بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد الائمه والمهديين وسلم تسليما

يرى المسيحيون أن عيسى هو آخر الأنبياء، بل يزعمون أنه هو الرب المتجسد والفادي الذي فدى البشرية من خلال عملية الصلب التي حدثت له، ويرفضون بناء على هذه المقدمة نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
في هذا المقال سأقتبس من كتبهم المقدسة ما يدل على خلاف ما يعتقدون به، وأن عيسى عليه السلام قد بشر بأنبياء سيأتون بعده، وكما يلي:
ورد في إنجيل متى: ( 15 احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة . 16 من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا . 17 هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة . وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية . 18 لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارا ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثمارا جيدة . 19 كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار . 20 فإذا من ثمارهم تعرفونهم )([1]).
هذا النص فيه دلالة على أن ثمة أنبياء صادقين سيأتون بعد عيسى ع، فهو وإن كان حذر من أنبياء كذبة، غير أنه لم يقل كذبوا كل من يأتي، بل قال امتحنوهم واعرفوهم من ثمارهم، فمن كان ثمره جيداً كان نبياً من الله حقاً.
وجاء مثله في رسالة يوحنا الأولى: (أيها الأحبّاء لا تصدّقوا كلّ روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأنّ أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم، بهذا تعرفون روح الله كلّ روح يعترف بيسوع المسيح أنّه قد جاء في الجسد فهو من الله وكلّ روح لا يعترف أنّه جاء في الجسد فليس من الله وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنّه يأتي والآن هو في العالم)([2]).
أما ما ورد في تيماوثاوس: (لأنّه يوجد إله وسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح)([3]). فهو لا يتعارض مع ما تقدم، لأننا نقول إن كل الأنبياء هم وسطاء بين الله والناس، وكل منهم في زمانه هو الوسيط الوحيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقدر تعلق الأمر بالتعرف على شخصية ( ابن الإنسان ) لابد من العودة لسفر دانيال من العهد القديم، حيث نجد في الإصحاح السابع منه النص التالي:
(1فِي السَّنَةِ الأُولَى لِبَيْلْشَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ، رَأَى دَانِيآلُ حُلْمًا وَرُؤَى رَأْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ. حِينَئِذٍ كَتَبَ الْحُلْمَ وَأَخْبَرَ بِرَأْسِ الْكَلاَمِ. 2أَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ: كُنْتُ أَرَى فِي رُؤْيَايَ لَيْلاً وَإِذَا بِأَرْبَعِ رِيَاحِ السَّمَاءِ هَجَمَتْ عَلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ. 3وَصَعِدَ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ عَظِيمَةٍ، هذَا مُخَالِفٌ ذَاكَ. 4الأَوَّلُ كَالأَسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ. وَكُنْتُ أَنْظُرُ حَتَّى انْتَتَفَ جَنَاحَاهُ وَانْتَصَبَ عَنِ الأَرْضِ، وَأُوقِفَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ، وَأُعْطِيَ قَلْبَ إِنْسَانٍ. 5وَإِذَا بِحَيَوَانٍ آخَرَ ثَانٍ شَبِيهٍ بِالدُّبِّ، فَارْتَفَعَ عَلَى جَنْبٍ وَاحِدٍ وَفِي فَمِهِ ثَلاَثُ أَضْلُعٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، فَقَالُوا لَهُ هكَذَا: قُمْ كُلْ لَحْمًا كَثِيرًا. 6وَبَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى وَإِذَا بِآخَرَ مِثْلِ النَّمِرِ وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ. وَكَانَ لِلْحَيَوَانِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا. 7بَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابعٍ هَائِل وَقَوِيٍّ وَشَدِيدٍ جِدًّا، وَلَهُ أَسْنَانٌ مِنْ حَدِيدٍ كَبِيرَةٌ. أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ. وَكَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. 8كُنْتُ مُتَأَمِّلاً بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ قُدَّامِهِ، وَإِذَا بِعُيُونٍ كَعُيُونِ الإِنْسَانِ فِي هذَا الْقَرْنِ، وَفَمٍ مُتَكَلِّمٍ بِعَظَائِمَ. 9كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ وُضِعَتْ عُرُوشٌ، وَجَلَسَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ. لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَالثَّلْجِ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَالصُّوفِ النَّقِيِّ، وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ. 10نَهْرُ نَارٍ جَرَى وَخَرَجَ مِنْ قُدَّامِهِ. أُلُوفُ أُلُوفٍ تَخْدِمُهُ، وَرَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وُقُوفٌ قُدَّامَهُ. فَجَلَسَ الدِّينُ، وَفُتِحَتِ الأَسْفَارُ. 11كُنْتُ أَنْظُرُ حِينَئِذٍ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْكَلِمَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الْقَرْنُ. كُنْتُ أَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ الْحَيَوَانُ وَهَلَكَ جِسْمُهُ وَدُفِعَ لِوَقِيدِ النَّارِ. 12أَمَّا بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ فَنُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلكِنْ أُعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ.
13كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. 14فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ.15أَمَّا أَنَا دَانِيآلَ فَحَزِنَتْ رُوحِي فِي وَسَطِ جِسْمِي وَأَفْزَعَتْنِي رُؤَى رَأْسِي. 16فَاقْتَرَبْتُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْوُقُوفِ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الْحَقِيقَةَ فِي كُلِّ هذَا. فَأَخْبَرَنِي وَعَرَّفَنِي تَفْسِيرَ الأُمُورِ: 17هؤُلاَءِ الْحَيَوَانَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ أَرْبَعَةٌ هِيَ أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ يَقُومُونَ عَلَى الأَرْضِ. 18أَمَّا قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فَيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. 19حِينَئِذٍ رُمْتُ الْحَقِيقَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَيَوَانِ الرَّابعِ الَّذِي كَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّهَا، وَهَائِلاً جِدًّا وَأَسْنَانُهُ مِنْ حَدِيدٍ وَأَظْفَارُهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَقَدْ أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ، 20وَعَنِ الْقُرُونِ الْعَشَرَةِ الَّتِي بِرَأْسِهِ، وَعَنِ الآخَرِ الَّذِي طَلَعَ فَسَقَطَتْ قُدَّامَهُ ثَلاَثَةٌ. وَهذَا الْقَرْنُ لَهُ عُيُونٌ وَفَمٌ مُتَكَلِّمٌ بِعَظَائِمَ وَمَنْظَرُهُ أَشَدُّ مِنْ رُفَقَائِهِ. 21وَكُنْتُ أَنْظُرُ وَإِذَا هذَا الْقَرْنُ يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ، 22حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ، وَبَلَغَ الْوَقْتُ، فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ.23فَقَالَ هكَذَا: أَمَّا الْحَيَوَانُ الْرَّابعُ فَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ عَلَى الأَرْضِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْمَمَالِكِ، فَتَأْكُلُ الأَرْضَ كُلَّهَا وَتَدُوسُهَا وَتَسْحَقُهَا. 24وَالْقُرُونُ الْعَشَرَةُ مِنْ هذِهِ الْمَمْلَكَةِ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ يَقُومُونَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمْ آخَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ الأَوَّلِينَ، وَيُذِلُّ ثَلاَثَةَ مُلُوكٍ. 25وَيَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ. 26فَيَجْلِسُ الدِّينُ وَيَنْزِعُونَ عَنْهُ سُلْطَانَهُ لِيَفْنَوْا وَيَبِيدُوا إِلَى الْمُنْتَهَى. 27وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَى لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلاَطِينِ إِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُونَ. 28إِلَى هُنَا نِهَايَةُ الأَمْرِ. أَمَّا أَنَا دَانِيآلَ، فَأَفْكَارِي أَفْزَعَتْنِي كَثِيرًا، وَتَغَيَّرَتْ عَلَيَّ هَيْئَتِي، وَحَفِظْتُ الأَمْرَ فِي قَلْبِي)([4]).
كنموذج للتفسير المسيحي لهذه الرؤيا، أنقل تفسير القمص عبدالمسيح بسيط، الذي يعرف لنا ابن الإنسان بقوله:
( يقول لنا الكتاب أنَّه الرب يسوع المسيح الذي سوف يأتي على السحاب … وبخصوص الوحوش يقول: أوضح الله لدانيال النبي ومن خلاله لنبوخذ نصر أنه قد رمز في هذا الحلم وهذه الرؤيا بالمعادن الأربعة لأربع ممالك، إمبراطوريات، ستقوم على الأرض بالتتابع إلى أن يأتي في الأيام الأخيرة، وليس بعدها كما يظنّ البعض، ملكوتُ المسيح، والموصوف بالحجر الذي قطع بدون يدين. وقد رمز إلى كلّ إمبراطورية بمعدن خاص يبيّن جوهرها ويخلع عليها بعض الصفات التي ستكون السمة المعروفة بها ورمز للمسيح بحجر قطع بدون يدين.
(1) الإمبراطوريّة الأولى (بابل 626-539 ق. م ).
(2) الإمبراطورية الثانية (مادي وفارس 539-331 ق م ) … وهذا ما جاء بتفسيره كل من القديس جيروم والقديس هيبوايتوس وما قاله المؤرّخ والكاهن اليهودي يوسيفوس. ويصفها البعض بالمملكة الفارسية نظرًا لسيادة الفرس، كما جاء في سفر الأخبار ( إلى أن ملكت مملكة فارس) (2أخبار36/20)، وكما يقول القدس هيبوليتوس أيضًا.
