النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: المتشابهات الجزء 2 للأمام احمد الحسن اليماني ع

  1. #1
    يماني الصورة الرمزية almawood24
    تاريخ التسجيل
    04-01-2010
    الدولة
    العراق
    المشاركات
    2,171

    افتراضي المتشابهات الجزء 2 للأمام احمد الحسن اليماني ع

    أسرار الإمام المهدي (مكن الله له في الأرض)




    المتشابهات
    (الجزء الثاني)


    السيد أحمد الحسن
    وصي ورسول ويماني الإمام المهدي 



    إصدارات أنصار الإمام المهدي 
    العدد (6)



    الطبعة الثالثة
    1431 هـ - 2010 م




    تحقيق اللجنة العلمية
    لأنصار الإمام المهدي ( مكن الله له في الإرض )




    لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
    يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
    أنصار الإمام المهدي (ع) اتباع الإمام احمد الحسن اليماني (ع) - انصار الامام المهدي (ع)



























    تقديــم













    الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
    الحمد لله الذي خلق الخلق وأرسل لهم الرسل، وجعل العلم بكتب السماء دليلاً عليهم يعرفهم به من خلصت نيته وشحذ لمعرفة الحق همته.
    الحمد لله الذي جعل علم الكتاب مختصاً بمن أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعل لمن ينتحل مقامهم جهنم يصلاها ملوماً مخذولاً.
    الحمد لله الذي جعل محمداً وآل محمد لنا وسيلة لرضاه، ولم يجعل في غيرهم سبيلاً للنجاة، الحمد لله الذي جعل ولايتهم حسنة لا تضر معها سيئة، وجعل نكرانهم سيئة لا تنفع معها حسنة.
    الحمد لله الذي جعلهم ترجماناً للكتاب، وجعله من غيرهم مغلقاً بلا باب، فهم عدل القرآن وترجمانه، خلفاء الرسول وآذانه، كهف الورى شموس الدجى ليوث الوغى، من حاد عنهم خف ميزانه.
    اللهم فصلِّ عليهم كلما طلعت شمس وغربت، وكلما هبَّت ريح وسكنت، اللهم صلِّ عليهم بعدد رمال البر وقطرات المطر وعدد أوراق الشجر وما يحويه البر والبحر، اللهم صلِّ عليهم بعدد أنفاس الخلائق، من ناطق وغير ناطق، صلاة دائمة نامية زاكية يصعد أولها، ولا ينفد آخرها، وأجعلها ذخراً لنا يوم نلقاك، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتاك بولايتهم والكفر بولاية غيرهم اللهم اجعل كل صلواتك على جدهم المصطفى أولاً وعليهم ثانياً، ولا تفارق بيننا وبينهم دائماً أبداً برحمتك يا أرحم الراحمين.
    قال الله : ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ ( ).
    وقد نص الرسول محمد وآل بيته على أن متشابه القرآن لا يعلمه إلا الرسول والأئمة من ذريته ، ولا يعرف إلا عن طريقهم وبابهم .
    عن أبي جعفر : (نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله) ( ).
    وعن أبي عبد الله ، قال: (الراسخون في العلم: أمير المؤمنين  والأئمة من ولده ) ( ).
    وعن أبي جعفر في قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ( )، قال: (هم الأئمة المعصومون ) ( ).
    والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب، ومنها يتبين أن تفسير أو تأويل متشابه القرآن علم قد خُص به الأئمة من أوصياء الرسول إلى يوم القيامة، ولا يوجد عند غيرهم أبداً إلا أن يكون مأخوذاً عنهم .
    بل إن القرآن كله محكم عند الأئمة فلا يوجد متشابه عندهم ؛ لأن المتشابه ما تشابه على صاحبه، وأهل البيت لا يشتبه عليهم القرآن فهم ترجمانه بعد الرسول محمد .
    عن هرول بن حمزة، عن أبي عبد الله ، قال: سمعته يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ( )، قال: هم الأئمة خاصة) ( ).
    وعن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر  قال: قلت له: قول الله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أنتم هم؟ قال: (من عسى أن يكونوا غيرنا؟!) ( ).

    إذن، فالقرآن كله آيات بينات عند الأئمة لا يوجد فيه متشابه، ولذلك انحصر تفسير القرآن في الأئمة ؛ لأن غيرهم لا يعرف ما تشابه من القرآن ولا يفقه تأويله، وفاقد الشيء لا يعطيه. وقد نبه الأئمة على هذه الحقيقة مرات عديدة في رواياتهم، وحذروا عن تفسير القرآن بالرأي، ونبهوا كذلك على أن كلام الله تعالى لا يشبه كلام البشر فلا يمكن قياسه عليه، ولنطلع على بعض كلامهم في هذا الموضوع لتتضح المسألة:
    عن الصادق ، قال: (إن الله بعث محمداً، فختم به الأنبياء، فلا نبي بعده، وأنزل عليه كتاباً، فختم به الكتب، فلا كتاب بعده - إلى أن قال: فجعله النبي علماً باقياً في أوصيائه، فتركهم الناس، وهم الشهداء على أهل كل زمان حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر، وطلب علومهم، وذلك أنهم ضربوا القرآن بعضه ببعض واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام، واحتجوا بأول الآية، وتركوا السنة في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام، وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوه عن أهله، فضلوا وأضلوا).
    ثم ذكر  كلاماً طويلاً في تقسيم القرآن إلى أقسام وفنون ووجوه، تزيد على مائة وعشرة، إلى أن قال : (وهذا دليل واضح على أن كلام الباري سبحانه لا يشبه كلام الخلق، كما لا تشبه أفعاله أفعالهم، ولهذه العلة وأشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى إلا نبيه وأوصياؤه ... إلى أن قال: ثم سألوه  عن تفسير المحكم من كتاب الله، فقال: أما المحكم الذي لم ينسخه شيء فقوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ( ) الآية. وإنما هلك الناس في المتشابه لأنهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء، ونبذوا قول رسول الله وراء ظهروهم ... الحديث) ( ).
    عن جابر بن يزيد، قال: سألت أبا جعفر  عن شيء من التفسير، فأجابني ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا، فقال: (يا جابر، إن للقرآن بطناً [وللبطن بطناً] وله ظهر، وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، وإنّ الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل متصرف على وجوه) ( ).
    عن المعلى بن خنيس، قال: قال أبو عبد الله  في رسالة: (فأما ما سألت عن القرآن، فذلك أيضا من خطراتك المتفاوتة المختلفة، لأن القرآن ليس على ما ذكرت وكل ما سمعت فمعناه [على] غير ما ذهبت إليه، وإنما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم، ولقوم يتلونه حق تلاوته، وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه، وأما غيرهم فما أشد إشكاله عليهم وأبعده من مذاهب قلوبهم، ولذلك قال رسول الله : [إنه] ليس شيء أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن، وفي ذلك تحير الخلائق أجمعون إلا من شاء الله، وإنما أراد الله بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه وصراطه وأن يعبدوه وينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه، والناطقين عن أمره، وأن يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم، لا عن أنفسهم، ثم قال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فأما عن غيرهم فليس يعلم ذلك أبداً، ولا يوجد، وقد علمت أنه لا يستقيم أن يكون الخلق كلهم ولاة الأمر؛ لأنهم لا يجدون من يأتمرون عليه ومن يبلغونه أمر الله ونهيه، فجعل الله الولاة خواص ليقتدى بهم، فافهم ذلك إن شاء الله، وإياك وإياك وتلاوة القرآن برأيك، فان الناس غير مشتركين في علمه، كاشتراكهم فيما سواه من الأمور، ولا قادرين على تأويله، إلا من حده وبابه الذي جعله الله له فافهم إن شاء الله، واطلب الأمر من مكانه تجده إن شاء الله) ( ).
    وقد بيّن الأئمة تكليف الأمة تجاه القرآن، وما عليهم وما لهم:
    عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر  - في حديث كلامه مع عمرو بن عبيد - قال: (وأما قوله: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ ( )، فإنما على الناس أن يقرؤوا القرآن كما انزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا يا عمرو!) ( ).
    عن علي ، قال: (اتقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون - إلى أن قال: - قالوا: فما نصنع بما قد خبرنا به في المصحف؟ فقال: يسأل عن ذلك علماء آل محمد ) ( ).
    وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله ، قال: ( من فسر القرآن برأيه، إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ خرّ أبعد من السماء) ( ).
    وعن موسى بن عقبة أن معاوية أمر الحسين  أن يصعد المنبر فيخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ( نحن حزب الله الغالبون، وعترة نبيه الأقربون، أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله، فيه تفصيل لكل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله، بل نتبع حقائقه، فأطيعونا، فان طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ( )، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ... الحديث) ( ).

    وكذلك نلاحظ كيف منع الأئمة بعض الذين كانوا يفتون الناس ويفسرون القرآن برأيهم أمثال أبي حنيفة:
    عن شعيب بن أنس، عن بعض أصحاب أبي عبد الله ، قال: (كنت عند أبي عبد الله  إذ دخل عليه غلام كندة فاستفتاه في مسألة فأفتاه فيها، فعرفت الغلام والمسألة فقدمت الكوفة فدخلت على أبي حنيفة، فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه أبو عبد الله ، فقمت إليه فقلت: ويلك يا أبا حنيفة إني كنت العام حاجاً فأتيت أبا عبد الله  مسلماً عليه فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها فأفتاه بخلاف ما أفتيته. فقال: وما يعلم جعفر بن محمد أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال وسمعت من أفواههم، وجعفر بن محمد صحفي، فقلت في نفسي: والله لأحجن ولو حبواً، قال: فكنت في طلب حجة فجاءتني حجة فحججت فأتيت أبا عبد الله  فحكيت له الكلام فضحك ثم قال: عليه لعنة الله أما في قوله: إني رجل صحفي فقد صدق، قرأت صحف إبراهيم وموسى، فقلت له: ومن له بمثل تلك الصحف؟
    قال: فما لبثت أن طرق الباب طارق وكان عنده جماعة من أصحابه، فقال للغلام: انظر من ذا؟ فرجع الغلام، فقال: أبو حنيفة. قال: أدخله، فدخل فسلّم على أبي عبد الله ، فردّ ، ثم قال: أصلحك الله أتأذن لي في القعود فأقبل على أصحابه يحدثهم ولم يلتفت إليه. ثم قال الثانية والثالثة فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه، فلما علم أنه قد جلس التفت إليه فقال: أين أبو حنيفة ؟ فقال: هو ذا أصلحك الله، فقال: أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم. قال: فبما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه. قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته، وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم، قال: يا أبا حنيفة ولقد ادعيت علماً ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا ، وما ورثك الله من كتابه حرفاً، فإن كنت كما تقول - ولست كما تقول - فأخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ ( ) أين ذلك من الأرض؟ قال: أحسبه ما بين مكة والمدينة، فالتفت أبو عبد الله  إلى أصحابه فقال: تعلمون أن الناس يقطع عليهم بين المدينة ومكة فتؤخذ أموالهم ولا يأمنون على أنفسهم ويقتلون؟ قالوا: نعم. قال: فسكت أبو حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿َمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ ( )، أين ذلك من الأرض؟ قال: الكعبة. قال: أفتعلم أن الحجاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمنا فيها؟ قال: فسكت، ثم قال: يا أبا حنيفة إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب الله، ولم تأت به الآثار والسنة كيف تصنع؟ فقال: أصلحك الله أقيس وأعمل فيه برأيي. قال: يا أبا حنيفة إن أول من قاس إبليس الملعون، قاس على ربنا تبارك وتعالى فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. فسكت أبو حنيفة. فقال: يا أبا حنيفة أيما أرجس البول أو الجنابة؟ فقال: البول. فقال: الناس يغتسلون من الجنابة ولا يغتسلون من البول، فسكت. فقال: يا أبا حنيفة أيما أفضل الصلاة أم الصوم؟ قال الصلاة. فقال: فما بال الحائض تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ فسكت ..... الحديث) ( ).
    وعن زيد الشحام، قال: (دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر  فقال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر : بلغني أنك تفسر القرآن؟ فقال له قتادة: نعم فقال له أبو جعفر : فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت، وأنا أسألك .. إلى أن قال أبو جعفر : ويحك يا قتادة! إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال، فقد هلكت وأهلكت ويحك يا قتادة! إنما يعرف القرآن من خوطب به) ( ).
    عن عبد الرحمن السلمي أن علياً  مر على قاض، فقال: (أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت تأويل كل حرف من القرآن على وجوه) ( ).
    عن أبي الصلت الهروي، عن الرضا  - في حديث - أنه قال لابن الجهم: (اتق الله، ولا تؤوّل كتاب الله برأيك، فانّ الله يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾) ( ).
    ومن هذه القصص وما سبقها من روايات ينتج اليقين بألّا يمكن لأحد أن يفتي الناس أو يفسر القرآن برأيه إن لم يكن من الذين يعلمون محكم القرآن من متشابهه وناسخه من منسوخه، وإنّ هذا العلم خاص بالذرية المعصومة وهم خلفاء الرسول إلى يوم القيامة الأئمة والمهديون .
    وإنّ من حكمة اختصاص علم متشابه القرآن بالحجج المعصومين هو معرفة المعصوم والاضطرار إلى طاعته لعدم وجود باب إلى معرفة القرآن غيره، ولئّلا يدعي الإمامة كل من هب ودب؛ لأنّ من يفعل ذلك سيجد نفسه في بحار من الأمواج المتلاطمة، وسيظهر تناقضه واضطرابه في تفسير القرآن كنار على علم لمن لهم قلوب يفقهون بها.
    عن أمير المؤمنين  في احتجاجه على زنديق سأله عن آيات متشابهة من القرآن، فأجابه - إلى أن قال  -: (وقد جعل الله للعلم أهلاً وفرض على العباد طاعتهم بقوله: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وبقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وبقوله: ﴿اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ( )، وبقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وبقوله: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ( )، والبيوت هي بيوت العلم التي استودعها الأنبياء، وأبوابها أوصياؤهم، فكل عمل من أعمال الخير يجري على غير أيدي الأوصياء وعهودهم، وحدودهم وشرائعهم، وسننهم، ومعالم دينهم مردود غير مقبول، وأهله بمحل كفر وإن شملهم صفة الإيمان، ثم إن الله قسم كلامه ثلاثة أقسام : فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعلمه إلا الله وملائكته والراسخون في العلم. وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل المستولين على ميراث رسول الله من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمام بمن ولي أمرهم فاستكبروا عن طاعته .. الحديث) ( ).
    بل روي أن هناك تأويلاً للقرآن في كل زمان، ولا يعرف هذا التأويل إلا الإمام الحجة المنصب من الله تعالى:
    عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله  يقول: (إن للقرآن تأويلاً، فمنه ما قد جاء ومنه ما لم يجيء، فإذا وقع التأويل في زمان إمام من الأئمة عرفه إمام ذلك الزمان) ( ).
    وبهذا يتبين أن تأويل القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه مختص بالإمام المعصوم من أوصياء الرسول محمد ، ولا يمكن أن يعرف عن غيره أبداً.
    ويتبين أيضاً من الرواية السابقـة أنّ تأويل القرآن في عصر الظهور لا يعرفه إلا الإمـام المهدي  أو من اتصل به اتصالاً مباشراً وتحمل ذلك العلم منه ، وبهذا نعرف أن الإمام المهدي  أو من اتصل به يعرف عن طريق إفحامه لجميع العلماء في معرفة علم متشابه القرآن وإحكامه، كما اثبت أجداده إمامتهم عن طريق ذلك العلم الخاص بهم .
    فعلى المتصدين والذين يدعون المرجعية مناقشة السيد أحمد الحسن في هذا العلم المقدس، فإن عجزوا عن ذلك أو لم يستجيبوا لذلك يثبت حق السيد أحمد الحسن، وإنه وصي ورسول الإمام المهدي ؛ لأن هذا العلم لا يكون إلا عند أوصياء الرسول محمد كما صرحت به الروايات المتواترة.
    والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الأئمة والمهديين.

