بسم الله الرحمن الرحيم
الخليفة بين ارادة الله و ارادة الانسان
و الصلاة و السلام على محمد و ال محمد الائمة و المهديين و سلم تسليماً
آن الاوان أن نضع النقاط على الحروف , آن الاوان لكي نضع البيان , آن الاوان ان اكتب هذه السطور لتعرف الامة خطلها و ما وقعت فيه على مر العصور , نوضح الفارق بين ما يريد الله و ما يريد الانسان , فهناك هوّة سحيقة لا يكاد يفهم منها الانسان حتى النزر اليسير . فحينما يريد الله أن يجعل في الارض خليفة هو سبحانه أعلم بمصلحة العباد , بينما الانسان يريد ان يكون هو الخليفة بارادته هو لا بارادة الله سبحانه و تعالى سالكاً مسلك ابليس (لع ) الذي رفض السجود لآدم خليفة الله , ابليس الذي اخرج ابوينا من الجنة و اغرى قابيل بأن يقتل هابيل , ابليس الذي لَعَنَهُ الله أبد الابدين لأنه عصى و تكبر على اوامر الله وكأنه ند له و هو سبحانه و تعالى يقول (الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني في شئ منهما قصمته ولا أبالي ) , بينما اشفق الله برحمته على دموع آدم التائب الذي اضله الشيطان و أوقعه في حبائله و لم يرحم قابيل صانع الجريمة و قاتل اخيه لانه اراد ان يكون وريث آدم بدلاً من هابيل الوريث الشرعي للخلافة و الملك و النبوة ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) .
و هكذا كانت الامم السابقة و اللاحقة بين وريث شرعي و بين طواغيت اعتدوا على ملك الله سبحانه و تعالى و قتلوا الانبياء و الاوصياء و الصالحين و سلبوهم حقهم و ازالوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها . على ان البشرية و في مسيرتها الطويلة كانت تنتظر ( يوم الفصل ) (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ) تنتظر المخلص الذي تجسد في محمد (ص) فترة من الزمن ( محمد رسول الله الذي ليس لدينه نهاية )- كما قال عيسى عليه السلام – ليكون امتداد دولة العدل الالهي و التي يكون فيها الامام المهدي (ع ) حاكم يوم الدين الذي ينشر التوحيد و العدل على ربوع المعمورة (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) المهدي الذي يملأها عدلاً و قسطاً بعدما تمتلأ ظلماً و جوراً . و لعل ابرز مصاديق يوم الفصل هو هذا الزمان الذي قال فيه أهل البيت صلوات الله عليهم , حيث قالوا ( و ستخلع العرب اعنتها ) و يذهب الملك العضوض و يذهب ملك السنين , و ملك السنين هو ملك العضوض و العنان هو اللجام الذي طالما عانت منه الشعوب عامه و بالخصوص العرب , فها هم العرب يثورون على رؤوسائهم الظَلَمة الطواغيت الذين اتخذوا مال الله دولاً و عباد الله خولاً . هؤلاء الطغاة الذين ملكوا بالنار و الحديد تارة و بما يسمى بالانتخابات و الشورى تارة اخرى دون النظر الى ان مسؤولية الحكم مسؤولية ربانية تسعى لانشاء مشروع العدل الاجتماعي و الذي هو عدل الهي على اسس قوية و ضوابط وظيفية و ادارية فعّالة , دون ان تهمل الخصائص الشخصية للولاة و رجال الحكم و الادارة , و التي هي غالباً ما تكون مسائل ثانوية بالنسبة للسياسيين , لأن السياسيين يرون ان الخصائص الشخصية اموراً ثانوية لا قيمة لها ازاء القضايا الاساسية العامة , و لا قيمة للمسائل الاخلاقية في السياسة العامة على ان المنهج الديني القويم يستند بالاساس – وقيل كل شيء - على الاساس الاخلاقي فالله سبحانه و تعالى يخاطب رسوله الكريم و يقول له ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) و يقول سبحانه (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) و بهذا الخلق الرفيع ملك محمد (ص) القلوب و كان و لا يزال نبراساً تقتدي به الامم الصالحة . بينما الحكام الظلمة الذين يحكمون بالقهر و الغلبة او السياسين الذين يتبنون أفكار احزابهم الذين يصبح مرجعهم أمين حزبهم العام , غالباً ما يقعون في التيه و الخطل و التخبط لان الحزب لا يستطيع ( ان يخلق خصائص الانسان ( 1) ) و بالخصوص الاخلاقية منها لذا تجده بعد حين يعتمد الكم العددي بانتماء هذا الشخص أو ذاك تماماً كما يفعل الحاكم الظالم في شراء الذمم للقضاء على كل من يقف في طريقه أو كا من يطالب بحق , ان اعتماد الاحزاب في ادارة مسؤولية الحكم على القدرة التنفيذية للشخص دون الالتفات الى خصائصه الشخصية و الاخلاقية أمر في غاية الخطورة و قد يؤدي بالحزب الى انحرافات خطيرة تضر في نتيجة الامر بالمجتمع و الامة لأن الاحزاب و التنظيمات عادة ما تكون لها اهداف و غايات محددة ما ان تصل لها تبقى تدور حولها أو تتوقف عندها نتيجة لمصالح بعض افرادها الشخصية أو مصلحة الحزب العامه و من اخطر المراحل الحزبية هي مرحلة التعددية و التي يتجلى فيها الصراع على امتلاك المنافع الحزبية و الشخصية في اعلى صورها و بالخصوص على امتلاك دفة الحكم و استلام كرسي الرئاسة .
