إصدارات أنصار الإمام المهدي / العدد (5)



إضاءات
من دعوات المرسلين


الجزء الأول


السيد أحمد الحسن


طبعة منقحة




الطبعة الثالثة
1431هـ - 2010 م









لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن 
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
أنصار الإمام المهدي (ع) اتباع الإمام احمد الحسن اليماني (ع) - انصار الامام المهدي (ع)




































الإهداء
إلى من علموني كيف أقف مع الحق ولا أبالي ولا أستوحش من الوحدة
إلى من علموني زهادة الدنيا وخستها
إلى من لي الشرف وكل الشرف أن أتمرغ بالتراب الذي وطئته أقدامهم
إلى السادة الكرام أنبياء الله ورسله عليهم السلام .






























والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين.

إضاءات من دعوة نوح 
1- نوح  أول الأنبياء أولي العزم مبعثاً، ودعوته لقومه فيها شيء من اللين والموعظة الحسنة، والظاهر حتى الإنذار في دعوة نوح  كان يصب في هذا القالب ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾( ) فلم يشتد معهم حتى في الإنذار، مع أنهم طغاة عتاة ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾( ).
وهذا قوله  في سورة الأعراف: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾( ).
وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾( ).
وقال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾( ).
فالإنذار مرة يقرن بالرحمة ومرة بالخوف عليهم من العذاب، وهذا اللين من نوح  إما للتقية وتجنب الاصطدام الشديد مع الكفار وما يجره من ضرر على المؤمنين، وإما طلباً لترقيق قلوبهم وتليين جانبهم، وفي النهاية طمعاً في إيمانهم وهذا الوجه الأخير أرجح من التقية، وذلك لأنه عندما علم من الله أنه لن يؤمن أحد من قومه غير الذي آمنوا، اشتد معهم وسخر منهم وهددهم وتوعدهم بشدة وغلظة، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾( ).
2- الصبر والمطاولة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً … ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾( ).
والصبر والمطاولة مطلوبان لمن رجا إيمان من يدعوهم، فكثير من الناس تدعوهم إلى الحق فلا يؤمن أول وهلة، بل يواجهك بشدة وغلظة، ولكن مع مرور الأيام يوفق للإيمان بالحق، وربما يصبح من دعاة الحق المخلصين.
3- الالتجاء إلى الله والتوكل عليه سبحانه والاعتماد على تخطيطه وتدبيره سبحانه، بل وطلب النصر من الله بعد اليأس من إيمان من بقي على الكفر، ربَّ ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر﴾( ).
4- الرحمة بالمؤمنين وخفض الجناح لهم، والإعراض عن ماضيهم قبل دخولهم في الدعوة مهما كان هذا الماضي، بل والدفاع عن هؤلاء الثلة والاعتزاز بهم، ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾( ).
5- العمل الدؤوب للنجاة من الفيضان، وذلك بصنع السفينة المباركة وتهيئة الطعام للناس والحيوانات وتهيئة العدة والعدد، وهذا أمر لا يتصور أنه يسير، بل على العكس هو أمر صعب، والذي يقوم به لابد أنه يواجه مشاكل كثيرة، خصوصاً إذا كان منبوذاً من قومه، وبالتالي لا يملك الكثير من الإمكانيات لأداء هذه المهمة الكبيرة، ومن هنا نتصور كم كان صبر نوح عظيماً، وكم كان توكله واعتماده على الله الواحد القهار عظيماً، وكم كانت الرحمة الإلهية والفضل الإلهي الذين شملا نوحاً عظيمين، فكان عليه السلام يعمل بيد تكاد تكون خالية إلا من رحمة الله، وكان يعمل في مجتمع لا يعرف إلا الاستهزاء به والسخرية والتهكم.
6- اليقين ولا أقصد اليقين بوجود الله سبحانه أو بنبوته ، بل أقصد اليقين بالنصر على الظالمين والتسلط على رقابهم، وهذا اليقين جعل نوحاً  قوي العزيمة، يبلغ رسالة السماء، ويصبر على الأذى، ولا يأبه باستهزاء القوم، بل هو يستهزئ بهم، حيث أنه واثق من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾( ).

الخلاصة:
الدعوة إلى الحق بلين ورحمة ورقة، ثم المبالغة في الرحمة لمن يؤمن بالحق، والصبر على من لم يؤمن في البداية لعله بعد ذلك يؤمن بالحق والعمل ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية، لإيصال الحق دون ملل وكلل ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾( )، وفي كل هذه الأحوال لابد من اليقين بالنصر الإلهي، والالتجاء إلى الله والتحصن به والتوكل عليه، توكلاً حقيقياً بمعنى أن يكون العبد مصداقاً للآية الكريمة (لا قوة إلا بالله).


إضاءات من محاججة نوح  مع قومه
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً …﴾( ). نوح  كجميع الأنبياء، أرسلوا لإصلاح الفساد العقائدي والتشريعي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وحججهم بسيطة خالية من التعقيد، لا تحتاج إلى النظر الكثير والتحقيق الخطير ليتضح أنها الحق المبين، ولكنها عندما تلقى على قوم لوثوا فطرة الله وصبغوا أنفسهم بغير صبغة الله، تصبح في غاية التعقيد والإبهام لأنها ألقيت على قوم لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم آذان لا يسمعون بها.
واعتراضات القوم:
1- أنت بشر مثلنا ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾.
2- اتبعك البسطاء ضعيفو الرأي ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
3- نظنك كاذباً أنت ومن معك ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾( ).
وجميع هذه الاعتراضات بعيدة عن محور الرسالة والقضية المطروحة للمناقشة، فهذه مغالطات وسفسطة، بل هي اعتراضات واهية يقنعون بها أنفسهم المتكبرة، ويستخف بها العلماءُ المستضعفين في الأمور الدينية، وأتباعهم ومقلديهم، الذين يغلب عليهم الجهل والعمى، ﴿قال الملأ من قومه﴾ الملأ أصحاب السلطة الدينية والدنيوية، ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾( )، ليس فقط ضلال، بل مبين واضح جلي بالنسبة لهم !!
لأن نوحاً جاء ليدعو الناس إلى عبادة الله والمساواة والعدالة والرحمة والتقوى، وهذه الأمور تعترض مسيرتهم الشيطانية في استخفاف الناس، وقيادتهم الدينية والدنيوية، وما تجلبه لهم هذه الرئاسات الباطلة من ترف وجاه وقدسية مزيفة.
ولهذا فلا داعي للنظر في ادعاء نوح ، بل يكفي أن يقول الملأ (القيادة وخصوصاً الدينية): إن نوحاً في ضلال مبين جلي، ليقول جميع الناس الذين أنسوا التقليد والإتباع الأعمى: إن نوحاً في ضلال مبين، ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾( ).



إضاءات من دعوة إبراهيم 
1- المواجهة بشدة وقسوة لا لين فيها، فإبراهيم يواجه قومه فيقول: ﴿… مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ* قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ … وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾( )، هنا المواجهة تنتقل بسرعة عجيبة من الجدل والمحاججة اللسانية إلى الإنكار باليد واستخدام السلاح الفتاك في حينها - الفأس-، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾( )، وجاءوا بإبراهيم المؤمن الوحيد بين جموع علماء ضلالة ومقلدين عميان وعبيد طاغوت، ولم يستسلم إبراهيم ولم يتخذ جانب اللين، بل واجههم بقسوة وشدة، سألوه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾( ) فأجابهم بسخرية وتهكم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾( ).
اسألوهم يا عميان، يا من لوثتم فطرتكم التي فطركم الله عليها، اسألوهم يا من صبغتم أنفسكم بصبغة غير صبغة الله، اسألوهم يا من حجبتم أنفسكم بعلوم مليئة بالجدل والسفسطة الشيطانية، وادعيتم أنها تمثل الدين، اسألوهم يا منكوسون؟! فلم يجدوا جواباً له إلا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾( ). فأجاب هذا النبي العظيم هذه الجماعة الملعونة المنكوسة بغلظة: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾( ). ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾( ).
وفي النهاية لم يجدوا جواباً لإبراهيم ، إلا النار التي استعرت في أجوافهم، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾( )، وهنا تمتد يد الرحمة الإلهية لتغشى هذا المؤمن الذي غضب لله، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ … * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾( ).
2- لا مطاولة في دعوة إبراهيم ، بل هي مواجهة سريعة تتوالى فيها الأحداث بسرعة مذهلة.
3- تحديد الهدف والضربة التي تقصم ظهر الباطل، والاصطدام مع الباطل بقسوة وسرعة دون حساب للقياسات المادية، وما لأهل الباطل من سلطة دنيوية ودينية تمكنهم من استخفاف الناس. عندما يكون العبد على يقين أن لا قوة إلا بالله يواجه الملايين وحيداً دونما اكتراث لعددهم وعدتهم، لأن عدده وعدته الواحد القهار سبحانه وتعالى.

