الفصـل الحادي عشر

وصل الملك فجرا إلى المملكة ، وكان خروجه من الصومعة بعد المغيب بساعة ، ذهب ما إن وصل إلى فراشه بعد أن صلى الفجر هو وتومالين وكامادي في مصلى القصر ، قال لتومالين .
ـ سأراك العصر إنشاء الله من اجل أن نشرف على تجهيز جنازة الطيب نورماتي.
قال تومالين مستغربا .
ـ وهل مات نورماتي سيدي؟.
ـ نعم صبيحة أمس وسوف تخرج جثته من نهر روك عصر هذا اليوم .
ـ مات غرقا وفي نهر روك ما الذي جعله يذهب إلى روك وكيف يغرق وقد عمل معظم حياته صيادا ؟ .
صمت العجوز ، أردف.
ـ نعم سيدي سأكون على أتم الاستعداد بعد الظهر إنا لله وإنا إليه راجعون.
لم يتحدث الملك اوقيدمو مع تومالين في الطريق ، كان مهموما حزينا ، لقد حدثه الملاك عن أشياء كثيرة لم تخطر على بال احد ، لقد حدد له السنين التي سيتوارى فيها عن أنظار شعبه ، كانت سنينا طويلة جدا ، حتى أن الملك أوقيدمو نهض أكثر من مرة حينما سمع ذلك الرقم من القرون البعيدة ، حينها قال للملاك .
ـ وكيف ستصبر الناس على ذلك الظلم وذلك الغياب الطويل الذي تتحدث عنه؟.
قال له الملاك .
ـ سيمد الله في بصائر الناس المؤمنة بك حتى تكون عندهم غيبتك بمثابة المشاهدة ، وأنت معهم متى أرادوك بحق لقد أعطاك الرب ما لم يعطي أحدا من قبلك.
قال الملك أوقيدمو.
ـ هل لي أن أعينهم وادفع عنه ؟.
قال الملاك .
ـ نعم لك ذلك متى شئت.
ـ وهل سينتفعون بي وأنا بعيدا عنهم؟.
ـ نعم مثل انتفاع الناس بالشمس حين تحجبها الغيوم.
وكان تومالين يريد أن يسأل الملك عما جرى ، إلا انه فهم ومن خلال علاقته بالعائلة المالكة أن المواضيع الخطرة والحساسة جدا هم من يبادر في الكلام ، حينما خرج من الصومعة وبيده السراج يترنح تعبا وكانت ثمة ريح باردة ذات رائحة عطرة قد هبت من جهة الشمال أوشكت أن تطفأ السراج قال الملك بعد أن جلس على صخرة بيضاء قرب باب الكهف وأعانه على ذلك تومالين ، قال.
ـ هناك تطورات خطيرة جدا سيد تومالين سأحدثك بها بعد حين ، إن الأمر في غاية الخطورة وهو محير حقا.
ومنذ تلك الساعة وحتى وصل القصر لم يتفوه الملك ببنت شفه ومع إن العجوز كانت تضج في عالمه عشرات من المسائل المهمة جدا إلا أنه لم يجرأ على سؤاله إلا أن الملك قبل أن يذهب تومالين وبعد أن أخبره عن موت نورماتي قال له .
ـ هل اتفق أن تكلمت مع السائس بريكماس؟ .
ـ نعم سيدي أتكلم معه دوما فهو رجل يبدو لي انه طيب القلب وله أولاد أربعة .
قال الملك أوقيدمو .
ـ وهل حدثك شيء عن أولاده ؟.
ـ سيدي ذات مرة قال لي سيد تومالين هل لك في الرؤيا فقلت له بعض الشيء مما تعلمته فقال لي كأن نارا خرجت من موضع بولي وراحت تلتف على الدنيا وكأنها أفعى وبقت وقتا طويلا تحرق كل من يدنوا لها ثم اضمحلت شيئا فشيئا.
تبسم الملك كانت ابتسامة حزينة ، قال الملك .
ـ وما كان تأويلك لها ؟.
ـ سيدي قلت له لا أعرف تأويل ذلك إلا أنني بقيت متفكرا بها بعض الوقت وقلت في نفسي ربما يتأذى الناس من شخص يخرج من ذريته لكنني لم أكن متأكدا لذلك لم أخبره.
