إصدارات أنصار الإمام المهدي  / العدد (51)




الجهاد
باب الجنة




السيد
أحمـد الحســن
وصي ورسول الامام المهدي
( مكن الله له في الأرض )





الطبعة الثانية
1431هـ - 2010 م












لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
أنصار الإمام المهدي (ع) اتباع الإمام احمد الحسن اليماني (ع) - انصار الامام المهدي (ع)








﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ( البقرة : 214 ) .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيـمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ ( النساء : 26 - 27 ) .































الإهــــــداء

إلى من خَطَّوا حبهم لله بدمائهم ..
إلى من خَطَّوا شهادة ( لا إله إلاّ الله ) بدمائهم ..
إلى من عرَّفوا أهل الأرض وضاعة هذه الدنيا وخسَّتها ..
إلى كل من لبّى دعوات الأنبياء والمرسلين والأئمة
وهاجر إلى الله شهيداً صابراً محتسباً ..
أيها السادة الأبرار ..
تقبلوا هذه البضاعة المزجاة مني أنا الجاهل المسكين وإن لم أكن أهلاً لذلك

















والحمد لله رب العالمين، وصلَّ اللهم على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.
دائماً يحاول شياطين الإنس والجنّ إلقاء الشبهات حول الأنبياء والأوصياء الذين لا يؤمنون بهم وبنبوتهم ورسالاتهم من الله سبحانه وتعالى، ومن هذه الشبهات هي شبهة القسوة والشدّة والقتال وحمل السيف بوجه من يخالفهم .
وكأنّ الرسول لا يكون رسولاً إلاّ إذا جاء كما جاء شبيه عيسى  يسلّم نفسه بكل هدوء إلى جلاديه الذين تخلو قلوبهم من أي رحمة، ثم يُقطّع جسمه إرباً ويُصلب ويُقتل دون أي مقاومة، هكذا يريدون أعداء الله وجند الشيطان من الإنس والجن أن يُقتل كل الرسل لتخلوا الساحة لهم، فالرسول إذا قاوم جلاديه أو دافع عن نفسه وعن رسالة السماء بحمل السيف والجهاد والقتال لا يكون رسولاً.
هم اليوم يحاولون بقوّة نشر هذه العقيدة الفاسدة لكي لا ينصر الناس (المُعَزّي)( ) لرسل الله سبحانه، الذي يأتي حاملاً سيف غضب الجبار سبحانه وتعالى على أهل الأرض الذين ملؤوها ظلماً وجوراً وفساداً.
وفي هذه الأسطر القليلة سأحاول الدفاع عن أنبياء الله ورسله وشيعتهم، وعن حقّهم الثابت في الدفاع عن دين الله سبحانه وتعالى برفع السيف بوجه الطواغيت وأشياعهم بعد أن تخلوَ ساحة المواجهة من أي موضع للكلمة الطيبة، وسأحاول الاقتصار على ما أجد أنّ الضرورة تحتّم مناقشته للوقوف على الحقيقة، وبالتالي أن يوفق الإنسان لإتباع الحق وإرضاء الله سبحانه، والحمد لله وحده.

المذنب المقصر
أحمد الحسن
15 ذو الحجة 1427 هـ . ق













لماذا الجهاد باب الجنة ؟
الجهاد ينقسم إلى: جهاد الأرواح وجهاد الأجساد، أو الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر( ).
وبما أنّ النتيجة الأولى للجهاد الأكبر هي إتباع خليفة الله في أرضه والانصياع لأوامره، أي السجود له كما سجدت الملائكة لآدم  ، وبما أنّ خليفة الله في أرضه هو الجنة الحقيقية، بل إنّ الجنان الملكوتية خُلقت من أنوارهم( )، فإنّه يكون الجهاد الأكبر - والحال هذه - باب الجنة؛ لأنّه الباب الموصل إلى معرفة خليفة الله في أرضه وإتباعه، وخليفة الله هو باب معرفة الله سبحانه وتعالى( ).
أمّا الجهاد الأصغر؛ فإنّه بذل المال والنفس في سبيل الله دون إرادة أيّ عوض سوى رضا الله سبحانه وتعالى، والجود بالنفس ما بعده جود، فكيف لا يكون الجهاد الأصغر باباً من أبواب الجنة، بل وأوسع أبواب الجنة بعد أن كان سعياً من الإنسان ليشهد أن ( لا إله إلاّ الله ) بدمه.

* * *
الجهاد الأكبر (جهاد النفس )
قلب الإنسان بين إصبعين من أصابع الرحمن( )؛ الشيطان إصبع والملك إصبع، أو الظلمة إصبع والنور إصبع، أو الجهل إصبع والعقل إصبع.
والقلب بين هذين الإصبعين ، فجهاد النفس هو السعي مع الملك والنور والعقل إلى الله، ونبذ الشيطان والظلمة والجهل.
وبما أنّ هدف الشيطان وغرضه هو أن يردي الإنسان في هاوية الجحيم، وأن يجعله في مواجهة مخزية مع رب العالمين عندما يعصي الخالق الرؤوف الرحيم الكريم، وليحقق هذا الغرض لابد له من أسلحة يستعين بها على تنفيذ ما يريد.
وهذه الأسلحة تتدرج من الظهور إلى الخفاء، ومن الضعف إلى القوّة، وكلٌ بحسبه، فلكلٍّ صنف سلاحه الملائم لإضلاله.
ومن باب (اعرف عدوك) أتعرض لهذه الأسلحة ؛ ليتسنّى لمن يريد أن يجاهد بالجهاد الأكبر معرفة عدوه ، وبالتالي إنقاذ نفسه من النار ، وتحصين نفسه والتدرع بما هو ملائم ؛ لأنّ لا يكون هدفاً سهل المنال للشيطان (لعنه الله).
ولابد من معرفة أولاً - وقبل كل شيء - أنّ دوافع الإنسان للغواية مركبة ومشتبكة مع بعضها، والشيطان (لعنه الله) يستخدم من هذه التركيبة المعقدة ما يناسب كل إنسان لإضلاله؛ حيث إنّ الإنسان يعيش في هذا العالم الجسماني وممتحن بهذا العالم الجسماني في هذا الوقت وفي هذه الحياة الدنيا، فنفس الإنسان ومحيطها هما مدار البحث حول أسلحة الشيطان، فمن النفس ومن محيطها يتسلح الشيطان (لعنه الله) لإغواء الإنسان وليرديه في هاوية الجحيم، ومحيط الإنسان هو العالم الجسماني أو الدنيا.
فالبحث إذن يدور حول الدنيا والنفس الإنسانية من جهة، وحول النفس الإنسانية من جهة أخرى؛ لأنّ السلاح إمّا:
أن يكون مركباً من العالم الجسماني والنفس الإنسانية، كالسكين والجسم الذي تغرس فيه وكمثال الزاني والزانية، فالشيطان يستخدم المرأة أو الرجل وأيضاً يحتاج إلى الضعف الجنسي في نفس هذا الإنسان الذي يريد إغواءه وإردائه في الهاوية. فبالنسبة لرجل عصى الله بالزنا تمثّل المرأة السكين التي طعنه بها الشيطان ، أمّا ضعفه الجنسي فقد مثّل المكان الذي الذي طعنه به الشيطان .
أن يكون السلاح من داخل النفس الإنسانية ، فتكون السكين وموضع الطعن واحد وهي النفس، فلا يوجد شيء من العالم الجسماني، ومثاله العجب.
فنحتاج إذن إلى معرفة السكين (الدنيا)، والجسم الذي تغرس فيه (النفس)، والسكين النفسية (وهي سكين وسلاح يؤخذ من النفس ويغرس في النفس) ، وعندها إذا وفقنا سنعرف أسلحة الشيطان بشكل تفصيلي بعد أن عرفناها بشكل مبسط ، ونحن نحتاج إلى كلا المعرفتين البسيطة (أي كون النفس والدنيا هما سلاح الشيطان)، والتفصيلية التي أتركها؛ لأنها تتفرع من هذا الإجمال.
ولا بأس من إلقاء نظرة على الدنيا والنفس الإنسانية من حيث إنها سلاح للشيطان.
1- السكين ( الدنيا ) :
والعالم الجسماني المحيط بالإنسان ينقسم إلى: جمادات ونباتات وحيوانات، وبقية الناس غيره، وعلاقة الإنسان معها إما ملائمة أو منافاة، فتجده - مثلاً - يحب تملّك الأرض والذهب والفضة والزرع والحيوانات وقضاء شهوته مع الجنس المقابل له، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾( ).
ويكره التعرّض للضرر كالقتل في ساحة المعركة، وهو من نتائج الجهاد المحتملة:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾( ).
ولابد من بيان أنّ الدنيا بالنسبة للآخرة ضرّة لا تجتمع معها في قلب إنسان أبداً ( )، فهما في اتجاهين متقابلين إذا التفت الإنسان إلى إحداهما أعطى ظهره للاُخرى ، ولا يمكن لإنسان أن يجمع الدنيا والآخرة في عينه أو قلبه ، قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾( ).
ومن هذه التركيبة الجسمانية المحيطة بالإنسان ونفس الإنسان - وبالخصوص الثغرات ونقاط الضعف الموجودة فيها - يكون سلاح الشيطان (لعنه الله).
2 - النفس :
وهي أُسّ البلاء وبيت الداء، فلو لم تكن فيها الثغرات الملائمة لما في الدنيا من شهوات، ولو لم تكن فيها علة العلل وهي (الأنا) لما كان للشيطان على الإنسان سبيل، فبصحتها يصحّ ابن آدم، وبدائها يمرض، وبموتها يموت.
والشيطان (لعنه الله) إمّا يستخدم ما فيها وهو الأنا لطعنها، فيكون سلاح الشيطان منها والطعن فيها ، وإمّا أنّ الشيطان (لعنه الله) يستخدم ما في الدنيا ليطعن النفس في ثغراتها.
والآن عرفنا سلاح الشيطان وتركّبه من النفس ومحيطها، وبهذا نعرف معنى أن يكون جهاد النفس هو الجهاد الأكبر؛ لأنّ تحصين النفس في هذه المعركة يؤدي إلى النصر على الشيطان وهزيمته وكسر سلاحه.
أمّا تفصيل أسلحة الظلمة والجهل والشيطان فأتركه لهذه الجوهرة من جواهر آل محمد التي بيّنت جنود الجهل وجنود العقل؛ ليتحلّى المؤمن بجنود العقل بعد أن يتخلّى عن جنود الجهل فيتم عقله، ويتحصّن بالله من أسلحة الشيطان.
روى الشيخ الكليني في (الكافي) عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن سماعة بن مهران، قال: كنت عند أبي عبد الله  وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل، فقال أبو عبد الله : (اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا، قال سماعة: فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلاّ ما عرفتنا، فقال أبو عبد الله : إنّ الله عزّ وجل خلق العقل وهو أوّل خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقاً عظيماً وكرمتك على جميع خلقي، قال: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانياً فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فلم يقبل فقال له: استكبرت فلعنه، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً فلما رأى الجهل ما أكرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل: يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به فأعطني من الجند مثل ما أعطيته، فقال: نعم فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي، قال قد رضيت فأعطاه خمسة وسبعين جنداً.
فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند: الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل، والايمان وضده الكفر، والتصديق وضده الجحود، والرجاء وضده القنوط، والعدل وضده الجور، والرضا وضده السخط والشكر وضده الكفران، والطمع وضده اليأس، والتوكل وضده الحرص، والرأفة وضدها القسوة، والرحمة وضدها الغضب والعلم وضده الجهل، والفهم وضده الحمق، والعفة وضدها التهتك، والزهد وضده الرغبـة، والرفق وضده الخرق، والرهبة وضدها الجرأة، والتواضع وضده الكبر، والتؤدة وضدها التسرع، والحلم وضدها السفه، والصمت وضده الهذر، والاستسلام وضده الاستكبار، والتسليم وضده الشك والصبر وضده الجزع، والصفح وضده الانتقام، والغنى وضده الفقر، والتذكر وضده السهو، والحفظ وضده النسيان، والتعطف وضده القطيعة، والقنوع وضده الحرص، والمؤاساة وضدها المنع، والمودة وضدها العداوة والوفاء وضده الغدر، والطاعة وضدها المعصية، والخضوع وضده التطاول والسلامة وضدها البلاء، والحب وضده البغض، والصدق وضده الكذب، والحق وضده الباطل، والأمانة وضدها الخيانة، والإخلاص وضده الشوب، والشهامة وضدها البلادة، والفهم وضده الغباوة، والمعرفة وضدها الإنكار والمداراة وضدها المكاشفة، وسلامة الغيب وضدها المماكرة، والكتمان وضده الإفشاء، والصلاة وضدها الإضاعة، والصوم وضده الإفطار، والجهاد وضده النكول، والحج ( أي الولاية ) وضده نبذ الميثاق، وصون الحديث وضده النميمة، وبر الوالدين وضده العقوق، والحقيقة وضدها الرياء، والمعروف وضده المنكر، والستر وضده التبرج، والتقية وضدها الإذاعة، والإنصاف وضده الحمية، والتهيئة وضدها البغي، والنظافة وضدها القذر، والحياء وضدها الخلع، والقصد وضده العدوان، والراحة وضدها التعب والسهولة وضدها الصعوبة، والبركة وضدها المحق، والعافية وضدها البلاء، والقوام وضده المكاثرة، والحكمة وضدها الهواء، والوقار وضده الخفة، والسعادة وضدها الشقاوة، والتوبة وضدها الإصرار والاستغفار وضده الاغترار، والمحافظة وضدها التهاون، والدعاء وضده الاستنكاف، والنشاط وضده الكسل، والفرح وضده الحزن، والألفة وضدها الفرقة والسخاء وضده البخل.
فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلاّ في نبي أو وصي نبي، أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل، وينقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء ( أي إذا تمّ عقله كان من أهل السماء السابعة ، وهي سماء العقل )، وإنما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده، وبمجانبة الجهل وجنوده، وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته)( ).
* * *
الجهاد الأكبر يسبق الجهاد الأصغر
أهم أهداف الجهاد هو إخراج الناس من عبودية الأرض والعباد والأنا إلى عبودية الله الواحد القهار والاعتراف بحاكميته سبحانه وتعالى على صعيدي التشريع والتنفيذ المجتمعين في خليفة الله في أرضه ، والمعركة الجهادية الأولى دارت ضمن نطاق هذا القانون الإلهي (خلافة الله في أرضه) وهو القانون الأول والذي تدور حوله قبول الطاعة أو عدمها، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾( )، وفي النتيجة ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾( ).
انتصر الملائكة في هذه المعركة وخسر إبليس لعنه الله وكان الجهاد فيها من الطراز الأول وهو جهاد النفس أو كما سماه رسول الله (الجهاد الأكبر)، ولابد أن يبدأ المجاهد بالجهاد الأكبر ثم ينتقل إلى الأصغر بل الجهاد الأصغر أحد أهم أجزاء الجهاد الأكبر.
ولعل بعضهم توهم أنّ الجهاد الأصغر مقدم من حديث رسول الله عندما استقبل المجاهدين العائدين من أرض المعركة فرحب بهم على أنهم قوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر أي جهاد النفس، ولكن الحقيقة التي كان يريد أن يبينها رسول الله في حديثه هي أنّ جهاد الأجساد (الجهاد الأصغر) ربما ينقضي، أمّا جهاد الأرواح (الجهاد الأكبر) فلا ينقضي ما دام الإنسان في هذه الحياة الدنيا، كما أنّ جهاد الأجساد ما هو إلاّ استجابة لجهاد الأرواح، حيث إنّ الأجساد تابعة للأرواح مستجيبة لإرادتها، فلم يكن أولئك العائدون إلاّ قوماً خاضوا في غمار الجهاد الأكبر ثم انتقلوا إلى الجهاد الأصغر ثم عادوا فذكرهم رسول الله أنهم ما داموا في هذه الحياة الدنيا فعليهم أن يجاهدوا أنفسهم لئلا يقعوا فيما وقع فيه إبليس لعنه الله فينكرون خليفة الله في أرضه ، فتكون النتيجة هي الخسران المبين.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ( ).
وبالفعل فقد أنكر كثير منهم خليفة الله في أرضه (علي بن أبي طالب ) وفشلوا في معركة الجهاد الأكبر، فلم ينفعهم الجهاد الأصغر أو قل قتال الأجساد.
فعلى الإنسان أن يحذر فتنة الله ويجاهد نفسه ويتابع خليفة الله في أرضه وإلاّ فالنار، فلا جهاد إلاّ تحت راية ولي الله وخليفته في أرضه، ومن يدعي أنّه يجاهد ويطلب الشهادة تحت راية غير راية خليفة الله في أرضه فهو يتعجّل قتلة الدنيا قبل قتلة الآخرة.
عن أبان بن تغلب، قال: كان أبو عبد الله  إذا ذكر هؤلاء الذين يقتلون في الثغور يقول: (ويلهم ما يصنعون بهذا ؟! يتعجلون قتلة الدنيا وقتلة الآخرة، والله ما الشهيد إلاّ شيعتنا وإن ماتوا على فرشهم)( ).
إذن، فلابد للإنسان أن يخوض معركة الجهاد الأكبر أولاً ويعرف ولي الله وخليفته في أرضه ثم يخوض معركة الجهاد الأصغر تحت رايته وليكون جهاده مرضياً عند الله وطاعة له سبحانه وإلاّ فسيكون كالبهيمة بل أضل سبيلاً، فإمّا أن يكون قتاله لأجل الأرض فإنّ الملحد يقاتل لأجل أرضه كالحيوان لأجل وكره ، أو أنّه يقاتل لأجل عقيدة لا يفقهها مقلداً العلماء غير العاملين ثم بعد موته وبعد أن يجر إلى النار يتبيّن له أنّ العلماء غير العاملين قادوه لمحاربة موسى  أو عيسى  أو محمد أو الإمام المهدي .
وأمير المؤمنين  قال: (الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه)( )، أي إنّ الأولياء هم المجاهدون الحقيقيون، لا أنّ كل من يقاتل فهو مجاهد وهو ولي من أولياء الله كما يفهم بعضهم، فالأولياء هم الذين جاهدوا أنفسهم وخاضوا في غمار الجهاد الأكبر وتابعوا ولي الله وخليفته في أرضه فكانوا بذلك أولياء الله حقاً ومستحقين لأن يكون الجهاد باباً فتحه الله لهم .

