بسم الله الرحمن الرحیم

اللهم صل علی محمد وآل محمد الائمه والمهدیین وسلم تسلیما

1- القرطبي:
قوله تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم
قوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون :ابتداء وخبر . أي قوم منافقون ; يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفارا وأشجع .
ومن أهل المدينة مردوا على النفاق :أي قوم مردوا على النفاق . وقيل : ( مردوا ) من نعت المنافقين ;
فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، المعنى . ومن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ، ومن أهل المدينة مثل ذلك . ومعنى : “ مردوا ” أقاموا ولم يتوبوا ; عن ابن زيد . وقال غيره : لجوا فيه وأبوا غيره ; والمعنى متقارب . وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد . فكأنهم تجردوا للنفاق . ومنه [ ص: 163 ] رملة مرداء لا نبت فيها . وغصن أمرد لا ورق عليه . وفرس أمرد لا شعر على ثنته . وغلام أمرد بين المرد ; ولا يقال : جارية مرداء . وتمريد البناء تمليسه ; ومنه قوله : صرح ممرد . وتمريد الغصن تجريده من الورق ; يقال : مرد يمرد مرودا ومرادة .

2- ابن كثير:
( يخبر تعالى رسوله ، صلوات اللّـه وسلامه عليه ، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين ، وفي أهل المدينة أيضا منافقون ( مردوا على النفاق ) أي : مرنوا واستمروا عليه : ومنه يقال : شيطان مريد ومارد ، ويقال : تمرد فلان على اللّـه ، أي : عتا وتجبر .
وقوله : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) لا ينافي قوله تعالى : ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) الآية [ محمد : 30 ] ؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها ، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين . وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا ، وإن كان يراه صباحا ومساء ، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن رجل ، عن جبير بن مطعم ، رضي اللّـه عنه ، قال : قلت : يا رسول اللّـه ، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة ، فقال : لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب ” وأصغى إلي رسول اللّـه صلى اللّـه عليه وسلم برأسه فقال : ” إن في أصحابي منافقين ” .

3- الطبري:
( قال أبو جعفر : يقول – تعالى ذكره – : ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل مدينتكم – أيضا – أمثالهم أقوام منافقون .وقوله : ( مردوا على النفاق ) يقول : مرنوا عليه ودربوا به . ومنه : “ شيطان مارد ، ومريد ” وهو الخبيث العاتي . ومنه قيل : ” تمرد فلان على ربه ” أي : عتا ، ومرن على معصيته واعتادها . وقال ابن زيد في ذلك: حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، قال : أقاموا عليه ، لم يتوبوا كما تاب الآخرون .
17120 – حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق : ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) أي لجوا فيه ، وأبوا غيره .
) لا تعلمهم ) يقول لنبيه محمد – صلى اللّـه عليه وسلم – : لا تعلم يا محمد أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة [ ص: 441 ] ولكنا نحن نعلمهم.

4- البغوي:
( قوله تعالى : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، كانت منازلهم حول المدينة ، يقول : من هؤلاء الأعراب منافقون ، ( ومن أهل المدينة ) أي : ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون ، ( مردوا على النفاق ) أي : مرنوا على النفاق ، يقال : تمرد فلان على ربه أي : عتا ، ومرد على معصيته ، أي : مرن وثبت عليها واعتادها . ومنه : المريد والمارد . قال ابن إسحاق : لجوا فيه وأبوا غيره .
وقال ابن زيد : أقاموا عليه ولم يتوبوا ).

5- فتح القدير:
( قوله : وممن حولكم من الأعراب منافقون هذا عود إلى شرح أحوال المنافقين من أهل المدينة ومن يقرب منها من الأعراب ، ( وممن حولكم ) خبر مقدم ، و ( من الأعراب ) بيان ، وهو في محل نصب على الحال ، ومنافقون هو المبتدأ ، قيل : وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم : جهينة ومزينة وأشجع وغفار ، وجملة ومن أهل المدينة مردوا على النفاق معطوفة على الجملة الأولى عطف جملة على جملة . وقيل : إن ومن أهل المدينة عطف على الخبر في الجملة الأولى ، فعلى الأول يكون المبتدأ مقدرا : أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق ، وعلى الثاني يكون التقدير : وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا ، ولكون جملة ( مردوا على النفاق ) مستأنفة لا محل لها ، وأصل ” مرد وتمرد ” اللين والملاسة والتجرد ، فكأنهم تجردوا للنفاق ، ومنه غصن أمرد : لا ورق عليه ، وفرس أمرد : لا شعر فيه ، وغلام أمرد : لا شعر بوجهه ، وأرض مرداء : لا نبات فيها ، وصرح ممرد : مجرد ، فالمعنى : أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه . قال ابن زيد : معناه لجوا فيه وأتوا غيره ، وجملة لا تعلمهم مبينة للجملة الأولى ، وهي مردوا على النفاق : أي ثبتوا عليه ثبوتا شديدا ، ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول اللّـه – صلى اللّـه عليه وآله وسلم – فكيف سائر المؤمنين ؟ والمراد عدم علمه – صلى اللّـه عليه وآله وسلم – بأعيانهم لا من حيث الجملة ، فإن للمنافق دلائل لا تخفى عليه – صلى اللّـه عليه وآله وسلم – ، وجملة نحن نعلمهم مقررة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر ، ولا يظهر لغير اللّـه سبحانه لعلمه بما يخفى ، وما تجنه الضمائر ، وتنطوي عليه السرائر.


( صحيفة الصراط المستقيم- العدد 12 – السنة الثانية – بتاريخ 12-10-2010 م – 26 شوال 1431 هـ.ق)