من كتاب رحلة موسى الى مجمع البحرين


أين عصمة موسى ع في هذا اللقاء؟
العصمة هي: الاعتصام بالله عن محارم الله ولها جهة من العبد هي الإخلاص، وجهة من الرب سبحانه وهي التوفيق.
فكل إنسان - والحال هذه - مودع في فطرته قابلية العصمة، وما يمتاز به الحجج <ع> هو مقدار إخلاصهم فهم قد وصلوا بالإخلاص لله
سبحانه وتعالى إلى درجة أن يكون التوفيق النازل عليهم ولهم حصناً يحصنهم عن محارم الله. وأيضاً الحجج يمتازون أن من يعرف الحقائق

ومآل كل إنسان وما يصير إليه قد نص على عصمتهم وأوجب إتباعهم لأنهم لا يدخلون الناس في ضلال ولا يخرجونهم من هدى.
موسى <ع> نبي من أولي العزم من الرسل.

موسى <ع> نبي مرسل من الله معصوم منصوص العصمة.
ومع هذا يأمره الله سبحانه أن يتبع العبد الصالح ولا يخالفه وهو نفسه قد تعهد بعدم المخالفة ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا
أَعْصِي لَكَ أَمْراًولكنه أخلف وعده وخالف العبد الصالح.
ولو كانت المخالفة واحدة وفي مرة واحدة لهانت ولكنه خالف في كل الامتحانات والاختبارات، فهي كانت ثلاثة وخالف في ثلاثتها،
يعني موسى<ع> هنا قد خالف أمر الله وإذا لم تشأ قول انه خالف أمراً مباشراً فليكن انه خالف تعهده، وهذا أكيد ينقض العصمة هنا
وفي هذا الموقف.

ومن هذا الموقف وهذه الرحلة وما حصل فيها نستطيع أن:
·نفهم معنى العصمة بوضوح.

·ونفهم أيضاً أنها مراتب.

·ونفهم أيضاً أنها بالنسبة لحجج الله منصوصي العصمة لها حد أدنى لا يمكن تجاوزه وهو الحد الذي يكونون فيه محققين لشرط النص على

عصمتهم وهو أنهم لا يخرجون الناس من هدى ولا يدخلونهم في باطل.

·ونفهم أيضاً أن المعصوم<ع> إذا حمل على ما هو فوقه لن يكون معصوماً في تلك المرتبة التي لم يرتقِ لها.

·ونفهم أيضاً أن هذا النقض على عصمة المعصوم في مرتبة أعلى من العصمة لا ينقض عصمته في المرتبة الأدنى.

·ونفهم ونعرف أيضاً الجواب على معصية آدم التي حصلت وكيف أنها لا تنقض عصمته ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى([1])، حيث إن

اختباره كان في مرتبة أعلى ليتضح له ولغيره أنه ليس له عزم، وإن صاحب العزم وخليفة الله في أرضه حقاً هو من ذريته وهو محمد <ص>، فالخليفة الحقيقي المراد أن يصار إليه هو محمد <ص> وليس آدم،

فالمراد هو خليفة الله المُرسِل لا خليفة الله المُرسَل([2]).

·ونفهم أيضاً أن العلم والمعرفة هما أساس عصمة المعصوم ، ولهذا فالمعصوم يعصم بقدر علمه ومعرفته التي هي بالحقيقة تعود إلى نفس
الجهتين (الإخلاص - التوفيق) ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً([3])، ومن هنا يكون سبب الفشل في مرتبة أعلى هو القصور العلمي والمعرفي

للمعصوم <ع> عن الإحاطة بتلك المرتبة والمقام الأعلى.

·ونفهم أيضاً لما خاطب الله بعض المعصومين بأنهم ظالمون في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ

لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ([4]) فهؤلاء الذين وصفوا بـ (ظالم لنفسه) هم من

ضمن المصطفين الذين أورثوا الكتاب وهم المعصومون، وظلمهم لأنفسهم في تقصيرهم في الارتقاء أو يمكن القول تقصير في الإخلاص

منع من التوفيق في مرتبة أعلى، أو بالخصوص منع من إفاضة العلم والمعرفة لمرتبة أعلى . وهذا التقصير أكيد انه ظلم للنفس؛ لأنه خسارة

مقام أعلى وخسارة ارتقاء لمرتبة أعلى، وبالتالي أصبح الامتحان في تلك المرتبة الأعلى مقروناً بالفشل بالنسبة لهم([5]).

·ونفهم أيضاً أن الامتحان في المرتبة الأعلى لا يكون في الفعل وعدمه بقدر ما يكون فيمن يقع عليه الفعل أي صاحب المرتبة الأعلى

نفسه وما يتعلق به كعلمه ومعرفته، فكانت معصية آدم <ع> متعلقة بالشجرة والتعدي عليها أكثر من تعلقها بالثمرة ، فالمعصية الحقيقية

كانت التعدي على الشجرة لا أكل الثمرة ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ([6])، والشجرة كانت محمد وآل محمد

<ع>، وأيضاً بالنسبة لموسى <ع> كان الاعتراض على العالم هو الخطأ الذي كرره فلم يكن امتحانه في الأمور الثلاثة بقدر ما كان في

العالم نفسه ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا

أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ تدبر الآيات جيداً وانتبه إلى كلمة (معي) أي إنه يقول له ما دمت مرافقاً لك ستغفل وترفض قيادتي لك .

