إضاءة من رؤيا يوسف ع
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ([1]).
الأحد عشر كوكباً إخوة يوسف ع، والشمس والقمر يعقوب وأم يوسف راحيل. رآهم يوسف في الرؤيا ساجدين له، فما هو هذا
السجود، وكيف وقع، وهل يصح السجود لغير الله، وإذا كان لا يصح فما معنى سجودنا للكعبة وهي حجارة، ومامعنى سجود الملائكة
لآدم وهو إنسان مخلوق، وما معنى سجود إخوة يوسف ويعقوب وهو نبي، وأم يوسف ليوسف ع ؟!

المرتكز في الأذهان عن السجود هو وضع الجبهة على الأرض، أو الانحناء ووضعها على شيء منخفض عنها، والمراد منه هو بيان الخضوع

والتذلل والطاعة للمسجود له، وربما كان السجود بالإيماء له بالرأس أو حتى برموش العين، كما هو حال العاجز عنه بالصلاة.

والحقيقة، أن الإنسان الخاضع الذليل لله والمطيع لأمر الله ساجد في كل أحواله، نائماً وقائماً وقاعداً وماشياً. والإنسان الذي لا يخضع لله ولا

يتذلل لله ولا يطيع أمر الله، ليس بساجد وإن وضع جبهته على الأرض. فالسجود الحقيقي - إذن - هو الطاعة وامتثال الأمر الإلهي، وربما

تم دون وضع الجبهة على الأرض، وربما لا يتم بوضع الجبهة على الأرض.

فإبليس لم يرفض السجود لله، (بل له سجدة ستة آلاف عام) ([2])، ولكنه رفض أن تكون قبلته في السجود لله آدم ع، فهو في

حقيقة أمره متكبر على الله وليس بخاضع ولا متذلل ولا مطيع لأمر الله. وهو من الساجدين لله الذين حق عليهم العذاب؛ لأنه لم يتخذ

القبلة التي أمره الله أن يتخذها، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ

وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ([3]).

فهؤلاء الذين حق عليهم العذاب يوصفون بأنهم يسجدون لله، ولكنه ليس سجوداً حقيقياً، لأنهم لم يطيعوا الله في السجود له سبحانه من

حيث يريد وإلى القبلة التي أمرهم بها.

وباختصار، فإن المطيع لأمر أحد طاعة مطلقة فهو عبد ساجد لهذا المطاع، ولذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ

اللَّهِ([4])، أي عبدوا علماءهم غير العاملين؛ لأنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم.

وعن أبي بصير، قال: (سألت أبا عبد الله ع عن قول الله عزوجل: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ﴾، فقال: أما والله ما

دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث
لا يشعرون) ([5]).
وعن أبي عبد الله ع: (من أطاع رجلاً في معصية فقد عبده) ([6]).

فمن يعصِ الله فهو ليس عابداً ولا ساجداً لله بقدر تلك المعصية، فإذا كانت المعصية متعلقة بالقبلة التي يتوجه إليها حال سجوده وطاعته

(أي أنه اتخذ قبلة غير القبلة التي أمره الله بها)، فإنه في كل عمله عاصٍ وليس عابداً ولا ساجداً لله، (ولا تزيده سرعة السير إلا بعداً)

([7])، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ

مَصِيراً([8]).

فهكذا إنسان تولى الشر والشيطان والظلمة، ليس على جادة الطريق التي توصل إلى الهدف، بل مستدبراً القبلة التي توصله إلى الله فتكون

سرعة سيره (سجوده وعبادته وطاعته المدعاة) سبباً في إيصاله إلى هاوية الجحيم لأن كل أعماله (سجوده، عبادته، طاعته) يستقبل بها قبلة

لم يأمره الله بها، بل نهاه الله عن استقبالها فيكون سجوده، عبادته طاعته، كلها مبنية على المعصية والذنب فتكون معاصياً وذنوباً.