    الشيخ ناظـم العقـيلي
    1429 هـ . ق


    والحمد لله رب العالمين.
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كلمة أتحصن بها من شر أعدائي من الأنس والجن، وأتقوّى بها وانتصر على الجاحدين والكافرين من الأنس والجن أجمعين، إلى قيام يوم الدين.
    قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ( )، ولم يقل إلا ليأكلون أو إلا ليعملون، فإذا كان لابد من العمل والأكل والشرب، فليكن للعبادة نصيب أعظم وأوفر وأكبر. فأجملوا في الطلب يرحمكم الله، ولا تكن الدنيا منتهى همكم، ومبلغ علمكم. واعبدوا الله حق عبادته لتكون الآخرة لكم، فإن إليها المآل وفيها محط الرحال، والمقر بعد الآجال، فلا تغرنكم الحياة ولا يغرنكم بالله الغرور، فإنه سبحانه وتعالى يخاطبكم فيقول: (يا بن آدم أما تنصفني، أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إليَّ بالمعاصي. خيري إليك منزل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح. يا بن آدم لو سمعت وصفك من غيرك، وأنت لا تعلم من الموصوف لسارعت إلى مقته) ( ).
    وقال الصادق : (لما فتح رسول الله مكة قام على الصفا، فقال: يا بني هاشم يا بني عبد المطلب، إني رسول الله إليكم واني شفيق عليكم، لا تقولوا إن محمداً منا فو الله ما أوليائي منكم ولا من غيركم إلا المتقون، ألا فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة، ألا وأني قد أعذرت فيما بيني وبينكم، وفيما بين الله عز وجل وبينكم، وان لي عملي ولكم عملكم) ( ).
    أيها المؤمنون اصبروا وصابروا ورابطوا وارجوا الله سبحانه وتعالى، وليكن رضاكم في الله وغضبكم في الله، وحبكم في الله وبغضكم في الله، كونوا أشداءً على الكفار رحماءً بينكم، ولا تأخذكم في الله لومة لائم. وتحصنوا بكلمة الله فيكن أحدكم بألف، تزول الجبال ولا يزول عن أمر الله سبحانه وتعالى، والجهاد في سبيله، فإنّ وليكم الله، وأعداءكم وليهم الشيطان (لعنه الله) وسينكص على عقبيه لما يتراءى الجمعان، وسيهزم الجمع ويولون الدبر عما قريب إن شاء الله وبقوة الله الواحد القهار. فلا يكن آخر صبركم الجزع، ونهاية رجائكم اليأس، فتخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
    رحم الله امرئً نصر آل محمد بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
    ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ( ).
    والحمد لله وحده.














    الحمد لله رب العالمين، مالك الملك، مجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح ديّان الدين رب العالمين. الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها، وترجف الأرض وعمّارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها.
    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق.

         


    سؤال/ 25: ما معنى ما ورد في الحديث عن رسول الله وعن الأئمة : (إن الدنيا سجن المؤمن) ( ) ؟

    الجواب: وكذلك ورد عنهم : (إن الصلاة معراج المؤمن) ( )، فهذا المؤمن هو ذلك المؤمن، وليس المؤمن هنا هو من اعتقد بالإسلام والولاية فقط.
    فالمؤمن الذي تصبح الدنيا بالنسبة له سجناً وضيقاً وآلاماً بلا حدود، ولا تنتهي إلا بالخروج منها عند الموت، هو المؤمن الذي يعرج في صلاته إلى السموات السبع، فهو ممن أخذوا الذكر عن الدنيا بدلاً، فاستصبحوا بنور يقظة بالأبصار والأسماع والأفئدة يذكّرون بأيام الله ( )، وهذا المؤمن الذي عرج إلى السموات السبع، وسعى وحصل تلك المقامات المحمودة، وهو تلك الروح التي تسبح بحريّة في السماء الثانية والثالثة والرابعة … كيف لا يكون تعلقه بهذا الجسم المادي وتقيده به سجناً له؟!
    ثم إنّ هذا العالم الجسماني هو صفيح ساخن فوق جهنم، وحجاب جهنم وجرف هارٍ يمكن أن
    ينهار بالإنسان في أي لحظة ليلقيه في جهنم، وظلمات بعضها فوق بعض، فجهنم وهذا العالم الجسماني كقاب قوسين أو أدنى، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ( ).
    فكيف لا يكون لاقتراب روح المؤمن منه بسبب تقييدها بالجسم سجناً له وضيقاً ما بعده ضيق بعد ما علم أنه اقتراب من جهنم ومن الظلمات التي بعضها فوق بعض، فهذا المؤمن يحس بضيق شديد واختناق لا ينتهي، إلا بانطلاق روحه ونيلها الحرية بعد النجاح بالامتحان والخروج من هذه الدنيا بقلب سليم، وبحظ في السماء السابعة الكلية أي سماء العقل والمقربين، قال تعالى في وصف حال الموت بالنسبة للإنسان: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ( ).
    أي إنّ حال هؤلاء هو الراحة حال الموت، روح وريحان وجنة نعيم، فلا عذاب ولا آلام عند الموت، بل راحة وفرح وسرور بفراق هذا الجسم الذي طالما كان سجناً مظلماً ضيقاً بالنسبة لهذه الروح الطيبة المباركة.
         
    سؤال/ 26: ما معنى الآية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ( ) ؟ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ( ). وهل هذه الآيات تنفي الشفاعة؟
    الجواب: هذه الآيات لا تنفي الشفاعة مطلقاً.
    ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً﴾: أي خافوا يوماً، وهذا اليوم هو يوم الموت، أي ساعة الموت أو لحظات الموت. ومع أنّ شفاعة من له شفاعة تنفع كل ساعة في الدنيا وبعد الموت في القبر والبرزخ والقيامة ولكن لا شفاعة عند الموت لأحد، بل ولا يقبل عند الموت عدل ولا عمل صالح.
    وهذا بسبب أنّ الموت هو نزع الروح عن الجسد، وهذا النزع أو الأخذ أو الاستيفاء لابد أن يرافقه تقطيع علائق الروح مع الدنيا، وهذه العلائق بحسب كثافتها وكثرتها يكون اشتباك الروح مع الجسد كثيفاً، فلابد أن يرافق تقطيع هذه العلائق آلام ولا تنفع شفاعة الشافعين لمنعها أو إزالتها، بل ولا ينفع عمل الإنسان في رفع أو إزالة هذه الآلام.
    ﴿لا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: وذلك لأن تعلق الإنسان بالدنيا (البيت والزوجة والأولاد والمال وغيرها من المتعلقات الدنيوية) هو عبارة عن حبال عقدها الإنسان بنفسه ولا خروج للروح من الدنيا ولا انفصال له عن الجسد دون قطع هذه الحبال والعلائق، ولا ينجو من آلام الموت إلا من رافق الدنيا بجسده وروحه معلقة بالملأ الأعلى، وهؤلاء هم المقربون، قال أمير المؤمنين  ما معناه: (إنما كنت جاراً لكم، جاوركم بدني أياماً) ( )، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.
    ولا تنفع الشفاعة ولا ينفع العمل الصالح في لحظات الموت، إلا في حالة واحدة وهي حالة خرق القانون التكويني، وذلك بأن يصبح تقطيع هذه الحبال غير مؤلم، كما أصبحت نار إبراهيم  غير محرقة، أو أنها لم تؤثر فيه لمانع ما شاء الله أن يجعله فيه . وهذا الخرق للقانون التكويني لا نرى أنه من الأمور المعتادة، بل لا يحصل إلا في حالات تتعلق بوجود الله سبحانه أو علاقته سبحانه وتعالى بأمر أو شخص ما، وتأييده بهذا الخرق للقوانين التكوينية.
    ولذا فإنّ أصحاب اليمين - وهم دون المقربين - ومع أنهم من أصحاب الجنة لا ينجون من عذاب الموت، فقد سكت عن حالهم سبحانه وتعالى في حال الموت، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ( )، أي لم يعرض لحالة الشخص عند الموت إن كان من أصحاب اليمين، مع أن الآيات من آخر (سورة الواقعة) كانت لبيان حالة الموت ( )، ولكنه عرض لحالهم بعد الموت، فقال للنبي سلام لك من أصحاب اليمين.
    ومن أعظم الأمثلة التي تتجلى فيها صورة هذه الأصناف الثلاثة أي: (المقربين، وأصحاب
    اليمين، والمكذبين الضالين) هي امتحان طالوت للجنود الذين معه، فلما مرَّ بأرض قفر وعطشوا ثم عرض لهم النهر في الطريق، قال لهم طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ( )، أي من لم يطعمه فإنه من المقربين، ومن اغترف غرفة هو من أصحاب اليمين، ومن شرب فهو من المكذبين الضالين، فلو كان مصدقاً أن طالوت ملكٌ معينٌ من الله سبحانه وتعالى لأتمر بأمره ولم يشرب من الماء.
    وهذا التكذيب هو تكذيب لله سبحانه وتعالى لا لطالوت فقط، وهذا النهر هو: الحياة الدنيا فمن لم يطعمها من المقربين الذين قطعوا علائقهم بها فلا يحتاج أخذ أرواحهم إلى قطع أي علائق أو حبال، ومن اغترف منها فهو يحتاج عند استيفاء روحه إلى قطع حباله التي عقدها بنفسه، وكلما زادت زاد ألمه. أما من شرب منها حتى أسكرته وأمسى لا يعي ما يقول، فهذا عند موته يرى أنه كان يعيش على شفا جرف هارٍ، وموته هو : انهيار هذا الجرف به في نار جهنم.
    ويبقى السبيل لأنْ يكون الإنسان من المقربين مع أن له زوجة ومال وولد ودار وما لأهل الدنيا هو أن ينهج بماله منهج الأئمة عندما أنفقوا على الفقراء والمساكين وخصوصاً اليتامى بلا حدود. وأما الأولاد فينذرهم لوجه الله سبحانه مجاهدين يجاهدون لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، لعلَّ الله يتقبلهم بقبول حسن وينبتهم نباتاً حسناً. وأما الزوجة فيجعل صداقها هو السعي بها إلى الله سبحانه وتعالى، ويتحرى أن يوصلها إلى مقامات عالية في طاعة الله سبحانه وتعالى ومعرفة الله سبحانه وتعالى ما أمكنه ذلك.
         

    سؤال/ 27: ما معنى قول الحسين  في دعاء عرفة: (إلهي أخرجني من ذل نفسي، وطهرني من شكّي وشركي) ؟

    الجواب: الشرك أنواع، منها:
    1- الشرك الظاهر: وهو أيضاً أقسام، منها: الشرك الصريح في العقيدة كعبادة الأصنام والأوثان، وعبادة العلماء غير العاملين الضالين. وهم الأصنام التي لها لسان، كما ورد في القرآن الكريم ( ) وعن الرسول وعن الأئمة في ذم اليهود الذين أطاعوا علماءهم في معصية الله فعبدوهم بذلك ( ).
    2- الشرك الخفي: ومنه الرياء بكل أقسامه. وليس منه التوجه إلى الخلق في قضاء الحوائج دون التوجه إلى الله سبحانه قاضي الحاجات (الذي يعطي من سأله ومن لم يسأله تحنناً منه ورحمة) بل إن هذا - أي التوجه إلى الخلق دون الله سبحانه - هو كفر بالله، ومع الأسف هذا هو الحال السائد بين الناس. ومنه التوجه إلى الناس في قضاء الحاجات مع التوجه إلى الله، وهذا هو الشرك الخفي، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ( ). والحق أن يتوجه العبد في كل حوائجه إلى الله سبحانه، ويعتبر العباد مجرد وسيلة وآلة بيد الله يسيرها سبحانه كيف يشاء، وحيث يشاء لقضاء حاجته، فإذا توجه إلى الله لا يضره التعامل مع الخلق.
    3- الشرك النفسي: وهو أخفى أنواع الشرك وهو (الأنا) التي لابد للمخلوق منها، وهي تشوبه بالظلمة والعدم، التي بدونها لا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فكل عبد من عباد الله هو مشرك بهذا المعنى. والإمام الحسين  أراد هذا المعنى من الشرك وما يصحبه من الشك، وكان الإمام الحسين  يطلب الفتح المبين، وإزالة شائبة العدم والظلمة عن صفحة وجوده، التي بدونها لا يبقى إلا الله الواحد القهار سبحانه. وبالتالي فإنّ الحسين  كأنه يقول: (إلهي لا أحد يستحق الوجود إلا أنت، ووجودي ذنب عظيم لا سبيل لغفرانه إلا بفنائي وببقائك أنت سبحانك).
    وهذا الشك والشرك بالقوة لا بالفعل، أي إنّ منشأه موجود لا أنه موجود بالفعل، أي إنّ قابلية الفعل موجودة لكنها غير متحققة بالفعل أي لا توجد في الخارج، فالفطرة الإنسانية فيها النكتة السوداء التي هي شائبة العدم والظلمة، وهذه النكتة السوداء هي موطئ خرطوم الشيطان الذي يوسوس من خلاله لابن آدم ( ).