قال الملك وهو يهز رأسه بتأسي.
ـ أوشكت أن تصل .
صمت ، قال " أذهب سيد تومالين لدينا عصرا عملا شاق ".
فكر تومالين وهو يذهب إلى بيته بسؤال الملك عن بريكماس وفضل أن يمر به ليتحدث معه قليلا إلا انه حينما وصل لم يجده ووجد أبنه الأكبر ناتيوبارس ، قال له.
ـ لقد خرج سيدي قبل قليل هل تأمرني بشيء أنا أقوم بما تأمرني به .
ـ لا يا بني أشكرك فقط أحببت أن أسلم عليه .
الفصـل الثاني عشر

عصرا وبالتحديد عند اصفرار الشمس أخرجت جثة العجوز نورماتي من نهر روك ، أخرجها صياد كان يعمل هو وابنه في النهر دون أن يعرف أن هذه الجثة لرجل حكومي مهم في المملكة ، بعد دقائق وصل موكب الملك الكبير إلى المكان ، كان بصحبته كبار مساعديه وبعض الوزراء ، لم يقل لهم إن تلك الرحلة تخص وفاة نورماتي بل قال لهم .
ـ سنذهب إلى مكان أحب أن تكونوا معي .
كان العجوز تومالين الوحيد الذي يعرف أنهم يتجهون إلى نهر روك ومن اجل جثة نورماتي ، حينما نظر الملك إلى الجثة دنى بخطوات ثقيلة جدا وجلس بقربها ، جلس عند الرأس ، قال .
ـ هذه جثة أخوكم نورماتي ، من يصدق إن نورماتي يموت غرقا .
صمت بينما راح بعض الوزراء يقتربون وهم يبكي ، قال الملك اوقيدمو وهو يمسح بعض الطين العالق في وجه نورماتي ولحيته البيضاء .
ـ رحمك الله يا نورماتي ، لقد وفيت بالعهد ، حشرك الله مع الطيبين .
نهض الملك ، لمح العجوز الذي اخرج الجثة وهو بيد رجال الحرس الملكي وكانوا قد مسكوه مع ابنه وأبعدوهما عن مكان الجثة ، قال لهم الملك اوقيدمو.
ـ لماذا تمسكون بهذا العجوز الطيب ، لقد فضل عليكم لولاه لما استطعتم أن تجدوا جثة نورماتي ،أطلقوا سراحه .
حينها جاء يركض هو وابنه وسجدوا أمام الملك ، قال الصياد.
ـ سيدي لقد علقت الشبكة فلما سحبتها وجدتها قد علقت بهذا العجوز .
قال الملك .
ـ صدقت ، انهض من علمك أن تسجد للعبيد ، إلا تعلم إنني عبد مثلك أرجو رحمة الله وعتقه ، لا تسجد لي ، السجود لا ينبغي إلا لله .
قال الصياد بعد أن نهض ودنى من الملك هامسا في أذنه اليمنى .
ـ سيدي لقد وجدت تلك الصخرة الكبيرة مربوطة في قدمه اليسرى ، أحببت أن تعرف هذا .
أخذ الملك الصياد وراح يسايره مبتعدا قليلا عن الموكب، قال .
ـ ما اسمك واسم ولدك؟ .
قال الصياد .
ـ سيدي خادمك غوردن وهذا ابني العبد ألقن لكم نابير.
ـ جعله الله عبدا له ، اسمع يا أخي غوردن اكتم ما رأيت من موضوع الصخرة ولا تحدث به أحد.
ـ أمرك سيدي .
ـ سأقول لك شيئا جزاء بما قدمته من أمر نورماتي ولا تتحدث به أبدا إلا بعد عامين من يومك هذا.
ـ سأفعل سيدي ولكم تمنيت أن التقي بك وأتشرف بالنظر إلى طلعتك البهية يابن الكرام الطيبين والذين لا يظلم عندهم أحدا.
قال الملك على نحو الهمس.
ـ إن قاتل نورماتي هو من يطلبك بعد خمسين يوما من سقوط المملكة سيقول لك ماذا همس في أذنك الملك وماذا قال لك ، هو الآن ينظر إلينا .