فلا صام ولا صلى، بل أذنب وعصى ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى *

ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى([9])، أي إن الأَولى هو التصديق بولي الله وحجته وخليفته سبحانه (الرسول سواء كان نبياً أو وصياً)، والصلاة

معه، وهي الولاية لولي الله؛ لأنها ولاية الله والسجود لولي الله، أي طاعته؛ لأنه سجود لله وطاعة لله، ودون الخضوع لولي الله لا تنفع

الأعمال الظاهرية.

عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ u، قَالَ: (نَظَرَ إِلَى النَّاسِ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ ع: هَكَذَا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا أُمِرُوا

أَنْ يَطُوفُوا بِهَا ثُمَّ يَنْفِرُوا إِلَيْنَا فَيُعْلِمُونَا وَلَايَتَهُمْ وَمَوَدَّتَهُمْ وَيَعْرِضُوا عَلَيْنَا نُصْرَتَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي

إِلَيْهِمْ([10]))([11])، ولم ينفع كفار قريش (الأحناف المنحرفين) حجهم بيت الله، ومع أنهم كانوا يلبون([12])، فإن تلبيتهم عند

الله لم تعدُ التصفيق والتصفير، لأنها هكذا كانت تسمعها الملائكة وهكذا ترفع ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا

الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ([13]).

وكذلك من يصلي ولم يتخذ القبلة التي أمره الله بها، فلا تعدو صلاته التصفيق والتصفير، وحجه كذلك عند الله.

فإذا علمنا أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها ([14])، فلا يكون سجود الأجسام إلا مرشداً ودليلاً يدل على الحقيقة ويشير إليها، وهذه

الحقيقة هي الطاعة وامتثال الأمر الصادر من الله سبحانه وتعالى، فإذا كان لسجود الأجسام قبلة وهي الكعبة، فلا بد أن يكون لسجود

الأرواح قبلة، وقبلة الأرواح هو ولي الله (حجة الله على خلقه) فبطاعته يطاع الله وبمعصيته يعصى الله، ولذلك كان الأمر للملائكة
(الأرواح) هو السجود لآدم (الإنسان الكامل).

والإسلام والسجود واحد، فالإسلام هو التسليم، والتسليم هو الطاعة المطلقة، فالمسلم هو المسَّلِم لله سبحانه وتعالى، وهذا التسليم

(السجود) لابد له من قبلة فقبلته هو ولي الله (حجته على خلقه)، فليس بمسلم حقيقي من أعرض عن قبلة التسليم التي فرضها الله وهي

(حجة الله) المتمثلة بخليفة الله في أرضه.

روى الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله ع: (أنتم الصلاة في

كتاب الله عزوجل وأنتم الزكاة وأنتم الحج ؟ فقال: يا داود نحن الصلاة في كتاب الله عزوجل، ونحن الزكاة ونحن الصيام ونحن الحج، ونحن

الشهر الحرام ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله ونحن قبلة الله ونحن وجه الله، قال الله تعالى:﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، ونحن
الآيات ونحن البينات، وعدونا في كتاب الله عزوجل: الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان
والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنـزير، يا داود إن الله خلقنا فأكرم خلقنا وفضلنا وجعلنا أمناءه وحفظته وخزانه على ما في
السماوات وما في الأرض، وجعل لنا أضداداً وأعداءً، فسمانا في كتابه وكنى عن أسمائنا بأحسن الأسماء وأحبها إليه، وسمى أضدادنا
وأعداءنا في كتابه وكنى عن أسمائهم وضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه وإلى عباده المتقين) ([15]).
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ([16])، وليس لله وجه كالوجوه، ومن اعتقد هذا
فهو مجسم كافر ككفر كفار قريش بل أشد كفراً.
فالوجه هو ما يواجه به، ووجه الحقيقة والكنه سبحانه وتعالى (هو) الذي واجه به محمداً <ص> هو الذات المقدسة (الله) سبحانه وتعالى، أما
وجه الذات المقدسة أو (الله) الذي واجه به خلقه فهم حجج الله ع، فهم وجه الله وهم الأسماء الحسنى التي واجه بهم الله الخلق