         

    سؤال/ 28: في كتاب الآداب المعنوية للصلاة للسيد الخميني "قدس سره": ص320، قال: (أما عظمة متكلمه ومُنشأه وصاحبه فهو العظيم المطلق الذي جميع أنواع العظمة المتصورة في الملك والملكوت، وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب والشهادة رشحة من تجليات عظمة فعل تلك الذات المقدسة، ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد، وإنما يتجلى بها من وراء آلاف الحجب والسرادقات كما في الحديث: (أن له تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجه دونه) ( )..).
    س أ - هل هذه الحجب الظلمانية والنورانية مختلطة؟
    س ب - ما معنى حجب الظلمة وحجب النور؟
    س ج - كيف ترفع بعض حجب الظلمة وحجب النور؟
    س د - هل أن هذه الحجب لا ترفع أبداً كما قال السيد (قدس سره): (ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد)؟ ولو رفعت ماذا يحصل، وما معنى الحرق؟

    الجواب: الحجب الظلمانية: هي جنود الجهل التي ذكرها الإمام الصادق  ( )، والأخلاق الذميمة و (الأنا) المغروسة في فطرة الإنسان، فكلما زادت (الأنا) عند الإنسـان زادت هذه الحجب، وكلما قلَّت (الأنا) عند الإنسان قلت هذه الحجب، فهذه الحجب منشؤها الظلمة والعدم والمادة، وهي ليست إلا سلب لكل خير.
    أما الحجب النورانية: فهي كلمات الله سبحانه وتعالى، والفيض النازل منه سبحانه إلى خلقه ولها حال في كل مقام ولكل إنسان سالك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، فهي بالنسبة لخير الخلق محمد (القرآن أو الحجاب الذي يخفق) كما ورد في الرواية عن الصادق  قال: (فأوقفه جبرائيل موقفاً، فقال له: مكانك يا محمد - أي هذا هو مقامك، فجبرائيل لا يستطيع الوصـول إلى مقام النبي فأشار له بالعروج إلى مقامه - فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي ، إنّ ربك يصلي، فقال: يا جبرائيل وكيف يصلي؟ قال: يقول سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي. فقال : اللهم عفوك عفوك. قال : وكان كما قال الله قاب قوسين أو أدنى. قيل: وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال: ما بين أستها إلى رأسها. قال : وكان بينهما حجاب يتلألأ ويخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى …) ( ).
    وهذا الحجاب الزبرجد الأخضر الذي يخفق هو إشارة إلى حجب الظلمة وحجب النور، وارتفاع حجب الظلمة بالفتح في مثل سم الإبرة، وارتفاع حجب النور بالخفق الحاصل للحجاب، فحجب الظلمة تخرق بالتخلي عن جنود الجهل والأنا، وحجب النور يحتويها الإنسان ويفنى فيها عندما يتحلى بجنود العقل والأخلاق الكريمة، وهكذا الإنسان في مسيرته التكاملية يسعى إلى أن يصل إلى رفع الأنا عن صفحة وجوده، والتحلي بجميع جنود العقل وهذا هو الفتح المبين ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ ( ).
    وهذا هو المقام المحمود الذي وصل إليه الرسول الكريم محمد وقد تجلى في هذا المقام الله سبحانه وتعالى لمحمد في آنات (وكان بينهما حجاب يتلألأ ويخفق) أي: إنّ الحجاب يرتفع في آنٍ ويعود في آنٍ آخر، وحال ارتفاعه لا يبقى محمد بل يفنى ويحترق، ولا يبقى وجه الله محمد بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار.
    والحديث أعلاه المروي عنهم لا ينفي الكشف لحجب الظلمة والنور مطلقاً، بل ينفي الكشف التام الدائم، أما الكشف التام في آنات فهو حاصل لمحمد ، وهو يخفق مع خفق الحجاب والكون كله يخفق مع محمد ، ولو قرأت القرآن لخفقت مع خفقه ذهاباً ومجيئاً دون قصد منك لهذا الفعل، بل كأنك مضطر إليه.
    ج س أ - ب: النور أو الحجب النورانية هي من الله سبحانه وتعالى، وحجب الظلمة من المادة أو العدم، والمخلوقات وجدت بإشراق النور في الظلمة أو قل تجلي النور في الظلمة. والاختلاط الحاصل بين النور والظلمة ليس بمعنى اختلاط مجانسة، بل هو اختلاط تجلي وظهور كما قال أمير المؤمنين  ما معناه: (داخل في الأشياء بلا مجانسة وخارج منها بلا مزايلة) ( ).
    ج س - ج: ترفع حجب الظلمة والنور بالسعي إلى الله سبحانه وتعالى وتحصيل رضاه، وترفع حجب الظلمة خاصة بالتخلي عن جنود الجهل والأخلاق الذميمة، وبالابتعاد عن الأنا وتركها. وترفع حجب النور بالعلم والمعرفة، والتحلّي بجنود العقل والأخلاق الكريمة، وتسلق سلّم الصعود إلى المقامات القدسية في الملأ الأعلى.
    ج س - د: اتضح مما سبق أنها رفعت بشكل تام لمحمد ، ولكن ليس على الدوام بل في آنات، كما اتضح أن العلّة في عدم رفعها بشكل دائم هي أنها لو رفعت بشكل دائم لا يبقى للعبد هوية، بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار بعد احتراق العبد وفنائه في الذات الإلهية، ولم ترفع هذه الحجب بشكل تام لغير محمد وهو صاحب المقام المحمود، وقال سيد العارفين علي : (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) ( ). فالغطاء والحجاب الذي رفع لمحمد حجاب اللاهوت، وإلا فعلي  كشف له الغطاء بالمراتب الأدنى من هذه المرتبة التي ذكرها ، وقد كان  يسير في جبانة الكوفة ويكلم الموتى كما روى حبة العرني ( ).

         
    سؤال/ 29: لماذا إذا خليت الأرض من المعصوم أو حجة الله على أهل الأرض ساخت بأهلها كما روي عنهم ؟
    الجواب: الروايات في هذا المعنى كثيرة، ومنها: عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله : أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال : (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) ( ).
    وعن أبي جعفر ، قال: (لو إنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) ( ).
    وهذا لأن الحجة  موضع الفيض الواصل إلى الأرض، فبسبب وجوده في جميع السماوات والمقامات العلوية القدسية يكون في هذه الأرض مثله كمثل سرة الطفل، وهي موضع وصول الغذاء للطفل من الأم، فمثله  كالحبل السري الواصل من السماء إلى الأرض ينقل الفيض الإلهي إلى الأرض، (بهم ترزقون، وبهم تمطرون).
    فهو حبل الله المتين وعمود النور النازل من السماء إلى الأرض، ولولاه لساخت الأرض بأهلها أي لا يصل النور الإلهي إلى الأرض فتنحلّ وتعود عدماً هي وأهلها، ولذا فلا يمكن أن يوصف عظيم فضل الحجة  على جميع الخلق.


         


    سؤال/ 30: لماذا يوجه الميت إلى القبلة وهو نائم على يمينه، بينما يوجه المحتضر إلى القبلة وهو نائم على ظهره وباطن قدميه إلى القبلة؟

    الجواب: المحتضر هو إنسان حي ، أي إنّ روحه لا تزال متصلة بجسمه، وموضع اتصال الروح في الجسم هو الصدر، فيوجه المحتضر إلى القبلة وهو نائم على ظهره؛ لتكون روحه متوجهة إلى الأعلى ووجهها ووجه جسمه مستقبل القبلة، وبهذا يستقبل الله سبحانه والملائكة.
    أما جسم الميت فهو جسم انفصلت عنه الروح، فيوجه إلى القبلة بوجهه الجسماني، وأفضل هيئة لتوجيهه وجه إلى القبلة هي نومه على يمينه واستقباله للقبلة.


         

    سؤال/ 31: ما علة الكفن للميت، وما فائدته؟
    الجواب: إن جسم الميت محترم باعتبار اتصال روحه به قبل موته، فيجب أن تستر عورته وجسمه أمام الناس وحال الدفن، كما كان هو يهتم بستر عورته وجسمه في هذه الحياة الدنيا في السابق. كما أنّ الكفن لباس الميت عند بعثه إذا شاء الله سبحانه وتعالى، كما أن إلباسه هذا اللباس - الذي يفضل أن يكون من أجود أنواع الأقمشة - رجاء أن تكون روحه قد لبست أجود أنواع لباس التقوى حال موته، ورجاء أن يمن الله عليه ويلبسه لباس التقوى بعد أن ألبسـه المؤمنون الكفن. وقد ورد هذا المعنى عنهم في قصة الشاب ( ) مع داود وملك الموت حيث إن الله رحم الشاب ومد في عمره لرحمة داود  لذلك الشاب.

         
    سؤال/ 32: لماذا الله أفرد الذِكر؟

    الجواب: إن الله وتر يحب الوتر، والوتر أو الفرد دال عليه سبحانه وتعالى. والشفع يدل على الإثنينية والزوجية، ولذا فالذِكر في الصلاة يوتر واحداً أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.

         


    سؤال/ 33: لماذا التكبير بداية الصلاة؟

    الجواب: أنت تريد في الصلاة العروج إلى الله ومواجهته سبحانه وتعالى، فالصلاة معراج المؤمن ولا يتم العروج إلا بارتقاء السماوات السبع، ومفتاح كل سماء والعروج إليها ومنها إلى التي تليها هو: (الله أكبر)، أي أنا العبد الناقص الفقير، أقصد الرب الكامل الغني، وأريد أن ارتقي وأصل إليه سبحانه؛ لأواجهه وأسبّحه بمدحتي وثنائي عليه سبحانه بفضله ومنّه عليَّ.
         

    سؤال/ 34: ما معنى تكبيرة الإحرام في الصلاة، وما هي ميزة تكبيرة علي بن أبي طالب؟

    الجواب: التكبيرات للإحرام في الصلاة هي سبعة في الحقيقة، وليست واحدة وإن كان الإحرام بواحدة جائز، إذا أراد بها السبع تكبيرات المقارنة للسبع سماوات.
    وكل تكبيرة تتعلق بسماء، فقول (الله أكبر) الأولى، أي إنّ الله أكبر من السماء الدنيا والأولى بكل ما فيها من خير وشر وتفاصيل مهما عظمت.
    فأنت إذا عرفت أنّ الأرض بكل سعتها هي كحبة رمل في صحراء بالنسبة للمجرة، وأنّ المجرة هي كحبة رمل بالنسبة للكون الجسماني، وأنّ السماء الدنيا هي حبة رمل في صحراء بالنسبة للسماء الثانية، وهكذا حتى يصغر في عينك كل ما سوى الله، ويكبر في نفسك الله سبحانه وتعالى شأنه، فتعلم أنه لا يوصف.
    وتكبيرة علي  بحسب معرفته لله سبحانه وتعالى، وهو أعظم خلق الله معرفة بالله بعد محمد . وكلما زادت المعرفة بالله زاد شأن الذكر لله، فعلي  يعرف من يكبر، ولو حمّل الخلق ما يعرف لما احتملوه.
    وقد قال  ما معناه: (انطويت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة) ( ).
    والاضطراب: أي الحركة الاهتزازية، والأرشية: هو الحبل الذي يعلق به الدلو الذي يخرج الماء، والطوى البعيدة: أي البئر العميق. فإذا أُلقي الدلو في البئر العميق اضطرب الحبل المعلق به كأنه أفعى تسير.

         
    سؤال/ 35: ما معنى سبحان ربي العظيم وبحمده؟
    الجواب: التسبيح يعني التنزيه من النقص، والحمد هو: الثناء والمدح بالكمال. والحقيقة أنّ التسبيح لا يكون من العبد إلا بالثناء على الرب، فهذا الذكر هو تسبيح بالثناء على الله سبحانه وتعالى، وهذا الذكر هو بيان أن التسبيح لا يكون إلا بالثناء، ولذلك فإن كل الأدعية هي مدح وثناء وحمد، وسيد المسبحين هو الحامد محمد .
         
    سؤال/ 36: ما الفرق بين ذكر الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده، وذكر السجود: سبحان ربي الأعلى وبحمده؟

    الجواب: الركوع هو حالة خضوع وتذلل من العبد لله سبحانه وتعالى بمرتبة الذات، والذكر الملائم لهذا الخضوع لهذه المرتبة هو: حمد المربي العظيم أو العلي.
    أما السجود فهو: حالة خضوع وتذلل من العبد له سبحانه وتعالى بمرتبة (الكنه أو الحقيقة) والذكر الملائم لهذا الخضوع لهذه المرتبة هو: حمد المربي الأعلى أو الأعظم. فمرتبة معرفة العبد ربه في السجود أعظم من مرتبة معرفة العبد ربه في حال الركوع.


         


    سؤال/ 37: ما معنى سبح اسم ربك الأعلى؟

    الجواب: التسبيح إنما يتحقق من العبد بالثناء على الرب سبحانه وتعالى، والثناء يكون بما علَّمنا هو سبحانه عن طريق أوليائه من الأنبياء والمرسلين والأئمة ، وأقل الثناء والحمد هو الشكر.
    فالتسبيح يبدأ بالشكر، وينتهي بالحمد. وشكر الله سبحانه وتعالى يبدأ بشكر خلقه وأداء حقهم، فالخلق عيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله أرأفهم بعياله، كما ورد في الحديث عنهم ( ). فالعبد يسبح ربه سبحانه وتعالى عندما يكون رحمة بالمؤمنين ورأفة باليتامى والمساكين، وغلظة وشدة على الكافرين المعاندين، وحق يسير على الأرض.
    واسم ربك الأعلى هو: علي ؛ لأنه هو الاسم الأعلى والأعظم، وعلي مع الحق والحق مع علي، فيكون معنى سبح اسم ربك الأعلى: كن حقاً يسير على الأرض أي سبحه بالعمل لا بالقول فقط كما يُتوهم.
         

    سؤال/ 38: روي عن الباقر  ما معناه: (لو شئت لنشرت التوحيد من الصمد) ( )، فما معنى هذا الحديث، وكيف ينشر التوحيد من الصمد؟
    الجواب: الصمد هو المقصود بالحوائج، وهو الممتلئ بالكمال فلا ثغرة فيه، وإذا مرض الإنسان العاقل فمن يقصد غير الله المشافي، وإذا جاع أو عطش أو افتقر فمن يقصد غير الغني، وإذا جهل فمن يقصد غير العليم، وإذا غضب فمن يقصد غير الحليم، وإذا وإذا ... وإذا أراد سدّ نقصه من كل جهة فمن يقصد غير مصدر الكمال الذي لا ينقصه كثرة العطاء إلا كرماً وجوداً، فمن الصمد سبحانه يعرف العبد القاصد السير إلى الله سبحانه وتعالى.
    إنّ الله هو الحليم والكريم والرؤوف والغفار والقادر والقهار والجبار والغني والعليم والحكيم وكل أسماء الله سبحانه وتعالى التي شاء أن يطلع عليها خلقه، فهو سبحانه وتعالى الصمد أي المقصود بكل هذه الأسماء والصفات.
         
    2
    سؤال/ 39: لماذا رُجم جيش أبرهة الحبشي لما أراد هدم الكعبة بالحجارة السجيل ولم يُرجم جيش الأمويين لما أرادوا هدم الكعبة حتى سقط المنجنيق في الكعبة وهدم البيت الحرام؟!