تبسم غوردن ، قال " سقوط المملكة أيعقل ذلك ، ثم يا سيدي لماذا لا تقتص منه الآن "صمت ، أردف " سيدي وما أقول له إذا ما دعاني ، إنه أمر عجيب" قال الملك" لا تعجب من أمر الله ، قل له أي شيء إلا الحقيقة هو سيسرسل إليك ليقتلك لكنه سوف يدعك لأنه سينشغل عنك بحدث اكبر، اكتم هذا الحديث حتى على ولدك نابير ، سأرسل لك شيء من المال بعد ثلاثة أيام عليك ان تكون هنا صباحا ، في حفظ الله ورعايته غوردن " قال غوردن " سيدي لماذا قلت لي ذلك " "في يوم ما ستقول الناس عني أنا من قتلت نورماتي يومها تحتاج إلى هذا الحديث وسوف لن تستطيع أن تتحدث به إلا لزوجتك وبعض أقاربك إلا أنه بعد موتك سينتشر بين الناس وهذا مهم لمن يتفحص في الأمور.

الفصـل الثالث عشر

قال الحاجب الأول بعد أن دنى من الملك اوقيدمو والذي كان جاسا على كرسي الحكم ، قال وهو يهمس في إذن الملك اليمنى .
ـ سيدي عائلة نورماتي تريد أن تلتقي بك هي في قاعة الانتظار.
قال الملك بصوت بالكاد سمعه الحاجب.
ـ حسنا سآتي إليهم حالا .
نهض الملك ولينهض الجميع ، كانت القاعة الكبيرة وتغص بالحضور ، كانوا من كبار رجال الدولة إضافة إلى رجال مجلس الحكمة وهناك معظم الوزراء وقادة الجيش ، قال الملك وهو واقف على دكة الكرسي .
ـ غدا إنشاء الله سيشيع الطيب نورماتي إلى مثواه الأخير بلغوا الناس عني ليحضروا الجنازة ، سأصلي عليها عند القبر وسيدفن عند سفح جبل قاسيون إنه الجبل الذي كان يختلي به ويفكر في أمر الرعية هو أوصاني بذلك ، اذهبوا ورائكم عمل شاق فلقد تأخر الوقت عليكم جزيتم عنا خيرا.
كانت القاعة الكبيرة تمتد إلى تسعين مترا طولا وثلاثين عرضا تحفها مقاعد خضراء إلا من جهة الباب الخشبية الكبيرة وهناك دكة الكرسي حيث خمس مرقات رتبت على شكل قوس وفوقها يتربع كرسي الحكم وهو كرسي خشبي وعليه وضعت قماش أخضر وموشح ببعض السواد ، فرشت القاعة بأكملها بالسجاد الأحمر المطرز بنقوش ورسوم بعض النباتات الخضراء ، هذه القاعة تضاء وكل القصر بمجموعة كبيرة من السراج الشمعي ، قال الملك ما إن رأى عائلة نورماتي ، كانت هناك زوجته وابنه وابنته .
ـ ليعظم الله أجوركم ، لقد كان لي ولأبي نعم الأخ والناصر .
وقف الجميع ، قالت الزوجة بخشوع وهي واقفة .
ـ وأجرك يا سيدي ، جئنا نعزيك فيه.
قال الملك وهو يصافح ابن نورماتي الوحيد كريتس ويقبله.
ـ أحسنت القول سيدة آيفوني، مثلك تكون زوجة لنورماتي ،أجلسوا .
جلست الزوجة بعد أن انتظرت حتى يجلس الملك ، جلس الجميع ، قال الملك .