الخلاصة:
أهم ما في دعوة إبراهيم ، هي الشدة والمواجهة العلنية السريعة، وطبعاً هذه المواجهة كانت مسبوقة بمواجهة سرية، كان من نتائجها إيمان لوط بدعوة إبراهيم.







إضاءة من دعوة إبراهيم ونوح
لم يتحدث القرآن عن معجزة جاء بها نوح أو إبراهيم لإثبات صدقهما، لأن المعجزة تأييد لدعوة الأنبياء، وليست إثباتاً لصحة الدعوة. فدعوتهم للعودة إلى الفطرة، فطرة الله لا تحتاج إلى دليل، لأنها الفطرة التي فطر الناس عليها، وهي الحق وعبادة الله وحده وتسبيحه وتقديسه والتحلي بالأخلاق الكريمة التي فطر الإنسان على حبها، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة. فالفراش ينقض على النور، ولكن عندما تخرب مجساته البصرية يركن إلى الظلام، وهكذا الإنسان، فالأنبياء والمرسلون يقومون بحجة الله البالغة، ويرفعون الحجب عن بصيرة الإنسان، ثم يتركونه يختار؛ إما أن يفتح عينيه ويتجه إلى النور، أو يغمض عينيه ويسدل على نفسه الحجاب ويتقوقع على نفسه في ظلمات بعضها فوق بعض، ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾( ).
وأعظم دليل على صدق الأنبياء هو سيرتهم المباركة وأخلاقهم الطيبة وكل إناء بالذي فيه ينضح.
ومع هذه السيرة الكريمة والمعجزات العظيمة التي جاء بها الأنبياء، لم يعجز أهل الباطل عن المعارضة بالمغالطة والسفسطة الشيطانية، وخصوصاً علماء الضلالة، بعد أن صبغوا الناس بصبغتهم، وهي تلك الصبغة الباطلة التي عارضوا بها صبغة الله سبحانه، وهكذا صنعوا لهم أرضية خصبة في المجتمع الإنساني، لتقبل منهم كل شيء، وتتابعهم في كل شيء، فزهد الأنبياء جنون، ومعجزاتهم سحر، وحكمتهم شعر.