    الجواب: إن لبيت الله الحرام (الكعبة) حرمة وملائكة تحمي البيت من الاعتداء، وهذه الحماية المعجزة لا تحصل دائماً إنما تحصل إذا كان الناس يستفيدون من هذه المعجزة ويتعظون بها ويهتدون إلى الصراط المستقيم بسببها. أما إذا كان الناس قساة القلوب لا يتعظون بالزواجر والمثلات والعقوبات الإلهية أو الآيات الإلهية البينة، فلا معنى لمنعهم عن العصيان والطغيان والتجبر ودفعهم عن صراط الجحيم بالقوة، مما ينافي حالة الامتحان والاختبار للإنسان في هذه الأرض.
    وفي زمن عبد المطلب  - جدّ النبي محمد - كان الناس يستفيدون من هذه الآية، ويتعظون بها. كما أنها كانت تشير إلى حرمة عبد المطلب وأهل بيته، واتصالهم بالسماء، وهو وصي من أوصياء إبراهيم . أما في زمن يزيد (عليه لعنة الله) فقد كان الناس قساة القلوب لا يتعظون، بل إنهم انتهكوا حرمة أعظم من حرمة الكعبة وهي حرمة الحسين، لما قتلوه ومثلوا بجسده الطاهر المقدس، وقد وضّح الحسين في خطابه لهم أنهم بعد قتله لا يدعون حرمة لا ينتهكونها أو يهابون انتهاكها. ومع ذلك فلما تقدم جيش يزيد (لعنه الله) إلى الكعبة قادماً من المدينة مات الملعون (مسلم بن عقبة) قائد الجيش الأموي فلم يرتدع الناس، بل تقدموا بقيادة الحصين بن نمير السكوني حتى وصل الأمر إلى رجم الكعبة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير في الحرم.
    أما في نهاية المطاف أي في زمن الإمام المهدي ، لما يعود الناس إلى شيء من الفطرة ويتعظون بالمثلات والآيات، فإنّ هذه الآية تعود للظهور من جديد وهذه المرة عندما يخسف بجيش السفياني بين المدينة ومكة بعد خروج الإمام المهدي  من المدينة والتجائه إلى مكة حرم الله سبحانه وتعالى كما ورد عنهم ( ).
    فأهم علة لحصول هذه الآية أو تأخرها هو استفادة الناس منها، واهتداؤهم بسببها، واتعاظهم بها، أو غفلتهم عنها، وركونهم إلى المادة، وإرجاع كل الأسباب والمسببات إليها.


         
    سؤال/ 40: ما علّة الحج، وما الغرض من الحج؟

    الجواب: الحج في الإسلام باختصار هو الحضور في وقت معين من السنة في مكان معين، وهو بيت الله المحرم أو الكعبة، فلابد لنا من معرفة صفة الوقت والمكان أولاً.
    فالمكان: وهو الكعبة، إنما هو تجلي وظهور للبيت المعمور، وهو تجلي وظهور للضراح، والضراح في السماء السادسة وهي أعلى سماء ملكوتية مثالية، وبعدها السماء السابعة وهي سماء كلية لا مثالية. وإنما خلق الضراح بعد أن ردّ الملائكـة على الله سبحانه وتعالى لما أخبرهم بخلق آدم ، فطاف عليه الملائكة ليغفر الله لهم ويتوب عليهم بعد إساءتهم واعتراضهم عليه سبحانه وتعالى ( ).
    وتجلّى الضراح في السماوات الخمس الأدنى من السماء السادسة فكان في كل سماء بيت مناسب لشأنها، يطوف عليه ملائكة تلك السماء؛ ليغفر لهم الله سبحانه وتعالى ويتوب عليهم، فكان في السماء الرابعة البيت المعمور ( )، وتجلى وظهر هذا البيت في الأرض فكان بيت الله الحرام أو الكعبة. فلما نزل آدم  إلى الأرض طاف به فغفر له الله وأعلى مقامه وشأنه بفضله ومنه سبحانه وتعالى.
    أما الوقت: فهو ذو الحجة، وأهم ما يتصف به هذا الشهر هو أنه الشهر الذي يخرج به الإمام المهدي  في مكة ويرسل النفس الزكية لأهل مكة فيقتلونه بين الركن والمقام فيقوم بعد ذلك في العاشر من المحرم. إذن، فبيت الله وضع في السماوات لتطوف به الملائكة وتستغفر بعد اعتراضهم على حجة الله آدم ، ووضع في الأرض ليطوف به آدم بعد تعدّيه على شجرة علم آل محمد أو شجرة الولاية.
    ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾( ): أي على تحمل الولاية لآل محمد ( )، وهم حجة الله على آدم ، فالطواف بالبيت إنما للاعتراف لحجة الله على الخلق بالولاية، والانصياع لأوامره وطاعته.
    فعلة الحج هي الاستغفار عن التقصير في حق الحجة على الخلق  في كل زمان، وهو في زماننا الإمام المهدي . وقد ورد عنهم ما معناه: (إنما جعل الله الحج على الناس ليعرضوا علينا ولايتهم) ( ).
    أما الغرض من الحج فهو التجمع في هذا المكان وفي هذا الزمان من كل عام ترقباً لقيام المصلح المنتظر المهدي  للجهاد بين يديه، فهو صاحب الآذان في زماننا، إن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن: يأتوك أنت يا حجتي على خلقي لا يأتوني أنا، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ ( ).
    ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ( ):
    وقضاء التفث: أي التنظيف والتطهر، وهو يكون بحسب الظاهر قصّ الأظافر وحلاقة الشعر، أما بحسب اللبّ والحقيقة فالمراد منه لقاء الإمام الحجة ، وحلاقة الشعر إنما تمثل التجرد من كل فكرة والتسليم للحجة  والانصياع لأوامره.
    وإنما سمي البيت العتيق؛ لأنّ من يطوف به يعتق من ذنب تقصيره مع الإمام المهدي  الحجة على الخلق ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ( )، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ( )، فحرمات الله وشعائر الله هم حجج الله سبحانه وتعالى على الخلق.
         

    سؤال/ 41: في إجابة سؤال سابق ( ) قلت: إن موسى  لم يعتذر عن قتل القبطي بأنه من عمل الشيطان بل إنه تعمد قتل القبطي وإن هذا العمل صحيحاً، فإذا كان قتل موسى  للقبطي صحيحاً، فما معنى قوله في سورة الشعراء: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ( ) ؟
    الجواب: موسى  لم يقصد بالضلال هنا هو الانحراف عن الصراط المستقيم بسبب عملية قتل القبطي، بل إنّ الضلال الذي أراده موسى  هو ضلال ذو بعدين:
    الأول: هو أن موسى  يرى نفسه ضالاً بسبب وجوده في قصر فرعون الطاغية الظالم،
    ولهذا قال في سورة القصص( ) ما معناه: ربِّ بما أنعمت علي فلن أكن ظهيراً لظالم ولو بتكثير سواده ببقائي في قصره، ومؤازرته بالسكوت على ظلمه. مع أنّ وجود موسى  ابتداءً في قصر فرعون (لعنه الله) لم يكن بيد موسى ، ولكن استمرار موسى  بالبقاء في قصر فرعون أمر بيد موسى ، وكان يجب أن يتخذ في النهاية هذا القرار بمغادرة قصر الطاغية، والبراءة منه (لعنه الله).
    والبعد الثاني: هو أن موسى  أراد أن يقول لفرعون إني قتلت القبطي الظالم، وهو من شرطة فرعون (لعنه الله) وأنا على حق، وقتله كان حقاً، ولكنك كنت ترى أني من الضالين، أي إنّ موسى  أراد أن يقول إني من الضالين عندك يا فرعون لا أني من الضالين بالحقيقة، بل أنا من المهتدين. ولهذا فررت منك ومن ظلمك فكافئني الله سبحانه، ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ( ).

         

    سؤال/ 42: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ( ). ما معنى إلقاء الشيطان في أمنيّة النبي؟
    الجواب: ما من رسول ولا نبي - وعن أهل البيت و(لا محدث)( )، وهم محدثون( ) - وتمنّى - أي رجا حصول أمر من أمور الخير التي علم من الله حصولها ولو إجمالاً في بعض الأحيان، أي إنّ أمنيته متأتية من أمر الله سبحانه، لا أنها من هوى النفس ورغباتها كما يتوهم بعض الناس - ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي بعد أن يبدأ الرسول (سواء كان رسولاً أم نبياً أم محدثاً) بإظهار رجائه للناس الذين تابعوه في دعوته، يقوم الشيطان بإلقاء الباطل في صدور بعض هؤلاء الناس حول أمنية الرسول التي أظهرها لهم أو أظهر بعضها.
    ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ بإرسال ملائكة يلقون في صدور بعض هؤلاء الناس الحق الذي يبين باطل ما ألقى الشيطان في صدور بعضهم.
    ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يحكم الله آياته بإلقاء الطمأنينة والسكينة والوقار واليقين في قلوب الذين آمنوا، بعد أن ألقى في قلوبهم العلم منه سبحانه بأنّ الحق ليس ما ألقاه الشيطان في قلوب بعضهم، بل هو ما يدعو إليه الرسول. وإلقاء الشيطان يكون بالوسوسة في القلب، أو بالإراءة الخبيثة في اليقظة أو في النوم، وهو يلقي لأوليائه الذين هيمنت عليهم أنفسهم وحب (الأنا) والظهور والقيادة والرئاسة الباطلة واتباع الهوى. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ( ).
    أما نسخ الله لما يلقي الشيطان فيكون بإرسال ملائكة يوحون لأولياء الله الحق، ويكلمون المؤمنين في قلوبهم، ويعرفونهم الحق، ويرونهم في المنام واليقظة ما يعلمون به الصراط المستقيم، وإنّ اتباع الرسول هو الحق المبين من الله سبحانه وتعالى، وإنّ الذين اتبعوا إلقاء الشيطان وهو فتنة لهم لم يكونوا مؤمنين في السابق، بل كانوا منافقين في قلوبهم مرض وقلوبهم قاسية، وهم في ريبهم وشكهم يترددون.
    ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ( ).
    ويظل المنافقون والكافرون بالرسالة في شك إلى آخر لحظة ﴿حتى تأتيهم الساعة بغتة﴾: أي حتى قيام القائم ، ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾: أي لا مثيل له لم تلد مثله سنة من السنين السابقة وهو يوم قيام القائم . وفي هذا اليوم الملك لله؛ لأن الملك الحاكم في هذا اليوم هو الإمام المهدي .
         


    سؤال/ 43: ما معنى استعاذة مريم حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾( ) ؟

    الجواب: أي إني عذت بالرحمن منك إن لم تكن أو ما كنت تقياً، و (إن) هنا نافية. فالاستعاذة بالله سبحانه إنما تكون بملائكته الذين يطردون الشياطين عن بني آدم، فلا معنى في هذا المقام من الاستعاذة بالله، أي بملائكة الله من ملائكة الله سبحانه وتعالى. إنما الاستعاذة بالله وملائكته من الشياطين (لعنهم الله)، ولا معنى للاستعاذة بالله من العبد المتقي الصالح؛ لأنه مأمون الشر بتقواه وخوفه من الله.
    وإنما كانت استعاذة مريم بهذه الصيغة؛ لأنها كانت تظن أنّ من جاءها - وهي في حال العبادة - إنما هو عبد صالح، فكأنها كانت تستفهم عن هويته في نفس الوقت الذي تستعيذ بالله منه لو لم يكن صالحاً فأجابها: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ ( ).

         

    سؤال/ 44: روي عن الأئمة أنه إذا وجد نصف الميت الذي فيه الصدر يصلى عليه، وإذا وجد الرأس فقط لا يصلى عليه. فما سبب ذلك؟
    الجواب: إن موضع اتصال الروح بالجسم هو الصدر، فالصلاة عليه لا على الرأس. فإنما الصلاة على الميت لتسكن روحه، وتطمئن إذا كان من المؤمنين، قال تعالى في وصف حال الكافرين: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ ( ).
    وقال تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ ( ).
    وقال تعالى مخاطباً رسوله الكريم محمد : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ( )، ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ( ).
    ﴿رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ( ).

         

    سؤال/ 45: ما معنى قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب﴾ ؟
    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
    ﴿آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( ).
    اسم الله: هو مدينة الكمالات التي أشرقت وتجلت من حقيقته وهويته سبحانه التي لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى. كما أن الرحمن الرحيم وهما متحدان في المعنى يمثلان باب هذه المدينة، وظل هذه المدينـة في عالم الممكنات هو الذي أشرقت في ذاته وتجلت فيه وهو محمد ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ( )؛ لأنه تخلق بأخلاق الله، وإلا فلا يستحق خُلق أن يوصف بأنه عظيم إلا إذا كان تجلّياً وظهّوراً لأخلاق الله سبحانه وتعالى، ومن هنا كان محمد مدينة العلم.
    أما باب هذه المدينة فهو علي  ومن اختلط لحمها بلحمه ودمها بدمه فاطمة ، وبهذا فعلي  تجلي للرحمن، وفاطمة تجلي للرحيم، وهما متحدان كاتحاد الرحمن الرحيم ومفترقان كافتراق الرحمن الرحيم.
    ﴿أ ل م﴾: قال أمير المؤمنين : (أنا: ح الحواميم، أنا: قسم أ ل م … أنا: ترجمة ص … أنا: ن والقلم) ( ). وهذه الحروف هي أسماء أهل البيت ، وهنا (م) محمد، و (ل) علي، و (أ) فاطمة وإذا حسبت عدد هذه الحروف وجدتها أربعة عشر على عددهم . وتكرر الميم (17) مرة، واللام (13) مرة، والألف (13) مرة.
    ومن هذه الحروف تألف القرآن، وهم القرآن ( ). ومن هذه الحروف يؤلف الاسم الأعظم كما روي عنهم ( )، وهم الاسم الأعظم كما روي عنهم أيضاً ( )، أي تجلي الاسم الأعظم، وما يمكن أن يعرف من الاسم الأعظم، أو قل الاسم الأعظم في عالم الخلق (الممكنات).
    وكما أنّ الكتابة تتألف من اختلاط هذه الحروف الأربعة عشر النورانية مع الأربعة عشر الأخرى الظلمانية، كذلك وجود المخلوق (الممكن) يتألف من اختلاط نورهم بالظلمات، أو قل: تجلي أنوارهم في الظلمات.
    كما أنهم يمثلون تجلي نور الله سبحانه وتعالى في الظلمة، وأعني بالظلمة العدم القابل للوجود، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور ٍ﴾ ( ). فهم مَثَل نور الله ( ).
    ﴿ذَلِكَ الْكِتَاب﴾: ذلك : اسم إشارة للبعيد، وهو هنا إشارة إلى الحروف: (ا ل م) القريبة، فالبعد المراد هنا ليس مكاني بل شأني، فهذه الأسماء المباركة والتي هي كتاب الله أيضاً عالية الشأن رفيعة الدرجة والمقام لا تنال، قال ما معناه: (يا علي، ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا) ( ).
    والكتاب: أي كتاب الله الحاوي للعلم وهو محمد أو الميم، وهو علي أو اللام، وهو فاطمة أو الألف.
    ومحمد هو الكتاب الأتم والكلمة التامة، والأولى بأن يطلق كتاب الله عليه، فالموجودات جميعها منطوية في صفحة وجوده المباركة ومكتوبة فيه، كالكلمات المكتوبة في السجل.
    وهو صلوات الله عليه في عالم الخلق الألف والياء، والبداية والنهاية، والظاهر والباطن. وكذلك علي وفاطمة، ولكنه صلوات الله عليه كتاب بلا حجاب، وهما صلوات الله عليهما محجوبان به عن الذات. فهو المدينة وهما الباب المواجه للخلق ، ومنهما يؤخذ ، ومنهما يفاض على الخلق.
    أما الباب الآخر للمدينة والكتاب المواجه للذات الإلهية فهو الرحمن، وبهذا الباب العظيم الرحمة افتتح عالم الخلق أو كما يسميه بعضهم عالم الإمكان، وببركته خلق الإنس والملائكة والجان، وبه يعلمون وبه يرزقون وبه يدبر الأمر، ولو دبر بغيره لاشتدت العقوبات والمثلات ، ولما بقي على ظهر الأرض أحد من هذا الخلق الذاكر لنفسه أشد الذكر الغافل عن ربه، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ *
    عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ( ).
    وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾( )، فربّ محمد وواهبه الكمال هو الرحمن، أي إنّ الرحمن هو باب الذات الذي يفاض منه الكمال على محمد .
    وقال تعالى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ( )، فخص هذين الاسمين بالذكر؛ لأن الفيض منهما، فالأول - أي الله - جامع لكمالات الذات، والثاني باب الذات.
    ولما كان ظهور الذات في عالم الخلق هو علي  فلا تعجب من قوله  : (أنا مقدر الأفلاك ، ومكوكب النجوم في السماوات، ومن بينهما بإذن الله تعالى وعليتها بقدرته وسميتها الراقصات ولقبتها الساعات، وكورت الشمس وأطلقتها ونورتها، وجعلت البحار تجري بقدرة الله وأنا لها أهل. فقال ابن قدامة: يا أمير المؤمنين لولا أنك أتممت الكلام لقلنا لا اله إلا أنت، فقال أمير المؤمنين : يا بن قدامة لا تتعجب تهلك بما تسمع، نحن مربوبون لا أرباب نكحنا النساء وحملتنا الأرحام وحملتنا الأصلاب، وعلمنا ما كان وما يكون وما في السماوات والأرضين بعلم ربنا، نحن المدبرون فنحن بذلك مخصوصون، ونحن عالمون) ( ).
    فبعلي يدبر عالم الخلق (عالم الإمكان)، فهو تجلي اسم الرحمن، وهو الباب الذي يخرج منه ما في المدينة - محمد - إلى سوها.
    وبقي أنّ الكتاب يمكن أن يطلق على القرآن الكريم، فمحمد وعلي  هما القرآن الناطق ( )، والقرآن الكريم ليس سوى صورة أخرى لمحمد .
    ﴿لا رَيْبَ فِيه﴾: الريب: يعني قلق النفس وخوفها وعدم اطمئنانها، وهو من لوازم الشك ولذلك يستعار للشك أحياناً وخصوصاً الشك العقائدي، فهو مما يستلزم قلق النفس وعدم اطمئنانها وخوفها من العاقبة.
    والمعنى: إما أنه من يطلب الحق لا يشك في الكتاب، أي في محمد وعلي وفاطمة والأئمة والقرآن. وإما أنه نفس الكتاب لا شك فيه، أي نفس محمد هي نفس مطمئنة مستيقنة، وكذلك علي وفاطمة والأئمة .
    وكلا المعنيين صحيحين، وهذا المعنى الأخير يتضمن المعنى الأول. أما بيان هذه الصفة ( ) المهمة للكتاب فهو ضروري؛ ليوصف أنه هدى لغيره.
    ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾: لما كان الكتاب وهو (محمد والأئمة) مطمئن ومستيقن بالله وبالرسالة المكلف بأدائها، ولما كان مهدي إلى الحق، كان بالنسبة لغيره هادياً وهدى وعَلَماً يُستدل به على الطريق، ولكن مَنْ هذا الغير؟
    فهل لأنه نور وحق ويقين وتقوى يكون هادياً للجميع؟ وهل لأنه عَلَمٌ منصوب للجميع يكون هادياً للجميع المؤمن والفاسق والمنافق …؟ طبعاً لا؛ لأن ما يلزم الهداية إلى الحق أمران:
    الأول: هو نَصبُ عَلَمٍ هادٍ ونور يستضاء به، وهذا هو المهدي الهادي النبي أو الإمام.
    والثاني: كون فطرة الإنسان سليمة ليهتدي إلى هذا النور ويستضيء به، فالذين لوّثوا الفطرة التي فطرهم الله عليها كيف يهتدون؟ ولو التحقوا بهذا النور واقتربوا منه لم ينفعهم هذا الاقتراب لأنهم لا يبصرون، فستكون عاقبتهم الابتعاد. وبهذا فالكتاب أو الرسول أو الإمام هدىً لأصحاب اليقين، لأن التقوى من لوازم اليقين.
    والسؤال هنا: مَنْ هؤلاء المتقون في زمن رسول الله أي عند بعثه؟ مع أنّ التقوى لا تأتي إلا بعد الإيمان، بل ودرجة عالية منه هي اليقين. ولماذا لم يقل: هدىً للمؤمنين، أو للموقنين؟ ثم إنّ محمداً والقرآن هدىً لجميع الناس، والدعوة للإسلام عامة ، فما معنى التخصيص؟ ثم هل يمكن أن تكون التقوى لباس الحنفي، أو اليهودي أو المسيحي قبل أن يسلم ليوصف بها؟
    والجواب هنا: إنّ هؤلاء المتقين هم بعض الأحناف واليهود والمسيح في زمن الرسول ، فهذه الديانات الثلاث هي التي كان بعض أفرادها يتصفون بأنهم يقيمون الصلاة ويدفعون الزكاة للفقراء، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ ( ).
    ثم إنّ الآيات بيَّنت حالهم بأنهم يؤمنون بما أنزل من قبل الرسول، أي إنهم أصحاب الديانات السماوية. ثم إنّ المتقين في زمن الإمام المهدي  هم بعض المسلمين، وهكذا الأئمة إلى الإمام المهدي . ومن هنا ففي زمننا مثلاً الإيمان بل واليقين بأهل بيت النبوة لا يكفي ليُوفق الإنسان لإتباع الإمام المهدي  ويكون معه في الصف الأول أو الثاني، أعني الثلاث مائة والثلاث عشر أو العشرة آلاف، بل لابد من العمل بالشريعة الإسلامية، بل والإخلاص بالعمل لوجه الله ليكون الفرد المسلم المؤمن متقياً، ويكون الإمام المهدي هدى له ولإخوانه، فالآيات تُبيّن حال النخبة من المؤمنين بعلم الهدى والكتاب في زمانهم، وليس جميع المؤمنين بالرسول.
    ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ( ). الإيمان هو التصديق، ولكن ما المراد بـ (الغيب) هنا؟
    ربما للإجابة سنسطر قائمة طويلة، ولن نحصي الغيب قطعاً، وباختصار أقول: إنّ عالمي الملكوت والعقل هما الغيب الأصغر، وعالمي اللاهوت - أو الذات والحقيقة أو الكنه - هما الغيب الأكبر.
    والغيب الأصغر يمكن أن يكشف بعضه لخاصة من أولياء الله سبحانه وتعالى، كما كشف لإبراهيم ، (لنريه ملكوت السماوات والأرض)، بل ويكشف لمن سلك طريق الله سبحانه وتعالى وإن كانت عاقبته الانحراف كالسامري: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ ( )، وكبلعـم بن باعوراء: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ( )، وروي أنه كان يرى ما تحت العرش ( ).
    أما الغيب الأكبر، فينقسم إلى: الغيب العظيم أو العلي، والغيب الأعظم أو الأعلى، وهما اللذان في تسبيح الصلاة في الركوع والسجود.
    والغيب العظيم لم يكشف منه شيء إلا للنبي الكريم، ولهذا خوطب بأنه على خلق عظيم ( )، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى ( ). ومرَّ ( ) الحديث عن الإمام الصادق  في كشف الحجاب للرسول الأعظم خاصة، وهو الحجاب الذي لم يكشف لأمير المؤمنين ، فقال ما معناه: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) ( ).
    أما الغيب الأعلى أو الأعظم فهو المحجوب عن الكل، وحجابه الذات أو الأسماء الحسنى.
    ومن هنا فالإيمان بهذه العوالم أي: الملكوت والعقل والذات والحقيقة، هو الإيمان بالغيب، وهذا الإيمان على درجات أوضحها باختصار بهذا المثال: افرض أن حريقاً شب على بعد خمسة كيلو مترات عن مكان تواجدك فأنت تُحاط به علماً بإحدى الطرق التالية:
    1- ينقل لك ثقاة صادقون خبر الحريق.
    2- تذهب وترى الحريق بعينك.
    3- تذهب وترى وتضع يدك في النار وتحترق يدك.
    4- تقع في النار وتحترق حتى تصبح ناراً فتكون أنت من النار.

    وربما يتسرع إنسان ويقول: إنّ العلم الحاصل من شهادة خمسين شخصاً ثقاة لا يكذبون هو نفسه العلم الحاصل من رؤية النار بالعين، وهو نفسه العلم الحاصل من رؤية النار واحتراق اليد.
    وهذا اشتباه؛ لأن العلم الأول يمكن أن ينقض إذا شهد لك خمسون من الثقاة بأنه لا يوجد حريق، والثاني يمكن أن ينقض إذا شككت أنّ هذا الحريق هو سحر عظيم كسحر سحرة فرعون، الذين استرهبوا الناس وسحروا أعينهم. أما الثالث فهو ثابت لا ينقض لوجود أثر النار في يدك، والقلب يكون مطمئناً.
    قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ( )، فإبراهيم  طلب هذه الدرجة من الإيمان، ولذلك قال تعالى بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ( ).
    أما الرابع الذي عبرت عنه بأنه يحترق في النار حتى يصبح هو ناراً، فهذا لم يتحقق إلا لمحمد الإنسان. وهو فقط من كشف له الحجاب فكان قاب قوسين أو أدنى، وأصبح هو صلوات الله عليه وعلى آله حجاب الذات، ومن كشف له الغيب العظيم، أو بعبارة أخرى الذات أو قل: الكمالات الإلهية المشار إليها بكلمة الله.
    وفي الحديث عن هشام بن الحكم، عن أبي الحسن موسى ، قال: قلت له لأي علة صار التكبير في الافتتاح سبع تكبيرات أفضل؟ ولأي علة يقال في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده؟ ويقال في السجود سبحان ربي الأعلى وبحمده؟
    قال: (يا هشام، إن الله تبارك وتعالى خلق السماوات سبعاً والأرضين سبعاً والحجب سبعاً، فلما أسرى بالنبي وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، رفع له حجاب من حجبه فكبر رسول الله ، وجعل يقول الكلمات التي تقال في الافتتاح، فلما رفع له الثاني كبر ، فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب وكبر سبع تكبيرات. فلما ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه، فابترك على ركبتيه وأخذ يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فلما اعتدل من ركوعه قائماً نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خرّ على وجهه يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده. فلما قال سبع مرات سكن ذلك الرعب، فلذلك جرت به السنة) ( ).
    ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: إقامة الصلاة أي التوجه بها إلى الله، وبخشوع وحضور قلبي. والإنفاق هنا يشمل الزكاة الواجبة والصدقة المستحبة، وربما كان ذكر هاتين العبادتين وإغفال ما سواهما فيه بيان فضلهما، فالأحناف كانوا يحجون ويلبون بتلبية قريبة من تلبية المسلمين اليوم ( )، بل تكاد تكون هي نفسها، ولكن الحج كان فارغاً من محتواه وهو الولاية لولي الله وحجته على خلقه، واليهود والمسيح كانوا يصومون، والله أعلم.
    وهذا الوصف للمتقين كلٌ بحسبه، ففي زمن الرسول للمتقي الحنفي صلاته، وللمتقي اليهودي صلاته، وللمتقي المسيحي صلاته. وربما يعترض أحد ويقول: إنّ هذه الديانات في زمن الرسول محرفة عقائدياً فضلاً عن الأحكام الشرعية وتفاصيل العبادات، فهي ليست كما جاء بها من أرسل بها، أعني إبراهيم وموسى وعيسى ؟
    وأقول: إنّ هؤلاء المتقين موجودون في كل ديانة في زمن الرسول رغم التحريف، فهم قد جانبوا هذا التحريف كما ورد عن الرسول في حق جده عبد المطلب ( )، ولا أقل أنهم التزموا جانب الاحتياط، فلم يقدسوا تماثيل قريش التي ابتدعوها، ولم يحرموا البحيرة والحام والسائبة، ولم يعملوا بالنسيء، ولم يعتقدوا بأنّ عيسى إله، ولم يحرموا ما أحل الله، ولم يحلوا ما حرم الله.
    وهؤلاء هم أصحاب محمد الذين مدحوا في القرآن في آخر سورة الفتح ( )، ومنهم من آمن بمجرد رؤية الرسول ، ومنهم من آمن بمجرد سماع آيات القرآن وفاضت أعينهم من الدمع لما عرفوا أنه الحق من ربهم. هؤلاء كانوا على علاقة بربهم قبل أن يبعث محمد فلم يطلبوا منه معجزة أو آية، بل طلبوا من ربهم أن يعرفهم أمر محمد فعرفهم، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾( )، أولئك على هدى من ربهم فزادهم ربهم هدى بمحمد وبالقرآن.
    واليوم عادت مصيبة المسلمين كيوم بعث رسول الله ، فالانحراف في العقائد قد طال معظم فرق المسلمين. أما الانحراف في الأحكام ( ) فأقولها وبلا تردد: قد طال جميع فرق المسلمين وبلا استثناء، بل ويقولها معي كل باحث حر كسر قيود التقليد الأعمى، ووضع قدمه على (الأنا) و(الهوى) وأخذ العلم من أهله؛ النبي وآله ، فلم يتجاوز القرآن والحديث الذي ورد عنهم ، مستعيناً بربه وما وهبه من قوة ناطقة - وهي في الحقيقة ظل العقل ( ) ويسميها الناس العقل - لإدراك المعاني التي أرادها سبحانه وأرادوها ، وأن يحذر من المتشابه - وما أكثره - كل الحذر؛ لئّلا تتقاذفه أمواج الهوى والأنا والشيطان.
    ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ( ): وهذا الوصف، أي: (يؤمنون بما أُنزل من قبلك) يؤكد أنّ المتقين الذين نصب لهم محمد كعلم وهادٍ - وهم مؤهلون للإيمان به - ليس إلا المؤمنين بالنبوات السابقة من أحناف ويهود ونصارى، ووصفهم بأنهم يؤمنون بما أنزل للرسول؛ لأن الكلام عن حالهم وهم يشاهدون الكتاب فيكون بالنسبة لهم هدى، فهم في حال شروع بالإسلام والإيمان بالرسول، فهم على هدى من ربهم فزادهم هدى بمحمد .
    وهؤلاء مصداق أول للآية، وإلا فالآية حية بحياة القرآن الذي يشمل جميع الأزمنة إلى أن تقوم الساعة ( )، ففي هذا الزمان مثلاً الإيمان بالمهدي  وعيسى وإلياس والخضر هو الإيمان بما أُنزل للرسول وما أُنزل من قبله؛ لأن المهدي  مما أُنزل إلى الرسول، وعيسى وإلياس والخضر مما أُنزل قبله، فهم الغيب في الآية السابقة وما أُنزل في هذه الآية.
    ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: اليقين غالباً يأتي من المشاهدة، فهؤلاء قد شاهدوا شيئاً من الآخرة وهم في الدنيا، بعد أن كشف لهم الغطاء - طبعاً ليس الغطاء الذي قصده أمير المؤمنين  والذي لم يكشف إلا للرسول - إثر مجاهدة أنفسهم وطاعة خالقهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ( ).
    وقال إمام المتقين الموقنين: (وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة، يذكرون بأيام الله ويخوفون مقامه ، بمنزلة الأدلة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالاً ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات. وإن للذكر لأهلاً أخذوه من الدنيا بدلاً، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا على غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون …) ( ).
    ومن هنا يتبين أنّ هذا الوصف لخاصة من المؤمنين بالرسالات السماوية عموماً، ورسالة محمد خصوصاً. ولم يرَ تاريخ الإسلام إلا أفراداً قلائل منهم، وإلا فمعظمهم هم أصحاب المهدي الثلاث مائة وثلاث عشر، ثم الخط الثاني الذي يتبعهم وهم العشرة آلاف؛ أنصار الإمام .
    ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: وهذا الهدى سابق لحالة الإيمان بالرسالة الجديدة، فهم على هدى من ربهم؛ لأنهم أطاعوه. هؤلاء أصحاب أسرار مع ربهم ولهم حالات مع خالقهم، ولذلك كما قدمت لم يحتاجوا إلى معجزة، بل مجرد رؤية الرسول أو سماع شيء من القرآن آمنوا؛ لأنهم على هدى من ربهم ، فالذي عرَّفهم بأنّ محمداً صادقٌ ومرسلٌ هو الله الذي أرسل محمداً ، وكمثال لهؤلاء من أصحاب محمد هو سلمان الفارسي وقد كان نصرانياً، والحمد لله وحده.
         



    سؤال/ 46: قال أمير المؤمنين : (وكمال الإخلاص له في نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف …) ( )، والله سبحانه وتعالى يصف نفسه في القرآن ويقول السميع البصير العليم الحكيم القدير … فكيف يكون التوحيد مخالفاً لما جاء به القرآن؟

    الجواب: لا مخالفة بين وصف الله سبحانه وتعالى وما جاء به القرآن وكلام أمير المؤمنين  لاختلاف المقام، حيث إن القرآن يتكلم ويصف الذات أي مدينة الكمالات الإلهية والاسم الجامع لصفات الكمال الإلهية هو (الله)، ومعرفة الذات إنما تحصل بمعرفة الصفات، قال الصادق : (موصوف من غير شبيه ولا مثيل) ( ).
    أما كلام أمير المؤمنين  فهو في مرتبة الإخلاص في التوحيد، أي أعلى درجات التوحيد وهو توجه العبد إلى الكنه والحقيقة، لا إلى الذات الموصوفة التي لا يخلو التوجه إليها من طمع في كسب كمال أو قضاء حاجة.
    والذات هي حجاب الكنه أو الحقيقة، والذات هي الاسم الأعظم الأعظم، والحقيقة هي الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، فالتوجه إلى الكنه أو الحقيقة - والاسم الدال عليها (هو) والهاء للإثبات والواو للغيبة - يخلو من ملاحظة أي صفة أو اسم، إنما هو توجه بالعبادة إلى حقيقته سبحانه وتعالى دونما ملاحظة أنه كريم أو عليم أو حكيم أو قادر أو سميع أو بصير، وهذا هو تمام الإخلاص بالعبادة والتوحيد.
         



    سؤال/ 47: في سورة الذاريات: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ( ). ما معنى قوله تعالى في هذه الآيات؟

    الجواب:
    ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾: الملائكة.
    ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾: قيام القائم.
    ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾: القيامة الصغرى وحسابه  للناس.
    ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: ذات التنظيم والدقة والسير بطريق مستقيم وصلاح سكانها، وإنهم أي الملائكة يعملون بدقة متناهية فلا يختلفون ولا يخطئون، ويظهرون أمر الله بالآيات والبينات بالرؤية والكشف والآيات السماوية والمعجزات.
    ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: أي مختلفون في القائم  جماعة يقولون هو، وجماعة يقولون ليس هو، وهذه الآية في سورة النبأ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ( ).
    ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ : الإفك القلب رأساً على عقب، ومعنى هذه الآية: أنه ينقلب عن القائم ويعرض عن القائم، ولا يتبع القائم من هو مقلوب رأساً على عقب أي منكوس الفطرة.
    ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾: أي هلك المكذبون الذين يكذبون دون أن يحيطوا علماً بالشيء، وهم
    الذين يكذبون بالقائم  دون أن يحيطوا علماً بأمره أو ما صدر عنه؛ لأن قيام القائم أصلاً يناقض أهواءهم وتوجهاتهم الدنيوية وطموحهم للرئاسة الدينية الباطلة.

         
    سؤال/ 48: في سورة يس من آية: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ ( ). من هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى؟
    الجواب: هو الحسين  كمصداق أمثل وأعلى لهذه الآية. و ﴿أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾: محمداً وعلياً وصيه ، وعززنا ﴿بِثَالِثٍ﴾ ( ): أي الحسن . ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾: أي الحسين، فقتلوه ومثّلوا به. فـ ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ( ). وطبعاً، حبيب النجار هو من مصاديق هذه الآية الأولية، ولكنها في الحسين نزلت وإياه عنت. بهذا أخبرني الإمام المهدي محمد بن الحسن .

         

    سؤال/ 49: في سورة النور من آية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ( ). ما معنى قوله تعالى في هذه الآية؟
    الجواب:
    ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي إنّ السماوات والأرض - وهي كتاب الله سبحانه وهي محمد - إنما هي تجلي الله سبحانه وظهوره في الخلق، أو هي تجلي نور الحقيقة والكنه في الخلق، أو هي تجلي صفات الكمال الإلهي في الخلق، وكل هذه التعبيرات واحد.
    ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة﴾ : محمد وصدره بالخصوص.
    ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ : علم محمد الصادر منه بعد أن أفاضه الله عليه.
    ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ : علي وصيه  والمبلغ عنه وباسمه .
    ﴿فِي زُجَاجَة﴾ : فاطمة .
    ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ : الحسن والحسين عليهما السلام.
    وهؤلاء الخمسة أصحاب الكساء متداخلين ومشتبكين بعضهم مع بعض، وكذلك تلاحظ زجاجة والزجاجة ، مصباح والمصباح.
    ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّي﴾: القائم  ، فهو الكوكب الدري ( ).
    ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّة﴾: شجرة في وسط الجنة هي شجرة علم محمد وآل محمد التي نهى الله آدم  عن الأكل منها.
    ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ : لأنها كلمات الله سبحانه وهي القرآن، فهذا الزيت هو المدد الإلهي وهو القرآن.
    ﴿نُورٌ عَلَى نُور﴾: إمام بعد إمام، وهم علي بن الحسين ، ومحمد بن علي  وجعفر بن محمد  ، وموسى بن جعفر  ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي  وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، ومحمد بن الحسن المهدي .
    ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾: نور الله القائم ، فمن شاء أن يهتدي شاء الله أن يهديه وهداه لنصرته .
         

    سؤال/ 50: يقول أصحاب العلم: إنّ القائم  إذا خرج سوف يحتج على الحوزة بالأصول والفقه وليس بالعقائد كما تدعي أنت، فما جوابك بصفتك رسول الإمام المهدي  وتقول إذا غبت عنكم سوف يأتي أبي الإمام المهدي بالسيف لا بالمحاججة.

    الجواب: أصول الفقه ( ) وضعه الناس لتحصيل الأحكام الفقهية الظنية في حال غياب الإمام المعصوم  أو من يمثله تمثيلاً مباشراً، فإذا حضر المعصوم  أو من يمثله كنائبه الخاص انتفت الحاجة لهذا العلم، وهذا هو قولهم الذي لا يختلف فيه أي من فقهاء السنة والشيعة. فحتى فقهاء السنة لا يقولون بجواز الاجتهاد مع وجود النبي وحضورهم بين يديه إلا شاذ منهم مع اشتراط بعض الشروط، ولا يعول على قوله أحد. أما فقهاء الشيعة فهم مطبقون على عدم جواز الاجتهاد مع حضور الإمام المعصوم  أو من يمثله كنائبه الخاص. فإذا كان الأمر كذلك، فأي معنى يبقى لاحتجاج الإمام  أو من يرسله الإمام  بأصول الفقه؟!
    ثم إنّ العقيدة هي الأصل والأساس الذي تبنى عليه الشريعة، وكل الأنبيـاء والمرسلين ابتدؤوا بالعقيدة قبل التشريع، فموسى  - في القرآن الذي لا يختلف المسلمون في صحة صدوره عن الله سبحانه وتعالى - جاء بالتشريع بعد مرحلة عبور البحر بمدة ليست بقصيرة، أي إنه قضى مدة طويلة في إصلاح اعتقاد القوم قبل أن يبدأ بإصلاح شريعتهم.
    إذن، فالعقيدة أصل والتشريع فرع، وهم يقولون: أصول الدين وفروع الدين، فأيهما أولى أن يحتج به الأصل أم الفرع؟!
         


    سؤال/ 51: قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ( ). من أين عرفت الملائكة بأن الإنسان يفسد ويسفك الدماء قبل حتى أن يُخلق في الأرض؟

    الجواب: كان هناك في الأرض خلق قبل آدم ، ونشروا الفساد وسفك الدماء فيما بينهم
    فأهلكهم الله سبحانه وتعالى بذنوبهم ( ). والملائكة ظنوا أنّ المخلوق الجديد - وهو آدم  وذريته - سيعيدون الكرة مرة أخرى وينشرون الفساد وسفك الدماء، ولكنهم يجهلون أنه بعد قيام القائم  ستقوم دولة العدل والتوحيد الإلهي على الأرض، وينتشر الصلاح والسلام بين الناس.
         

    سؤال/ 52: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ( ). وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ( ).
    لماذا قال تعالى في الأولى: (فأنزلنا)، وفي الثانية: (فأرسلنا)، وما الفرق بينهما؟ وقال تعالى في الأولى: (يفسقون)، والأخرى: (يظلمون)، وما الفرق بينهما؟
    الجواب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ( ).
    في هذه الآيات بيان سبب هذا الرجز أو العذاب، وهو فسق القوم وعدم امتثالهم للأوامر الإلهية التي كان موسى  يأمرهم بها. والحقيقة أنّ هذا الفسق إنما يأتي من شك في نفوسهم بنبوة موسى ، وإنه خليفة الله في أرضه ويجب طاعته. وظهر هذا الشك في كثير من الأحيان في (التيه) عندما اعترضوا على موسى ، وكفروا بقيادته لهم أو بقيادة أخيه هارون . وهذا الكفر بخليفة الله في أرضه هو الظلم، وهو ظلم لأنفسهم؛ لأنهم الخاسر الأول والأخير في الدنيا والآخرة عندما لا يعترفون أنّ الملك لله، وإنّ الله هو الذي يُعيّن خليفته في أرضه، وإنّ عليهم طاعته ؛ لأنّ طاعته هي طاعة الله، وقبول ملكه ؛ لأنّ ملكه هو ملك الله سبحانه وتعالى. وبالنتيجة، فالظلم لخليفة الله في أرضه هو عدم قبول ولايته الإلهية.
    أما الفسق: فهو عصيان خليفة الله في أرضه، وعدم قبول الأوامر الإلهية.
    ومعنى إنزال العذاب: أي إيقاعه واستقراره على القوم.
    أما إرسال العذاب: فهو إرسال الملائكة به، وعندما يأتيهم الأمر الإلهي ينزلونه ويوقعونه بالقوم. فالعذاب المرسل هو عذاب مظل للقوم على وشك أن يوقع بهم، ويمكن أن يوقع بهم بين فترة وأخرى، كما حصل لبني إسرائيـل في (التيه)، فكان يقع فيهم الهلاك كلما آذوا موسى ورفضوا ولايته عليهم وخلافته لله في أرضه. وهناك معانٍ أخرى لإنزال العذاب وإرسال العذاب لا تخص الآيتين، فلا داعي للتعرض لها. أما معنى الآيتين بالخصوص:
    1- ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي عذبناهم، أنزلنا: أوقعنا بهم العذاب، وهم الذين ظلموا أولياء الله موسى وهارون عليهما السلام، ومن باب أولى ظلموا محمد وآل محمد ؛ لأنهم أصل الولاية الإلهية ( ).
    وسبب إنزال هذا العذاب هو: فسقهم وتمردهم على الأوامر الإلهية لله في أرضه، مع شك أو كفر كثير منهم بنبوة موسى  وخلافته.
    2- ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُون﴾: أي أرسلنا الملائكة يحملون العذاب فوق رؤوسهم، بسبب نفاقهم وعدم إيمانهم إيماناً حقيقياً، فهم ظالمون لأولياء الله وخلفائه في أرضه ، وإلا فالفسق وحده والمعصية وحدها مع قبول أولياء الله وخلفائه في أرضه لا توجب إرسال العذاب فضلاً عن إنزاله بحسب سنة الله سبحانه وتعالى، فلا يوقع العذاب في الأمم المتمردة على أمر الله سبحانه والمنحرفة عن صراطه المستقيم إلا بعد أن يرسل رسولاً ( )، ويكذب ويُستهزأ به. والولاية لولي الله سبحانه حسنة لا تضر معها سيئة، ومعاداة ولي الله سبحانه وخليفته في أرضه سيئة لا تنفع معها حسنة ( ).
    ومن الآيتين نفهم أنّ الله سبحانه يُرسل العذاب على الأمة إذا أعرضت عن ولي الله وخليفته في أرضه، ثم إنّ هذا العذاب ينزل بهم إذا استمروا على فسقهم وتمردهم على الأوامر الإلهية المبلغة لهم. وربما يُرسل العذاب وينزل بهم مباشرة إذا حقت عليهم الكلمة بعد أن ظلموا ولي الله وفسقوا عن أمر الله سبحانه، والحمد لله وحده.
         

    سؤال/ 53: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ( ) ؟
    الجواب: هؤلاء الغاوون هم أنفسهم الغاوون في الآية ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ ( ). وعن هذه الآية قال الصادق : (نزلت في قوم وصفوا عدلاً ثم خالفوه إلى غيره) ( ).
    وهؤلاء الغاوون أو الأتباع الذين يتبعون أئمة الضلال يعرفون الحق ويصفونه، فهم يعرفون عدالة محمد وآل محمد ، وهؤلاء هم مقلدة العلماء غير العاملين الضالين، وإذا لم يلتفتوا إلى أنفسهم سيؤول بهم الأمر إلى محاربة الإمام المهدي .
    ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾: الشعراء: هم العلماء غير العاملين الضالين، والغاوون: هم مقلدوهم وأتباعهم.
    ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: أي في كل ضلالة وباطل يتكلمون، وفي كل انحطاط ونزول عن الحق، والواد: هو المنخفض من الأرض، نظير الباطل؛ لأنه هبوط إلى أسفل وسقوط في الهاوية.
    ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾: هكذا دائماً العلماء غير العاملين تجدهم أحرص الناس على الحياة الدنيا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، ويحبون الرفاهية والحياة المريحة البعيدة كل البعد عن حياة الأنبياء والمرسلين الذين يدّعون أنهم يتابعونهم، فلا تجدهم يقفون مع الحق أو يقاتلون الباطل أو ينفقون على اليتامى والأرامل.
    عن أبي جعفر ، قال: (﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ في النبوة، ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: في أصلاب النبيين، ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال: نزلت في الذين غيَّروا دين الله بآرائهم وخالفوا أمر الله، هل رأيتم شاعراً قط تبعه أحد؟ إنما عنى بذلك الذين وضعوا ديناً بآرائهم فتبعهم الناس على ذلك، ويؤكد ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ يعني: يناظرون بالأباطيل ويجادلون بالحجج المضلة وفي كل مذهب يذهبون، ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾، قال: يعظون الناس ولا يتعظون، وينهون عن المنكر ولا ينتهون ويأمرون بالمعروف ولا يعملون، وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم) ( ).

    سؤال/ 54: ما معنى هذه الآيات من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ( ).
    الجواب: أي ناظرة إلى محمد ، فهو المربي لهذه الوجوه الطيبة الناضرة.
    قال الصادق  لهاشم الصيداوي: (يا هاشم، حدّثني أبي وهو خير مني عن رسول الله أنه قال: ما من رجل من فقراء شيعتنا إلا وليس عليه تبعة. قلت: جعلت فداك وما التبعة؟ قال: من الإحدى والخمسين ركعة، ومن صوم ثلاث أيام في الشهر، فإذا كان يوم القيامة خرجوا من قبورهم ووجوههم مثل القمر ليلة البدر، فيقال للرجل منهم: سل تعط، فيقول: أسال ربي النظر إلى وجه محمد . قال: فيأذن الله عز وجل لأهل الجنة أن يزوروا محمداً .
    قال: فينصب لرسول الله منبراً على درنوك من درانيك الجنة له ألف مرقاة بين المرقاة إلى المرقاة ركضة الفرس، فيصعد محمد وأمير المؤمنين ، قال: فيحف ذلك المنبر شيعة آل محمد ، فينظر الله إليهم وهو قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: فيلقى عليهم من النور حتى أن أحدهم إذا رجع لم تقدر الحوراء تملأ بصرها منه، ثم قال: أبو عبد الله : يا هاشم لمثل هذا فليعمل العاملون) ( ).

         

    سؤال/ 55: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾( ). وكيف يصحّ أن يطلب موسى  النظر؟ ولو كانت رؤية قلبية، لماذا استخدم لفظ (انظر) وهو يستعمل للبصر، ولم يستعمل لفظ (أرى) لوحده وهو للبصيرة والرؤية القلبية؟
    الجواب: طلب موسى الرؤية القلبية والمعرفة البصيرية لا البصرية أولاً، فطلب معرفة الله سبحانه وتعالى حق معرفته في مقام (القاب قوسين أو أدنى)، فلما عرف من الله سبحانه وتعالى أنه غير مستحق لهذا المقام طلب أن يرى بالبصيرة وينظر بالبصر - ﴿أَرِنِي أَنْظُر﴾ - إلى صاحب هذا المقام، وهو محمد - ومعرفة محمد هي معرفة الله سبحانه وتعالى، والنظر إلى محمد هو النظر إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه وجه الله سبحانه - فجاءه الجواب: أنه لا طاقة له على رؤية نور محمد في ذلك المقام القدسي، فتجلى محمد وهو نور الله سبحانه للجبل فجعله دكاً، وخرّ موسى صعقاً ﴿قَالَ سُبْحَانكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بولاية علي بن أبي طالب، وهو فقط الذي يعرف محمداً ويرى محمداً ، وهو صاحب هذا المقام ( )، فهو باب محمد (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
    قال الصادق : (وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سمّ الخياط فدكت الأرض وصعقت الجبال) ( ).
    ثم طلب موسى  مقام قائم آل محمد لما عرف من الله ما سيعطيه من التمكين في الملك، وطلب من الله أن يجعله قائم آل محمد ، كما ورد في الرواية عنهم ( ).
    وبالنتيجة، فإنّ موسى طلب مقام: (الشمس والقمر والكوكب) التي رآها إبراهيم جدّه  ولكن ليس بهذا المقام الذي رآه إبراهيم  وهو في الملكوت، بل طلب أن يرى أنوارهم القدسية في الملأ الأعلى، أي: مقاماتهم في السماء السابعة الكلية.
    وطلب أيضاً النظر إلى محمد فسُكت عن النظر؛ لأنه ممكن سواء لصورة محمد الجسمانية أو لصورته المثالية، ورُدَّ بعدم إمكان رؤية محمد (رؤية تامة)؛ لأن صاحب هذا المقام هو علي بن أبي طالب ، وقد قال محمد : (يا علي، ما عرفني إلا الله وأنت) ( ).
    فقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن ترى محمداً رؤية تامة، كما تطلب.

         
    سؤال/56: ما معنى ما ورد في القرآن من نسبة الاستهزاء والمكر إلى الله سبحانه ونحن نعلم أن المكر والاستهزاء معانٍ قبيحة، ومن هذه الآيات: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾( )، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾( )، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُم﴾( )، ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾( ).

    الجواب: ورد عن الإمام الرضا : (إن الله عز وجل لا يسخر، ولا يستهزئ، ولا يمكر، ولا يخدع، ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً) ( ).
    ومعنى هذا: إنّ الله سبحانه وتعالى يُظهر لأعدائه وأعداء أوليائه وجنده من الأنس والجن، بأنّ جند الله وحزب الله وأولياء الله يسلكون طريقاً معيناً وينهجون نهجاً معيناً، فيحاول إبليس وجنده من الأنس والجن قطع هذا الطريق بالمكر والخديعة والاستهزاء والسخرية، وعندها يغير الله سبحانه وتعالى طريق جنده ومنهجهم، فيجد إبليس وجنده من الأنس والجن أنهم وقعوا في حبالتهم وحاق بهم مكرهم وخديعتهم، وأمسوا في موضع يستهزئ بهم ويُسخر منهم، والحمد لله وحده.

         

    سؤال/ 57: في دعاء ليلة الجمعة: (وهب لي الغداة رضاك)، هل هو فقط في الجمعة، أو يصح في بقية الأيام، أو أن ينوي الإنسان طول حياته طالما يطلع الفجر؟



    الجواب: لا مانع أن يقرأ المؤمن هذا الدعاء كل يوم، أو أن ينوي بطلب الرضا طول حياته طالما طلع الفجر، ولكن في الحقيقة أن معنى (هب لي الغداة رضاك) ( )، أي هب لي عند طلوع الفجر رضاك، وطلوع الفجر: هو ظهور الإمام المهدي  ( )، ولذا خص هذا الدعاء ليوم الجمعة، وهو يوم ظهوره .
         
    سؤال/ 58: ورد في الدعاء عنهم : (وارزقني شرف التوحيد) ( )، فإذا كان توحيد فهل يكون توحيد له شرف، وآخر بهيئة أخرى؟
    الجواب: شرف لي وليس للتوحيد، أي: ارزقني أنا الشرف بأن أكون موحداً. ثم إنّ الإمام يطلب أعلى درجات التوحيد وهو الإخلاص في التوحيد، أي: عبادة الكنه والحقيقة والتوجه إليها لا إلى الذات، وعند من وصل إلى هذه المرتبة الشريفة بقية الموحدين الذين يتوجهون الى الذات مشركين؛ لأنّ عبادتهم لا تخلو من طمع في تحصيل كمال وسد نقص.

         


    سؤال/ 59: سُئل السيد الشهيد السعيد محمد الصدر (سلام الله عليه) أن يُعرِّف الشرك بحيث يعرفه العالم والجاهل، فقال: (كل ما تقع عليه عينك فهو شرك). فقال السائل: هذا لا يعرفه العالم فضلاً عن الجاهل، فقال: السيد (كل شيء يتعلق فيه قلبك فهو شرك حتى إن كان محمد الصدر)، فهل إذا تعلق أي شيء في قلب الإنسان فهو شرك؟

    الجواب: هذا صحيح إذا تعلق الإنسان بشيء سوى الله فهو مشرك، إلا إذا كان هذا التعلق هو من جهة التعلق بالله سبحانه وتعالى، أي إنه حب في الله، وانصياع لأمر الله كحب أهل بيت النبوة عليهم صلوات ربي.
         

    سؤال/ 60: في دعاء ليلة الجمعة: (واسكن قلبي خوفك، واقطعه عمن سواك حتى لا أرجو ولا أخاف إلا إياك) ( ). وقال السيد الشهيد محمد الصدر (رحمه الله): (إنّ الخوف من غير الله هو شرك خفي). فهل يجوز أن يخاف الإنسان من الدابة المؤذية كالعقرب والأسد، وهل هذا الخوف هو شرك خفي؟
    الجواب: الخوف من غير الله سبحانه وتعالى لا يجتمع مع التوحيد أكيداً، وهو شرك خفي كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ( ).
    ولكن يمكن أن يخاف الإنسان المؤمن الموحد من العقرب والأسد إذا اعترضا طريقه أو رآهما أو رأى أي دابة وظن إنها ستؤذيه، من غير أن يكون خوفه هذا شرك خفي، وهذا يتحقق إذا خاف أن تتسلط عليه الدابة بمشيئة الله وبحول وقوة الله وتؤذيه؛ لأنه مقصر مع الله سبحانه وتعالى، ويستحق العقوبة الدنيوية فضلاً عن الأخروية.
    وإذا كان الخوف بهذا الشكل فهو ممدوح؛ لأنه خوف من عقاب الله سبحانه وتعالى الدنيوي، بل إن الذي لا يخاف ويظن أنّ هذه الدابة لا تسلط عليه ولا تؤذيه لكرامته على الله ولفضله أو لدينه أو لخلقه أو لعبادته فهو مشرك، وعابد لنفسه ومعجب بها: (وإنّ العبد تفوته صلاة الليل فيستيقظ عند الفجر فيلوم نفسه لتقصيرها، فيعطيه الله من الثواب أعظم مما لو صلى صلاة الليل)، هذا ما ورد عنهم .
         



    سؤال/ 61: ما معنى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ ( ).

    الجواب: يمسك السماوات بمحمد ، فهو نور الله سبحانه وتعالى، ولولاه لساخت السماوات بأهلها وعادت عدماً، أما الأرض فيمسكها بخليفته فيها وحجته على أهلها، فلولا وجود الإمام المهدي  لساخت الأرض بأهلها، أي: لزالت وعادت عدماً هي ومن عليها.

         

    سؤال/ 62: في تفسير العياشي وفي البحار عن الصادق :
    (قال أبو ذر: يا رسول الله ما أفضل ما أنزل عليك؟ قال : آية الكرسي، ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض بلاقع، ثم قال : وإن فضله على العرش كفضل الفلاة على الحلقة) ( ).
    وفي الكافي ( ) عن الصادق  قال: (جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي وبناته وكانت تبيع منهن العطر ..... إلى أن قال رسول الله : وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي كحلقة في فلاة قي ... ثم تلا هذه الآية: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ( )، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة قي، وتلا هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ( ) ...) ( ).
    السؤال: من الروايتين نفهم فهمين مختلفين ومتناقضين ( )، من الأولى نفهم أنّ الكرسي أعظم من العرش، ومن الثانية نفهم أنّ العرش أعظم من الكرسي، فمن هو الأعظم؛ الكرسي أم العرش وما الدليل أن العرش أو الكرسي هو الأعظم؟
    الجواب: العرش أعظم من الكرسي، والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة، والعرش هو حجاب باب الذات فما دونه إلى الأرضين السفلية، وهذا الحجاب هو الحجاب الذي يخفق بين محمد وباب الذات الذي ذكره الصادق  في حديث المعراج، فقال : (بينهما حجاب يخفق) ( )، وباب الذات - أو الله - هو الرحمن الرحيم، الظاهر منه الرحمن والباطن الرحيم، ولذا قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، أي: باب الذات على العرش استوى، أي: أفاض الله من بابه (الرحمن) نوره وعلمه سبحانه الذي أراد أن يواجه به خير خلقه محمداً على سرادق العرش، أو الحجاب الذي ذكره الصادق ، هذا هو العرش الأعظم.
    أما العرش العظيم والذي يمثل السماوات السبع فما دونها، فهو دون الكرسي، فالكرسي هو سرادق السماء السابعة الكلية أو حجابها النوري. ومن هنا نفهم أنّ العرش العظيم عند الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي عند العرش الأعظم كحلقة في فلاة. ولتتضح لك الصورة أكثر راجع تفسير سورة الفاتحة ( ) والمتشابهات. ولو أنّ لهذا العلم حملة لبيّنت حقيقة العرش وحقيقة الكرسي التي بيّنها لي الإمام المهدي  فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله حان وقته.
         

    سؤال/ 63: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ ( ).
    هل أنّ عالم الذر هو عالم حقيقي موجود بالفعل، وأين وجوده؟ فالشيخ الصدوق يقول إنه موجود، والشيخ المفيد رحمه الله يقول في تصحيح الاعتقاد ما معناه: لو كان عالم الذر موجوداً لما نسيناه أو لتذكرنا بعضه.