ـ الإنسان بين نقطتين ، الأولى الولادة وتعني الحياة الدنيوية والثانية الموت وتعني حصاد ما قدمته في الأولى ، وبين النقطتين هناك رسالة لا بد أن يعمل عليها ويسأل عنها ذلك الإنسان ، الذين يعيشون دون أن تكون لديهم رسالة يحققونها هؤلاء كالأنعام بل أسوء بكثير ، الذين يعملون سيسألون وهذا السؤال سيكون في حياة أخرى تبدأ بالموت وسوف لن تنتهي ، الإنسان مشروع إلهي صمم على أن لا ينتهي ، الموت الذي ترونه في نورماتي او ربما في آخرين إنما هو عملية انتقال من مكان إلى آخر ، الشيء الذي يدع الناس يحدثون فوضى في نفوسهم عندما يفتقدون حبيب هو لأنهم لم يفهموا إن وراء هذا العالم عالم أخر به علاقات جديدة وأشياء جديدة ، هو أفضل بكثير من عالمنا هذا ، إنه العالم الذي لا يوجد في حزن وفراق وسفر وخديعة وقتل ، كل شيء فيه هو السلام والحب ، لا رئيس فيه ولا مرؤوس ولا سيد ولا عبد الكل فيه تحت ظل الله تعالى ، هذا لمن حقق رسالته التي ينبغي أن تكون كلها حب وسلام ودعوة للتسامح والخير، إن نورماتي عاش فينا ومات فينا وقتل على محبتنا ولقد سقط في فسطاط جدنا الأعظم ، إن موت نورماتي أحزنني في شيء وأفرحني في شيء أخر أما ما أحزنني فيه فهو فقدان الناس لبركة وجوده وأما ما أفرحني فقد رحل في وقت مناسب جدا لأمثاله ، لقد أطلت عليكم تحدثوا .
قالت الزوجة بعد لحظات من الصمت.
ـ عفوا سيدي فنحن في حاجة لسماع كلماتك ، سيدي لقد نوهت على ما نريد أن نحدثك فيه فلقد قلت أن نورماتي قتل ، وهذا ما يريد كريتس أن يحدثك به .
قال الملك .
ـ نعم كريتس قل فكلي أذان صاغية .
تحرك الشاب كريتس يمينا وشمالا بشيء من الإرباك ، وكان كريتس يبلغ من العمر ستة وعشرون عام ، وهو وسيم جدا ، قال .
ـ سيدي مثلما قالت والدتي إننا حقا نعزيك في والدنا الحبيب على قلوبنا جميعا نورماتي ، سيدي أنت تعرف إن أبي دقيق جدا في تعامله مع كل الناس ويحاول دوما أن يتحقق بنفسه عن الأمور المهمة ، لقد استدعاني عصرا إلى حجرته وقال لي أغلق خلفك الباب وراح يحدثني عن احد الجنود ويدعى جوني غوبر وهو من الكتيبة الملكية الخامسة، قال لي إن هذا الجندي زوج فتاة تدعى ماري وهي صديقة بنت السيد جيروس المدللة جدا ، تقول هذه الفتاة وهي تحبكم جدا لصديقتها ماري إنها سمعت آبيها جيروس والسيد بروس واين يتكلمون عن مخطط لقتل الملك اوقيدمو وان هذه الفتاة أخبرت زوجها الجندي جوني غوبر والذي اخبر بدوره أبي .
صمت كريتس ما إن دخل احد رجال التشريفات وهو يحمل أربعة أقداح من شراب الرمان وهو الشراب الذي يقدمه الملك لضيوفه مساءا ، وضع الأقداح برفق ثم انصرف ، قال الملك .
ـ نعم كريتس أكمل .
ـ نعم سيدي ، ثم قال لي أبي إنني ذاهب إلى الملك لأخبره وكما عرفت منه انه لم يجدك فاخبر الوزير الأمني والذي يثق به كثيرا السيد دانت جاك ليلا وقال لي إذا حدث لي شيء فلا تتكلم إلا مع الملك وحينما خرج فجرا لم يعد .
صمت كريتس بينما حرك رأسه الملك اوقيدمو وتبسم بشيء من الحزن، قال .
ـ تفضلوا اشربوا .
صمت قليلا ، قال .
