في التوراة والإنجيل ويسمّى فيها بـ (قديم الأيام) لطول عمره . وينزل عيسى  في زمن قيامه من السماء وزيراً له ومؤيداً لحقّه .
قيامه  في مكة، يجتمع له أصحابه فيها، وعدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً على عدّة أهل بدر وأصحاب طالوت الذين عبروا معه النهر، ثم يتوافد المؤمنون المخلصون إلى مكّة من كل بلاد المسلمين حتى يبلغ العدد عشرة آلاف، وهم أول جيشه ، ولا يخرج من مكّة لقتال الطواغيت حتى يخسف الله الأرض بجيش السفياني بين مكّة والمدينة، وهو جيش يرسل للقضاء على حركة المهدي ، وبعد هذا الحادث يبدأ حركته بتطهير الأرض الإسلامية من الطواغيت وعبيدهم المجتمعين حولهم، ويقضي على السفياني وجنده الأرجاس، ويحرر الأرض المقدسة ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.
ولكن الامتحانات في زمن ظهوره  كثيرة، منها الدجال وجيوش الغرب، لكن الله ينصر وليه المهدي  وجنود الله الذين معه على أعدائهم؛ ليظهر الدين الإلهي على الدين كلّه ولو كره المشركون كما وعد سبحانه وتعالى في كتابه الكريم القرآن ( ).
ومن علامات قرب ظهوره  أن تمنع السماء قطرها، وحر شديد، واختلاف الشيعة، ويقع الموت في الفقهاء، وقتل كثير منهم في النجف، وحصار اقتصادي على العراق كما ورد يكاد لا يجبى للعراق قفيز ولا درهم( )، ومنع أهل العراق من الحج، والذين يمنعونهم الروم (الغرب اليوم)كما روي عن الصادق  مخاطباً بعض أهل العراق: (… فعند ذلك تمنعون الحج وتنقص الثمار وتجدب البلاد وتبتلون بغلاء الأسعار وجور السلطان ويظهر فيكم الظلم والعدوان مع البلاء والوباء والجوع وتظلكم الفتن من الآفاق …) ( ).
وزخرفة المساجد، وتزيين المصاحف، والأكل في المساجد، وأن تصبح السنة كالشهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم واليوم كالساعة، وقتل أربعة آلاف مسلم في مسجد الكوفة في يوم الجمعة يقتلهم حكّام العراق، وهدم حائط مسجد الكوفة، واختلاف حكّام العراق فيما بينهم. وهذا الاختلاف أول علامات ذهاب ملكهم وطمع الناس فيهم، وظهور الكوكب المذنب يضيء كما يضيء القمر وينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه، والنداء من السماء في شهر رمضان في الثالث والعشرين منه، وظهور السفياني في الشام؛ في الأردن واحتلاله سوريا وبعض فلسطين، وقبله يحصل اختلاف في الشام على الحكم، ودخول السفياني العراق وقتله حاكم العراق، وخسوف القمر في آخر شهر رمضان لخمس بقين منه، وكسوف الشمس في منتصف شهر رمضان، وهاتين العلامتين في شهر واحد.
وفيضان يملأ الكوفة في سنة قيامه ، وأن تمطر السماء أربع وعشرين مطرة ترى آثارها وبركاتها في الأرض في سنة قيامه . وأن يفسد التمر في النخل وورد أن تفسد الثمار في الأشجار ( )، وظهور نار في الحجاز، وظهور نار في السماء، وظهور حمرة في السماء، وركود الشمس عند الزوال، وخراب بغداد بالحروب والفتن، وخراب البصرة، وظهور ذكره  على ألسنة الناس، وخروجه في وتر من السنين، وقتل النفس الزكية في الكعبة يذبح بين الركن والمقام، ويقوم القائم بعد هذه العلامة بخمسة عشر يوماً أو أقل منها.
وبعد قيامه توجد علامات للدلالة عليه، وهي الخسف بجيش السفياني في البيداء بين مكّة والمدينة، وربما كان النداء بعد قيامه للدلالة على حقّه خصوصاً أنّ المنادي جبرائيل  في السماء.
هذا بعض ما ورد في الحديث عنهم والله أعلم، وما أوتينا من العلم إلاّ قليلاً نسأله سبحانه الزيادة.
والسلام على حجة الله في أرضه ورحمة الله وبركاته.
والسلام على المؤمنين والمؤمنات ورحمة الله وبركاته.
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ۞ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾( ).
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۞ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾( ).


المذنب المقصـر
أحمـد
1420 هـ. ق















الفهرس
الإهداء ...................................................................... ............ 5
المقدمة ...................................................................... ............. 7
تيه بني إسرائيل ...................................................................... .... 13
أهم أسباب الرفض ...................................................................... 15
التيه في الأمة الإسلامية ................................................................... 19
الإسلام والسياسة والحكم ................................................................ 29
طريق الخروج من التيه ................................................................... 45
الصلاة ...................................................................... ........... 46
الدعاء ...................................................................... ............ 47
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ......................................................... 49
الخمس والزكاة ...................................................................... ... 51
الصيام ...................................................................... ............ 52
الصبر ...................................................................... ............. 54
التقية ...................................................................... ............. 57
الجهاد ...................................................................... ............ 58
1- نشر الفقه الديني بين المؤمنين ......................................................... 60
2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..................................................... 61
3- نشر فكر الثورة الإسلامية ............................................................ 64
4- تهيئة القوة للجهاد ................................................................... 65
الفهرس ...................................................................... ........... 71

والحمد لله رب العالمين