* * *
الجهاد الأصغر
الجهاد في الأديان الإلهية:
الجهاد أو القتال لإعلاء كلمة الله ونشر التوحيد والدين الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى قضية قررها الله سبحانه، وحث عليها المؤمنين وأوجبها عليهم وواعد من جاهد في سبيله الجنة وتوعّد من أعرض عن الجهاد بالنار.
والأنبياء والمرسلون هم حملة كلمة الله سبحانه وهم حملة راية الجهاد والقتال في سبيل الله سبحانه، وهذا تاريخ الأنبياء والمرسلين بين يديك تصفّحه في التوراة والإنجيل والقرآن لتجد موسى  يحمل سيفه ويتأهّب لدخول الأرض المقدسة، ويوشع بن نون  يحمل سيفه ويدخل الأرض المقدسة، وداوود  يقضي أيامه في القتال لإعلاء كلمة الله ونشر التوحيد:
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾( ). وقال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾( ). وسليمان  يخلفه ليبني هيكل العبادة بيد ويقاتل في سبيل إعلاء كلمة الله باليد الأخرى، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾( ).
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ*ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّـةً وَهُمْ صَـاغِرُونَ﴾( ).
والتوراة حافلة بمعارك داوود وسليمان .
ثم إنّ عيسى  يقول لأتباعه: (من أراد أن يتبعني فليحمل خشبته على ظهره)، أي إنه يدعو للثورة على الظلم والفساد ويأمر أتباعه بالجهاد والقتال في سبيل الله، فالخشبة في ذلك الزمان نظير الكفن عندنا اليوم، أي كأنه يقول لأتباعه من أراد أن يتبعني فليحمل كفنه معه.
أمّا الرسول محمد فقد قضى جل أيامه في المدينة المنورة بعد الهجرة في الجهاد والقتال في سبيل الله ، وقضى أيامه في مكة يجاهد ويقاتل بالكلمة والحجة هو ومن آمن معه حتى عُذبوا وأُذوا وقتل منهم من قتل فذهب إلى ربّه شاهداً وشهيداً.
ولا شك أنّ سيرة الأنبياء والمرسلين حجة ما بعدها حجة، وأمر الله سبحانه وتعالى بالجهاد والقتال في سبيله لإعلاء كلمته سبحانه وتعالى والذي جاء به الأنبياء والمرسلون حجة ما بعدها حجة، فلم يبق للمتخلّف عن أمر الله سبحانه وتعالى عذر ولا عاذر، ولم يبق لمن ينكر أمر الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يقال عنه أنه كافر، فبأي حديث بعد الله وآياته وسيرة أنبيائه ورسله تؤمنون.
والنصوص على الجهاد والقتال في سبيل الله في التوراة الموجودة حالياً التي يعترف بها اليهود والنصارى كثيرة جدّاً لا يسعها هذا البيان المختصر، ولكن لا بأس بإيراد نص منها لترتب فائدة على إيراده، ولعل الأفضل أن نعرّج على أول من توسع في الجهاد والقتال في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى بعد نبي الله موسى بن عمـران  الذي جاء بالتوراة وهو يوشع بن نون  وصي موسى .
جاء في التوراة (العهد القديم / سفر يشوع: ص 354 - 357 ): الإصحاح العاشر:
(34) ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون فنزلوا عليها وحاربوها (35) وأخذوها في ذلك اليوم وضربوها بحد السيف وحرم كل نفس بها في ذلك اليوم حسب كل ما فعل بلخيش (36) ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون وحاربوها (37) وأخذوها وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها.لم يبق شارداً حسب كل ما فعل بعجلون فحرمها وكل نفس بها (38) ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها (39) وأخذها مع ملكها وكل مدنها وضربوها بحد السيف وحرمـوا كل نفس بها .لم يبق شارداً، كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها وكما فعل بلبنة وملكها (40) فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها. لم يبق شارداً بل حرم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل (41) فضربهم يشوع من قادش برنيع إلى غزة وجميع أرض جوشن إلى جبعون (42) وأخذ يشوع جميع أولئك الملوك وأرضهم دفعة واحدة لأن الرب إله إسرائيل حارب عن إسرائيل (43) ثم رجع يشوع وجميع إسرائيل معه إلى المحلة إلى الجلجال ).
الأصحاح الحادي عشر: (1) فلما سمع يابين ملك حاصور أرسل إلى يوباب ملك مادون وإلى ملك شمرون وإلى ملك أكشاف (2) وإلى الملوك الذين إلى الشمال في الجبل وفي العربة جنوبي كنروت وفي السهل وفي مرتفعات دور غرباً (3) الكنعانيين في الشرق والغرب والأموريين والحثيين والفرزيين واليبوسيين في الجبل والحويين تحت حرمون في أرض المصفاة (4) فخرجوا هم وكل جيوشهم معهم شعبا غفيرا كالرمل الذي على شاطئ البحر في الكثرة بخيل ومركبات كثيرة جداً (5) فاجتمع جميع هؤلاء الملوك بميعاد وجاءوا ونزلوا معا على مياه ميروم لكي يحاربوا إسرائيل (6) فقال الرب ليشوع لا تخفهم لأني غدا في مثل هذا الوقت أدفعهم جميعا قتلى أمام إسرائيل فتعرقب خيلهم وتحرق مركباتهم بالنار (7) فجاء يشوع وجميع رجال الحرب معه عليهم عند مياه ميروم بغتة وسقطوا عليهم (8) فدفعهم الرب بيد إسرائيل فضربوهم وطردوهم إلى صيدون العظيمة وإلى مسرفوت مايم وإلى بقعة مصفاة شرقا . فضربوهم حتى لم يبق لهم شارد (9) ففعل يشوع بهم كما قال له الرب . عرقب خيلهم وأحرق مركباتهم بالنار (10) ثم رجع يشوع في ذلك الوقت وأخذ حاصور وضرب ملكها بالسيف . لأن حاصور كانت قبلا رأس جميع تلك الممالك (11) وضربوا كل نفس بها بحد السيف، حرموهم ولم تبق نسمة ، وأحرق حاصور بالنار (12) فأخذ يشوع كل مدن أولئك الملوك وجميع ملوكها وضربهم بحد السيف . حرمهم كما أمر موسى عبد الرب (13) غير أن المدن القائمة على تلالها لم يحرقها إسرائيل ما عدا حاصور وحدها أحرقها يشوع (14) وكل غنيمة تلك المدن والبهائم نهبها بنو إسرائيل لأنفسهم . وأمّا الرجال فضربوهم جميعاً بحد السيف حتى أبادوهم. لم يبقوا نسمة (15) كما أمر الرب موسى عبده هكذا أمر موسى يشوع وهكذا فعل يشوع. لم يهمل شيئاً من كل ما أمر به الرب موسى (16) فأخذ يشوع كل تلك الأرض الجبل وكل الجنوب وكل أرض جوشن والسهل والعربة وجبل إسرائيل وسهله (17) من الجبل الأقرع الصاعد إلى سعير إلى بعل جاد في بقعة لبنان تحت جبل حرمون ، وأخذ جميع ملوكها وضربهم وقتلهم (18) فعمل يشوع حرباً مع أولئك الملوك أياماً كثيرة (19) لم تكن مدينة صالحت بني إسرائيل إلا الحويين سكان جبعون بل أخذوا الجميع بالحرب (20) لأنه كان من قبل الرب أن يشدد قلوبهم حتى يلاقوا إسرائيل للمحاربة فيحرموا فلا تكون عليهم رأفة بل يبادون كما أمر الرب موسى (21) وجاء يشوع في ذلك الوقت وقرض العناقيين من الجبل من حبرون ومن دبير ومن عناب ومن جميع جبل يهوذا ومن كل جبل إسرائيل. حرمهم يشوع مع مدنهم (22) فلم يتبق عناقيون في أرض بني إسرائيل لكن بقوا في غزة وجت وأشدود (23) فأخذ يشوع كل الأرض حسب كل ما كلم به الرب موسى وأعطاها يشوع ملكا لإسرائيل حسب فرقهم وأسباطهم ، واستراحت الأرض من الحرب).
هذه صورة لجانب من الأيام التي قضاها يوشع بن نون  في الجهاد والقتال لإعلاء كلمة الله ونشر دين الله والتوحيد على هذه الارض. ويحسن الإلتفات إلى عدّة جوانب فيما يخص جهاد يوشع ومن معه لترتب فائدة على معرفتها هي:
1- إنّ الذين كانوا مع يوشع بن نون  هم ذراري بني إسرائيل الذين عبروا مع موسى البحر، فأولئك ماتوا في التيه الذي عاقبهم الله به لتمردهم على أمر الله بالجهاد والقتال في سبيله حيث ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾( ). والتيه كان عقوبة إصلاحـية، كانت نتيجتها هؤلاء الأبناء الصالحين الذين جاهدوا مع يوشـع  وصي موسى  ودخلوا الأرض المقدسة.
2- إنّ عدد الذين عبروا مع موسى  من مصر أكبر بكثير من الذين قاتلوا مع يوشع، فالكثرة لم تنفع لما كانت قلوب القوم مليئة بحب الدنيا، والقلّة لم تضر لما كانت قلوب القوم مليئة بحب الله سبحانه وتعالى.
3- الذين كانوا مع يوشع  أقل بكثير من الجيوش الجرارة التي واجهوها، بل وبالحساب المادي عددهم غير كافٍ لفتح كل تلك البلاد التي فتحوها، ولكن الله نصرهم بالرعب:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَـعَ الصَّابِرِينَ﴾( ).
4- قلّة العدد والعدّة وضعف الامكانات المادية كلها كانت ترافق يوشع بن نون ، ولكنه والمؤمنين لما تسلّحوا بالايمان والصبر وقوة التحمل للمصاعب والتوكل على الله، ولما نصرهم الله بأن قذف الرعب في قلوب عدوهم تمكنوا من خوض كل تلك المعارك على كثرتها وانتصروا بقوة الله، ونشروا كلمة الله والتوحيد في الأرض المقدسة، فالإيمان والعقيدة هو أقوى سلاح وبه يعقد نصر المؤمنين.
5- إنّ يوشعاً  كان خليفة الله في زمانه وكانت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، فالذين أطاعوه أطاعوا الله والذين قاتلوا معه قاتلوا مع الله، فكانوا في ذلك الزمان شعب الله وحملة كلمة الله لأهل الأرض فتنزلت عليهم الرحمة والسكينة والنصر والبركة.
والنتيجة فإنّ أنبياء الله ورسله جاهدوا وقاتلوا في سبيل إعلاء كلمة الله وأطاعوا أمر الله الذي شرع الجهاد وأوجبه، ولم تثنهم قلَّة الناصر لهم وضعف الإمكانات ولم تردعهم كثرة عدوهم وضخامة عدّته عن الجهاد، كما أنهم دعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلوا الذين كفروا بالتي هي أحسن، فلما لم تنفع مع الكفار حجة اللسان قارع أنبياء الله اعداء الله بالسنان ونصرهم الله وأيدهم بملائكته.
* * *