    الجواب: عالم الذر عالم حقيقي وليس وهمياً ولا افتراضياً، وإنما نسيه الغافلون والمتغافلون، ولم ينسه الأنبياء والمرسلون والأوصياء ، بل هم يتذكرونه ويعرفونه ويعرفون أولياءهم فيه ويميزونهم في هذه الحياة الدنيا، فعلي بن أبي طالب  سيد الأوصياء يقول ما معناه: (إني لا أعرفك) لمن قال له: أني من شيعتك ( ).
    فسبحان الله الشيخ المفيد رحمه الله وأعلى الله مقامه الشريف يقول: (لو كان لما نسيناه)، فها أنتم تغفلون عن المرآة إذا نظرتم إلى صورتكم فيها، سبحان الله إذا كنتم تغفلون عما بين أيديكم وأمام أبصاركم فلا ترونه، فغفلتكم عن عالم الذر أولى وأحجى.
    ثم إنّ أهل البيت بالغوا في الحديث عن هذا العالم ( )، فلا أرى إنكاره إلا عن جهل داخَلَ منكريه، ويا ليتهم أعرضوا عن الحديث فيه لما اشتبه عليهم علمه، ويا ليتهم التفتوا إلى قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ( )، فإنها في عالم الذر نزلت وإياه عنت.
    وحقيقة عالم الذر: أنه عالم الأنفس وهو في هذه السماء الدنيا، وتنزل منه إلى الأرض نطف بني آدم، فإذا نمت النطفة بعد أن أخذت طريقها إلى وعائها وتهيأت الصورة الجسمانية لولوج النفس إليها، ولجت النفس في تلك الصورة الجسمانية وتعلقت بالنطفة التي نزلت منها، فإذا مات الإنسان خرجت منه تلك النطفة مرة أخرى من فمه أو من أي مكان آخر مع خروج نفسه من جسمه، وبقيت هذه النطفة متعلقة بالنفس الإنسانية، فالنفس متعلقة بالنطفة والنطفة متعلقة بالنفس وهما من عالم واحد وهو عالم الذر أو عالم الأنفس، فإذا نزلت النطفة إلى الأرض تبعتها النفس، وإذا فارقت النفسُ الجسمَ تبعتها النطفة.
    وفي هذه الحياة الدنيا إذا أطاع الإنسان ربه وسعى لرضاه سبحانه وكان له حظ في السماوات الملكوتية أصبح من أصحاب اليمين، وكتب من الأحياء، وسطر اسمه في سجل الحياة وممن يرثون الجنان، وإن جدّ في الطاعة كان من المقربين (أولياء الله) الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وإن عصى الإنسان ربه وسعى لسخطه سبحانه وتعالى لم يكن له حظ في السماوات الملكوتية ولم يكتب من الأحياء، بل عُد من الأموات، ولم يسطر اسمه في سجل الحياة، وأمسى ممن يَرِدون جهنم، بل هو قطعة من جهنم.
         

    سؤال/ 64: قال تعالى: ﴿هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ ( )، ما معنى مسومين؟
    الجواب: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: أي معلَّمون، وعلامتهم العمامة، فعن أبي الحسن : في قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾، قال: (العمائم اعتمّ رسول الله فسدلها من بين يديه ومن خلفه، واعتمّ جبرائيل فسدلها من بين يديه ومن خلفه) ( ).
    والعمامة ترمز إلى العلم، وحقيقة سمة هؤلاء الملائكة هي العلم بأسماء الله سبحانه، وكل منهم يختص بعلم معين وبقدر معين منه. وأصل الملائكة المسومين هم ثلاث مائة وثلاثة عشر ملكاً، وهؤلاء هم القادة والبقية عمال وجنود لهؤلاء القادة، وهؤلاء الثلاث مائة والثلاثة عشر كل واحد منهم مخلوق من اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، فهو عبد ذلك الاسم، وعبودية الاسم الرباني هي سمة كل ملك منهم، فمثلاً أحدهم سمته أنه عبد الحق، والآخر سمته أنه عبد النور، وهكذا. وهذه العبودية هي علمه، وهي عمامته.
    وأُفق الملائكة ضيق نسبة إلى أفق الإنسان؛ لاختلاف الفطرة في كلا المخلوقين، ففطرة الإنسان تؤهله لأنْ يعرف كلّ أسماء الله سبحانه، فإنّ الله خلق آدم على صورته، وفطرة الملائكة تؤهلهم لمعرفة بعض أسماء الله سبحانه وتعالى، وتختلف الملائكة فيما بينها وتتفاضل بحسب الأسماء الإلهية التي فطرت وأهلت لمعرفتها:
    ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( ).
         

    سؤال/ 65: ما معنى قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ( ) ؟
    الجواب: الإنذار للكل وهذا أكيد، ولكن من يستمع الإنذار هو الحي، أما الأموات فلا يسمعون: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ ( ). وهؤلاء الأموات هم الكافرون الذين يحق القول عليهم.
    قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ( )، وهؤلاء المتقون هم الأحياء، أي: إن لهم حظاً في السماوات الملكوتية، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ( ).
    ومن لم يكتب اسمه في سجل الحياة يوم القيامة فهو من الأموات، أهل النار الذين هم فيها خالدون، قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ( ).

         
    سؤال/ 66: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ( )، ما معنى هذه الآية؟
    الجواب: الماء: محمد ، وهو نور الله سبحانه وتعالى، فكل شيء حي تشمل الملائكة والأرواح. ومن المؤكد أنّ الملائكة والأرواح لم تخلق من هذا الماء المعروف عندنا، بل المراد به ماء الحياة وينبوع الحياة الذي شرب منه الخضر  حي الدارين، وهذا الماء هو محمد وجريانه من بابه علي ، وفتق السماوات والأرض بالحياة بعد أن كانتا رتقاً، أي خالية من الحياة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ( ).
         
    سؤال/ 67: قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ( )، ما معنى أنّ عرشه على الماء؟

    الجواب: العرش هو القرآن، والماء هو محمد ( ) نور الله سبحانه وتعالى، وهو يجري في السماوات والأرض، وفي الخلق كما يجري الماء في الأنهار.


    سؤال/ 68: ورد في الحديث عنهم ما معناه: إنّ العبادة خوفاً من النار هي عبادة العبيد، وإنّ العبادة طمعاً في الجنة هي عبادة التجار، وإنّ العبادة لا خوفاً من النار ولا طمعاً بالجنة هي عبادة الأحرار. فما وصف عبادة الأحرار، وما هي حدودها؟

    الجواب: عبادة الأحرار هي عبادة الحقيقة والكنه لا عبادة الذات الموصوفة بصفات الكمال الإلهية، فالإنسان إذا توجّه إلى الذات الإلهية لا يخلو توجهه من الطمع في تحصيل كمال أو رفع نقص، وإن كانت عبادته لا خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة. ولذا فإنّ التوحيد الحقيقي هو التوجه إلى الكنه والحقيقة، وأما ما سواه فهو نسبة إلى هذا التوحيد يكون شركاً. فعبادة العبيد شرك وعبادة التجار شرك، وعبادة الأحرار المتوجهين للذات لتحصيل كمال أو لسدّ أو رفع نقص أيضاً شرك، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ( ). والحمد لله وحده.

         

    المنصور بالله سبحانه وتعالى
    وصي ورسول الإمام المهدي 
    إلى الناس كافة
    أحمد الحسن
    1 محرم 1425 هـ . ق







    الفهرس
    تقـديم ...................................................................... ........................... 5
    كلمة افتتاحية ...................................................................... ................ 13
    س25 : معنى حديث : ( الدنيا سجن المؤمن ) ........................................................... 15
    س26 : هل ينفي قوله تعالى : ( واتقوا يوماً لا تجزي نفساً .. ) الشفاعة ................................... 16
    س27 : معنى قول الحسين  : ( الهي أخرجني من ذل نفسي وطهرني من شكي ... ) ................... 18
    س28 : حجب النور والظلمة والفرق بينهما ............................................................. 20
    س29 : لو خليت الأرض من حجة لساخت بأهلها ...................................................... 22
    س30 : لماذا يوجّه الميت إلى القبلة وهو على يمينه ........................................................ 23
    س31 : ما علّة الكفن للميت وفائدته ................................................................... 23
    س32 : لماذا أفرد الله الذكر ...................................................................... ...... 24
    س33 : لماذا التكبير بداية الصلاة ...................................................................... . 24
    س34 : معنى تكبيرة الإحرام في الصلاة ................................................................. 24
    س35 : معنى : ( سبحان ربي العظيم ) .................................................................. 25
    س36 : ما الفرق بين ذكر الركوع والسجود في الصلاة .................................................. 26
    س37 : معنى : ( اسم ربك الأعلى ) ................................................................... 26
    س38 : معنى قول الإمام الباقر  : ( لو شئت لنشرت التوحيد من الصمد ) ............................ 27
    س39 : رجم جيش أبرهة بحجارة من سجيل ............................................................ 27
    س40 : علّة الحج وغرضه ...................................................................... ....... 28
    س41 : معنى قول موسى  في سورة الشعراء : 20 ( فعلتها وأنا إذاً من الضالين ) ...................... 30
    س42 : إلقاء الشيطان في أمنية النبي (ص) ومعنى ذلك .................................................... 31
    س43 : استعاذة مريم (ع) في قوله تعالى : ( أني أعوذ بالرحمن منك .. ) ................................... 33
    س44 : سبب دفن الميت إذا وجد نصفه وفيه الصدر ..................................................... 33
    س45 : معنى قوله تعالى : ( ألم * ذلك الكتاب ... وأولئك هم المفلحون ) ................................ 34
    س46 : معنى قول أمير المؤمنين  : ( وكمال التوحيد نفي الصفات عنه ) .............................. 45
    س47 : معنى قوله تعالى : ( فالمقسمات أمراً ... قتل الخراصون ) ......................................... 46
    س48 : معنى قوله تعالى : ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ... ) ..................................... 47
    س49 : معنى قوله تعالى : ( الله نور السموات والأرض ... بالغدو والآصال ) .............................. 47
    س50 : هل يحتج القائم  على أهل العلم بأصول الفقه ................................................ 49
    س51 : من أين عرفت الملائكة أنّ الإنسان يسفك الدماء ................................................. 49
    س52 : معنى قوله تعالى : ( فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ... ) ............................... 51
    س53 : معنى قوله تعالى : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) ................................................... 52

    س54 : معنى قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة ) ...................................................... 54
    س55 : معنى قوله تعالى : ( ولما جاء موسى لميقاتنا فكلمه ربه ... ) ..................................... 54
    س56 : نسبة المكر والاستهزاء إلى الله سبحانه .......................................................... 56
    س57 : معنى : ( وهب لي الغداة رضاك ... ) .......................................................... 56
    س58: شرف التوحيد ...................................................................... .......... 57
    س59 : هل تعلّـق القلب بشئ يعدّ شركاً ............................................................ 57
    س60 : الشرك الخفي ...................................................................... .......... 57
    س61 : معنى قوله تعالى : ( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ... ) .............................. 58
    س62 : العرش والكرسي ...................................................................... ....... 58
    س63 : عالم الذر في آيـة ( وإذا اخذ ربك من بني آدم ... ) ........................................... 60
    س64 : معنى ( المسوّمين ) في قوله تعالى : ( من الملائكة مسومين ) ....................................... 61
    س65 : معنى قوله تعالى : ( لينذر من كان حياً ... ) ................................................... 62
    س66 : معنى قوله تعالى : ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) ............................................. 63
    س67 : معنى قوله تعالى : ( وكان عرشه على الماء ) .................................................... 63
    س68 : وصف عبادة الأحرار وحدودها .............................................................. 44
    الفهرس ...................................................................... ...................... 65

    والحمد لله رب العالمين
    من اقوال الامام احمد الحسن عليه السلام في خطبة الغدير
    ولهذا أقول أيها الأحبة المؤمنون والمؤمنات كلكم اليوم تملكون الفطرة والاستعداد لتكونوا مثل محمد (ص) وعلي (ص) وآل محمد (ص) فلا تضيعوا حظكم، واحذروا فكلكم تحملون النكتة السوداء التي يمكن أن ترديكم وتجعلكم أسوء من إبليس لعنه الله إمام المتكبرين على خلفاء الله في أرضه، أسأل الله أن يتفضل عليكم بخير الآخرة والدنيا.


  2. #2
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    21-05-2012
    الدولة
    دولة العدل الالهي
    المشاركات
    307

    افتراضي رد: المتشابهات الجزء 2 للأمام احمد الحسن اليماني ع

    السلام على سيدي ومولا ي قائم ال محمد ع وصي ورسول الامام الحجة محمد بن الحسن ع العسكري ع
    اللهم صل على محمد وال محمد الائمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا

المواضيع المتشابهه

  1. المتشابهات الجزء 1 للأمام احمد الحسن اليماني ع
    بواسطة almawood24 في المنتدى المكتبة اليمانية المقروءة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 15-10-2012, 22:52
  2. من المعارف الالهية للامام اليماني احمد الحسن ع الجزء 1
    بواسطة GAYSH AL GHADAB في المنتدى معرض المرئيات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 25-06-2012, 10:52
  3. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 15-04-2011, 21:24
  4. كتاب *رساله الهدايه للأمام احمد الحسن اليماني ع *
    بواسطة almawood24 في المنتدى المكتبة اليمانية المقروءة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-01-2010, 17:39
  5. كتاب *الجواب المنير عبر الاثير ج1 * للأمام احمد الحسن اليماني ع*
    بواسطة almawood24 في المنتدى المكتبة اليمانية المقروءة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-01-2010, 17:29

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
من نحن
أنت في منتديات أنصار الإمام المهدي (ع) أتباع الإمام أحمد الحسن اليماني (ع) المهدي الأول واليماني الموعود وصي ورسول الامام المهدي محمد ابن الحسن (ع) ورسول من عيسى (ع) للمسيحيين ورسول من إيليا (ع) لليهود.

لمحاورتنا كتابيا يمكنك التسجيل والكتابة عبر الرابط.
ويمكنك الدخول للموقع الرسمي لتجد أدلة الإمام احمد الحسن (ع) وسيرته وعلمه وكل ما يتعلق بدعوته للبيعة لله.


حاورنا صوتيا  أو كتابيا  مباشرة على مدار الساعة في :
 
عناوين وهواتف : بالعراق اضغط هنا.
تابعنا
تذكر...

"أيها الناس لا يخدعكم فقهاء الضلال وأعوانهم إقرؤوا إبحثوا دققوا تعلموا واعرفوا الحقيقة بأنفسكم لا تتكلوا على احد ليقرر لكم آخرتكم فتندموا غدا حيث لا ينفعكم الندم (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا). هذه نصيحتي لكم ووالله إنها نصيحة مشفق عليكم رحيم بكم فتدبروها وتبينوا الراعي من الذئاب".

خطاب محرم الحرام ـ الإمام أحمد الحسن اليماني (ع).