فبمعرفتهم يعرف الله سبحانه وتعالى.
وكمثال فأنت تعرف الناس بوجوههم فتقول هذا فلان وهذا فلان إذا نظرت في وجوههم. وكذا الله سبحانه وتعالى، فأنت إذا نظرت إلى
وجهه سبحانه وتعالى، (أي الأنبياء والأوصياء والمرسلين)، تعرفه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً([17]).
واليد التي وضعت فوق أيدي المبايعين هي يد محمد <ص>، ومع ذلك قال تعالى عنها: (يَدُ اللَّهِ)؛ لأن محمداً <ص> هو الله في الخلق.
فأينما تتجهون فإن قبلتكم إلى الله هي وجه الله (ولي الله وحجته على خلقه)؛ لأن روحه لا تقيد بقيد الأجسام فهي موجودة ومحيطة بكم من
كل الجهات، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، بل لو تفقهون هذه الكلمات لعرفتم الحقيقة، فآل محمد <ص> هم الطعام الذي تأكلون والماء الذي
تشربون والهواء الذي تتنفسون، قال عيسى ع: (أنا خبز الحياة) ([18])، وآل محمد هم موسى وهامان وهم إبراهيم ونمرود وهم نار
إبراهيم وهم بردها وسلامها. فقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ([19])، وآل محمد هم الرحمن في الخلق وهم صنائع الله
والخلق صنائع لهم، وخلقهم الله، ومنهم <ع> خلق الخلق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ([20]).
إذن، فهو أحسن الخالقين وغيره خالقون، ولكنه خالق مطلق، لا يحتاج إلى غيره وهم يحتاجون إليه سبحانه، فعيسى ع يخلق ولكنه فقير إلى
الله ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ([21]).
وكذلك محمد وآل محمد <ع>، فإصبعي الرحمن هما الشيطان والملَك، وقلب الإنسان بينهما، فالشيطان يوسوس ويضل، والملَك يرشد
ويهدي، والشياطين والملائكة موجودون ومتقومون بآل محمد، وآل محمد موجودون ومتقومون بمحمد <ص>، ومحمد <ص> موجود ومتقوم
بالله، وأيضاً الكل موجودون ومتقومون بالله. فأينما تولوا وجوهكم فثَمَ آل محمد <ص> لأنهم وجه الله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
إذا تبين هذا نعود إلى سجود يعقوب وأم وإخوة يوسف إلى يوسف u.
فيوسف <ع> يرى في المنام: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَوتحققت الرؤيا في هذا العالم الجسماني هكذا:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ
السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ([22]).
فيوسف u بعد أن رفع أبويه على العرش سجدوا له وتحققت الرؤيا، أي إن يوسف <ع> بعد أن بيَّن مقام والديه وكونهما أصحاب الحق
بالملك الإلهي والعرش الرباني، خروا له سجداً، إعظاماً لمقامه واعترافاً بأنّ يوسف <ع> هو خليفة الله وحجته على عباده، فالسجود
ليوسف u كونه قبلة إلى الله، فبه يعرف الله، والسجود ليوسف u أي طاعة يوسف والإئتمار بأمره هو طاعة الله، قال الصادق
<ع>: (كَانَ سُجُودُهُمْ ذَلِكَ عِبَادَةً لِلَّهِ) ([23]).
ويجدر الالتفات إلى أن يعقوب <ع> نبي ولم يسجد ولم ينصاع لطاعة يوسف <ع> إلا بأمر الله، كما أن الملائكة سجدوا لآدم وانصاعوا
لطاعته بأمر الله، وكما انصاع أبو طالب <ع> لطاعة ابن أخيه وربيبه محمد <ص> لما بعث، مع إن أبا طالب <ع> وصي من أوصياء إبراهيم
<ع>، وكان الحجة من الله على محمد <ص> قبل أن يبعث، وكما سجد يحيى <ع> وهو في بطن أمه إلى عيسى <ع> وهو في بطن أمه، وليس
في هذا شرك كما يتوهم من يجهل الحقيقة، لأننا نسجد إلى الكعبة وهي حجر، لأن الله أمرنا بذلك، فماذا تريدون أن يفعل الملائكة إذ
أمرهم الله أن يسجدوا لآدم ويجعلوه قبلتهم إلى الله، وآدم نبي وهو الطريق لمعرفة الله، وكذا ماذا تريدون من يعقوب <ع> أن يفعل إذ أمره
الله أن يسجد ليوسف <ع> ويجعله قبلته إلى الله، هل تريدون من يعقوب <ع> وهو نبي أن يعصي أمر الله ويخضع لثلة من الأعراب
العجاف (الوهابيين وأشباههم)؟! الذين لم يفقهوا آية من كتاب الله، وهم يصرخون: هذا شرك هذا شرك. فأين أنتم من تسليم أصحاب
رسول الله لما بدَّل الله القبلة، فبمجرد أن أدار رسول الله وجهه داروا وجوههم معه.
قال الباقر <ع>: (وذلك أن رسول الله <ص> لما كان بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو البيت المقدس في صلاته ويجعل الكعبة بينه وبينها
إذا أمكن وإذا لم يتمكن استقبل البيت المقدس كيف كان فكان رسول الله <ص> يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاثة عشر سنة، فلما كان
بالمدينة وكان متعبداً باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً، وجعل قوم من مردة
اليهود يقولون: والله ما درى محمد كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلاته بهدانا ونسكنا، فاشتد ذلك على رسول
الله <ص> لما اتصل به عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة فجاءه جبرائيل <ع>، فقال له رسول الله <ص>: يا جبرائيل لوددت لو صرفني الله
تعالى عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم، فقال جبرائيل: فاسأل ربك أن يحولك إليها فإنه
لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من بغيتك فلما استتم دعاءه صعد جبرائيل ثم عاد من ساعته فقال: اقرأ يا محمد: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ([24])
الآيات. فقالت اليهود عند ذلك: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا، فأجابهم الله أحسن جواب فقال: ﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ،وهو يملكهما، وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ([25])
،هو مصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم).
فقال أبو محمد <ع> ([26]): (وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله <ص> فقالوا: يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع

عشر سنة ثم تركتها الآن أفحقاً كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل فإنما يخالف الحق الباطل، أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه
طول هذه المدة ؟ فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال رسول الله <ص>: بل ذلك كان حقاً وهذا حق يقول الله: قل لله المشرق
والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في
استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده وقصده إلى مصالحكم فقال
رسول الله <ص>: لقد تركتم العمل في يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام، ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده أفتركتم الحق إلى
باطل أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى باطل أو الحق إلي حق قولوا كيف شئتم. فهو قول محمد <ص> وجوابه لكم قالوا: بل ترك العمل
في السبت حق والعمل بعده حق، فقال رسول الله <ص>: فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق فقالوا: يا
محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة ؟ فقال رسول الله <ص>: ما بدا له ع
ذلك فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطاً، ولا يستحدث رأياً يخالف المتقدم، جل عن ذلك، ولا يقع
عليه أيضاً مانع يمنعه من مراده، وليس يبدؤ وإلا لما كان هذا وصفه، وهو <عز وجل> متعال عن هذه الصفات علواً كبيراً. ثم قال لهم رسول

الله <ص>: أيها اليهود أخبروني عن الله، أليس يمرض ثم يصح، ويصح ثم يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أليس يحيى ويميت؟ أبدا له في كل
واحد من ذلك؟ فقالوا: لا، قال: فكذلك الله تعبد نبيه محمداً بالصلاة إلى الكعبة بعد أن تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس، وما بدا له في
الأول، ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء؟ أبدا له في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال رسول الله
<ص>: فكذلك لم يبدُ له في القبلة، قال: ثم قال: أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة وألزمكم في الصيف أن
تحترزوا من الحر؟ فبدا له في الصيف حتى أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا، قال رسول الله <ص>: فكذلك الله
تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء، ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشييء آخر، وإذا أطعتم الله في الحالتين استحققتم
ثوابه، وأنزل الله: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ([27])، يعني إذا توجهتم بأمره فثم الوجه
الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه. ثم قال رسول الله <ص>: يا عباد الله أنتم كالمرضى، والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى
فيما يعلمه الطبيب ويدبره به، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، ألا فسلموا الله أمره تكونوا من الفائزين فقيل: يا ابن رسول الله فلِمَ
أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال الله <عزوجل>: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَاوهي بيت المقدس ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن

يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ([28])، إلا لنعلم ذلك منه وجوداً بعد أن علمناه سيوجد، وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن
يبين متبع محمد <ص> من مخالفيه بإتباع القبلة التي كرهها، ومحمد <ص> يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم
بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمداً فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه. ثم قال: وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى
الله إنما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي الله فعرف أن الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلى طاعته
في مخالفة هواه) ([29]).