ان حاكمية الله تختلف عن منهج الحاكم الظالم و الطاغوت و منهج الحزب و التعددية و الحزبية , بمعنى انه ليس كل حاكم هو دكتاتور و ليس كل حزب لا يمتلك المقومات الاخلاقية و الانسانية و الدليل واضح من المقدمة حيث قلنا ان الله سبحانه و تعالى يقول لنبيه (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) كما و ان الله سبحانه و تعالى يقول (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فالفلاح هو خير الدنيا و الاخرة و بمعنى ان حزب الله على درجة عالية من الرقي و الورع و التقوى و هذا هو دين الله الذي تمثل في علي بن ابي طالب (ع) الذي حدد الصفات الاخلاقية للوالي حيث يقول (ع) : ( وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام إمامة المسلمين البخيل ، فتكون في أموالهم نهمته ، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا الخائف للدول فيتخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ويقف بينها دون المقاطع ، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة . ) , علي بن ابي طالب سلطة الحق الذي تظاهرت عليه الامة بجهلها و ازالوه عن مرتبته في امامة المسلمين هذا الحق الذي جعله الله له حين نصبه الرسول عَلَماً للامة , أزالوه تحت ذرائع معروفة لدى عامة المسلمين التي لا تتعدى في نتائجها النهائية أن تكون الاعتداء على الله و رسوله من نفوس مريضة طامعة و آخرين اتبعوا الضلال بحجة الخوف ان يحيف الله عليهم و رسوله .
و لعل ابرز تلك الاعتراضات على أمير المؤمنين (ع) هي أنه (ع) صغير السن و ليس له القدرة التنفيذية التي لدى رجال الادارة و المسؤولية متناسين ان القدرة التنفيذية للحاكم أو الوالي اذا كان بخيلاً , جاهلاً , مرتشياً , فظاً , او خائفاً او معطلاً لسنن الله تعالى متخذاً مال الله دولاً و عباده خولاً . ان الانحطاط الاخلاقي للحاكم هو سبب كل مصائب الامة . الله ارسل رسوله بالهدى و دين الحق , و على خلق عظيم و ما يقوله رسول الله أكبر مصداق لذلك حيث يقول : ( انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ) , ( و العدل اساس الملك ) و من يختاره الله سبحانه معصوم منزه من كل عيب لا يدخل الامة في باطل و لا يخرجهم من حق .
و هكذا كان امير المؤمنين (ع) منيعاً و لعدله مع نفسه أولاً و بأقربائه ثانياً فكان زاهداً بسيطاً متواضعاً معرضاً عن زخرف الدنيا و لهذا كان عادلاً و ليس هناك مجال لكي تذكر ما كان عليه علي بن ابي طالب (ع) .
و اهم ما كان عليه (ع) انه لم ينزل في قصر الامارة و كان يسميه قصر الخبال فاين علي (ع) مما ينسب اليه من النظائر .
و الحمد لله رب العالمين
(1) هل يغير الحزب من طبيعة الانسان , هل يجعل البخيل سمحاً مثلاً أو الجاهل متعلماً , على عكس ذلك فيكون الحزب وسيلة و غرض للانسان يتوارى خلفه ليغطيه .

جواد اليعقوبي


ضع تعليقك على الموضوع عبر حسابك على الفايسبوك (تجريبي)