إضاءات من دعوة موسى
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾( ).
ها نحن ندخل مع موسى  - بعد أن آتاه الله الحكمة والعلم - المدينة، عاصمة فرعون التي ملأها بالفساد والطغيان وقتل المؤمنين والاعتداء على الأعراض وتسخير المستضعفين لخدمة آلته الإجرامية الضخمة، وها هو موسى يقترب من رجلين أحدهما مؤمن إسرائيلي، والآخر رجس من جنود فرعون يريد تسخيره وإذلاله، والإسرائيلي يأبى الذل والمهانة التي ضاق بها ذرعاً معظم بني إسرائيل، ويبادر موسى  فيقتل اللعين ويصفه من عمل الشيطان وصنيعته، وكما أن الشيطان عدو لله مضد لعباد الله، بيّن لكل صاحب فطرة سليمة،كذلك هذا اللعين الفرعوني، وتبدأ معركة موسى  مع فرعون وحزبه الشيطاني اللعين، معركة غير متكافئة بالقياسات المادية.
فيخرج موسى  من المدينة خائفاً يترقب، متوسلاً بالله أن ينجيه من القوم الظالمين، لا طلباً للحياة المادية التي هي سجن لأمثال موسى ، بل ليتسنى له حمل راية (لا إله إلا الله).
وموسى هنا لم يحمل فأساً ليكسر صنماً يمثل عقائد القوم الضالين، بل حمل عليهم مباشرة وقتل أحدهم وحاول قتل الآخر، وهذه الخطوة أكثر تقدماً من سابقتها، وبعد غيبة عشر سنوات قضاها موسى  في أحضان نبي عظيم هو شعيب  ،عاد موسى  إلى مصر وهذه المرة يحمل رسالة إلى الطاغية فرعون، رسالة حملها وهو في طريق العودة وحمل معها (لا قوة إلا بالله)، قال له جبار السماوات والأرض: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾( )، وسبحانه وتعالى أعلم بما في يمين موسى، عصا بحسب قياسات المحجوبين بالمادة، لا يمكن أن تكون سلاحاً يقاتل به موسى  قوات فرعون المسلحة بأحدث أنواع الأسلحة في حينها، ولكن الله سبحانه وتعالى جعلها حية تسعى بقوته التي قامت بها السماوات والأرض، وجعل يد موسى بيضاء من غير سوء آية أخرى.
ومع أن هذه الآيات عظيمة، ولكن سلاح موسى لم يكن العصا أو اليد البيضاء المعجزة، بل إن سلاح موسى القوي الذي لا يقهر هو: (لا قوة إلا بالله)، ولم تكن هذه الآيات بالنسبة لموسى إلا ليرى من آيات ربه الكبرى. ودخل موسى على الطاغية فرعون وهو يحمل في صدره ذلك المعنى العظيم: (لا قوة إلا بالله)، ذلك المعنى الذي صيَّر فرعون وهامان وجنودهما في عين موسى  أخس من الذباب، بل لم يكونوا في الحقيقة شيئاً مذكوراً، وهتف موسى وهارون في مجلس فرعون: ﴿جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾( )، وأخذ الطاغية يكابر ويجادل، من ربكما ؟ … ما بال القرون الأولى؟ … ثم أعرض اللعين: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً﴾( ).
وتكبر فرعون وجنوده وحق عليهم العذاب، فأُغرِقوا في بحر آثامهم ليكونوا عبرة لفراعنة هذا الزمان وجنودهم، فهل من معتبر قبل أن تحق الكلمة.

وأهم ما يلاحظ من دعوة موسى  أمور منها:
1- بدأ موسى  بقتل أحد زبانية فرعون، وهذا الموقف في غاية الشدة، فالقتل والقتال عادة يكون آخر وسيلة للدعوة ولنشر كلمة لا إله إلا الله، فما الذي جعله هنا أول خطوة ؟! والحقيقة هناك عدة أسباب، منها:
أ- إن موسى كان في مواجهة طاغية متسلط على رقاب الناس، يقتل ويسلب وينهب ويستضعف أهل الأرض دونما رادع، فكان عمل موسى المبارك بقتل هذا الجندي الشيطاني، طعنة نجلاء لفرعون وحزبه وجنوده ورادعاً عظيماً لهم.
ب- كان لهذا العمل أثر عظيم في تشجيع بني إسرائيل وتثويرهم على فرعون وجنوده وتهيئتهم للثورة المستقبلية التي قام بها موسى  بعد عودته.
ج- كان لهذه العملية أهمية في إظهار شخصية موسى  كثائر على ظلم فرعون وجنوده، وتعريف بني إسرائيل أهمية هذا القائد العظيم الذي سيقوم بتخليصهم من فرعون وجنوده فيما بعد.
د- كان لهذه العملية أهمية في دفع تهمة موالاة فرعون لعنه الله عن موسى  والتي تلبس بها ، لأنه كان ربيباً لفرعون ويعيش في قصره.