الجهاد لماذا ؟
للإجابة على هذا السؤال يجب بيان أنّ الجهاد والقتال في سبيل الله على نوعين:
الأول: هجومي، والثاني: دفاعي. وسيتبين الجواب من خلال البحث فيهما، وسأعرض لكل منهما وأبين أسباب كل منهما:

أولاً: الجهاد الهجومي
وهذا الجهاد هو فرض واجب على الأمة المؤمنـة التي تحمل راية خليفـة الله في أرضه في زمانهم، ويتمثل بمهاجمة وقتال كل الأمم والأقوام التي لا تعترف بدين الحق وخليفة الله في أرضه في ذلك الزمان حتى يذعنوا لكلمة لا إله إلاّ الله ودين الحق المرضي عند الله، ويسلموا زمام أمورهم لخليفة الله في أرضه في زمانهم، وقد قام به كثير من أنبياء الله ورسله وذكرته الكتب السماوية وكتب التاريخ بشكل لا لبس فيه، فقد قاتل قتالاً هجومياً لنشر التوحيد وإعلاء كلمة لا إله إلاّ الله يوشع بن نون  وداوود  وسليمان  ومحمد وعلي  وهم أنبياء الله ورسله وعملهم حجة دامغة، وقاتلوا بأمر الله سبحانه وتعالى فلا سبيل لإنكار هذا العمل ووصفه بأنّه جهل أو تخلف أو عصبية أو طائفية أو مذهبية وتحت مسميات الثقافة والحضارة والحرية ، على أني سآتي على مناقشة هذه الحضارة والثقافة والحرية إن شاء الله.
ولهذا الجهاد شروط وقيود ربما لم تكن ثابتة تفصيلاً في كل الأديان وفي كل الأزمان، وربما تبدلّت في نفس الدين الواحد بين فترة وأخرى بحسب الأوامر التي يأتي بها الأنبياء والرسل من الله سبحانه وتعالى، ولكنها إجمالاً ثابتة.
ولعل أهم الشروط التي يعدها الناس ذات أهمية كبرى، وربما يتخذها بعضهم عذراً لتخلفه عن الجهاد والقتال في سبيل الله هي العدّة والعدد، وربما يتخذ بعضهم الفرقة أو قلة الوعي في المجتمع الإيماني عذراً للتخلف عن الجهاد، وكلا هذين الأمرين داخلان في العدّة والعدد، وسأعرض لهذه الأمور الثلاثة:



• العدّة والعدد:
لا شك أنّ هذا شرط لكل مواجهة قتالية فإذا لم تكن هناك عدّة وعدد كافٍ للمواجهة العسكرية فستكون هذه المواجهة صعبة وربما غير ممكنة، ولكن يبقى أنّ شروط المواجهة الهجومية بحسب المعادلة العسكرية الحديثة تتطلب أن يكون عدد المهاجمين ضعف عدد المدافعين، وطبعاً كلما رجحت عدّة المهاجمين القتالية أمكن تقليل هذه النسبة لصالح المهاجمين، هذا بحسب القياسات المادية البحتة.
أمّا بالنسبة للمؤمنين فالأمر يأخذ منحنى آخر والمعادلة العسكرية لدى المؤمنين يدخل فيها الغيب لأنهم يؤمنون بالغيب ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾( ).
ولدى المؤمنين سلاح عظيم لا يملكه الجانب الآخر هو الدعاء، والاستغاثة بالله القوي العزيز: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾( )، والله الذي يستغيث به ويؤمن به المؤمنون خالق القلوب وبيده القلوب فهو الذي يملؤها قوّة وثباتاً وهو الذي يجعلها خاوية خليَّة إلاّ من الرعب والانكسار:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾( ).
ولذلك فإنّ المعادلة العسكرية للمواجهة تنقلب رأساً على عقب هنا، فيكفي للهجوم أن يكون عدد المهاجمين نصف عدد المدافعين الكفار، بل في بداية الإسلام كان يكفي أن يكون عدد المهاجمين المؤمنين عُشر عدد المدافعين:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾( ).
والله سبحانه وتعالى يمد المؤمنين بالملائكة، ويقذف في قلوب أعدائهم الرعب حتى قبل أن يدعوه ويستغيثوا به سبحانه؛ لأنهم خرجوا في سبيله وابتغاء مرضاته ونصراً لدينه وأنبيائه ورسله، وهو أولى أن ينصر دينه وانبياءه ورسله، وإنما ابتلى الخلق بطاعتهم ونصرتهم ليعلم من يطيعه وينصره بالغيب:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾( ).
وهكذا يرافق ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ الثبات والملائكة وأيضاً الرعب في قلوب الذين كفروا، وكلها أسلحة غيبية يؤمن بها المؤمنون وتدركها بصائرهم:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾( ).
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾( ).
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾( ).
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾( ).
وكما قدمت فإنّ عدد وعدّة المؤمنين الذين قاتلوا مع يوشع بن نون كانت أقل بكثير من الشعوب الكافرة التي واجهوها، وكذلك الحال بالنسبة لطالوت والجماعة المؤمنة الذين معه، بل إنّ في قصة طالوت وجماعته آية من الله سبحانه وتعالى، فداود الشاب وأصغر القوم سنّاً والذي تخلو يده من السلاح - فلم يكن معه إلاّ مقلاع وأحجار - يحقق الضربة القاضية على جيش جالوت ويقتل جالوت ويكون السبب الرئيسي في هزيمة جيش جالوت:
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾( ).
لم تكن في هذه القصة فقط الفئة المؤمنة القليلة العدد الضعيفة العدّة غلبت الفئة الكافرة الكثيرة العدد القوية العدّة، بل إنّ أضعف عدد وأقل عدّة - داود  وأحجاره - حققت النصر في هذه المعركة، لم يكن أحد من الناس حتى المؤمنون يحسب لداود - صغير السن - وأحجاره حساباً في هذه المعركة لكن الله تكلم بداود وبأحجار داود ، أراد الله أن يقول بهذه الآية أن لا قوّة إلاّ بالله.
روي عن أبي عبد الله  أنه قال: (القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلاً، فلما جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا منه:
﴿ لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ و قال الذين لم يشربوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾.
فجاء داود  حتى وقف بحذاء جالوت، وكان جالوت على الفيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوت يلمع نوره وجنوده بين يديه، فأخذ داود من تلك الأحجار حجراً فرمى به في ميمنة جالوت ، فمر في الهواء و وقع عليهم فانهزموا، وأخذ حجراً آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا، ورمى جالوت بحجر ثالث فصك الياقوتة في جبهته ووصل إلى دماغه ووقع إلى الأرض ميتاً فهو قوله:
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ﴾ )( ).
فينبغي أن تأخذ معادلة العدّة والعدد منحنى آخر إذا كان القتال في سبيل الله فيكون النظر إليها محدوداً، لا إنها تمثل عائقاً دائماً عن الجهاد والقتال في سبيل الله، فالمطلوب أعدوا لهم ما استطعتم والباقي على الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾( ).
وآمنوا وتيقنوا أنه ما النصر إلا من عند الله:
﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾( ).
فيأبى الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يبيّن أحقية الرسل وأتباعهم وذلك عندما يكونون قلّة مستضعفة فينصرهم الله على عدوه وعدوهم مع أنهم كثرة متعالية مستكبرة.
وهكذا دائماً فإنّ الله سبحانه وتعالى يجرّد دينه والدعوة إليه من أي مغريات دنيوية أو سلطوية ليدخل في دينه ويجاهد في سبيله من يدخل ويجاهد، وهو لا يريد إلاّ الله ووجه الله، هكذا دائماً حُفت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات، فدين الله الحق لا يُحف بالشهوات بل بالمكاره فالتفتوا يا أولي الألباب.
قال رسول الله : (حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات)( ).
وقال رسول الله : (الحق ثقيل مر، والباطل خفيف حلو)( ).

• الوحـدة:
الوحدة ضرورية لأي مجتمع قتالي وإلاّ فإنّ الفرقة في المجتمع القتالي نتيجتها الهزيمة لا محالة ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُـولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّـابِرِينَ﴾( )، وخصوصاً إذا كانت المواجهة مع عدو متفوق بالعدّة والعدد، ولكن هذه الوحدة لم تتحقق فيما مضى، فلم يكن بنو إسرائيل مع موسى أو مع يوشع أو داوود وسليمان متحدين، بل يوجد كثير وكثير جداً من المنافقين الذين لا يسلم موسى نفسه  من ألسنتهم فضلاً عن غيره:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾( ).
ومع ذلك لم يتوانَ هؤلاء الأنبياء عن الجهاد والقتال في سبيل الله، وكان المسلمون مع رسول الله غير متحدين بل هذا غير راضٍ عن هذا وهذا ينافق على هذا، وهم يقاتلون مع رسول الله حتى ورد عن الإمام الصادق  في قراءة هذه الآية هكذا:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾( ).
ومع علي بن أبي طالب  أمر الفرقة والتشتت أبين من الشمس، حتى حملوه  آلاماً ملأت كبده قيحاً، ومرّات ردّد هذا المعنى: (عجبت من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم)( )، وقال  عندما ضربه بن ملجم لعنه الله: (فزت ورب الكعبة)، ولم يكن فقط فوزاً برضا الله سبحانه وتعالى والجنة، بل أيضاً كان فوزاً بالخلاص من أولئك القوم الذين كانوا يدّعون أنهم شيعة وجرّعوه الغصص نتيجة اختلافهم وتشتت آرائهم وعدم توحدهم على كلمة إمامهم.
فالنتيجة الوحدة بشكل كامل غير متحصلة في الماضي، فالمطلوب إذاً وحدة مجموعة معتد بها والتفافهم حول الحق على أن تكون لهذه المجموعة العدّة والعدد للجهاد والقتال في سبيل الله، ولو بانضمام جماعة من المنافقين فيما بعد، أي الذين دخلوا في الاسلام ولم يدخل الايمان في قلوبهم ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾( ).

• المجتمع الإيماني الواعي لفكرة الثورة الإلهية:
أي أن لا يكون في المجتمع عدد من المنافقين كبير بحيث يؤثر على المجتمع الإيماني تاثيراً يؤدي به إلى الإنحراف الكامل، خصوصاً في أوقات الإلتحام القتالي في الجهاد لإعلاء كلمة الله، أو أن يكون هناك عدد من المؤمنين الواعين لفكر الثورة الإسلامية مهيمنون على المجتمع الإيماني المتقّبِل لهم وذلك بطرح الحق بشكل رصين وتعريف المجتمع الإيماني بالحق وأهله، وبذلك تتحجم خطورة النفاق بالوعي للحق وأهله من قبل كثيرين في المجتمع الإيماني، فلا يحصل الإنحراف الكامل بسبب النفاق وأهله، وطبعاً هذا غير متحقق مع وجود الفرقة ومع هيمنة أهل الباطل وقلّة أهل الحق.
قال تعالى:
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾( ).
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾( ).
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾( ).
وقال تعالى:
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾( ).
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾( ).
ولكنّه يتحقق بفضل الله مع استمرار الجهاد والقتال لإعلاء كلمة الله، وربما يتحقق بعد ذلك وبعد مدّة ليست بالقليلة كما هو الحال مع الإمام علي  والإمام الحسين ، فقلة وعي المجتمع لفكرة الثورة الإلهية لا يكون مانعاً للجهاد والقتال لإعلاء كلمة الله، ولكنه يكون عائقاً وعقبة تزول مع الوقت، بل إنّ فيه امتحاناً للمؤمنين ولحالهم ومدى يقينهم ورسوخ إيمانهم بالقتال لإعلاء كلمة الله مع ولي الله وخليفته في أرضه أو من ينصبه هو  للقيام بهذا الأمر.
فالوقوف عكس التيار ليس بالأمر اليسير ولكنه حال جميع الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم من المؤمنين، فلم يستقبل قوم نبياً بالأحضان كما هو بين في القرآن والكتب السماوية، ولم ينهض معه قومه للقتال وإعلاء كلمة الله ولكن آمن معه قليل، ونصره قليل، أو كما يعبر عنهم العلماء غير العاملين:
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ( ).
فمع طالوت  يعبر النهر فقط (313) رجلاً، وهم أيضاً العدّة التي مع رسول الله في بدر، وهم أصحاب القائم أيضاً، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾( ).

ثانياً : الجهاد الدفاعي
وهو قتال المؤمنين ودفاعهم عن الأرض التي يدين أهلها بدين الحق عندما يهاجم هذه الأرض الكفار أو المشركون، وجميع الأديان الإلهية تجيز الجهاد الدفاعي بل وتوجبه على المؤمنين، بل هو مسألة فطرية وغريزية حتى لدى الحيوانات فهي تدافع عن أعشاشها وأوكارها وجحورها.
ولا يختلف الناس في جواز القتال دفاعاً عن الأرض، وحتى القوانين العلمانية في الأمم المتحدة الآن تعتبر مقاومة المحتلين من قبل أهل البلد الأصليين مشروعة. والعجب كل العجب أنّ أئمة الضلالة في هذا الزمان أضطرونا للدفاع عن هذا الحق الذي شرعه الله ووافق الفطرة والغريزة وأقره جميع الناس، ولكنهم خونة خانوا الله سبحانه وتعالى ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها واشتروا الحياة الدنيا ورضا أمريكا والغرب المادي بسخط الله، قال تعالى:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾( ).
وفي مكارم الأخلاق من جملة وصايا رسول الله لابن مسعود: ( يابن مسعود الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، فمن أدرك ذلك الزمان ممن يظهر من أعقابكم فلا يسلم عليهم في ناديهم، ولا تشيع جنائزهم، ولا يعود مرضاهم فإنهم يستسنون بسنتكم ويظهرون بدعواكم ويخالفون أفعالكم فيموتون على غير ملتكم، أولئك ليسوا مني ولست منهم، إلى أن يقول: يابن مسعود يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه مثل القابض بكفه الجمرة فإن كان في ذلك الزمان ذئباً وإلاّ أكلته الذئاب.
يابن مسعود علماؤهم وفقهاؤهم خونة فجرة الا إنهم أشرار خلق الله، وكذلك أتباعهم ومن يأتيهم ويأخذ منهم ويحبهم ويجالسهم ويشاورهم أشرار خلق الله يدخلهم نار جهنم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، إذا القوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ، لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون.
يابن مسعود يدعون أنهم على ديني وسنتي ومنهاجي وشرايعي إنهم مني براء وأنا منهم برئ.
يابن مسعود لا تجالسوهم في الملاء، ولا تبايعوهم في الأسواق، ولا تهدوهم إلى الطريق، ولا تسقوهم الماء، قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾( )، يقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾( ).
يابن مسعود وما أكثر ما تلقى أمتي منهم العداوة والبغضاء والجدال أولئك أذلاء هذه الأمة في دنياهم ، والذي بعثني بالحق ليخسفن الله بهم ويمسخهم قردة وخنازير.
قال: فبكى رسول الله وبكينا لبكائه وقلنا: يا رسول الله: ما يبكيك؟ فقال: رحمة للأشقياء، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾( )، يعني العلماء والفقهاء ... )( ).
فهذا حال فقهاء آخر الزمان على لسان رسول الله، فلا حجة لمن يتبعهم وهم يعطلون فريضة الجهاد الدفاعي.
ويبقى التساؤل إذا كان الدفاع عن الأرض والوطن الذي يستوطنه الإنسان هو موافق للفطرة، والفطرة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾( )، وهي الحق، فهل يكون دفاع أهل الشرك والكفر وقتالهم لولي الله وخليفته في أرضه إذا هاجم المؤمنون أرضهم حقاً؟!
والجواب: إنّ حب الأرض والوطن من الفطـرة الجسمانية أي الغرائز، وعلى الإنسان أن يوجهها بالاتجاه الصحيح وإلاّ فإنها ستكون وبالاً عليه، فيجب أن يحب الإنسان لبلده الخير والصلاح والعدل لا أن يحب له الشر والفساد والظلم، ومن المؤكد أنّ خليفة الله في أرضه يريد نشر كلمة لا إله إلاّ الله في كل الأرض، ويريد لأهل الأرض الخير والصلاح والعدل، فهو يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فيكون حب الأرض والوطن والدفاع عن البلد هو الوقوف مع ولي الله وخليفته في أرضه، وتسهيل دخوله إلى الأرض والوطن لينشر الخير والصلاح والعدل ودين الحق، فالذي يقاتل ولي الله وخليفته في أرضه لا يريد لأرضه ووطنه الخير والصلاح، بل يريد أن يبقى الظلم والفساد والجور على الأرض بتسلط أهل الباطل على هذه الأرض وبقاء دولة الطاغوت.
* * *

جواب السؤال:
وأظن أنّه مما مضى تبيّن جواب السؤال الجهاد لماذا؟
وهو إعلاء كلمة الله، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾( ).
إذن، فالجهاد لإعلاء كلمة الله وليس لأجل مصلحة شخصية أو غنيمة أو مصلحة وطنية أو قومية، فالدين الإلهي فوق كل هذه الاعتبارات وعبادة الله وطاعته هي التي تجمع المؤمنين بصرف النظر عن الانتماء القبلي والوطني والقومي التي ترجع كلها إلى حقيقة واحدة هي الأنا وحب النفس.
فالجهاد سواء الهجومي أم الدفاعي يجب أن يكون لإعلاء كلمة الله لا للدفاع عن الوطن أو الأرض لئلا تكون للمؤمن أي مصلحة شخصية في هذا الجهاد إلاّ إعلاء كلمة الله لكي تبنى الحضارة الإلهية والثقافة الإلهية والحرية الإلهية، وهي جميعها مناقضة تماماً للحضارة والثقافة والحرية التي يرفعها شعاراً العالم المادي اليوم، حيث إنّ ما يرفع اليوم هو راية الشيطان ليس إلاّ التي يسعى جند الشيطان من الإنس والجن بكل ما يستطيعون لإرسائها على هذه الأرض، ولإقناع أهل الأرض بالقوّة والطمع جبلي الدجال (جبل النار وجبل الطعام)( ) أنها ما يلائمهم.
والحقيقة أنّ جند الشيطان قد أعلنوا الحرب على جند الله وعلى الثقافة الإلهية والتي ترتكز على وجود خليفة لله في أرضه، فهم بحسب ديمقراطيتهم يرون ويقرّرون أنّ حكم الإمام المهدي  وعيسى  وإيليا  يساوي حكم صدام (لعنه الله)؛ لأنها جميعاً في نظرهم دكتاتورية، فلا سبيل لإقامة حاكمية الله إلاّ توعية المجتمع الإلهي ثم القوّة.
كما أنهم - أي جند الشيطان - أقاموا حاكمية الناس (الديمقراطية) ونقضوا حاكمية الله بالخداع والقوّة:
﴿َقََاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾( ).

إضاءة
بين الجهاد بالسيف والجهاد بالكلمة
الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإلى دينه الحق وإلى طاعة خليفة الله في أرضه تبدأ بالكلمة.
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾( ).
وسليمان  بدأ بالكلمة:
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾( ).
وكان كتاباً كريماً وحكيماً ورحيماً: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾( )، أي إنه موسوم بالرحمة.
ثم تنتقل إلى المجادلة بالتي هي أحسن:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ثم تنتقل إلى القول الغليظ:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾( )،
وهذا ما فعله سليمان آخر الأمر:
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾( ).
فإذا لم تنفع الكلمة كان السيف هو الفيصل بين الحق والباطل لإعلاء كلمة الله وإظهار طاعته في أرضه، فالانتقال للسيف أمر حتمي إذا لم تنفع الكلمة، بل هو واجب في كل الأديان الإلهية؛ ولهذا رفع أنبياء الله ورسله السيف وجاهدوا وقاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فالانتقال إلى السيف مباشرةً عجلة، وهلك المستعجلون، وترك الانتقال إلى السيف بعد تمام الكلمة تخاذل، وهلك المتخاذلون.
* * *
إضاءة
من جهاد بني إسرائيل
قصة طالوت :
جماعة طالوت هم جماعة مؤمنة من بني إسرائيل حبسوا أنفسهم على أمر الله سبحانه وتعالى، وحاشا لله سبحانه وتعالى أن يترك من حبسوا أنفسهم على أمره دون أن يفرّج عنهم، فلم يقبلوا حاكمية الناس والانتخابات لاختيار ملك لهم، بل طلبوا من الله سبحانه وتعالى أن يعيـّن لهم ملكاً؛ لأنهم مؤمنون بحاكمية الله سبحانه وتعالى ولا يرضون بالبديل الشيطاني عنها، وهو حاكمية الناس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾( ).
ولكن هل تخلو جماعة مؤمنة من المنافقين ؟ وهكذا اعترض المنافقون على أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾( ).
والنتيجة سار طالوت بالمجاهدين ليقاتلوا في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾( ).
وجاء الامتحان الإلهي ليميز الطيب من الخبيث، وليبين فضل أهل الفضل من هذه الجماعة المؤمنة:
﴿.. إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ..﴾.
لم تكن مسألة عطش وشرب ماء، بل كانت مسألة إيمان هذه الجماعة بالله وبولي الله وخليفته في أرضه والتسليم له وطاعته، ومسألة اليقين بنصر الله وبفتح الله للمؤمنين به وبخليفته في أرضه، فظهرت تلك الفئات في ساحة المعركة، فئة استيقنت أمر الله فلا يبالي أفرادها إن وقعوا على الموت أو وقع الموت عليهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وفئة ارتجفت أقدامهم لما رأوا ضخامة جيش جالوت ولكنهم حاربوا هذه النكسة في نفوسمهم، أمّا الفئة الثالثة فقد خسروا المعركة في نفوسهم ولم يجدوا إلاّ الهزيمة يتحدثون عنها؛ لأنهم مهزومون من الداخل: ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾.