ـ إذن انتم تعلمون كل شيء ، نعم هذا عين الحقيقة ، لقد ذهب إلى الرجل غير المناسب ، كان مشتركا معهم ، لقد كنت خارج المدينة وعدت فجرا ، والآن دعوني أكلمكم بصراحة غدا سوف أدفن نورماتي عند سفح جبل قاسيون هو يحب هذا المكان كثيرا وأوصاني يوما ما بذلك وبعد أن تنتهي مراسيم العزاء عليكم أن تبتعدوا كلكم من المملكة وتذهبون إلى مدينة كوبيان وتختفوا هناك فإذا سمعتم بفوضى عارمة تهد البلاد تنكروا ولا تظهروا الولاء لي سيقولون لكم قتل الملك فلا تصدقوا ذلك فأانا محفوظ بعناية الرب ، أنا اعلم إن نورماتي مات وهو ليس عنده شيء سأدفع لكم بعض الأموال لتشتروا بها أراضي وتعملوا بها على أن تساعدوا أهل الفاقة من الناس ، لقد قيل لي ان ذرية نورماتي ستكون مباركة ولها شأن في أمري ، عليك بتأديب ذريتك على حبنا فأنه النجاة ، إن مدينة كوبيان بعيدة شدوا الرحال إليها بعد خمسة أيام ولا يطلع على سفركم احد .
أردف الملك.
ـ عليكم بان تأخذوا الأمور بعين الجدية .
قالت الزوجة .
ـ سيدي ما قلته يقلقنا كثيرا ويبدو أن المسألة اكبر من تصوراتنا ، وكيف تحدث الفوضى.
ـ ستحدث ، ولا أستطيع أن أوضح أكثر من ذلك .
صمت الجميع للحظات ، قال كريتس بتألم واضح.
ـ سيدي هل هناك حلول أخرى غير الهجرة إلى كوبيان؟.
قال الملك بتأسي واضح.
ـ كريتس لو كان هناك حلا غير هذا لأخبرتك به ، هذا أو القتل .
قالت البنت وتدعى هيلدا وكان يناديها نورماتي هيل.
ـ سيدي البعض يزعم أن هناك تحشد لجيوش معادية على الحدود.
قال الملك .
ـ نعم وسيتقدمون عما قريب.
قال كريتس.
ـ سيدي فإذا لم يطيب لنا المقام في كوبيان فهل من مكان أخر؟ .
قال الملك .
ـ نعم بانقيا الشمال، إنها ارض طيبة ويوشك أن تكون بعد ردح من الزمن مأوى لمحبينا وملاذا لهم وسترفع بها راية الحق قبل أي مكان ولكنها بعيدة وهي خلف البحر الكبير، فإذا اخترتم كوبيان وهذا ما أفضله فاذهبوا إلى رجل يدعى غربيوم المقدسي يعيش بالقرى القريبة من كوبيان هذا هو لقبه هناك لقد أرسله أبي منذ نحو عشرين عام وهو يعمل بصمت و لا يعرف بأمره أحد ، إنه من إخواننا سيعتني بكم كثيرا تكلموا معه من دون تحفظ هو يعرف جيدا السيد نورماتي ، سيمر عليكم تومالين يرتب معكم الخروج ويدفع لكم ما تحتاجون إليه .
نهض الملك ونهض الجميع ، تقدم بخطوات اتجاه باب القاعة المغلق ، التفت إلى عائلة السيد نورماتي والتي ما زالت واقفة ، كانوا جميعهم مطرقون رؤوسهم بشيء من الإجلال والخشوع ، قال.
ـ عليكم أن تفتخروا بالسيد نورماتي لقد قال لقاتليه في أخر كلماته " إنكم أغبياء ولم تفهموا مع كونكم قريبين على القصر إن اوقيدمو هو نهاية المطاف وسوف لن تستطيعوا قتله لقد قال أبيه لي حينما ولد اوقيدمو لقد ولد اليوم من لا يموت حتى يحقق العدل على الأرض " فقال له جيروس أو تؤمن أنت بذلك ، فقال له نورماتي نعم وعلى يقين انه يسمع حديثي هذا معكم حتى ولو كان في أدنى الأرض ، هذا هو نورماتي .