2- بعد عودة موسى من مدين اتخذت الدعوة إلى الحق شكلاً آخر، هذه المرة باللين لعل فرعون أو أحد أعوانه أو جنوده يتذكر أو يخشى الله سبحانه، ويدين بدين يعقوب ويوسف  الذي كان عزيزاً ووزيراً لملكهم السابق، وإلى هذه الفترة لم يأتِ موسى بالشريعة الناسخة لشريعة يعقوب  وإسحاق وإبراهيم ، وهي الحنفية، مع أنها كانت محرفة ولا يعمل بها إلا بحسب أهواء وتخرصات علماء دين إسرائيل الشيطانية.
3- كانت هناك عقوبات إلهية وآيات ربانية، رافقت دعوة موسى  في مصر، لعل فرعون وجنوده أو المتكبرين من بني إسرائيل مثل قارون يؤمن، ومن هذه العقوبات هي إن ماءهم صار دماً، وامتلأت أرضهم بالضفادع، وكانوا يتوسلون بموسى  ليدعو الله فيرفع عنهم العذاب، ومع ذلك لم يؤمن لموسى إلا ذرية من قومه، ويا للأسف ويا للحسرة على العباد.
4- في نهاية الدعوة كانت هناك هجرة موسى  والذين آمنوا معه، وخروجهم من مصر خائفين من فرعون وملئه وحزبه وجنوده أن يتسلطوا عليهم ويؤذوهم ويقتلوهم، فلما تراءت الفئتان ظهر هذا الخوف المستشري في جماعة بني إسرائيل المؤمنة إيماناً ضعيفاً متزلزلاً. فقالوا إنا لمدركون من فرعون وجنوده. ولكن موسى  زجرهم ونبههم أنهم مهاجرون إلى الله الواحد القهار، قال: كلا إن معي ربي سيهدين، فنجا جماعة إسرائيل إكراماً لموسى ، وألف عين لأجل عين تكرمُ، وأغرق فرعون وجنوده فبعداً لهم.




إضاءات من دعوة عيسى 
الحقيقة أن دعوة عيسى  هي من أعقد وأصعب أنواع الدعوة إلى الله سبحانه، وذلك لأنها كانت في مجتمع المفروض أنه مجتمع إيمان لم تتلوث عقائده بشرك وثني بيِّنٍ، كما أن عيسى  كانت عليه مواجهة علماء وأحبار بني إسرائيل المتمرسين بالكلام والجدل في العقائد وغيرها من الأمور الدينية، ولهذا امتازت دعوة عيسى بأمور، منها:

1- الزهد في الدنيا:
وكان أبرز مصداق لهذا الزهد هو عيسى  وحواريه الاثنا عشر، وكان هذا الزهد الذي بالغ عيسى  في إظهاره إلى الناس، علاجاً لحالة الترف المستشرية في علماء بني إسرائيل، الذين أنسوا الحياة تحت سلطة الكفار الرومان، وأمسوا كالحيوانات في المعالف لا يهمهم إلا التقمم والاكتراش.
وبهذا أظهر عيسى وحواريوه لبني إسرائيل واليهود بل وللناس جميعاً ما يجب أن يكون عليه حال العالم الرباني العامل المخلص لله من الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، وخصوصاً في المجتمعات الإنسانية التي أنهكها التسلط الطاغوتي، ولم يبقَ فيها للفقراء رغيف يقتاتون به بكرامة، كما ولم يبقَ لهم منهج فكري سليم يستضيئون به، بعد أن أغرقهم في الفساد الأخلاقي والاجتماعي.
ومن هنا كان زهد عيسى وحواريه فضيحة أخزت علماء بني إسرائيل وأظهرت للناس الصراط المستقيم والمنهج القويم، الذي يجب أن يسلكه العالم الرباني والقائد الإلهي، ليكون نوراً يستضيء به الناس ويقتدون به، ومخلصاً لهم من سلطة الطاغوت، وقائداً إلى الله الواحد القهار.