([1]) يوسف:4.
([2]) من خطبة لأمير المؤمنين <ع>: (… فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذا أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن
سني الدنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة. فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصية ؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً
إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين) نهج البلاغة: ج2، خطب الإمام علي <ع>، ص138.
([3]) الحج: 18.
([4]) التوبة: 31.
([5]) الكافي: ج2 ص398 ح7.
([6]) الكافي: ج2 ص398 ح8.
([7]) عن طلحة بن زيد، قال: (سمعت أبا عبد الله <ع> يقول: العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعداً) الكافي: ج1 ص43 ح1.
([8]) النساء: 115.
([9]) القيامة: 13 - 35.
([10]) إبراهيم: 37.
([11]) الكافي: ج1 ص392 ح1.
([12]) في الجاهلية وقبل الإسلام كانت تلبية قريش: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، تملكه وما ملك). وكانت تلبية كنانة: (لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم
التعريف، يوم الدعاء والوقوف). وكانت تلبية بني أسد: (لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد أهل التواني والوفاء والجلد إليك). وكانت تلبية بني تميم: (لبيك
اللهم لبيك، لبيك لبيك عن تميم قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها). وكانت تلبية قيس عيلان: (لبيك اللهم لبيك، لبيك أنت
الرحمن، أتتك قيس عيلان راجلها والركبان). وكانت تلبية ثقيف: (لبيك اللهم، إن ثقيفاً قد أتوك واخلفوا المال، وقد رجوك). وكانت تلبية هذيل: (لبيك عن هذيل
قد ادلجوا بليل في ابل وخيل). وكانت تلبية ربيعة: (لبيك ربنا لبيك لبيك، إن قصدنا إليك)، وبعضهم يقول: (لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة). وكانت حمير
وهمدان يقولون: (لبيك عن حمير وهمدان، والحليفين من حاشد وألهان). وكانت تلبية الأزد: (لبيك رب الأرباب، تعلم فصل الخطاب، لملك كل مثاب). وكانت تلبية
مذحج: (لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى). وكانت تلبية كندة وحضرموت: (لبيك لا شريك لك، تملكه أو تهلكه، أنت حكيم فاتركه). وكانت تلبية غسان:
(لبيك رب غسان راجلها والفرسان). وكانت تلبية بجيلة: (لبيك عن بجيلة في بارق ومخيلة). وكانت تلبية قضاعة: (لبيك عن قضاعة، لربها دفاعة، سمعاً له وطاعة).
وكانت تلبية جذام: (لبيك عن جذام ذي النهى والأحلام ) تاريخ اليعقوبي: ج1 ص 255.
([13]) الأنفال:35.
([14]) في تفسير الفاتحة للملا صدرا: قال الرسول <ص>: (إن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها).
([15]) بحار الأنوار : ج24 ص303.
([16]) البقرة: 115.
([17])الفتح: 10.
([18]) الكتاب المقدس - مجمع الكنائس الشرقية: ص307.
([19]) قال رسول الله<ص>: (قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن)شرح أصول الكافي: ج1 ص302.
([20]) المؤمنون: 14.
([21]) آل عمران: 49.
([22]) يوسف: 100.
([23]) بحار الأنوار: ج12 ص319.
([24])البقرة: 144.
([25])البقرة: 142.
([26])أي الإمام الحسن العسكري <ع>؛ لأن الحديث وارد في تفسيره.
([27]) البقرة: 115.
([28]) البقرة: 143.
([29]) بحار الأنوار: ج4 ص105 - 107.