* * *
إضاءة
من جهاد المسلمين مع رسول الله
في مكة كان رسول الله وأصحابه يجاهدون بالكلمة والموعظة الحسنة
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾( ).
فلما واجههم أهل مكة بالأذى والسجن والتعذيب بدأوا يهاجرون من مكة أولاً إلى الحبشة، ثم إلى المدينة المنورة يثرب بعدما لقي ما لقي رسول الله في مكة والطائف.
وفي المدينة بدأ رسول الله يعد العدّة للجهاد ولإعلاء كلمة الله سبحانه، وكانت معركة بدر الكبرى، قال تعالى:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾( ).
وكان لهذا النصر أثر عظيم في نفوس المسلمين، فلم يكن نصراً عسكرياً فحسب بل كان آية من آيات الله ، ولمسوا فيه يد الغيب الإلهي وهي توقع الهزيمة في صفوف مشركي مكة.
ثم جاءت معركة أحد وفيها ما فيها، هزيمة للمسلمين كان سببها الدنيا وزخرفها لما طلب جماعة من المسلمين الغنائم وتركوا مواقعهم، وفيها كسرت رباعية رسول الله وتركه المسلمون في ساحة المعركة وفروا إلا قلة منهم وقوه بأنفسهم، وفيها نصر من الله للمسلمين لما قذف في قلوب المشركين الرعب بعد أن قرروا استئصال المسلمين، حيث سمع المشركون أن رسول الله والمسلمين قرروا مواجهتهم مستميتين ، فانكسرت شوكة المشركين ، وامتلأت قلوبهم رعباً وعادوا خائبين.
ثم كانت معركة الخندق وفيها برز الإسلام كله للكفر كله، لما قتل أمير المؤمنين علي  عمرو بن ود العامري، وفيها جنود الله سبحانه وتعالى من الملائكة هم الذين يوقعون الهزيمة في صفوف المشركين بعد أن أوقعوا الوهن في نفوسهم لما ملؤوها رعباً، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾( ).
أمّا معركة حنين فهي خير دليل على أن الكثرة لا تغني شيئاً، إنما النصر من عند الله، فسبحانه وتعالى نصر المؤمنين في بدر وهم قلة ولم تغن كثرتهم عنهم شيئاً في حنين حتى أيدهم الله بنصره
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾( ).
والنتيجة قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾( ).
هذا أمر من الله سبحانه وتعالى بالجهاد الهجومي والدفاعي، فكما قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾( )، قال أيضاً: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ..﴾.
وكما أن المسلمين يجب عليهم الصيام إذا حضر وقته وتمت شروطه، ويجب عليهم الحج إذا حضر وقته وتمت شروطه، وإلاّ فإنّ المتخلف عن أداء الصيام والحج وهو مستطيع يعاقب بنار جهنم وساءت مصيراً، كذلك فإن الجهاد إذا حضر وقته وتمت شروطه وجب، ومن يتخلف عنه فإنه كتارك الصلاة والصوم والحج فتكون عاقبته إلى جهنم وساءت مصيراً.
ويبقى أنّ الجهاد كتب وهو كره لكم فليس هيناً أن يبيع الإنسان نفسه؛ ولذا كان هذا البيع لله سبحانه وكان الثمن الجنة:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾( ).
فسبحان الذي جعل الجهاد امتحاناً يميز به الخبيث من الطيب، والصالح من الطالح والصادق من الكاذب، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾( )، وكذلك ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾( ).
وفي النهاية يجب أن يعلم المؤمنون أن النتيجة الحتمية للجهاد هي النصر على النفس والشيطان وزخرف الدنيا والهوى وخروج من الظلمات الى النور، وهي نتيجة عظيمة وكافية سواء رافقها النصر المادي في ساحة المعركة أم لا
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾( ).
وتبقى هناك تساؤلات تنتظر الإجابة أو زيادة توضيح:
- فمع من يكون الجهاد الذي يريده الله؟
- وكيف يعرف صاحب الجهاد المرضي عند الله؟
- وما علاقة الحضارة المادية بالجهاد؟
- وما علاقة الحضارة الاخلاقية بالجهاد؟
- وما علاقة الحضارة الاخلاقية بالحضارة المادية؟
- وما علاقة الحضارة المادية بالتكامل الروحي للإنسان؟

* * *





الجهاد مع الحق
الجهاد لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى - كما تبيّن - أمر مشروع، بل هو واجب في كل الأديان الإلهية التي عرفها أهل الأرض، ولكن يبقى أن هناك من يحاول خلط الحق بالباطل ليخرج بمسخ مشوه يسميه الجهاد لإعلاء كلمة الله؛ ولذا فمن الضروري أن يقف كل إنسان عاقل يحترم عقله على حدود كلمة الله العليا التي يريد سبحانه وتعالى إقرارها على هذه الأرض، ولكي لا يكون ضمن طوابير المستحمرين (المقلدين) التابعين للعلماء غير العاملين (الحمير) كما يسميهم تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾( ).
ونحن المسلمون لدينا القرآن وأحاديث الرسول محمد وآله الأطهار  فيكون المسلمون الذين حملوا القرآن وأحاديثهم ثم لم يحملوها مثلهم كمثل الحمار، وبيّن تعالى في القرآن الكريم أنّ صوت العلماء غير العاملين (الحمير) عالٍ ومسموع من قبل المقلدين (المستحمرين) ولكنه في نفس الوقت منكر وقبيح ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾( ).
أبداً في كل مجتمع بعث فيه نبي أو وصي كان من يحاربه هم العلماء غير العاملين ويتبعهم المقلدون دونما تدبر أو تفكر بل استهزاء وسخرية وتهجم ويوم القيامة: ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾( ).
على كل حال ليس هذا بحثاً عقائدياً لإثبات صاحب الحق ولكني أردت لفت انتباه كل من استحمره علماء الضلالة سواء كانوا مسلمين أو مسيح أو يهود إلى أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليكون عبداً له سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾( )، لا ليكون عبداً لعلماء الضلالة غير العاملين: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾( ).
* * *
كلمة الله العليا
أول ما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾( ). وهذا الخليفة الأول في هذه الأرض هو نبي الله آدم .
ولم تنقطع هذه الخلافة فيما مضى ولا تنقطع إلى يوم القيامة، وكما انقسم الملائكة إلى مقر بهذه الخلافة ومنكر جاحد كافر بكلمة الله كذلك عاد الأمر الأول ليتكرّر كل مرّة على هذه الأرض لينقسم الناس على هذه الأرض إلى قسمين، قسم اتبع المنكر الأول (إبليس) للأمر الأول، وقسم اتبع المقرّين الأوائل (الملائكة) للأمر الأول، هذه هي كلمة الله العليا التي تتكرر في كل زمان فينقسم الناس إلى مقر بها ومنكر لها.
خليفة الله في أرضه هو كلمة الله فمن أقرّه كان من الموحدين ومن أنكره كان من المشركين، هكذا وببساطة وبدون أي تعقيد. ففي كل زمان يوجد موسى وعيسى ومحمد والحسين ، بل كل الأنبياء والأوصياء متمثلون في شخص خليفة الله في أرضه، فمن أنكر خليفة الله في أرضه فهو منكر لموسى  وإن ادعى أنه يهودي، ومنكر لعيسى وإن ادعى أنه مسيحي، ومنكر لمحمد وإن ادعى أنه مسلم، ومنكر للحسين وإن ادعى أنه من شيعة الحسين بن علي  ، وهكذا يكون الجهاد لإعلاء وإظهار أمر خليفة الله في أرضه؛ لأنه كلمة الله وخليفة الله الذي عينه الله سبحانه وتعالى. ولأنّ التوحيد يكون بمعرفته فبهم يعرف الله فمن عرف خلفاء الله عرف الله ومن أنكرهم أنكر الله ومن جهلهم جهل الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم أسماء الله الحسنى ووجه الله ويد الله سبحانه وتعالى.

كيف يعرف خليفة الله في أرضه في كل زمان ؟
أهم طريق لمعرفة خليفة الله في أرضه هو:
الطريق الأول: الذي عرفت به الملائكة آدم  وهو النص، فقد نص الله سبحانه وتعالى على آدم  ، وإنه خليفته في أرضه:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾( ).
وبعد آدم  كان أيضاً النص هو الطريق لمعرفة خليفة الله في أرضه، ولكن هذه المرّة النص الإلهي يعرف عن طريق الخليفة السابق، فهو ينص بوصية لأمته على الخليفة الذي بعده بأمر الله سبحانه وتعالى، فليس هو الذي يعين الذي بعده، بل الله سبحانه وتعالى هو الذي يعين خليفته في أرضه في كل زمان، فقط يكون دور الخليفة السابق هو إيصال هذا النص الإلهي بالوصية؛ ولذا سمي خلفاء الله في أرضه من الأنبياء والمرسلين بالأوصياء؛ لأنّ السابق يوصي باللاحق ولا يوجد نبي من الأنبياء أو الأئمة إلاّ وقد نصّ عليه الذي قبله، فإبراهيم  وإسحاق ويعقوب عليهما السلام والأنبياء من بني إسرائيل  نصّوا على موسى وأوصوا به وموسى والأنبياء أوصوا بعيسى  ، وعيسى أوصى بمحمد ، ومحمد أوصى بعلي  والأئمة والمهديين من ولده، فلا يوجد فراغ ليملأه غيرهم . ولكن الأمم انحرفت عنهم فظهر فيها علماء عاملون يرشدون الناس إلى الرجوع إلى طريق الأوصياء وضرورة إتباعهم والأخذ عنهم فقط، وظهر أيضاً علماء غير عاملين يحاولون تقمص دور الأوصياء ، كما تقمصها ابن أبي قحافة.
قال أمير المؤمنين : (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهباً ...)( ).
أمّا الطريق الثاني لمعرفة خليفة الله في أرضه فهو: سلاح الأنبياء والأوصياء وهو العلم والحكمة، وهذا يُعرف من كلامهم ومعالجتهم للمشاكل والأمور الواقعة.
ولابد للإنسان أن يتجرّد عن الهوى والأنا ليتبيّن حكمتهم وعلمهم ، وبه احتج الله سبحانه على الملائكة:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾( ). فهو خير دليل على خليفة الله في أرضه .
أمّا الطريق الثالث لمعرفة خليفة الله في أرضه فهو: الراية (البيعة لله) أو الملك لله وطالب به الله سبحانه لخليفته الأول آدم .
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِـي فَقَعُوا لَهُ سَـاجِدِينَ﴾( ).
أي أطيعوه وأتمروا بأمره لأنه خليفتي. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِـي الْمُلْكَ مَنْ تَشَـاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَـاءُ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾( ).
وفي تلبية الحج: (الملك لك لا شريك لك).
فهم لا يداهنون أحداً على حساب هذه الحقيقة وإن كانوا يُتّهمون بسبب حملها، فقديماً قالوا عن عيسى : إنه طامع بملك بني إسرائيل الذي ضيعه العلماء غير العاملين بمداهنتهم الرومان، وقيل عن دعوة محمد : (أنه لا جنة ولا نار ولكنه الملك)( )، أي إنّ محمداً جاء ليطلب الملك له ولولده، وقيل عن علي  : (إنه حريص على الملك) مع أنهم يسمعونه يقول: (ما لِعلي وملك لا يبقى) ، ويرون زهده وإعراضه عن الدنيا وزخرفها ، وهذا حال عيسى الذي لا يخفى وحال محمد .
والأنبياء والأوصياء لا يحسبون لاتهام الناس أي حساب كما هو حال العلماء غير العاملين الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق؛ ولذا فالناس يتبعون العلماء غير العاملين ويحاربون الأنبياء والأوصياء الذين يطالبون بحاكمية الله في أرضه سواء على مستوى التشريع أو التنفيذ أي (الدستور والحاكم)، فلابد أن يكون الدستور إلهياً والحاكم معيناً من قبل الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يناسب أكثر الناس الذين يتبعون الشهوات ويرغبون بعافية الدنيا على حساب عافية الآخرة.
وقد أخبرنا العليم الخبير بحال الأكثرية بما لا مزيد عليه:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾( ).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾( ).
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾( ).
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾( ).
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾( ).
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾( ).
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾( ).
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾( ).
ولا يحتاج الناس إلى أكثر من هذه الآليات الثلاث لمعرفة خليفة الله في أرضه فاجتماعها لا يكون إلاّ في خليفة الله في أرضه، ولكنهم انقسموا كما انقسم الملأ الأول الذي امتحنه الله فآمن الملائكة وسجدوا، وكفر إبليس واستكبر ولم يرض أن يكون بينه وبين الله واسطة (خليفة الله في أرضه)، وهذه الآليات الثلاث حجة تامة من الله سبحانه للدلالة على خليفته في أرضه.
ومع ذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى - ولرحمته الواسعة - أيّد الأنبياء والأوصياء بآيات كثيرة منها المعجزات والرؤى التي يراها المؤمنون وغيرها مما لست بصدد استقصائه أو مناقشته، فراجع ما كتبه الإخوة أنصار الإمام المهدي  حفظهم الله ووفقهم لكل خير في الدنيا والآخرة.
ولكن فقط سأناقش جزئية في المعجزات التي أُؤيّد بها الأنبياء لأهميتها وغفلة الناس عنـها وهي: مسألة اللبس في المعجزة والهدف منه.
فالناس يعرفون أنّ من معجزات موسى  العصا التي تحولت أفعى، وقد كانت في زمن انتشر فيه السحر، ومن معجزات عيسى  شفاء المرضى في زمن انتشر فيه الطب، ومن معجزات محمد القرآن في زمن انتشرت فيه البلاغة، وهنا يعلل من يجهل الحقيقة سبب مشابهة المعجزة لما انتشر في ذلك الزمان أنه فقط لتتفوق على السحرة والأطباء والبلغاء ويثبت الإعجاز، ولكن الحقيقة الخافية على الناس مع أنها مذكورة في القرآن هي أنّ المعجزة المادية جاءت كذلك للّبس على من لا يعرفون إلاّ المادة، فالله سبحانه لا يرضى أن يكون الإيمان مادياً بل لابد أن يكون إيماناً بالغيب ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾( ).
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ َكرِيمٍ﴾( ).
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾( ).
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيـزٌ﴾( ).
فالإيمان بالغيب هو المطلوب والذي يريده الله سبحانه، والمعجزة التي يُرسلها سبحانه لابد أن تُبقي شيئاً للإيمان بالغيب، ولهذا يكون فيها شيء من اللبس؛ ولهذا كانت في كثير من الأحيان مشابهة لما انتشر في زمان إرسالها ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾( ).
ولهذا وُجد أهل المادة والذين لا يعرفون إلاّ المادة في التشابه عذراً لسقطتهم:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾( ).
فالتشابه أمسى عذراً لهم ليقولوا ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ و ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، وقال أمير المؤمنين  وهو يصف أحد المنافقين: (..جعل الشبهات عاذراً لسقطاته)( ).
أمّا إذا كانت المعجزة قاهرة ولا تشابه فيها فعندها لا يبقى للإيمان بالغيب أي مساحة ويكون الأمر عندها إلجاء للإيمان وقهراً عليه، وهذا لا يكون إيماناً ولا يكون إسلاماً بل إستسلام وهو غير مرضي ولا يريده الله ولا يقبله ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾( )، ففرعون يؤمن ويسلم أو قل يستسلم وقبل أن يموت ولكن الله لا يرضى ولا يقبل هذا الإيمان وهذا الإسلام ويجيبه الله سبحانه بهذا الجواب ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾( ). هذا لأنه إيمان جاء بسبب معجزة قاهرة لا مجال لمن لا يعرفون إلاّ هذا العالم المادي إلى تأويلها أو إدخال الشبهة على من آمن بها، وبهذا لم يبق مجال للغيب الذي يريد الله الإيمان به ومن خلاله، فعند هذا الحد لا يُقبل الإيمان؛ لأنه يكون إلجاء وقهراً وليس إيماناً ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِـرُوا إِنَّا مُنْتَظِـرُونَ﴾( )، ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾( ).
ولو كان الله يريد إلجاء وقهر الناس على الإيمان لأرسل مع أنبيائه معجزات قاهرة لا مجال معها لأحد أن يقول ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أو ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾( )، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾( )، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾( ).
فالحمد لله الذي رضي بالإيمان بالغيب وجعل الإيمان بالغيب ومن خلال الغيب ولم يرض بالإيمان بالمادة ولم يجعله بالمادة ومن خلال المادة ليتميز أهل القلوب الحية والبصائر النافذة من عمي البصائر ومختومي القلوب.
والحق أنّه وإن بقي الكثير ليناقش في هذا الموضوع ولكني أكتفي بالقليل وبفتح الباب، وأترك الباقي للمؤمنين ليتوسعوا فيه وأعود إلى أصل الموضوع فأقول: مما تقدم تبيّن أنّ الجهاد مع خليفة الله في أرضه وبأمره هو الحق وما سواه زخرف باطل.
عن أبان بن تغلب قال: كان أبو عبد الله  إذا ذكر هؤلاء الذين يقتلون في الثغور يقول: (ويلهم ما يصنعون بهذا يتعجلون قتلة في الدنيا وقتلة في الآخرة، والله ما الشهداء إلا شيعتنا وإن ماتوا على فراشهم)( ).
* * *




التقدم الحضاري المادي والتكامل الروحي
الإنسان خُلق ليعرف الله سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُـدُونِ﴾( )، أي ليعرفون.
فنحن نعبد لنعرف، ولا خير في عبادة لا تقرّب صاحبها إلى الله، وبالتالي تزيده معرفة بالله سبحانه وتعالى، أي إنّ الإنسان خلق للكمال الروحي والارتقاء إلى أعلى مراتب هذا الكمال الممكن للإنسان.
إذن، فالمهم والمنظور هو الروح لا الجسد المتعلق بهذا العالم المادي الجسماني والإنسان يكون خليفة الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى، أي إذا تكامل روحياً حتى يصبح صورة الله سبحانه وتعالى في خلقه فيكون خليفته حقاً.
ويوجد من يحاول جعل الإنسان خليفة الله فقط على الأجسام والطين مع أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها كما ورد عن رسول الله ، ويحاول هؤلاء الجهلة جعل هدف الإنسان المرجو بل والغرض من خلقه هو تحقيق التقدم المادي الجسماني، بينما القرآن بيَّن لنا العلاقة بين التقدم المادي الجسماني والتكامل الروحي هكذا ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَـانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَـغْنَى﴾( )، أي إنّ الغنى المادي والتقدم المادي داعٍ إلى طغيان الإنسان وانحطاطه الروحي، وهذا منظور اليوم في حياة البشرية على هذه الأرض، فالأرض لم تعرف فساداً وإفساداً وظلماً وطغياناً كما هو حاصل اليوم.
وربما ينتفض بعض الناس الذين أنسوا هذا العالم المادي حيث إنهم يرون الكمال في التقدم المادي، مع أنهم لو التفتوا لوجدوا هذا العالم المادي الجسماني يسير إلى الزوال، بل هو في زوال مستمر، فكل يوم يموت أُناس ويحيا آخرون، بل سيأتي يوم يموت فيه الجميع ولا يحيا أحد مكانهم ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾( ).
والتقدم المادي الكبير اليوم يشير إلى قرب هذا الزوال:
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾( ).
أمّا الأرواح فهي باقية ومصيرها الخلود في الجنة أو النار، في النعيم أو الجحيم.
فيجب أن يلتفت الإنسان إلى أنه جاء إلى هذا العالم المادي الجسماني ليخوض الامتحان لا ليبقى أو ليخلد فيه، بل إنّ هذا العالم المادي الجسماني كله مصيره إلى الزوال والفناء.
نعم، الله يحث المؤمنين على تحقيق التقدم المادي الجسماني ليتحقق لهم الغنى عن الكافرين والمنعة والعزة لصد المحاربين:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾( ).
ولكن يجب أن يكون هذا التقدم المادي نابعاً ومرافقاً لإيمان حقيقي ومسيرة تكامل روحي مستمرة للمؤمنين؛ لكي لا يكون صادّاً لهم عن ذكر الله والانصياع لأمر الله سبحانه وتعالى، بل هو إذا كان كذلك فسيرافقه توفيق إلهي عظيم:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾( ).
فالله سبحانه وتعالى عندما يذيق من يرجو إيمانهم وتقواهم نقصاً في الثمرات والبركات يرحمهم بهذا؛ لأنه يدفعهم إلى الإيمان والتقوى حيث إنّ الضعف والفقر داعٍ للتوجه إلى الله.
في الحديث القدسي: (يا ابن عمران إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنب عجلت عقوبته ، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين)( ).
أمّا إذا آمن أهل الأرض واتقوا الله فماذا يفعل الله بعذابهم ، وأي نفع له سبحانه في نقص ثمراتهم وبركة أرضهم وأعمالهم، بل هو وعدهم:
﴿لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾( ).
إذن، يجب أن يكون سعي وحركة الإنسان تجاه التكامل الروحي والإيمان الحقيقي.
أمّا التقدم المادي الجسماني فأيضاً يسعى له الإنسان من منظار التكامل الروحي، أي أن يكون السعي للتقدم المادي طاعة لله ولتحقيق إرادة الله على هذه الأرض من نشر التوحيد والرحمة والعدل.
أمّا تقدّم الكفار المادي فلا يظن المؤمنون أنه توفيق إلهي أو خير لهم، بل هو شر لهم لأنه سبب لتماديهم في الطغيان والتكبّر على إرادة الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾( ).
وتكون الدنيا وزخرفها سبباً لسكرهم وابتعادهم عن الله:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾( ).
فأي خسارة أعظم من أن يكون الإنسان عدواً الله؟! وأي مكسب أبخس من الدنيا وزخرفها ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾( ).
* * *
الحضارة المادية والحضارة الأخلاقية والجهاد
الحقيقة أنه يوجد خلط كبير لدى أكثر الناس بين التقدّم المادي والتقدّم الأخلاقي للإنسان فيجعلون كل متقدّم مادياً متقدّماً أخلاقياً، وذلك من خلال خلط الحضارة المادية بالحضارة الأخلاقية وجعلهما واحداً لكل أمة.
وهذا ميزان باطل وقياس باطل، وإلاّ لكان الأنبياء والأوصياء وأتباعهم ممن خلت أيديهم من قليل وكثير زخرف هذه الدنيا وحضارتها المادية وسلطانها الزائل هم الأحط أخلاقياً وحاشاهم، ولكان فرعون ونمرود وأشباههم ممن بنوا الأهرامات والأبراج والقصور والمدن الزاخرة هم أصحاب الأخلاق والفكر النير المتقدم وأنى لهم ذلك. وأيضاً لكان المتهم الأول هو هادم ومخرّب الحضارات المادية بالعقوبات والمثلات سبحانه عما يشركون.
بل والله ما عرفوا أمرهم فاتعظوا بما كان فيمن سبقهم.
والحقيقة أنّ التقدّم الحضاري الأخلاقي هو مشروع الأنبياء وهو ما جاءوا به من الله سبحانه وتعالى، وكل ما موجود لدى الإنسانية من أخلاق كريمة ما هو إلاّ رشحات من تلك الأخلاق الإلهية التي جاء بها الأنبياء والأوصياء وسيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد حصر بعثه للناس بأنه ليتمم الأخلاق الإلهية قال : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)( ).
فالحق أنّ أصل ومعدن الأخلاق الكريمة هي تعاليم الأنبياء ، والأخلاق هي مقياس التقدم الحقيقي للأمم ولا قيمة لتقدم مادي (حضارة مادية) مهما كان كبيراً إذا لم يرافقه تقدم أخلاقي (حضارة أخلاقية)، ومع وضوح هذه الحقيقة وبساطتها لم يتبينها أكثر الناس.
وكانت النتيجة المنكوسة التي تحصلت لدى كثير من الناس من المقدمات الفاسدة هي أن الحروب التي تخوضها أمريكا - المتقدمة مادياً وبالتالي لا نقاش في تقدمها الأخلاقي! - حق، لأنها تهدف لإزالة الظلم والطغيان وإرساء الديمقراطية وحاكمية الناس والحرية، فمن يقف بوجه أمريكا أو القانون الذي وضعته أمريكا وتريد إرساءه على هذه الأرض يكون ظالماً وطاغياً، وهكذا انقلبت الموازين.
ثم إنّ الخلط الموجود في الساحة العالمية اليوم ساعد على عدم وضوح الرؤية وتشويش الأفكار، وأصبح طلاب الحق أندر من الكبريت الأحمر.
وربما لو وجّه الناس لأنفسهم هذا السؤال: (من يضع القانون وينصب الحاكم الله أم النّاس؟) لاتّضحت الرؤية لديهم ولعادت لديهم أمريكا وديمقراطيتها وحريتها صنماً يعبد من دون الله حالها حال الطواغيت الذين أزالتهم في أفغانستان والعراق، فأمريكا مسخ شيطاني تماماً كما أنّ صداماً وابن لادن (لعنهم الله) وأتباعهم مسوخ شيطانية؛ لأنهم جميعاً (أمريكا ، صدام ، ابن لادن وأشباههم) لم ينصبهم الله سبحانه وتعالى، كما أنهم لا يعرفون القانون الإلهي ولا يريدون إرسائه كما يدعي بعضهم ليخدع الناس باسم الدين وهو لا يفقه من الدين شيئاً.
ومن البديهي في الديانات الثلاث أنّ القانون يضعه الله والحاكم ينصبه الله، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة في التوراة والإنجيل والقرآن، وببساطة فإنّ القانون في هذا الزمان: هو القرآن والإنجيل والتوراة، والحاكم : هو المهدي وعيسى وإيليا .
والكتب السماوية كلها واحد أنزل من واحد، والأنبياء والإئمة كلهم واحد أرسل من واحد.
أقول: لو سأل الناس أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بهذا الجواب البيّن لاجتمعت كلمتهم على التوحيد ولعبدوا الله سبحانه وتعالى وأقروا خليفته في أرضه وقانونه سبحانه، ولا يوجد موحد حقيقي لكل أهل الأرض إلاّ القانون الإلهي والحاكم الإلهي، وهما يوحدان أهل الأرض على الحق والعدل والرحمة.
فلابد للمؤمنين من الجهاد لإرساء القانون الإلهي والحاكم الإلهي خليفة الله في أرضه لتمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً وأخلاقاً كريمة وحضارة أخلاقية كما هي اليوم مليئة بالظلم والفساد.
بل إنّ الحاصل هو أنّ جند الشيطان لعنه الله يقاتلون لإرساء حاكمية الشيطان وخلق الشيطان، فلماذا لا يقاتل جند الله لإرساء حاكمية الله سبحانه وتعالى والأخلاق الإلهية، والحال أنّ قتالهم وجهادهم هو دفاع عن الحضارة الأخلاقية للأنبياء والمرسلين في مقابل هجوم يشنه الشيطان وجنده أصحاب الحضارة المادية لمحق الأخلاق الإلهية.
والحقيقة أنه لا يوجد حياد فإمّا أن تنصر الله وتقرّ حاكميته، وإمّا أن تقاتل مع الشيطان وعن حاكميته لعنه الله، والساكت شيطان أخرس، فالذين مع الله مع الله والذين مع الشيطان مع الشيطان والذين على التل كما يسمون أنفسهم شياطين خرس.
* * *




الهدف من الجهاد
الهدف والغرض من الجهاد في الدين الإلهي الحق والذي قام به الأنبياء والأوصياء هو هداية الناس إلى الحق وإتباع الحق، فليس غرض الأنبياء هو قتل الناس أياً كان هؤلاء الناس؛ لأنّ الأنبياء يعملون بما يريده الله سبحانه ولو كان الله يريد هلاكهم وقتلهم لما خلقهم، بل سبحانه وتعالى خلقهم ليعبدوه ويدخلوا الجنة.
فالجهاد في نفسه ليس غرضاً ولا هدفاً للدين الإلهي الحق، بل هو وسيلة لإيصال الحق إلى الناس، ونجد أنّ أهم شروط الجهاد التي لا يصح من دونها هو دعوة الناس إلى الحق والمبالغة في دعوتهم وإيصال الحق لهم بالبلاغ المبين التام.
ولذا فإنّ الصحيح عندما تجد من يقول لك هذه بلادي مفتوحة لك تعالوا وبلغوا دعوتكم وتحرّكوا شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وادعوا الناس أقول أنّ الصحيح عندها أن لا ترفع السيف بوجهه، بل تذهب لتدعوا إلى الحق وترفع القلم بدلاً عن السيف، قال تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾( ).
والرسول محمد دعا كسرى وقيصر للحق ودين الله سبحانه ولم يحمل السيف بوجههم أولاً، بل إنّ الروم هم من بادروا لحمل السيف بوجه الرسول محمد .
ويجب أن نلتفت الى أنّ الدين والعقيدة لا يمكن أن تنتشر بالسيف كما لا تقتل عقيدة بالسيف؛ ولذا فإنّ منهج جميع الأديان الإلهية ومنها خاتمها الإسلام في الدعوة إلى الله هو الحوار والتذكير، بل إنّ وجود الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن خير دليل على ذلك؛ لأنها كتب تفيض حكمة وحواراً ودعوة إلى الله ، وليست سيوفاً تقطر دماً.
إذن فالنتيجة التي يجب أن نعرفها كمؤمنين أنّ الهدف من الجهاد هو فتح الأبواب المغلقة للوصول للناس وإيصال الحق لهم وهدايتهم، وليس الهدف من الجهاد قتل الناس، فإذا أمكن أن نصل إلى الناس ونوصل الحق لهم ونهديهم إلى صراط الله المستقيم دونما قتال وإراقة دماء يجب أن نسلك هذا الطريق؛ لأنّ أقل ما فيه الحفاظ على حياة المؤمنين.
ولابد أن يهيئ كل مؤمن ومؤمنة نفسه للدعوة إلى الحق ودين الله ولابد أن يعمل كل ما في وسعه ليتعلم ويعلم ويدعو إلى الحق ودين الله كما لابد أن يتهيأ للجهاد، فالمؤمن يجب أن يحمل القلم بيد والسيف باليد الأخرى.
والحق أقول لكم إنّ كثيرين يبحثون عن الحق وكثيرين سيتبعون الحق إن شاء الله حتى في الغرب وفي أمريكا نفسها، فيجب أن نمد أيدينا لانتشالهم من حفر الشيطان التي يرتعون فيها، فأصحاب الدين الإلهي الحق يسعون لهداية الناس وتخليصهم من شباك الشيطان وإنقاذهم من النار ودفعهم إلى الجنة وأبداً لا تجدهم يريدون قتل الناس أو أنهم يختارون القتال، بل هو حالة يضطرون إليها، وإذا أمكن دفعها مع تحقيق مصلحة الدين ونشر تعاليم الله سبحانه لابد من السعي إلى دفعها كما فعل رسول الله مع المشركين في الحديبية وكما فعل موسى  من قبل مع فرعون وقومه في مصر؛ ولهذا فإنّ ما يطرح عالمياً وتحت مسمّى حوار الحضارات هو أمر مقبول عندنا إذا كانوا يطرحونه ليمارسوه فعلاً وحقاً ولكن لنا اختيار آخر للاسم، وهو البحث عن الحضارة لتكون النتيجة هي الوصول إلى الحضارة الإلهية الحقيقية التي توحّد الناس وتجمع كلمتهم على مخافة الله سبحانه وتعالى.
* * *




الجهاد والبحث عن الحضارة
اخترت هذا العنوان في مقابل العنوان المطروح عالمياً وهو حوار الحضارات، والحقيقة أنه مما تقدّم تبيّن أنه لا توجد أكثر من حضارة حقيقية لتتصارع أو تتحاور، فالحضارة الحقيقية هي الحضارة الروحية والأخلاقية المبنيّة على ما جاء به الأنبياء والأوصياء وهي واحدة:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾( ).
وهي ليست حكراً على قوم دون آخرين، بل إنّ هذه الحضارة الروحية الأخلاقية موجودة وبنسب متفاوتة هنا وهناك على هذه الأرض، كما أنّ نقيضها موجود في نفس المكان الموجودة فيه ولدى نفس القوم الذين يحملون بعضها ويعملون به.
إذن فأهل الأرض بحاجة للبحث عن الحضارة الروحية والأخلاقية الإلهية، فالحوار يكون للبحث عمّا يحمله كل طرف وعمّا يحمله الطرف المقابل له من الحضارة الروحية والأخلاقية، وأيضاً عن مدى انحراف كل طرف ومدى انحراف الطرف المقابل عنها ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾( ).
وإذا كان البحث موضوعياً وبعيداً عن التعصب الأعمى ستكون النتيجة هي الوصول إلى الحضارة الإلهية الحقّة، وبالتالي معرفة صاحب الحق الإلهي والاعتراف بحقّه عندها يتوحد أهل الأرض على طاعة الله الحقة والصراط المستقيم الذي يريده الله.
ويجب أن يعرف من يبحث عن الحضارة أولاً أنّ الحضارة الحقيقية التي يبحث عنها تنسب إلى الأخلاق والروح أو يمكن أن نقول الدين الإلهي والقيم الأخلاقية ولا تنسب إلى الأرض أو القومية - وربما تبيّن هذا مما تقدّم - فيمكن أن نقول الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية والحضارة اليهودية ولا يمكن أن نقول الحضارة العربية أو الأمريكية أو الرومانية .كما أنّ الحضارة الإسلامية الحقيقية والحضارة المسيحية الحقيقـية والحضارة اليهودية الحقيقية هي المبنية على ما جاء به محمـد وعيسى  وموسى  وأوصياؤهم وليست ما جاء به أو قام به من حكم المسلمين أو المسيحين أو اليهود ولا ما وصى به العلماء غير العاملين وهذه كلها واحدة وهي الحضارة الإلهية الحقة التي ضُيّعت وغُيّبت لمصلحة الحكام الطواغيت والعلماء غير العاملين ، قال تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾( ).
وأيضاً على ضوء ما تقدّم ستكون هنالك نتيجة حتمية يجب أن لا نغفلها أو نتغافل عنها مع أولئك الطواغيت أو العلماء غير العاملين الذين لا يريدون سماع الكلمة الطيبة ولا يريدون البحث بموضوعية عن الحضارة الإلهية الحقيقية، وأيضاً يريدون تشويه الحضارة الإلهية الحقيقية ونشر مسخ شيطاني على هذه الأرض وإضلال الناس وحرف الناس ليكونوا أتباعاً لإبليس (لعنه الله) في إمتناعه عن السجود لآدم  خليفة الله في أرضه، أقول إنّ النتيجة الحتمية مع أولئك هي الصدام الذي لا مفر منه ولا سبيل لتجنبه؛ لأنه يكون عندها الطريق الوحيد لنشر الحضارة الإلهيّـة على هذه الأرض، وهذا ما قام به أنبياء الله ورسله كما تبيّن مما تقدّم في هذا الكتاب.
فالنتيجة أنّ الحوار لا يكون بين الحضارات، بل هو بين بني آدم للبحث عن الحضارة الإلهية الحقيقية، وكذلك الصدام لا يكون بين الحضارات بل بين الحضارة الإلهية الحقيقية ونقيضها أو قل بين النور والظلمة كما يمكن أن يكون الصدام بين الظلمات بعضها مع بعض.
فليس كل من يصدم بالظلمة هو النور بل ربما كان ظلمة أيضاً، ولكن كل من يصطدم بالنور هو ظلمة؛ لذا فلابد أن نبحث ونعرف النور وبه نعرف الظلمات.
* * *

نصيحــة
الجهاد يجب أن يكون لله وفي سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، فالمنظور هو الله سبحانه وتعالى وإرادته، وهكذا جماعة تقاتل في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله سبحانه سيكون الله معها وفيها وسيكون قتالهم قتال الله ومن يقاتلهم يقاتل الله.
أمّا من يقاتل لأجل الأرض أو اللسان (القومية) فليبحث عمّن يؤجره غير الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله يعطي الأجر لمن يقاتل في سبيله سبحانه وتعالى.
وربما يتوّهم بعض من أنسوا الأسباب المادية أن هكذا مشروع جهادي خيالي أو مثالي غير قابل للتطبيق في الساحة العالمية ولو طبقناه فلن يحقق نتائج لقلة الناصر وكثرة العدو. ولكن من يحسب ويحتسب الله لن يرى إلاّ الله ورضاه سبحانه وتعالى دونما اعتبار للمعادلات السياسية والاقتصادية والعسكرية القائمة على الساحة العالمية اليوم، وهكذا كان الأنبياء فلم يكن جيش طالوت كفؤاً لجيش جالوت مادياً، ولم يكن مع موسى  ما يواجه به آلة فرعون العسكرية الضخمة إلاّ الله سبحانه وتعالى وهو أكبر من كل شيء ، ولكن عند الذين آمنوا إيماناً حقيقياً به وبقدرته سبحانه وتعالى، ولا مكان في ساحات الأنبياء والأوصياء للمداهنة والممالأة؛ لأنّ هدفهم ليس النصر المادي كما يتوهم كثير من الناس، بل هدفهم هو نصرة الله سبحانه وتعالى:
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾( ).
فلا نجدهم داهنوا الظالمين أو المنافقين أو جاملوا بعض الكافرين ليحققوا نصراً مادياً بل العكس من ذلك تماماً، فعبد الله بن عباس يرى أنّ المصلحة المادية لتستقيم خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  هو بمداهنة معاوية (لعنه الله) ولو لأيام قليلة ثم استدعاءه الى المدينة المنورة وعزله من ولاية الشام وبهذا تستقيم الأمور لعلي ، وربما كل من يحسب ويحتسب المادة يرى أن رأي ابن عباس حكيم وهو يحقق مصلحة كبرى للإسلام ، أمّا علي  فلا يداهن معاوية ساعة واحدة ويقر عزله في الحال؛ لأنّ الله لا يرضى إقرار ظالم على ظلمه ولو لحظة واحدة وربما خسر علي  الشام بهذا الموقف الحازم ولكنه ربح الله سبحانه وتعالى ورضاه.
وكذلك الحسين  فلو أخر ثورته الإلهية الكبرى ثلاث سنوات، أي حتى موت يزيد بن معاوية لعنه الله لاستقامت الأمور للحسين  ولتحقق له النصر المادي، ولكنه اختار الله سبحانه وتعالى ولم يداهن الظالمين والفاسقين:
﴿فَلا تُطِـعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُـونَ﴾( ).
والمعادلة اليوم هي نفس المعادلة تدهن فيدهنون، ترضى عن أمريكا فترضى عنك أمريكا، تمدح مشروع أمريكا فتمدحك أمريكا، وكذلك ترضى عن الله فيرضى عنك الله وتمدح مشروع الله فيمدحك الله، فأختر ما تريد أن تمدح في الملأ الأمريكي وفي الأمم المتحدة الأمريكية وربما يتفضلون عليك بجائزة نوبل للسلام، أو أن تمدح في الملأ الأعلى عند الله سبحانه وتعالى.
* * *