2- الإخلاص في عبادة الله سبحانه:
اليهود لم يكونوا يعبدون الأصنام عندما بُعث عيسى، ولكنهم كانوا يدفعون الجزية لقيصر، وكانوا يتابعون علماءهم في كل ما يشرعون لهم، ويقلدونهم تقليداً أعمى، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾( ).
وهذه الأعمال هي شرك بالله سبحانه وتعالى، فهم لم يكتفوا بترك الجهاد ورفض تواجد قوات الرومان الكافرة على الأرض المقدسة، أرض الموحدين، بل عملوا على تقوية دولة المحتل والطاغوت وتثبيت سلطانه بدفع الجزية لقيصر الروم، ليمسوا بهذا العمل عبدة طاغوت لا موحدين يعبدون الله، وإن ادعوا ذلك، ثم إنهم تابعوا علماءهم عندما خالفوا شريعة الأنبياء والأوصياء، وهذا العمل عبادة للعلماء الضالين من دون الله سبحانه، لأن العلماء الضالين يضعون رأيهم مقابل تشريع الله سبحانه، ويطالبون الناس باتباعهم، ويوهمون الناس أن طاعتهم هي طاعة الله، بينما في مثل هذه الحالة تكون طاعتهم طاعة للشيطان لعنه الله وأخزاه.
ولهذا انبرى عيسى  يعلم الناس ويبين لهم هذه الحقائق الإلهية ويدعوهم للإخلاص في عبادة الله سبحانه وتعالى مرة، وللكفر بالطاغوت ومحاربته وهدم أركان دولته الاقتصادية والعسكرية والإعلامية مرة أخرى.
يدعو عيسى  الناس للتمرد على علماء بني إسرائيل، الذين نصّبوا أنفسهم للتشريع مقابل الله سبحانه وتعالى، ودعوا الناس لطاعتهم واقتفاء آثارهم، فأضلوا الناس بعد أن كانوا هم أنفسهم ضالين، حيث جعلوا أنفسهم أرباباً تعبد من دون الله سبحانه وتعالى.

3- العدل والرحمة:
بدون عدل ورحمة تمسي الحياة مظلمة ليس فيها إلا الحيف والجور والقسوة والألم، والطاغوت بلا عدل ولا رحمة، فبالجور والغلظة والقسوة يبقى فرعون ونمرود وقيصر وأمثالهم على كرسي الحكم، ويسيطرون على دفة القيادة الشيطانية، ليقودوا أتباعهم ومن سار في ركبهم إلى هاوية جهنم، ومن يتوقع من طاغية شيئاً من الرحمة والعدل، يكون كمن يريد أن يشم من جيفة أو نجاسة ريحاً طيبة.
ولهذا كان السلاح القوي بيد الأنبياء هو العدل والرحمة، وهكذا انطلق عيسى  ينشر ويدعو للعدل والرحمة في المجتمع، العدل الذي ضيعه علماء بني إسرائيل، عندما استأثروا بأموال الصدقات وأخذوا يشرعون وفق أهوائهم وتخرصاتهم العقلية الخرقاء، والرحمة التي لم يعرفها الناس في ظل الطاغوت.
وشملت رحمة عيسى  حتى جباة الضرائب الذين يعملون لقيصر بشكل مباشر، فحاول استنقاذهم وتخليصهم من النهاية السوداء المظلمة التي تنتظرهم إذا استمروا يسيرون في ركب قيصر.
