فالحقيقة أن اعتراضات موسى<ع> كلها كانت اعتراضات على القيادة المعصومة التي يعرفها من الله ولهذا كانت ردود العالم على موسى

<ع> قوية وشديدة ، فلو كانت المسألة فقط متعلقة بجهل موسى <ع> بالأسباب لكان موسى <ع> معذوراً ولا داعي لمعاملة موسى <ع>

بهذه الشدة .
ثم لو تدبرنا الآيات وكيف يعلل العالم سبب عدم صبر موسى <ع> معه بأنه الجهل به هو وعدم معرفته هو لأنه فوقه ومن مقام أعلى منه

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ يعني أنت لا تتمكن من الصبر معي لأنك لا تعرفني - وليس كما يتوهم من يقرأ الآية ربما

بأن المراد أن موسى <ع> يجهل أسباب أفعال العالم فقط - ولهذا انظر ماذا كان جواب موسى<ع> وتدبره جيداً ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن

شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ ولنتدبر قول موسى <ع>﴿ وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾، فالأمر متعلق بالعبد الصالح نفسه لا بأفعاله،

فامتحان موسى<ع> كان بالعبد الصالح <ع> نفسه لا بأفعاله أي إن الامتحان كان نسخة من الامتحان الأول المعروف وهو امتحان

الملائكة وإبليس بآدم <ع>، انه امتحان بالسجود مرة أخرى تكرر مع موسى <ع> هذه المرة ولم يكن موسى<ع> رافضاً للسجود

كإبليس لعنه الله وحاشاه <ع> من هذا، وأيضاً لم يكن معترضاً قبل السجود كالملائكة <ع> بل هو <ع> بادر إلى السجود ولكن رفع

رأسه من سجوده ثلاث مرات، ويمكن أن تقول إنها ثلاث مرات متفاوتة ؛ الأخيرة أقلها والذي يفهم هذا يعرف أن الفرق بين

موسى<ع> والملائكة كبير وعظيم فموسى<ع> أفضل من الملائكة وهذا بيّن هنا ، فالملائكة حُجّوا بعلم آدم قبل سجودهم له بينما

موسى<ع> بادر للسجود دون سؤال ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾، فكيف لا يكون هذا الطاهر المقدس

موسى <ع> نبياً من أولي العزم من الرسل وهذا هو حاله في الطاعة.

·ونفهم أيضاً أن امتحان الأدنى بالأعلى لا يكون إلا بنزول الأعلى إلى الأدنى، والحقيقة أن ارتقاء الأدنى إلى الأعلى غير ممكن من دون

تبدل مرتبة الإخلاص المتعلقة به وبعمله ، وبالتالي فالأمر محصور بنزول الأعلى إلى الأدنى، وهنا يكون الامتحان، حيث إن المخلوق أو

الإنسان بالخصوص يتوهم دائماً أن المتواجد معه في نفس مستواه مساو له أو دونه:

﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا([7]).

﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا([8]).

﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا([9]).

﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ([10]).

﴿وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ([11]).
﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ([12]).

بل ولا يعتقد عادة أنه أعلى منه إلا عندما يجد ما يميزه بوضوح كالعلم مثلاً الذي جعل الملائكة تقرّ لآدم بالفضل، أو ربما يصل الأمر إلى

أن الإنسان يريد ما يضطره إلى التصديق بهذا الفضل ، ولهذا يطلب الجهلة - وهم أكثر الناس - المعجزات التي تقهرهم على الاعتقاد

بأفضلية الرسل <ع> ليؤمنوا بأفضليتهم وحقهم في القيادة ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
وأكيد انه كلٌ بحسبه فالأنبياء <ع> أفضل من الملائكة، وليسوا كهؤلاء الجهلة ولكن الظلمة التي جعلت الملائكة يعترضون وجعلت أولئك

الجهلة يكفرون بالرسل <ع> أيضاً موجودة في الأنبياء <ع> وفي موسى<ع> ، ولكنها بمستوى ضئيل جعل موسى u فقط يغفل

ويعترض ليندم بعد لحظات على غفلته واعتراضه ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، التفت إلى قول موسى

جيداً: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً أي إن موسى يقول للعبد الصالح أنا هذا حالي وأنت تعرفه فلا تتركني وأكمل معي هذه الرحلة

لأتعلم أكثر، ثم بعد هذا يغفل ويسأل فلا يجد إلا التعهد بأنه سيترك السؤال ولا يجد إلا الاعتراف: إنه غفل وفشل ولم يصبر مع العبد

الصالح ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً، ولهذا لم يكن كلام موسى <ع> في المرة الثالثة على

شكل اعتراض أو سؤال بل هو اقتراح ﴿... قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.

[1]- طه: 121.

[2]- ارجع إلى الملحق4 ، وأيضاً تجد في كتاب النبوة الخاتمة تفصيلاً.

[3]- طه: 114.

[4]- فاطر: 32.

[5]- ارجع إلى الملحق5 ، وأيضاً في كتاب الجواب المنير ج2 والمتشابهات تجد تفصيلاً.

[6]- البقرة: 35، الأعراف: 19.
[7]- هود : 27.

[8]- إبراهيم : 10.
[9]- المؤمنون : 47.
[10]- الشعراء : 154.
[11]- الشعراء : 186.

[12]- يس : 15.