(3) الإمبراطورية الثالثة (اليونان 331-323 ق م ) … وهذا ما قال به القديس هيبوليتوس، والقديس جيروم وغيره من المفسّرين.
(4) الإمبراطورية الرابعة (روما 58ق م -476م ) … وكان هذا هو رأى أقدم الآباء الذين وصلتنا كتاباتهم عن سفر دانيال؛ مثل القديس إيريناؤس في القرن الثاني الميلادي والقديس هيبوليتوس في القرن الثالث والقديس جيروم في القرن الرابع وذهبي الفم في القرن الرابع أيضًا (347-403م)، ويقول أحد المفسّرين ويُدعى جوزيف ميدى Joseph Mede (اعتقدت الكنيسة اليهودية قبل زمن مخلصنا أنَّ الإمبراطورية الرابعة في سفر دانيال هي الإمبراطورية الرومانية، وهذا المعتقد تسلّمه تلاميذ الرسل وكل الكنيسة المسيحية لمدة 300سنة).
(5) المملكة الخامسة، مملكة القدّيسين: ثم جاءت المملكة الخامسة، في أيام الرابعة وليس بعدها، وهي مملكة غزت جميع هذه الإمبراطوريات وسادت عليها، ولكن روحيًا!! فلم تدمر هذه الإمبراطوريات وتلغي حكوماتها وسيطرتها كما فعلت كل إمبراطورية مع سابقتها، بل غزتهم جميعًا روحيًا. إنها مملكة المسيّا، المسيح المنتظر، والتي بدأت في أيام الإمبراطورية الرابعة واستمرّت في وجودها أيضًا … أنها مملكة المسيح الروحية التي انتشرت بالكرازة بالإنجيل للخليقة كلها وليس بقوّة السيف والجيوش (لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!) (متي26/52). وليست مثل الممالك الأخرى التي انتشرت بالغزوات والمعارك الحربية وقوه الجيوش )([5]).
وينتهي إلى هذه النتيجة:
( يعني ملكوت السموات أو ملكوت الله في المسيحية مملكة الله الروحية وملكها هو الرب يسوع ( مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ ) (رؤيا19/16)، ولا يقصد به أي مملكة عالمية على الإطلاق … أنَّ ملكوت الله، هو ملكوت المسيح، ويتصف في نبوة دانيال النبي بالصفات التالية: (أن ملكها هو الرب يسوع المسيح، ملك الملوك ورب الأرباب) (رؤيا19/16)، والذي قال عن نفسه أنَّه ( رّئِيس ملوك الأرض ) (رؤيا1/5)، والذي لن يحكم بالسيف أو القوة كما قال هو، بل بالروح والحق ( مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ ) (يوحنا18/36). هذه المملكة لم تؤسّس بالقوة ولم يُؤسّسها بشر، بل مؤسسها هو إله السموات ( مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَداً )، وملكها وحاكمها هو ابن الإنسان الآتي على سحاب السماء كما رآه دانيال … هذه المملكة والملكوت الذي تنبأ عنها دانيال النبي هو ( مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ ) في العهد الجديد. فقوله ( يُقِيمُ إِلَهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَداً ) تحول في تعبير علماء اليهود إلى ( ملكوت الله ) أو ( ملكوت السموات )، إذ أنَّ كل مواصفات هذه المملكة، كما بينا تؤكد أن أصلها سماوي وأنَّ مؤسّسها هو الله )([6]).
أما التفسير الذي يذهب إليه الكثير من الكتاب المسلمين فمن الممكن أن نمثل له بالأنموذج التالي لتفسير الرؤيا:
الوحوش في الرؤيا ( تُمثِّل أربع ممالك ستقوم متتابعةً على الأرض بدءاً من زمانه أثناء عصر مملكة الكلدانيين أو البابليين ( فهي المملكة الأولى 612-539 قبل الميلاد) هذه التي تمت خلالها الرؤيا.. والتي تلتها تأريخياً مملكة الفرس/ الماديين ( المملكة الثانية، 539-331 قبل الميلاد) التي قضت على حكم البابليين.. ويتضح من تمثيل الثالثة بنمر على ظهره أربعة أجنحة وله أربعة رؤوس أنها دولة الإغريق بلا شك (331 -63 قبل الميلاد)، فهي التي قضت تاريخياً على المملكة الفارسية (الثانية)، ثم تلي دولة الإغريق دولة رابعة هي بلا شك دولة الروم التي قضت على اليونانيين (الإغريق) وتم لها انتزاع الأرض المباركة منها عام 63 ق.م، وظلت حاكمة للأرض المباركة حتى عام 638م، حين انتزعتها منها دولة الإسلام)([7]).
إذن يتفق الطرفان على أن الممالك الأربعة المقصودة في رؤيا دانيال هي: الدولة البابلية، ومن بعدها المادية أو الفارسية، ثم اليونانية فالرومانية أخيراً.
ولكنهما يختلفان في إن المسيحيين يقولون أن ابن الإنسان هو عيسى ع، بينما يقول المسلمون أنه محمد ، ويختلف الفريقان كذلك في أن المسيحيين يرون المملكة التي يُنشؤها ابن الإنسان مملكة روحية، بينما يرى المسلمون أنها مملكة أرضية.
سنؤجل الآن الحديث عن المقصود من الممالك الأربعة، وهل هي الممالك المذكورة أعلاه أم غيرها، فالحديث عنها خارج عن موضوعنا الآن طالما كنا في بيان المفهوم دون المصداق، إذ لسنا الآن في صدد بيان هوية ابن الإنسان، ولكننا بطبيعة الحال سنعود لاحقاً لتحديد شخصيته.
وبقدر تعلق الأمر بتوضيح حدود شخصية ابن الإنسان ستكون المعطيات التي يوفرها لنا النص موجها لحركة بحثنا، فأقول:
واضح إن الحيوانات الأربعة أو الممالك الأربعة كلها تقوم على الأرض، وإن المملكة الرابعة التي تُدفع إلى وقيد النار ستحل بدلاً منها مملكة القديسين الموعودة، فلابد والحال هذه أن تكون هذه المملكة التي يقودها ابن الإنسان مملكة أرضية.
وبرأيي إن هذا الفهم هو المتبادر إلى الذهن، وإن القول بأن مملكة القديسين هي مملكة روحية يحتاج من قائله إلى دليل وهو مفقود في النص.
والواقع – كما يظهر من كلام القمص عبدالمسيح – إن المسيحيين قد وقعوا في سوء فهم لبعض العبارات الواردة في الرؤيا من قبيل: (14فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ )، ومن قبيل: (18أَمَّا قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فَيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ )، ومن قبيل: (. 27وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَى لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلاَطِينِ إِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُونَ ).
هذه العبارات يمكن أن نقدم لها فهماً يناسب ما قلنا به من ملك أرضي، وعليه يسقط استدلالهم ويبقى الفهم المتبادر هو الراجح ويبقى افتقارهم لدليل على ما قالوا به.
فالسلطان الأبدي يراد منه إن الدولة أو المملكة التي يتسيدها ابن الإنسان وشعب القديسين، ستكون هي المسيطرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وستنتهي وتزول دولة الظالمين إلى الأبد، ولن تقوم لها قائمة بعد هذا.
فدولة العدل الإلهي التي وعد الله المستضعفين بها ستكون هي الخاتمة التي تؤول إليها حركة التاريخ البشري على الأرض.
وقد ورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة صدرت عن النبي محمد وأهل بيته. وهو على أي حال واضح من حديث الرؤيا عن كون القديسين يأخذون المملكة بعد أن كانت تحت سلطان المملكة الرابعة وهي مملكة تقوم على الأرض كما يعترف المسيحيون.
ولعل المسيحيين قد شعروا بحرج كبير وهم يرون عيسى الذي جاء إلى الأرض دون أن يحقق كل هذا، فبادروا إلى اقتراح فكرة المملكة الروحية، مع إنهم يرون بأعينهم إن هذه المملكة الروحية المزعومة لم تبسط السيطرة على كل الأرض، ويعلمون علم اليقين أن سلاطين الأرض لا تعبد الله.
بل ورد عن بولس إن هناك ارتداد سيحدث، وهو بلا شك يشمل المسيحيين أيضاً:
(1ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، 2أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ. 3لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ )([8]).
وإنه لمما يثير الاستغراب حقاً أن يتجاهل المسيحيون ذلك الوصف الواضح الجلي الذي قدمه لهم عيسىu وسطرته أناجيلهم حول مجيء ابن الإنسان. وهذا ما سنسمعه في مقال قادم إن شاء الله.
([1]) متى:7.
([2]) يوحنا: الأولى 4/ 1 ـ 3.
([3]) تيماوثاوس:2- 15.
([4]) دانيال: 7.
([5]) انظر كتاب: هل تنبأ الكتاب المقدس عن نبي آخر يأتي بعد المسيح – القمص عبد المسيح بسيط. الفصل العاشر.
([6]) المصدر نفسه. الفصل نفسه.
([7]) تباشير الإنجيل والتوراة بالإسلام ورسوله محمد (ص). ص73 وما بعدها.
([8]) رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي: 2.


( صحيفة الصراط المستقيم – العدد 31 – السنة الثانية – بتاريخ 22-2-2011 م – 18 ربيع الأول 1432 هـ.ق)