الفصـل الرابع عشر
حينما يدعو الملك اوقيدمو إلى تشيع جنازة احد أو يشارك بها فأن هذا الحدث نادر جدا ، فكيف إذا قال "بلغوا الناس عني بالحضور" فهذا يعني أن التشيع سيشهد الألاف من الناس ولا سيما إن مدينة الراضية الذي يقع بها القصر الملكي وهي عاصمة الدولة المقدسة على حد تسميات الشعب لها تضم أكثر المدن سكانا وتأتي بعدها مدينة الزاهرة من حيث السكان أما عاصمة الدولة من حيث السياحة والعمل الاقتصادي فهي مدينة الطاهرة التي تقع على بحر سرمين العظيم ولها اسم أخر تعرف به وهو حاضرة البحر ، لقد توافدت منذ الصباح الباكر الكثير من الناس كما كان متوقع وهم أهالي الراضية وبعض أهالي القرى المجاورة ممن سمعوا بدعوة الملك للتشيع جنازة نورماتي وأسعفهم الوقت ، ويمكن لك أن تشاهد كبار السن وقد خرجوا خلف الجنازة للتبرك وطلب رضا الرب ، ومع أنه الصيف إلا أن المناخ كان ربيعيا تقريبا وما زال هنالك بعض الوقت حتى يداهم الناس الشتاء والذي يكون هنا باردا جدا وخاصة في بعض المناطق المصنفة على أنها مناطق الثلوج أمثال مدينة ماسوان المعروفة بمدينة الصالحين ومدينة لاهج حيث يغطي الثلج معظم أماكنها ولفترة شهرين تقريبا أما مدينة الراضية العاصمة فيكون الشتاء باردا فيها ولكن لا يشهد نزول موجات من الثلج ، سار الملك اوقيدمو كان يرتدي ملبسا ابيض وعمته بيضاء هي الأخرى وقد وضعت الجنازة في عربة ملكية طويلة ربطت بأربعة من الخيل السود على شكل مزدوج وسائق يرتدي زي جنود القصر الملكي حيث القلنسوة الصفراء والدرع المزين بنقوش سوداء وكان الملك يسير وحده خلف الجنازة في الصف الأول ولا احد يسايره ، هذه المرة الأولى التي يشاهد بها الملك يسير وحده وكان قبل ذلك إذا ما حدث شيء مقارب إلى هذا الخروج كان الملك يساير رجال بيت الحكمة والوزراء من دون تقيد لذا ترى الجميع تفاجأ من هذا الإجراء ثم يلي الملك عائلة نورماتي كانت تسير خلفه بخطوات ثم في الصف الثالث مجلس الحكمة بأجمعه وبعده صف الوزراء ثم قادة الجيش ثم رجال الدولة الأدنى فالأدنى ثم بعد ذلك جماهير الشعب ، حينما وصلت العربة إلى سفح جبل قاسيون والذي يبعد عن سور المدينة بثلاثة أميال تقريبا ، انزل التابوت وأخرجت الجثة ليتقدم الملك ويترحم عليها ويصلي حيث صلت خلفه الرجال مباشرة ومن خلفهم النساء ومن ثم أهال الملك التراب ثم كبار رجال الدولة ولما انتهى الدفن صعد الملك على نتوء صخري رمادي في السفح حيث أومأ للناس في الجلوس فجلست الناس ، قال الملك .
ـ أشكركم أحبائي على هذا الحضور المشرف أحببت أن استثمر هذه المناسبة لأتحدث معكم وربما انتم في هذه الأيام إلى حديثي أحوج من أي وقت مضى ، كنت قد اعتدت أن أتحدث إليكم في الذكرى السنوية لتأسيس الدولة المقدسة ولكن سوف لن يتسنى لنا أن نحي الذكرى في هذا العام وإن يومي هذا قد لا يعود عليكم في عامكم القادم فاسمعوا قولي وتأملوا فيه فأني من قوم ساروا معكم بالعدل والإحسان ولم يظلموا فأيما إنسان ظلمته فأن ظلمي له عن غير قصد وأنا هنا لأصلح ما أفسدت فأن كنت قد أفسدت فأنا بشر مثلكم ، ملعون من ألهنا ، ملعون من قاتلنا ، ملعون من قال فينا ما ليس فينا ، إن مناسبة نورماتي ورحيله عنا ربما يدفعنا إلى أن نتحدث معكم بشيء من الصراحة ، بلغني إن قوما منكم يقولون إن زمن هذه المملكة مقترن باثني عشر ملك من السلالة الطاهرة وإنها تفنى بموت الملك الثاني عشر وبما إنني ذلك الملك الذي يحمل ذلك الرقم فأن قوما يردون موتي حتى تفنى هذه المملكة ، أسمعوا قولي وحفظوه جيدا وتحثوا به لمن يأتي بعدكم ، إن هذه المملكة عمرها غير مقترن بعمري فأنا اليوم معكم وغدا مع غيركم وهكذا حتى يمن الله على بني ادم بعهد مديد من السلم والأمان وذلك حين تكون الدنيا واحة خير وجنة عدل ، فمن قال لكم إني قتلت أو مت قبل ذلك العهد فهو كاذب وقال ما لا يعلم ، فلو أن مئة رجل جاءوكم وأقسموا لكم أنهم رؤوا جثة اوقيدمو تأكلها وحوش البر لا تصدقوهم بل لو جاءتكم الناس كل الناس فلا تصدقوهم لأن من قال إنني سأقتل قبل أن يحقق الله العدل على يدي فهو كاذب ومقولته محض افتراء نعم يصح لكم إذا افتقدتموني لأي سبب كان أن تقولوا أن الملك اوقيدمو اختفى بأذن الرب وسيأتي في الزمن الذي يريده الرب أن يأتي وهذا هو الحق وغير ذلك محض افتراء ، سيأتي عليكم قوم يأمرونكم أن تعبدوا الحجارة وبعدها تعبدون رجالا مثلكم يأكلون الطعام ويتألمون ويجوعون غير أن لديهم رجال يقتلون كل من لم يؤلههم فلا تسجدوا أبدا ولو كلفكم ذلك حياتكم ومن سجد قلبه لحظة خرج من فطرته إلا أن تخافونهم وتظهرون خلاف ما تكتمون من بغضهم فلا بأس في ذلك ، إن فيكم قوما يحبون ذهاب هذه الأيام ، سيندمون كثيرا ويبكون دما ولكن حين لا تنفع الندامة بشيء ، ثم يأتي بعد ذلك ربانيون يكذبون عليكم ويزعمون أنهم قريبون إلى الرب وعلى مقربة مني وهم قطاع الطريق إلى الله وأعدائي فمن رأيتموه يعمل من الربانين من اجل الناس ويحارب الهوى وليس عنده حب للدنيا ولا يؤثر نفسه على غيره من ضعفاء الناس ويطرق أبواب المساكين ليسألهم عن حاجاتهم ويعتذر منهم حينما لا يستطيع أن يفعل لهم شيء مثل هذا عليكم بطاعته فطاعته طاعتي ،لا تطيعوا من لا يطيع الله ، هل رأيتم إذا دخلتم إلى مدينة تجهلونها وسألتم من يدلكم على الطريق أيكون سؤالكم من العقل أم من الجهل فان قلتم من العقل فأن من يدلكم على الله أحق بالطاعة من الذي يدلكم على طريق المدينة ، ولكن عليكم بانتقاء الدليل لأنكم لو ضللتم في طريق المدينة سترجعون ولكن لو أخطئتم في طريق الله فمن الصعوبة جدا أن تنتبهوا لأنكم حينها ترون الحق باطلا والباطل حقا وهو أسوء ما تصلون إليه بعدي ، عليكم بمحاسن الأخلاق فإنها اقرب الطرق وصولا إلى الرب ، إن نورماتي لم يمت غرقا بل قتل ظلما وإنني لأعرف من قتله ومن رماه في النهر ومن علق في صدره حجرا ليغطس ، إنني لأعلم ذلك عن يقين وليس شك ، إن نورماتي هو الرجل المقدس وهذا لقبه حتى أتوارى عنكم .
ثم بين مآسي الزمن القادم وركز على انتظاره وثواب المنتظر له وتكلم كثيرا عن مثل تلك الأمور ، وبما أن الحاضرين كانوا ألافا فأن السواد الأعظم لم يتسنى لهم أن يسمعوا تلك الكلمات ، بعض المهتمين بكلمات الملك كتب تلك الكلمات حرفيا ، هذه الكلمات ستصبح فيما بعد مرتكز لنشاط المعارضين .


يتبع إن شاء الله