ملحق (1)
هذه أربعون حديثاً في الجهاد أرويها لتكون ذخري يوم أقف بين يدي رب رحيم، ولعلها تكون عبرة لمعتبر وذكرى لمدكر فيلتفت إليها من يدعون أنهم يتبعون محمداً وجعلوا بينهم وبين الجهاد سداً :
1- قال رسول الله : (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والمجاهدون في سبيل الله قوادها والرسل سادة أهل الجنة)( ).
2- وقال : (دعا موسى وأمن هارون (عليهما السلام)، وأمنت الملائكة فقال الله عز وجل: استقيما فقد أجيبت دعوتكما ومن غزا في سبيل الله عز وجل استجيبت له، كما استجيبت لهما إلى يوم القيامة)( ).
3- وقال : (إنّ أبخل الناس من بخل بالسلام، وأجود الناس من جاد بنفسه وماله في سبيل الله تعالى)( ).
4- وقال : (من ختم له بجهاد في سبيل الله ولو قدر فواق ناقة دخل الجنة)( ).
5- وقال : (إنّ فوق كل بر بر حتى يقتل الرجل شهيداً في سبيل الله)( ).
6- وقال لرجل: (جاهد في سبيل الله، فإنك إن تقتل كنت حياً عند الله ترزق، وإن مت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت خرجت من الذنوب إلى الله)( ).
7- وقال : (إنّ الغزاة إذا هموا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله تعالى بهم الملائكة، فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها، ويوكل الله عز وجل بكل رجل منهم أربعين ألف ملك، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ولا يعملون حسنة إلاّ ضعفت له، ويكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله ألف سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم مثل عمر الدنيا، وإذا صاروا بحضرة عدوهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، وإذا برزوا لعدوهم واشرعت الأسنة وفوقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل، حفتهم الملائكة بأجنحتهم ويدعون الله تعالى لهم بالنصر والتثبيت، ونادى مناد: الجنة تحت ظلال السيوف، فتكون الطعنة والضربة أهون على الشهيد من شرب الماء البارد في اليوم الصائف، وإذا زال الشهيد من فرسه بطعنة أو بضربة، لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله عز وجل زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله عز وجل له من الكرامة، فإذا وصل إلى الأرض تقول له: مرحباً بالروح الطيبة التي خرجت من البدن الطيب، أبشر فإنّ لك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويقول الله عز وجل : أنا خليفته في أهلـه، ومن أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل الله روحه في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقه بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفه من غرف الفردوس، سلوك كل غرفة ما بين صنعاء والشام، يملأ نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعون باباً، على كل باب ستور مسبلة، في كل غرفة سبعون خيمة ، في كل خيمة سبعون سريراً من ذهب قوائمها الدر والزبرجد، مرصوصة بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشاً، غلظ كل فراش أربعون ذراعاً، على كل فراش سبعون زوجاً من الحور العين عرباً أتراباً، فقال الشاب: يا أمير المؤمنين أخبرني عن التربة ما هي ؟ قال: هي الزوجة الرضية المرضية الشهية، لها سبعون ألف وصيف وسبعون ألف وصيفة، صفر الحلى، بيض الوجوه، عليهم تيـجان اللؤلؤ، على رقابهم المناديل، بأيديهم الأكوبة والأباريق، وإذا كان يوم القيامة يخرج من قبره شاهراً سيفه تشخب أوداجه دماً، اللون لون الدم والرائحة رائحة المسك، يحضر في عرصة القيامة، فو الذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجلوا لهم مما يرون من بهائهم، حتى يأتوا على موائد من الجوهر فيقعدون عليها ويشفع الرجل منهم في سبعين ألفاً من أهل بيته وجيرته، حتى إنّ الجارين يختصمان أيهما أقرب، فيقعدون معي ومع إبراهيم  على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله تعالى في كل بكرة وعشية)( ).
8- وقال : (كل حسنات بني آدم تحصيها الملائكة إلاّ حسنات المجاهدين، فإنهم يعجزون عن علم ثوابها)( ).
9- وقال : (طوبى لمن أكثر ذكر الله في الجهاد، فإنّ له بكل كلمة سبعين ألف حسنة، كل حسنة عشرة أضعاف، مع ما له عند الله من المزيد، قالوا: يا رسول الله، والنفقة في سبيل الله على قدر ذلك للضعفاء، قال: نعم)( ).
10- وقال : (مثل المجاهدين في سبيل الله، كمثل القائم القانت، لا يزال في صومه وصلاته حتى يرجع إلى أهله)( ).
11- وقال رسول الله : (إذا خرج الغازي من عتبة بابه، بعث الله ملكاً بصحيفة سيئاته فطمس سيئاته)( ).
12- وقال : (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان في جهنم)( ).
13- وقال : (السيوف مفاتيح الجنة)( ).
14- وقال : (ما من أحد يدخل الجنة فيتمنى أن يخرج منها إلاّ الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرّات مما يرى من كرامة الله)( ).
15- ورأى رجلاً يدعو ويقول: اللهم إني أسألك خير ما تسأل، فاعطني افضل ما تعطي، فقال : (إن استجيب لك أهريق دمك في سبيل الله)( ).
16- وقال : (إنّ لي حرفتين اثنتين: الفقر، والجهاد)( ).
17- وقال : (غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)( ).
18- وقال رسول الله : (سياحة أمتي الجهاد)( ).
19- وقال : (إنّ الله يدفع بمن يجاهد عمن لا يجاهد)( ).
20- وقال جعفر الصادق : (بانفاق المهج يصل العبد إلى بر حبيبه وقربه)( ).
21- وقال أمير المؤمنين علي: (الجهاد فرض على جميع المسلمين لقول الله:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾( )، فإن قامت بالجهاد طائفة من المسلمين، وسع سائرهم التخلف عنه، ما لم يحتج الذين يلون الجهاد إلى المدد ، فإن احتاجوا لزم الجميع أن يمدوا حتى يكتفوا، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾( )، وإن أدهم أمر يحتاج فيه إلى جماعتهم نفروا كلهم، قال الله عز وجل:﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾( ))( ).
22- وقال جعفر الصادق  في قول الله: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ قال: (شباناً وشيوخاً)( ).
23- وسُئل الصادق  عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾( )،
أهذا لكل من جاهد في سبيل الله أم لقوم دون قوم؟
فقال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام): (إنه لما نزلت هذه الاية على رسول الله ، سأله بعض أصحابه عن هذا فلم يجبه، فأنزل الله بعقب ذلك:
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾( ).
فأبان الله عز وجل بهذا صفة المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم (وأموالهم)، فمن أراد الجنة فليجاهد في سبيل الله على هذه الشرائط، وإلا فهو من جملة من قال رسول الله : ينصر الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم)( ).
24- وقال : (أصل الإسلام الصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)( ).
25- وقال : (جاهدوا في سبيل الله بأيدكم ، فإن لم تقدروا فجاهدوا بألسنتكم ، فإن لم تقدروا فجاهدوا بقلوبكم)( ).
26- وقال : (عليكم بالجهاد في سبيل الله مع كل إمام عادل ، فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة)( ).
27- وقال رسول الله : (ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دم في سبيل الله ، أو قطرة دمع في جوف الليل من خشية الله)( ).
28- وقال : (كل مؤمن من أمتي صديق وشهيد، ويكرم الله بهذا السيف من شاء من خلقه، ثم تلا:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾( ))( ).
29- وقال جعفر بن محمد : (كل عين ساهره يوم القيامة إلاّ ثلاث عيون: عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين بكت من خشية الله)( ).

30- وقال رسول الله : ( من رابط في سبيل الله يوماً وليلة، كان يعدل صيام شهر رمضان وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاة إلاّ لحاجة)( ).
31- وقال رسول الله : (خير الناس رجل حبس نفسه في سبيل الله، يجاهد أعداءه يلتمس الموت أو القتل في مصافه)( ).
32- وقال رسول الله : (مقام أحدكم يوماً في سبيل الله، أفضل من صلاة في بيته سبعين عاماً، ويوم في سبيل الله، خير من ألف يوم فيما سواه)( ).
33- وقال رسول الله : (يرفع الله المجاهد في سبيله على غيره مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)( ).
34- وقال رسول الله : (المجاهدون في سبيل الله قواد أهل الجنة)( ).
35- وقال رسول الله : (ما من قطرة أحب إلى الله عز وجل من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل ، لا يريد بهما العبد إلاّ الله عز وجل)( ).
36- وقال رسول الله : (ألا وإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لأوليائه)( ).
37- وقال رسول الله : (من جهز غازياً بسلك أو إبرة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)( ).
38- وقال : (من أعان غازياً بدرهم، فله مثل أجر سبعين دراً من درر الجنة ويـاقوتها ، ليست منها حبة إلاّ وهي أفضل من الدنيا)( ).

39- وقال رسول الله : (رباط يوم في سبيل الله خير من قيام شهر وصيامه، ومن مات مرابطاً في سبيل الله كان له أجر مجاهد إلى يوم القيامة)( ).
40- وقال رسول الله من لزم الرباط لم يترك من الخير مطلباً ولم يترك من الشر مهرباً)( ).

* * *
ملحق (2)
اضاءات من القرآن
استغفر الله ورسوله وأعتذر إلى المؤمنين عن التعليق على الآيات لضيق الوقت الذي هو أولاً وآخراً بسبب تقصيري والكرام يلتمسون العذر للمقصرين، فأرجو أن لا ينساني المؤمنون من الدعاء والاستغفار لي عند رب رحيم، وأترك للمؤمنين تدبر معانيها والارتواء من الحكمة الإلهية التي وردت فيها.
1- ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾( ).
2- ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾( ).
3- ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾( ).
4- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّـةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّـابِرِينَ﴾( ).
5- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾( ).
6- ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾( ).
7- ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾( ).
8- ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾( ).
9- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾( ).
10- ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾( ).
11- ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيـلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَـارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُـونَ﴾( ).
12- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾( ).
13- ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾( ).
14- ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾( ).


15- ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾( ).
16- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾( ).
17- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾( ).
18- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾( ).
19- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾( ).
20- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾( ).

21- ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾( ).
22- ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾( ).
23- ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾( ).
24- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾( ).
* * *
















الفهرس
الإهداء ...................................................................... .................................... 5
المقدمة ...................................................................... ..................................... 7
لماذا الجهاد باب الجنة؟ ...................................................................... ...................... 9
الجهاد الأكبر (جهاد النفس) ...................................................................... ............... 10
الجهاد الأكبر يسبق الجهاد الأصغر ...................................................................... .......... 15
الجهاد الأصغر.......................................................... ......................................... 17
الجهاد في الأديان الإلهية ...................................................................... .................... 17
الجهاد لماذا ؟! ...................................................................... ............................ 22
أولاً : الجهاد الهجومي ...................................................................... ..................... 22
ثانياً : الجهاد الدفاعي ...................................................................... ..................... 30
إضاءة بين الجهاد بالسيف والجهاد بالكلمة ...................................................................... . 35
إضاءة من جهاد بني إسرائيل ...................................................................... ............... 36
إضاءة من جهاد المسلمين مع رسول الله .................................................................... 38
الجهاد مع الحق ...................................................................... ........................... 42
كلمة الله العليا ...................................................................... ............................ 43
كيف يعرف خليفة الله في أرضه في كل زمان ..................................................................... 44
التقدم الحضاري المادي والتكامل الروحي ...................................................................... ... 51
الحضارة المادية والحضارة الأخلاقية والجهاد ...................................................................... . 54
الهدف من الجهاد ...................................................................... ......................... 57
الجهاد والبحث عن الحضارة ...................................................................... ............... 59
نصيحة ...................................................................... ................................... 61
ملحق 1 ...................................................................... ................................. 63
ملحق 2 إضاءات من القرآن ...................................................................... ............... 69
الفهرس ...................................................................... ...................................75

والحمد لله رب العالمين