إضاءات من دعوة محمد
دعوة محمد دعوة شمولية عامة، فكأن فيها ما في دعوات جميع الأنبياء وزيادة، وهذا المعنى ورد في الحديث، فما في التوراة والإنجيل والزبور كله في القرآن، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾( ).
فنجد الرسول وقف يقارع علماء ثلاث ديانات إلهية محرَّفة، هي الحنفية والمسيحية واليهودية، ومن الواضح أن الوقوف بوجه عالم إلهي منحرف سواء في العقيدة أو في التشريع وفق هواه، أصعب بكثير من الوقوف بوجه وثني أو ملحد لا يؤمن بوجود الله، وذلك لأن العالم الإلهي الضال يتأول كلام الله وفق هواه ويرسم العقائد الإلهية وفق هواه ويضع الحجج والمغالطات ليثبت أن باطله حق، فصاحب الفتنة مُلَقّى حجته، كما قال : (كل مفتتن ملقى حجته إلى انقضاء مدته، فإذا انقضت أحرقته فتنته في النار) ( ).
ومن هنا أقول: لو لم ينهض محمد بالدعوة الإسلامية، لما استطاع نبي غيره النهوض بها، فتحمل بأبي وأمي ما لم يتحمله بشر غيره، وقام بالدعوة يقارع علماء الضلالة والطواغيت المتسلطين على الناس، مرة بعلمه الذي لم يتحمله غيره سوى علي  بابه، كما وصفه هو: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ومرة أخرى يقارعهم بالقوة التي استمدها من توكله على الله الذي لم يعرف له مثيلاً، وقف في الطائف ممتلئاً بالألم على أحجار أدمت بدنه الشريف يناجي ربه بكلمات لا تزال ترتعش قلوب المؤمنين عند سماعها وتفيض أعينهم من الدمع: (إلهي إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، إلى من تكلني يارب المستضعفين وأنت ربي، إلى عدو ملكته أمري، أم إلى بعيد فيتجهمني، إن لم تكن غضبت عليَّ فلا أبالي …)( ).
محمد لا يبالي عندما يغري هؤلاء السفهاء صبيانهم ليرموه بالحجارة وتسيل من بدنه الدماء ويهان في سبيل الله، ولا يبالي إن كذبه الناس، ولكنه يتألم عندما لا يؤمنون، لأنه يرى جهنم مستقرة في نهاية الطريق الذي يسلكونه.
وهكذا نهض محمد مرة يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومرة يجادل بالتي هي أحسن، ومرة يقاتل الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم ثلاثة وعشرين سنة، لم يعرف فيها رسول الله راحة ولا هوادة .. مواعظ وجدال وقتال ودعوة إلى الله حتى النفس الأخير، وفي أخر أيامه يخرج متكئاً على علي  والعباس ، ليحث الناس على القتال والخروج مع أسامة بن زيد، وفي نفس الوقت طاعة لربه وعبادة بالغ فيها حتى خاطبه الجليل: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾( ). وكرم وزهد في الدنيا، حتى قال للمسلمين: (والذي نفسي بيده لو كان لي مثل شجر تهامة نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوباً ولا جباناً ولا بخيلاً) ( ).
ولم يأخذ من أموال الغنائم على كثرتها إلا القليل والكفاف، حتى اشتكتا حفصة وعائشة لضيق المعيشة، فنـزلت آيات الاستبدال المعروفة في القرآن، وياليت لنا اليوم مسلمين يقتدون ولو بمعشار سيرة محمد ، إذن لظهر الإسلام على الدين كله.
ودعوة الرسول محمد فيها كل ما في دعوات الأنبياء السابقين، فالدعوة بلين ورحمة، ثم الهجوم بشدة وقسوة، تكسير الأصنام، قتل أعداء الله، توعدهم بالأذى الدنيوي والأخروي. كان الرسول في غاية اللين والرحمة والرقة مع المؤمنين، وفي غاية الشدة والغلظة والقسوة مع الكافرين، وهذا الميزان الحق الإلهي لا يمكن أن تحتمل تناقضاته الظاهرية إلا نفس عظيمة كنفس محمد ، نفس تحمل الجنة في يد والنار في اليد الأخرى، لتعرضها على الناس فتبشر المؤمنين وتنذر وتزجر وتهدد الكافرين، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾( ).
وأهم ما امتازت به دعوة الرسول هي أنها خاتمة الرسالات الإلهية، وأن التبشير والإنذار والوعد والوعيد الذي جاء به المرسلون آن وقت تنفيذه، وأن المنفذ هو من ذرية الرسول وهو الإمام المهدي .
وبالتالي فقد اقترب الوعد الحق الذي وعده الله سبحانه وتعالى لجميع الأنبياء والمرسلين، واقترب يوم الوعد المعلوم الذي وُعد به إبليس لعنه الله وأنه يوم نهايته.
قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾( )، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾( ).
وأخيراً أقول: إن في دعوات المرسلين الكثير الكثير الذي يستفاده منها المؤمن ليصبح ولياً من أولياء الإمام المهدي ، ولا يمسي عدواً من أعدائه، وفي دعوات المرسلين حق لابد للمؤمن الذي يريد نصرة الإمام المهدي  أن يخوض هيجاءه، فمن عناء وبلاء وجهد وجهاد وقتل وقتال وآلام ربما تتجاوز البدن إلى النفس والروح، إلى سخرية وتهكم واستهزاء، إلى الخذلان وقلة الناصر، آلام وآلام وآلام.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾( ).