إصدارات أنصار الإمام المهدي / العدد (40)



إضاءات
من دعوات المرسلين


الجزء الثالث - القسم الأول


السيد أحمد الحسن


طبعة منقحة




الطبعة الثالثة
1431هـ - 2010 م









لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
أنصار الإمام المهدي (ع) اتباع الإمام احمد الحسن اليماني (ع) - انصار الامام المهدي (ع)




































والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين.

إضاءات من مسيرة يوسف 
يوسف  نبي مرسل إلى بني إسرائيل وغيرهم، وقد أقر رسالته وآمن به بعض أهل مصر، ومنهم بعض أفراد العائلة الحاكمة، وهذا مؤمن آل فرعون يُذكِّر فرعون مصر وملأه في زمن رسالة موسى  بيوسف  ورسالته ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾( ).
وها هو يوسف  يصدع بدعوته في أصعب الظروف وهو في السجن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾( )، بل ويتعرض لدين الملك بشدة دون أن يكون للسجن وإحاطة زبانية فرعون به أي تأثير يجعل يوسف  على الأقل ليّناً أو مداهناً في تحطيم الأصنام البشرية التي ألهها المصريون، بل ها هو يحمل فأسه ويحطم الأصنام البشرية كما حطم جده إبراهيم  أصنام الحجارة ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾( ).
والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يتعرض في القرآن لدعوة يوسف  كنبي مرسل داع إلى التوحيد ويطلب من قومه الإيمان به، كما تعرض لباقي دعوات الأنبياء، بل إن هذه الجهة تكاد تكون غير ملحوظة في سرد مسيرة يوسف  إلا بقدر قليل يبين رسالة يوسف  من الله وأنها رسالة إبراهيمية، فلا نجد في القرآن كيف أن يوسف  دعا قومه، وكيف جادلهم، وماذا ردوا عليه وما هو حال المؤمنين بيوسف ، وما هو ... وما هو ... أسئلة كثيرة ربما تجد أجوبتها في القرآن إذا كان الأمر يتعلق بالأنبياء المذكورين في القرآن غير يوسف ، ومع إن سورة طويلة في القرآن اختصت في سرد مسيرة النبي المرسل يوسف .
فلماذا ترك القرآن التعرض لتفاصيل رسالة يوسف  كما تعرض لتفاصيل رسالات الأنبياء ؟
والجواب: إن سرد القصص في القرآن يراد منه أن يتعظ الناس ولا يعيدوا الكرة مرة بعد أخرى، فموسى  تذكر قصته في القرآن أكثر من مرة، وكل مرة يراد منها إعطاء صورة للقارئ تختلف عن سابقتها، وبهذا تكتمل عنده الصورة، بل ويصبح يعرف موسى  إذا رآه من الأمام أو الجانب أو الخلف، والهدف القرآني ليس موسى بن عمران  بعينه، بل الذي يأتي ويمثل موسى ، وفي قصة يوسف  فإن الهدف هو النبوة، بل بالخصوص الرؤيا، وكونها طريقاً لوحي الله سبحانه وتعالى، فالمراد لفت الانتباه إلى علاقة الرؤيا بيوسف الآتي، يوسف آل محمد (المهدي)، بل وان الملأ ( العلماء غير العاملين ) سيقولون عنها أَضْغَاثُ أَحْلامٍ، كما أن ملأ فرعون ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ﴾( ).
وهذه الإضاءات ﴿…آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾( ):




إضاءة من رؤيا يوسف 
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾( ).
الأحد عشر كوكباً إخوة يوسف ، والشمس والقمر يعقوب وأم يوسف راحيل. رآهم يوسف في الرؤيا ساجدين له، فما هو هذا السجود، وكيف وقع، وهل يصح السجود لغير الله، وإذا كان لا يصح فما معنى سجودنا للكعبة وهي حجارة، وما معنى سجود الملائكة لآدم وهو إنسان مخلوق، وما معنى سجود إخوة يوسف ويعقوب وهو نبي، وأم يوسف ليوسف  ؟!
المرتكز في الأذهان عن السجود هو وضع الجبهة على الأرض، أو الانحناء ووضعها على شيء منخفض عنها، والمراد منه هو بيان الخضوع والتذلل والطاعة للمسجود له، وربما كان السجود بالإيماء له بالرأس أو حتى برموش العين، كما هو حال العاجز عنه بالصلاة.
والحقيقة، أن الإنسان الخاضع الذليل لله والمطيع لأمر الله ساجد في كل أحواله، نائماً وقائماً وقاعداً وماشياً. والإنسان الذي لا يخضع لله ولا يتذلل لله ولا يطيع أمر الله، ليس بساجد وإن وضع جبهته على الأرض. فالسجود الحقيقي - إذن - هو الطاعة وامتثال الأمر الإلهي، وربما تم دون وضع الجبهة على الأرض، وربما لا يتم بوضع الجبهة على الأرض.
فإبليس لم يرفض السجود لله، (بل له سجدة ستة آلاف عام) ( )، ولكنه رفض أن تكون قبلته في السجود لله آدم ، فهو في حقيقة أمره متكبر على الله وليس بخاضع ولا متذلل ولا مطيع لأمر الله. وهو من الساجدين لله الذين حق عليهم العذاب؛ لأنه لم يتخذ القبلة التي أمره الله أن يتخذها، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾( ).
فهؤلاء الذين حق عليهم العذاب يوصفون بأنهم يسجدون لله، ولكنه ليس سجوداً حقيقياً، لأنهم لم يطيعوا الله في السجود له سبحانه من حيث يريد وإلى القبلة التي أمرهم بها.
وباختصار، فإن المطيع لأمر أحد طاعة مطلقة فهو عبد ساجد لهذا المطاع، ولذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾( )، أي عبدوا علماءهم غير العاملين؛ لأنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم.
وعن أبي بصير، قال: (سألت أبا عبد الله  عن قول الله : ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ﴾، فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون) ( ).
وعن أبي عبد الله : (من أطاع رجلاً في معصية فقد عبده) ( ).
فمن يعصِ الله فهو ليس عابداً ولا ساجداً لله بقدر تلك المعصية، فإذا كانت المعصية متعلقة بالقبلة التي يتوجه إليها حال سجوده وطاعته (أي أنه اتخذ قبلة غير القبلة التي أمره الله بها)، فإنه في كل عمله عاصٍ وليس عابداً ولا ساجداً لله، (ولا تزيده سرعة السير إلا بعداً) ( )، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾( ).
فهكذا إنسان تولى الشر والشيطان والظلمة، ليس على جادة الطريق التي توصل إلى الهدف، بل مستدبراً القبلة التي توصله إلى الله فتكون سرعة سيره (سجوده وعبادته وطاعته المدعاة) سبباً في إيصاله إلى هاوية الجحيم لأن كل أعماله (سجوده، عبادته، طاعته) يستقبل بها قبلة لم يأمره الله بها، بل نهاه الله عن استقبالها فيكون سجوده، عبادته طاعته، كلها مبنية على المعصية والذنب فتكون معاصياً وذنوباً.
فلا صام ولا صلى، بل أذنب وعصى ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾( )، أي إن الأَولى هو التصديق بولي الله وحجته وخليفته سبحانه (الرسول سواء كان نبياً أو وصياً)، والصلاة معه، وهي الولاية لولي الله؛ لأنها ولاية الله والسجود لولي الله، أي طاعته؛ لأنه سجود لله وطاعة لله، ودون الخضوع لولي الله لا تنفع الأعمال الظاهرية.
عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، قَالَ: (نَظَرَ إِلَى النَّاسِ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ : هَكَذَا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهَا ثُمَّ يَنْفِرُوا إِلَيْنَا فَيُعْلِمُونَا وَلَايَتَهُمْ وَمَوَدَّتَهُمْ وَيَعْرِضُوا عَلَيْنَا نُصْرَتَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾( ))( )، ولم ينفع كفار قريش (الأحناف المنحرفين) حجهم بيت الله، ومع أنهم كانوا يلبون( )، فإن تلبيتهم عند الله لم تعدُ التصفيق والتصفير، لأنها هكذا كانت تسمعها الملائكة وهكذا ترفع ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾( ).
وكذلك من يصلي ولم يتخذ القبلة التي أمره الله بها، فلا تعدو صلاته التصفيق والتصفير، وحجه كذلك عند الله.
فإذا علمنا أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها ( )، فلا يكون سجود الأجسام إلا مرشداً ودليلاً يدل على الحقيقة ويشير إليها، وهذه الحقيقة هي الطاعة وامتثال الأمر الصادر من الله سبحانه وتعالى، فإذا كان لسجود الأجسام قبلة وهي الكعبة، فلا بد أن يكون لسجود الأرواح قبلة، وقبلة الأرواح هو ولي الله (حجة الله على خلقه) فبطاعته يطاع الله وبمعصيته يعصى الله، ولذلك كان الأمر للملائكة (الأرواح) هو السجود لآدم (الإنسان الكامل).
والإسلام والسجود واحد، فالإسلام هو التسليم، والتسليم هو الطاعة المطلقة، فالمسلم هو المسَّلِم لله سبحانه وتعالى، وهذا التسليم (السجود) لابد له من قبلة فقبلته هو ولي الله (حجته على خلقه)، فليس بمسلم حقيقي من أعرض عن قبلة التسليم التي فرضها الله وهي (حجة الله) المتمثلة بخليفة الله في أرضه.
روى الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله : (أنتم الصلاة في كتاب الله  وأنتم الزكاة وأنتم الحج ؟ فقال: يا داود نحن الصلاة في كتاب الله ، ونحن الزكاة ونحن الصيام ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله ونحن قبلة الله ونحن وجه الله، قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، ونحن الآيات ونحن البينات، وعدونا في كتاب الله : الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنـزير، يا داود إن الله خلقنا فأكرم خلقنا وفضلنا وجعلنا أمناءه وحفظته وخزانه على ما في السماوات وما في الأرض، وجعل لنا أضداداً وأعداءً، فسمانا في كتابه وكنى عن أسمائنا بأحسن الأسماء وأحبها إليه، وسمى أضدادنا وأعداءنا في كتابه وكنى عن أسمائهم وضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه وإلى عباده المتقين) ( ).
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾( )، وليس لله وجه كالوجوه، ومن اعتقد هذا فهو مجسم كافر ككفر كفار قريش بل أشد كفراً.
فالوجه هو ما يواجه به، ووجه الحقيقة والكنه سبحانه وتعالى (هو) الذي واجه به محمداً هو الذات المقدسة (الله) سبحانه وتعالى، أما وجه الذات المقدسة أو (الله) الذي واجه به خلقه فهم حجج الله ، فهم وجه الله وهم الأسماء الحسنى التي واجه بهم الله الخلق فبمعرفتهم يعرف الله سبحانه وتعالى.
وكمثال فأنت تعرف الناس بوجوههم فتقول هذا فلان وهذا فلان إذا نظرت في وجوههم. وكذا الله سبحانه وتعالى، فأنت إذا نظرت إلى وجهه سبحانه وتعالى، (أي الأنبياء والأوصياء والمرسلين)، تعرفه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾( ).
واليد التي وضعت فوق أيدي المبايعين هي يد محمد ، ومع ذلك قال تعالى عنها: (يَدُ اللَّهِ)؛ لأن محمداً هو الله في الخلق.
فأينما تتجهون فإن قبلتكم إلى الله هي وجه الله (ولي الله وحجته على خلقه)؛ لأن روحه لا تقيد بقيد الأجسام فهي موجودة ومحيطة بكم من كل الجهات، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، بل لو تفقهون هذه الكلمات لعرفتم الحقيقة، فآل محمد هم الطعام الذي تأكلون والماء الذي تشربون والهواء الذي تتنفسون، قال عيسى : (أنا خبز الحياة) ( )، وآل محمد هم موسى وهامان وهم إبراهيم ونمرود وهم نار إبراهيم وهم بردها وسلامها. فقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ( )، وآل محمد هم الرحمن في الخلق وهم صنائع الله والخلق صنائع لهم، وخلقهم الله، ومنهم خلق الخلق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾( ).
إذن، فهو أحسن الخالقين وغيره خالقون، ولكنه خالق مطلق، لا يحتاج إلى غيره وهم يحتاجون إليه سبحانه، فعيسى  يخلق ولكنه فقير إلى الله ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾( ).
وكذلك محمد وآل محمد ، فإصبعي الرحمن هما الشيطان والملَك، وقلب الإنسان بينهما، فالشيطان يوسوس ويضل، والملَك يرشد ويهدي، والشياطين والملائكة موجودون ومتقومون بآل محمد، وآل محمد موجودون ومتقومون بمحمد ، ومحمد موجود ومتقوم بالله، وأيضاً الكل موجودون ومتقومون بالله. فأينما تولوا وجوهكم فثَمَ آل محمد لأنهم وجه الله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
إذا تبين هذا نعود إلى سجود يعقوب وأم وإخوة يوسف إلى يوسف .
فيوسف  يرى في المنام: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ وتحققت الرؤيا في هذا العالم الجسماني هكذا: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾( ).
فيوسف  بعد أن رفع أبويه على العرش سجدوا له وتحققت الرؤيا، أي إن يوسف  بعد أن بيَّن مقام والديه وكونهما أصحاب الحق بالملك الإلهي والعرش الرباني، خروا له سجداً، إعظاماً لمقامه واعترافاً بأنّ يوسف  هو خليفة الله وحجته على عباده، فالسجود ليوسف  كونه قبلة إلى الله، فبه يعرف الله، والسجود ليوسف  أي طاعة يوسف والإئتمار بأمره هو طاعة الله، قال الصادق : (كَانَ سُجُودُهُمْ ذَلِكَ عِبَادَةً لِلَّهِ) ( ).
ويجدر الالتفات إلى أن يعقوب  نبي ولم يسجد ولم ينصاع لطاعة يوسف  إلا بأمر الله، كما أن الملائكة سجدوا لآدم وانصاعوا لطاعته بأمر الله، وكما انصاع أبو طالب  لطاعة ابن أخيه وربيبه محمد لما بعث، مع إن أبا طالب  وصي من أوصياء إبراهيم ، وكان الحجة من الله على محمد قبل أن يبعث، وكما سجد يحيى  وهو في بطن أمه إلى عيسى  وهو في بطن أمه، وليس في هذا شرك كما يتوهم من يجهل الحقيقة، لأننا نسجد إلى الكعبة وهي حجر، لأن الله أمرنا بذلك، فماذا تريدون أن يفعل الملائكة إذ أمرهم الله أن يسجدوا لآدم ويجعلوه قبلتهم إلى الله، وآدم نبي وهو الطريق لمعرفة الله، وكذا ماذا تريدون من يعقوب  أن يفعل إذ أمره الله أن يسجد ليوسف  ويجعله قبلته إلى الله، هل تريدون من يعقوب  وهو نبي أن يعصي أمر الله ويخضع لثلة من الأعراب العجاف (الوهابيين وأشباههم)؟! الذين لم يفقهوا آية من كتاب الله، وهم يصرخون: هذا شرك هذا شرك. فأين أنتم من تسليم أصحاب رسول الله لما بدَّل الله القبلة، فبمجرد أن أدار رسول الله وجهه داروا وجوههم معه.
قال الباقر : (وذلك أن رسول الله لما كان بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو البيت المقدس في صلاته ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن وإذا لم يتمكن استقبل البيت المقدس كيف كان فكان رسول الله يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاثة عشر سنة، فلما كان بالمدينة وكان متعبداً باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً، وجعل قوم من مردة اليهود يقولون: والله ما درى محمد كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلاته بهدانا ونسكنا، فاشتد ذلك على رسول الله لما اتصل به عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة فجاءه جبرائيل ، فقال له رسول الله : يا جبرائيل لوددت لو صرفني الله تعالى عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم، فقال جبرائيل: فاسأل ربك أن يحولك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من بغيتك فلما استتم دعاءه صعد جبرائيل ثم عاد من ساعته فقال: اقرأ يا محمد: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾( ) الآيات. فقالت اليهود عند ذلك: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، فأجابهم الله أحسن جواب فقال: ﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾،وهو يملكهما، وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾( )،هو مصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم).
فقال أبو محمد  ( ): (وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله فقالوا: يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشر سنة ثم تركتها الآن أفحقاً كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل فإنما يخالف الحق الباطل، أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة ؟ فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال رسول الله : بل ذلك كان حقاً وهذا حق يقول الله: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده وقصده إلى مصالحكم فقال رسول الله : لقد تركتم العمل في يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام، ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده أفتركتم الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى باطل أو الحق إلي حق قولوا كيف شئتم. فهو قول محمد وجوابه لكم قالوا: بل ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق، فقال رسول الله : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق فقالوا: يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة ؟ فقال رسول الله : ما بدا له عن ذلك فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطاً، ولا يستحدث رأياً يخالف المتقدم، جل عن ذلك، ولا يقع عليه أيضاً مانع يمنعه من مراده، وليس يبدؤ وإلا لما كان هذا وصفه، وهو  متعال عن هذه الصفات علواً كبيراً. ثم قال لهم رسول الله : أيها اليهود أخبروني عن الله، أليس يمرض ثم يصح، ويصح ثم يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أليس يحيى ويميت؟ أبدا له في كل واحد من ذلك؟ فقالوا: لا، قال: فكذلك الله تعبد نبيه محمداً بالصلاة إلى الكعبة بعد أن تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس، وما بدا له في الأول، ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء؟ أبدا له في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال رسول الله : فكذلك لم يبدُ له في القبلة، قال: ثم قال: أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر؟ فبدا له في الصيف حتى أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا، قال رسول الله : فكذلك الله تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء، ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشييء آخر، وإذا أطعتم الله في الحالتين استحققتم ثوابه، وأنزل الله: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾( )، يعني إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه. ثم قال رسول الله : يا عباد الله أنتم كالمرضى، والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبره به، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، ألا فسلموا الله أمره تكونوا من الفائزين فقيل: يا ابن رسول الله فلِمَ أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ وهي بيت المقدس ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾( )، إلا لنعلم ذلك منه وجوداً بعد أن علمناه سيوجد، وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبع محمد من مخالفيه بإتباع القبلة التي كرهها، ومحمد يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمداً فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه. ثم قال: وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله إنما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي الله فعرف أن الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلى طاعته في مخالفة هواه) ( ).









إضاءة من فاتحة سورة يوسف
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾( ).
في هذه الآيات تفتتح مسيرة يوسف  إلى الله، أنها تذكير من الله العليم الحكيم ليوسف  بحقيقته التي ارتقاها في عالم الذر وغفل عنها بسبب حجاب الجسد لما خلقه الله وأنزله إلى هذا العالم الظلماني (عالم الأجسام)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾( )، أي إنكم كنتم في عالم الذر مخلوقين وامتحنكم الله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾( ).
وفي دعاء يوم الغدير الذي رواه عمارة بن الجوين أبي هارون العبدي، قال أبو عبد الله الصادق : (… فمن صلى ركعتين، ثم سجد وشكر الله  مائة مرة، ودعا بهذا الدعاء بعد رفع رأسه من السجود، الدعاء: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد وحدك لا شريك لك، وأنك واحد أحد صمد، ولم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد، وأن محمدا عبدك ورسولك صلواتك عليه وآله. يا من هو كل يوم في شأن، كما كان من شأنك أن تفضلت عليَّ بأن جعلتني من أهل أجابتك وأهل دينك وأهل دعوتك، ووفقتني لذلك في مبتدأ خلقي تفضلا منك وكرما وجودا، ثم أردفت الفضل فضلا، والجود جودا، والكرم كرما، رأفة منك ورحمة إلى أن جددت ذلك العهد لي تجديدا بعد تجديدك خلقي، وكنت نسياً منسياً ناسياً ساهياً غافلاً. فأقمت نعمتك بأن ذكرتني ذلك ومننت به على وهديتني له فليكن من شأنك يا الهي وسيدي ومولاي، أن تتم لي ذلك ولا تسلبنيه حتى تتوفاني على ذلك، وأنت عنى راض، فانك أحق المنعمين أن تتم نعمتك علي، اللهم سمعنا وأجبنا داعيك بمنك فلك الحمد، غفرانك ربنا واليك المصير، آمنا بالله وحده لا شريك له، وبرسوله محمد وصدقنا وأجبنا داعي الله واتبعنا الرسول في موالاة مولانا ومولى المؤمنين، أمير المؤمنين على بن أبى طالب عبد الله وأخي رسوله، والصديق الأكبر، والحجة على بريته، المؤيد به نبيه ودينه الحق المبين، علما لدين الله، وخازنا لعلمه، وعيبة غيب الله، وموضع سر الله، وأمين الله على خلقه، وشاهده في بريته. اللهم إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم، فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد. فإنا يا ربنا بمنك ولطفك أجبنا داعيك، واتبعنا الرسول وصدقناه وصدقنا مولى المؤمنين، وكفرنا بالجبت والطاغوت، فولنا ما تولينا، واحشرنا مع أئمتنا فإنا بهم مؤمنون موقنون ولهم مسلمون. آمنا بسرهم وعلانيتهم، وشاهدهم وغائبهم، وحيهم، ورضينا بهم أئمة وقادة وسادة، وحسابنا بهم بيننا وبين الله دون خلقه لا نبتغى بهم بدلاً، ولا نتخذ من دونهم وليجة، وبرئنا إلى الله من كل من نصب لهم حربا من الجن والإنس من الأولين والآخرين، وكفرنا بالجبت والطاغوت والأوثان الأربعة وأشياعهم وأتباعهم وكل من والاهم من الجن والإنس من أول الدهر إلى آخره …) ( ).
وقوله : (بعد تجديدك خلقي): أي انك خلقتني في هذه الدنيا بعد أن خلقتني في الذر، وقوله : (جددت ذلك العهد لي تجديداً): أي ذكَّرتَّني وجعلتني أقر بولاية أوليائك (الأنبياء والأوصياء ) في هذه الدنيا كما أقررت بها لما خلقتني في الذر بفضلك.
فلماذا لا تتذكرون، وأيضاً لماذا لا تسعون إلى الله ليذكركم ؟! وتتذكرون لما ترفع الحجب ويكشف للإنسان حقائق الملكوت كأنبياء الله ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾( ).
وأيضاً الخطاب في أول سورة يوسف  للرسول وهو خير خلق الله ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾( )، أي إنك يا محمد أنزلت إلى هذا العالم، وحجبت عنك حقيقتك وامتحنك الله بهذا الامتحان الثاني في هذا العالم، وكنت الفائز بالسباق مرة أخرى، بعد أن كنت الفائز بالسباق في الامتحان الأول في عالم الذر، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾( ).
قال رسول الله : (لم أكن أعلم ذلك حتى عرفنيه الآن جبرائيل ، وما كنت أعلم شيئاً من كتابه ودينه أيضاً حتى علمنيه ربي، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾) ( ).
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: (سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عَنِ الْعِلْمِ أَهُوَ عِلْمٌ يَتَعَلَّمُهُ الْعَالِمُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ، أَمْ فِي الْكِتَابِ عِنْدَكُمْ تَقْرَءُونَهُ فَتَعْلَمُونَ مِنْهُ ؟ قَالَ : الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْجَبُ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَما الْإِيمانُ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَيَّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُ أَصْحَابُكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيُقِرُّونَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَالٍ لا يدري مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا يَقُولُونَ. فَقَالَ لِي: بَلَى قَدْ كَانَ فِي حَالٍ لَا يَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّوحَ الَّتِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، فَلَمَّا أَوْحَاهَا إِلَيْهِ عَلَّمَ بِهَا الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ وَهِيَ الرُّوحُ الَّتِي يُعْطِيهَا اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ، فَإِذَا أَعْطَاهَا عَبْداً عَلَّمَهُ الْفَهْمَ) ( ).
إذن، فالأنبياء والأوصياء ممتحنون بهذا العالم، فكما حجب غيرهم وأغفل عن الامتحان الأول والإيمان الأول في عالم الذر، حجبوا ليكون هذا الامتحان الثاني عادلاً فالكل أغفلوا عن عالم الذر بحجاب الجسد، والمطلوب تجريد الروح بمرتبة ليعرف الإنسان الحقيقة وينظر في ملكوت السماوات، وقد تجرد الأنبياء والأوصياء، والمطلوب من الكل التجرد لينجحوا في الامتحان كما أن الله سبحانه وتعالى ساوى كل بني آدم في الفطرة لتتم كلمته سبحانه أنه هو العادل الحكيم، فالكل مفطورون على معرفة أسماء الله سبحانه، ليكونوا وجه الله وأسماءه الحسنى، وكل من قصَّر فحظه ضيَّع.
إذن، فهذه الرؤيا تذكير ليوسف ، بل وتذكير ليعقوب وتعريف له بهذا الابن، فهو وصيه والحجة من بعده، كحال رؤيا الإمام موسى بن جعفر التي نصت على إمامة الرضا من بعده.
عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن أسباط، عن الحسين مولى أبي عبد الله، عن أبي الحكم، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري، عن يزيد بن سليط الزيدي، قال: (لقينا أبا عبد الله  في طريق مكة ونحن جماعة، فقلت له: بأبي أنت وأمي أنتم الأئمة المطهرون والموت لا يعرى أحد منه فأحدث إلي شيئاً ألقيه إلى من يخلفني، فقال لي: نعم هؤلاء ولدي وهذا سيدهم وأشار إلى ابنه موسى  وفيه العلم والحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم ...
وقال يزيد: ثم لقيت أبا الحسن يعني موسى بن جعفر  بعد فقلت له: بأبي أنت وأمي إني أريد أن تخبرني بمثل ما أخبرني به أبوك، قال: فقال: كان أبي  في زمن ليس هذا مثله، قال يزيد فقلت: من يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك، ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة إني خرجت من منـزلي فأوصيت في الظاهر إلى بني فأشركتهم مع ابني علي وأفردته بوصيتي في الباطن ولقد رأيت رسول الله في المنام وأمير المؤمنين معه ومعه خاتم وسيف وعصا وكتاب وعمامة، فقلت له: ما هذا، فقال: أما العمامة فسلطان الله تعالى  وأما السيف فعزة الله  وأما الكتاب فنور الله  وأما العصا فقوة الله وأما الخاتم فجامع هذه الأمور، ثم قال رسول الله : والأمر يخرج إلى علي ابنك، قال ثم قال: يا يزيد إنها وديعة عندك فلا تخبر بها إلا عاقلاً أو عبداً امتحن الله قلبه للإيمان أو صادقاً ولا تكفر نعم الله تعالى وإن سئلت عن الشهادة فأدها فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾( )، وقال الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّه﴾( )، فقلت والله ما كنت لأفعل هذا أبداً.
قال: ثم قال أبو الحسن : ثم وصفه لي رسول الله فقال: علي ابنك الذي ينظر بنور الله ويسمع بتفهيمه وينطق بحكمته يصيب ولا يخطئ ويعلم ولا يجهل وقد ملئ حكماً وعلماً وما أقل مقامك معه، إنما هو شي‏ء كان لم يكن فإذا رجعت من سفرك فأصلح أمرك وأفرغ مما أردت فإنك منتقل عنه ومجاور غيره، فاجمع ولدك وأشهد الله عليهم جميعاً وكفى بالله شهيداً. ثم قال: يا يزيد إني أؤخذ في هذه السنة وعلي ابني سمي علي بن أبي طالب  وسمي علي بن الحسين ، أعطي فهم الأول وعلمه ونصره وردائه، وليس له أن يتكلم إلا بعد هارون بأربع سنين، فإذا مضت أربع سنين فاسأله عما شئت يجيبك إن شاء الله تعالى) ( ).
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾( ):
هذه الآية تبين أن الإنسان مفطور على الانجذاب إلى عالم الملكوت والرؤيا من هذا العالم القدسي، فالإنسان مفطور على تقبُّلِ الرؤيا وتصديقها والتفاعل معها، بل الرؤيا في كثير من الأحيان عبارة عن إخبار غيبي عما سيحصل في المستقبل، وهذا نراه في واقعنا، كما نراه ذُكر في القرآن والتوراة والإنجيل، فكل ما حصل في الملكوت حصل في الأرض. فأخوة يوسف إذا قص عليهم الرؤيا سيعلمون أنه خليفة الله ووصي يعقوب  دونهم، وربما تعاد قصة ابني آدم لذا حذَّر يعقوب  يوسف  أن يقص الرؤيا على إخوته، لأنهم بهذا الخبر الآتي من ملكوت السماوات، سيعلمون من حال يوسف  ما يسعر الحسد في نفوسهم ويجعلهم غرضاً للشيطان ليستفزهم بندائه ويعديهم بدائه.
لكن يعقوب  الذي نهى يوسف عن قصِ الرؤيا أصبح شديد الاهتمام بيوسف ، وكان هذا الاهتمام قربة لله، لأن يوسف  ولي من أولياء الله ووصي يعقوب ، لكن هذا الاهتمام أمسى سبباً ليكون يوسف غرضاً لكيد إخوته ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾( )، فهم يرون أنهم أحق باهتمام يعقوب  لأنهم أحق بخلافته من يوسف ، ويرون أن اعتماد يعقوب  على الرؤيا في تحديد وصيهُ يوسف  ﴿ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فلم يكونوا ليصدقوا بالرؤيا لأنها خالفت أهواءهم ولذا قرروا ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾( )، قَوْماً صَالِحِينَ أرادوا أنهم يكونون أوصياء يعقوب  وخلفاء الله في أرضه، فهنا تكررت قصة الحسد الأولى على هذه الأرض، قصة ابني آدم.
وكذلك يوسف هو وصي الإمام المهدي  وابنه، وإخوته هم علماء دين:
• عن سدير، قال: قال الإمام الصادق : (إن في القائم سنة من يوسف، قلت كأنك تذكر خبره أو غيبته ؟ فقال لي: وما تنكر هذه الأمة أشباه الخنازير أن أخوة يوسف كانوا أسباطاً أولاد أنبياء تاجروا بيوسف وباعوه وهم أخوته وهو أخوهم فلم يعرفوه حتى قال لهم: ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله  في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجته عنهم لقد كان يوسف يوماً ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة في تسعة أيام إلى مصر، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله  يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتى يأذن الله  له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف حين قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾( )) ( ).
• وقال الإمام الباقر : (إن صاحب هذا الأمر فيه سنة من يوسف ابن أمة سوداء، يصلح الله أمره في ليلة واحدة) ( ).
فكل ما جرى ليوسف يجري للمهدي الأول وصي الإمام المهدي  واليماني الموعود.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾( ):
وهذه الآية تكررت مع عيسى  فلما أراد علماء اليهود لعنهم الله قتله اعترض عليهم أحدهم ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ لا تقتلوا عيسى  ……
وهذا ديدن علماء الدين غير العاملين في كل زمان يحاولون قتل الأنبياء والأوصياء لكي لا يتبعهم الناس وينجون من النار المستعرة في قلوب هؤلاء العلماء غير العاملين، ولكي يبقى الناس يتوهمون أن العلماء غير العاملين هم الطريق إلى الله بينما هم طريق إلى الشيطان و إلى جهنم بل هم جهنم، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾( ).
وكما عادت هذه الآية مع علي  وصي رسول الله وعادت مع وصي الإمام المهدي ، فتدبروا يا أولي الألباب فإن في قصصهم عبرة فاعتبروا بها وتعلموا منها، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾( )، فالامتحان كل مرة يعاد وكل مرة تفشلون وبين قولين ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ … وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وهكذا كل مرة ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾( ).
متى تلتفتون إلى آيات الله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾( )، الآن التفتوا فإنّ في قصة يوسف آيات للسائلين، سائلين الله تمام العقل، في سورة يوسف ذُكرت النبوة وليس الرسالة كما بيَّنتُ، فسورة يوسف في مقام بيان المواجهة بين العبد وربه، بين الرسول وربه، وليست في مقام بيان مواجهة الرسول مع الناس، فهي في بيان النبوة لا في بيان الرسالة، ولذلك فهي آيات لسائلين الله تمام العقل، آيات لأولياء الله، آيات لأصحاب القائم ، آيات للسائرين إلى الله، آيات في طريق الله لسائلين الله الهداية، وقد بيَّن تعالى في أول سورة يوسف ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾( )، أي ترتقون إلى السماء السابعة الكلية سماء العقل فتتم عقولكم.
ولا يبعث نبي حتى يتم عقله، ويمسح القائم  (وهو يد الله) على رؤوس أصحابه فتتم عقولهم، أي يمسح على رؤوسهم بالعلم وتتم عقولهم إذا عملوا بهذا العلم وارتقوا في ملكوت السماوات إلى السماء السابعة، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾( ).





إضاءة من قصة ابني آدم وإخوة يوسف 
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾( ).
هابيل تقبل الله منه وأصبح وصي آدم  وقابيل لم يتقبل الله منه، فحسد قابيلُ هابيلَ وهدده بالقتل، فكان رد هابيل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وقتل قابيلُ هابيلَ ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾، إذن ندم وخسارة لا دنيا ولا آخرة.
لم يكن الأوصياء ينظرون أن الدنيا شيء، لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فمالهم وملك لا يبقى وذكر في الدنيا يفنى مع فنائها.
وهذه الحالة (حالة ابني آدم) كم تكررت، ولذا قال تعالى: أتل، أي اقرأها عليهم وبينها لهم وعرفهم بها؛ لأنها حالة تتكرر في كل زمان ومع كل وصي، فهذا السامري ابن خالة موسى  وقائد جيشه يحسده ويقتله، لأنه قتل قضية موسى ، لما أضل بني إسرائيل، بل أراد ومن كان معه قتل هارون  وصي موسى ، ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾( ).
ومع هذا فإن موسى  لما رجع لم يقتل السامري بل ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاس﴾( )، وكأنهما هابيل وقابيل، حالة تتكرر مع كل وصي، فهذا يهوذا الاسخريوطي يريد قتل عيسى  وتسليمه لعلماء بني إسرائيل، وهكذا مع كل وصي تجد قابيل وسامري ويهوذا الاسخريوطي، فمع علي  تجد عمر حسده وقتله لما قتل قضيته واغتصب إمامته، والأوصياء ينظرون إلى هداية الناس وتعريفهم بالله، وهؤلاء قابيل والسامري ويهوذا الاسخريوطي وعمر ينظرون إلى الملك والذكر في هذه الدنيا الفانية الزائلة مع أهلها وذكرها.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ …﴾ في كل زمان اتل عليهم، أي في كل زمان تجدون ابني آدم، وصي مظلوم مهضوم مغصوب الحق مقتول شخصه أو شخصيته، وقاتل ملعون يغتصب حق الوصي، في كل زمان تتلى هذه الآية في أرض الواقع ولا يلتفت الناس ولا يتعضون ولا يتذكرون، بل تستمر الغفلة والجهل، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾( ).
وكذا الحال مع يوسف  وإخوته ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾( ). ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ بَنِي إِسْرائيلَ: هم أولاد يعقوب ، الأسباط والمراد منهم هنا الأوصياء ، وفي هذه الأمة هم آل محمد المفضلون على العالمين: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾( )، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾: أي على الأوصياء ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾، فمن قتل وصياً قتل كل الناس، لأن الوصي والنبي هو أبو الأمة وقائدها وإمامها، فالذي يقتل شخص أو شخصية الإمام، يقتل الأمة، لأنه يتسبب في ضلالها وانحرافها، ومن نصر الوصي أو النبي وأظهر أمره وأيده وبيَّن أمره للناس ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾.
والرسل جاءوا بالبينات ومع ذلك فإن الناس قتلوهم، قتلوا أشخاصهم وشخصياتهم، واتبعوا كل مسرف متكبر ملعون ينتحل مقام الأوصياء كالسامري وأمثاله ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾، وكذا الحال مع وصي الإمام المهدي  فمن أحياه فكأنما أحيا الناس، كل أهل الأرض، لأنه بعث ليهدي أهل الأرض ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾( )، ومن قتل وصي الإمام المهدي  فكأنما قتل الناس جميعاً، كأنما قتل محمداً وعلياً وفاطمة والأئمة والأنبياء والأوصياء والمرسلين .















إضاءة من الجب
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾( ).
أراد يعقوب  بالذئب النفس الأمارة بالسوء، ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ عن ذكر الله، وتذكر حالكم في الذر، وفي بداية سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾( )، فأنتم غافلون عن الذئب المستعر في بواطنكم، أي أنفسكم الأمارة بالسوء، كغفلتكم عن حالكم في الذر الأول، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾( ).
فلما ألقوه في الجب بيَّن لهم يعقوب هذا الذئب الذي أكل يوسف: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾( )، وفي الجب رأى يوسف  أن هذه الذئاب سيهذبها الجوع وستأتيه خاضعة ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾( )، رأى يوسف في الرؤيا هذه الذئاب تتخضع بين يديه ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾( )، وهو يذكرهم أنهم كانوا الذئاب التي أكلته من قبل ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾( )، ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾( )، لا تذكرون الله، غافلون عن ذكر الله وهذه آية للسائلين، فإذا اجتمع الجهل والغفلة أمسى الإنسان ذئباً متوحشاً لا يعرف الرحمة، فيعقوب يخاطبهم ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾( )، ويوسف يخاطبهم ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾، ويوسف الوصي النبي المرسل ماذا يكون رده على إخوته الذين حسدوه وأرادوا قتله ؟ ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾( ). إنه كرد هابيل ابن آدم أول وصي مقتول على من أراد قتله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وكرد موسى  على السامري الذي أراد قتل هارون وموسى : ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاس﴾.
قصة كل مرة تتكرر، فهل من متذكر، وهل من معتبر إن ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾( ).
وبعد الجريمة يأتي الإعلام ليقلب الحقائق، وربما يجعل من القاتل مقتولاً ومن المقتول قاتلاً، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾( ).
ولم يكتفِ الذئب البشري بإلقاء يوسف  في الجب وتزوير الحقائق، بل ذهب في التنكيل بيوسف إلى أبعد من هذا، فلما أخرجه أهل القافلة من الجب وفرحوا به جاءهم الذئب، وقال هذا عبدي، ولم يقل إخوة يوسف عن يوسف إنه عبدنا ليبيعوه ويحصلوا على المال من أهل القافلة، بل للتنكيل بيوسف وتسليمه إلى الرق والعبودية، فهم باعوه بثمن بخس دراهم قليلة، وذلك لأنهم زاهدون فيه يريدون الخلاص منه بكل صورة، ويريدون أن يجعلوه عبداً مملوكاً بكل طريقة ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾( ).




إضاءة من الابتلاء الواقع في الطريق إلى الله
في مسيرة يوسف  إلى الله، في مسيرة التكامل الإنساني التي خاضها يوسف  على هذه الأرض، كان للابتلاء مساحة واسعة، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل في شدة الابتلاء التمكين، فبعد أن أصبح يوسف  عبداً مملوكاً في مصر، وفي بيت عزيز مصر بالخصوص ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً …﴾، نجده تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾( )، فسيأتي التمكين من هذا القيد قيد العبودية، فالشيطان (لعنه الله) يمكر ويكيد بيوسف ، ولكن ﴿… مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾( )، والله سبحانه يبدل السيئات بالحسنات، وذل العبودية بعز الملك ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾( )، فكلما مكر الشيطان بيوسف وخطط لإيذاء يوسف ، مرة بإخوته ومرة بالجب ومرة بالعبودية ومرة بامرأة العزيز ومرة بالسجن تنقلب هذه الأمور إلى مسيرة يوسف  إلى ملك مصر، فكل خطط الشيطان ومكره أصبحت أحداثاً توالت وهي تدفع وتقرب يوسف مرة بعد أخرى من ملك مصر، فمع أن الشيطان (لعنه الله) أراد إيذاء يوسف  والإضرار به باعتباره عدوه، ولكن مكر الشيطان انقلب إلى خطة محكمة لتمكين يوسف  من ملك مصر ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾( ).
وأرجو أن لا تفوتني وتفوتكم الفرصة من أن نستضيء بنور هذه الآية ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، وأرجو من الآن أن نتخذ القرار الصحيح، إما أن نكون من الغافلين الجاهلين الذين لا يعلمون، أو أن نصبح من الذاكرين المتذكرين الذين يُعلمهم الله.

إضاءة من السجن
في السجن يوسف  نبي مرسل لا يترك الدعوة إلى الله، فلابد أن يكون هناك تأثير في نفوس السجناء، كأي مجتمع إنساني في مواجهة رسالات السماء، ولابد أن ينقسم المجتمع إلى جهتين جهة تؤمن وجهة تكفر، هكذا انقسمت المجتمعات التي بعث فيها الرسل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾( ).
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾( )، والفتيان اللذان دخلا معه السجن كذلك فأحدهما كان قريباً من الإيمان برسالة يوسف والثاني مكذباً، وهما مختلفان في هذه الرسالة بين التصديق والتكذيب، أقبلا على يوسف  أحدهما رأى رؤيا هي: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾( )، والثاني مكذب برسالة يوسف ، فكذب ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾( ) وكان يريد ان يؤوِّل يوسف  كذبه، ليطعن برسالة يوسف ، فهما إذن اقبلا على يوسف ليحلا خلافاً بينهما حول رسالة يوسف  ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولذا قال يوسف في آخر كلامه معهما ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ فحصول ما أخبرهما به يوسف ، سيثبت أن الرؤيا حق من الله، ولا ينكرها إلا القوم الكافرون وبالتالي تثبت نبوة يوسف ، التي كانت تدور حول الرؤيا، ولذا ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ترقبا هذا ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾، وبهذا يحسم النـزاع ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾( ).
فعاقبة الإيمان خير الدنيا والآخرة، وعاقبة الكفر خسارة الدنيا والآخرة، وهذا ما حصل معهما، فهما جاءا مختلفان حول رسالة يوسف .
كما أن يوسف لم يُؤوِّل الرؤيا في أول كلامه، بل بيَّن لهم رسالته، وأنه مؤيد بملكوت السماوات، ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾( )، وانه يدعو إلى توحيد الله ونبذ عبادة العباد للعباد ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾( ).
ثم انتقل يوسف إلى تأويل رؤيا الصادق، وتأويل الرموز التي رتبها الكاذب، فينجو الصادق بصدقه، ويهلك الكاذب بكذبه وتكذيبه على الله وبرسالة يوسف .
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا...﴾( )، والظن هنا بمعنى اليقين قال تعالى: ﴿... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾( )، أي أنهم على يقين من لقاء الله. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾( )، أي تيقن أن الله لن يضيق عليه رزقه.
وأوحى الله ليوسف : إن هذا السجين سينجو وسيكون قريباً من الملك (برؤيا السجين)، وأوحى الله ليوسف : إن الملك سيخرجه من السجن وإن هذا السجين سيكون سبب خروجه من السجن، ولهذا قال له يوسف : ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، أراد بهذا أن يبين لهذا السجين علمه بالغيب، عندما سيضطر في المستقبل إلى ذكره عند الملك، كما أراد لفت انتباه السجين إلى حاله وليذكره في المستقبل عند الملك إذا رأى الرؤيا التي ستكون سبباً في خروج يوسف  من السجن.
وهنا التفت يوسف  إلى الأسباب، ومع أنه لم يغفل عن مسبب الأسباب كما توهم بعضهم أنه طلب معونة السجين والملك وغفل عن الله سبحانه، ولكن مع هذا فإن يوسف  أشرك عندما جعل للأسباب قيمة ووزناً في ميزانه، وهو  الذي لمس آيات الله ومعجزاته التي نجا بها فيما مضى من حياته، وهذا الشرك الخفي ذُكر في آخر سورة يوسف ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾( ).
عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد الله ، قال: (إن يوسف أتاه جبرائيل فقال له: يا يوسف إن رب العالمين يقرؤك السلام ويقول لك من جعلك في أحسن خِلقة ؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض، ثم قال أنت يا رب، ثم قال له: ويقول لك من حببك إلى أبيك دون إخوتك ؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض وقال أنت يا رب، قال ويقول لك: من أخرجك من الجب بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة ؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض، ثم قال أنت يا رب، قال: فإن ربك قد جعل لك عقوبة في استغاثتك بغيره فلبثت في السجن بضع سنين، قال: فلما انقضت المدة، وأذن الله له في دعاء الفرج، فوضع خده على الأرض، ثم قال: (اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فاني أتوجه إليك بوجه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب) ففرج الله عنه.
قلت: جعلت فداك أندعو نحن بهذا الدعاء ؟ فقال ادع بمثله: اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فاني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة ) ( ).
قال يوسف  للسجين: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وسبب التفات يوسف للأسباب هو الشيطان ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فكانت النتيجة: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾( )، وهذا الشيطان (أي الشر) هو الظلمة التي لا يخلو منها مخلوق، فالنور الذي لا ظلمة فيه هو الله سبحانه، ومع ان هذه الظلمة قليلة في كيانات الأنبياء النورانية المقدسة، ولكنها موجودة ولها أثر على حركتهم ، ولهذا فهم يحتاجون إلى العصمة من الله ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾( ).
فلولا هذه الظلمة لما احتاجوا إلى العصمة، ومن يعتقد غير هذا فهو ينـزلهم منـزله الله سبحانه عما يشركون، وهذه المغالاة في التنـزيه لهم حتى يوصلهم بعض من يجهل الحقيقة إلى مرتبة نور لا ظلمة فيه، هي شرك يخطأ من يعتقده، كما ان من يستخف بعصمتهم وبحقهم ومرتبتهم يكفر بحقهم ويخطأ، وقد بيَّن سبحانه في القرآن أثر هذه الظلمة في مسيرة الأنبياء في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾( )، والذي نسى وأنساه الشيطان هو فتى موسى  وهو يوشع بن نون نبي من أنبياء بني إسرائيل ووصي موسى  الذي فتح الأرض المقدسة، ومع هذا فلا بد من ملاحظة ان الله سبحانه وتعالى جعل الأنبياء محط نظره، فحتى ما يحصل بسبب هذه الظلمة يكون في النتيجة سبباً يوصلهم ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ فأصبح نسيان الحوت سبباً دلهم على العالِم  ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾( )، أو يزيد علمهم ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾( )، فبعد أن تعلم داود  من هذه الحادثة أن لا يتكلم إلا بعد أن يسمع الخصمين، خاطبه تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾( ).
ثم استفاد يوسف  من هذه الحادثة قبل وبعد خروجه من السجن وهو في مسيرته التكاملية إلى الله ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾( ).
إذن، يوسف  يقول: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾، فالذي أخرجه من السجن الله فقط لا غير، والذي جاء بأهله إلى مصر الله فقط لا غير، عمي يوسف عن الأسباب ولم يعد يرى إلا مسبب الأسباب، فمن ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ إلى أن الله فقط هو الذي (أَحْسَنَ بِي، أَخْرَجَنِي، وَجَاءَ بِكُمْ)،لم يعد يوسف يرى إلا الله، أما الملك الذي كان سبباً في خروجه من السجن، فلم يكن يوسف ليراه الآن، وهو الذي جاء بأهله من البدو ومع ذلك لا يرى نفسه، لقد انتقل يوسف  إلى مرتبة أعلى وارتقى في ملكوت السماوات، لقد أصبح يوسف  يرى بوضوح كامل انه لم يصب خيراً قط إلا من الله، ولم يصرف عنه سوءاً قط أحد سوى الله.
إذن يوسف عرف الحقيقة الآن، والذي يعرف الحقيقة يكون كحمامة الزاجل همها الرجوع إلى البيت الذي أُطلِقت منه، وهكذا لم يكن دعاء يوسف  في النهاية بعد أن أتاه الله الملك والعلم إلا ..... تَوَفَّنِي ..... ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾( )، فلأن يوسف عرف الحقيقة يريد أن يعود إلى الحقيقة التي عرفها والتي خرج منها، وهكذا يدعو الحسين  في يوم عرفة (يوم معرفة الله): (إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، حتى ارجع إليك منها كما دخلت إليها منك، مصون السر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير) ( ).
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾( ).


إضاءة من رؤيا ملك مصر
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾( ).
الرؤيا (الصادقة) حق من الله سبحانه وتعالى سواء رآها نبي كيوسف  أو رآها باحث عن الحقيقة كالسجين الأول أو رآها كافر غافل عن ذكر الله كفرعون مصر. وسورة يوسف  دارت حول هذه النقطة، الرؤيا حق من الله ينكرها الكافرون بالله كملأ فرعون ويؤمن بها المؤمنون بالله كالسجين الأول ويوسف ، أما من يرى الرؤيا فلابد أن يكون لها أثر في نفسه سواء كان مؤمناً أم كافراً، فملك مصر لم يكن مؤمناً، ولكنه لم يقبل إهمال رؤياه على أنها أضغاث أحلام، كما قرر ملأه وزبانيته.
وبدأت رحلة البحث عن حقيقة هذه الرؤيا، فمرت بملأ فرعون الكافرين فأهملوها واستخفوا بها، وكذلك يتابعهم اليوم الجاهلون، ثم انتقلت إلى السجين الأول الذي نجا بايمانه وتصديقه يوسف  وأُرسِلَ إلى السجن.
فبماذا خاطب يوسف  ؟
خاطبه خطاب مؤمن مصدق له، فإذا رجعنا إلى حاله لما تقدم هو وصاحبه إلى يوسف  في السجن ليسأله عن رؤياه، قال مع صاحبه: ﴿.. نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾( )، وهذه العبارة لا تعبِّر عن القطع بصدق يوسف ، أما الآن فهو يقول: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا...﴾ ( )، أي بيّن لنا ما سيحصل حقاً وصدقاً فأنت صادق بل خيرة الصادقين ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ فهذا الشخص (السجين الأول) الآن مؤمن بالرؤيا حتى وان كان من رآها فرعون مصر، بل ويأخذ كلام يوسف حول الرؤيا على انه سيحصل يقيناً ﴿.. أَفْتِنَا ..﴾ إلا ما شاء الله رب العالمين.
ونتيجة هذه الرؤيا التي رآها فرعون مصر الكافر، أن عمل بها يوسف  فطلب على أساسها ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾( )، ثم بنى اقتصاد مصر على أساس هذه الرؤيا، وعمل على أساسها فرعون مصر الكافر، فأخرج يوسف  من السجن وخاطبه فقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾( )، وكانت نتيجة الرؤيا: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾( ).
وهذه الرؤيا ليس فيها نبي ولا وصي، ولكنها حق من الله، وصدَّقها صاحبها فرعون الكافر، والسجين المؤمن، ويوسف ، واليوم ماذا حصل ؟ يرى المؤمنون رؤيا بالرسول محمد وفاطمة  والأئمة  يقولون هذا هو الحق، فيقول لهم العلماء غير العاملين قرناء ملأ فرعون: هذه أضغاث أحلام. أو أنهم يقولون قولاً ازدادوا به طغياناً وكفراً على ملأ فرعون، وذلك بقولهم: إن الشيطان (لعنه الله) يتمثل بخيرة الله من خلقه محمد وآل محمد والأنبياء والمرسلين .











إضاءة من نبوة يوسف
الآن، نعود إلى التركيز في ذكر يوسف  في القرآن كنبي لا كمرسل، أي على علاقته مع الله أو ارتباط قضيته بالله، لا على ارتباط قضيته بالناس وتبليغهم، وقبل بيان الحكمة من ذلك (ومع أنها اتضحت مما سبق)، يجب أن نلاحظ أن نبوة يوسف  كانت الرؤيا والكشف محوراً أساسياً فيها، فهو يرى رؤيا والسجين يرى رؤيا وفرعون يرى رؤيا، وكلها بالنتيجة تؤيد أحقية يوسف  ونبوته ورسالته.
إذن، فالرؤيا طريق لوحي الله إلى يوسف، والرؤيا طريق لإثبات نبوة يوسف  ورسالته ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾( )، ومن البينات الرؤيا التي رآها كثيرون تؤيد نبوة يوسف.
وإذا عرفنا أن يوسف في زمن ظهور الإمام المهدي  هو وصيه (اليماني)، فقولهم : إن فيه سنة من يوسف وهي السجن، قطعاً ليست في الإمام المهدي ، لأنه لا يسجن كما هو معروف، بل هي في المهدي الأول (اليماني)، إذن فلابد أن تتكرر مع المهدي الأول قصة يوسف  (بل وقصص الأنبياء والأئمة )، فتكون الرؤيا محوراً أساسياً لإثبات حقه، كما كانت محوراً أساسياً لإثبات حق يوسف .
• عن عبد الله بن عجلان، قال: (ذكرنا خروج القائم  عند أبي عبد الله  فقلت: كيف لنا نعلم ذلك ؟ فقال : يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة اسمعوا وأطيعوا ) ( )، وهذه الصحيفة هي رؤيا رآها النائم قبل أن يستيقظ صباحاً.
• عن البيزنطي، قال: (سألت الرضا  عن مسألة الرؤيا، فأمسك ثم قال : إنا لو أعطيناكم ما تريدون لكان شراً لكم وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر) ( )، أي أن الرؤيا مرتبطة برقبة صاحب هذا الأمر، أي أن الرؤيا دليل يدل المؤمنين على المهدي الأول.
• عن أبي بكر الحضرمي، قال: (دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله  وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان، فقلنا: ما ترى، فقال: اجلسوا في بيوتكم فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح) ( )، واجتماع أهل البيت على رجل في زمن الظهور لا يكون إلا في الرؤيا.
إذن، فالحكمة من ذكر نبوة يوسف  وعلاقته مع وحي الله، والرؤيا منه بالخصوص، هو ليستفاد منها الناس والمؤمنون بالخصوص، فالسنة الإلهية لا تتبدل ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾( ).
فالسجينان كانا مع يوسف  وأحدهما مؤمن ونجا مع يوسف  وفاز بخير الدنيا والآخرة، والثاني كافر وصلب وأكلت الطير من رأسه، وكذلك مع عيسى  أو مع شبيه عيسى  (المصلوب) بالخصوص تكرر السجينان وصلبا معه، وأحدهما مؤمن سقي من خمر الجنة بعد صلبه وموته، والثاني كافر صلب وأكلت الطير من رأسه، وهكذا تتكرر القصة على هذه الأرض، وتتكرر نفس المقدمات ونفس النتائج والمعطيات ولكن: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾( ).