مع الشيخ الطوسي في غيبته - 11 / الإمام أحمد الحسن

إبراهيم عبد علي



اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الأئمة والمهديّين وسلم تسليما ...

أودّ ، بدءاً ، أن أشير إلى قضية مهمة جدا ، على الأقل بالنسبة لي أنا ؛ وهي أنني هنا ، وفي مجال تناولي ، المختصر ، لموضوع " الإمام " أحمد الحسن " صلوات الله وسلامه عليه " سأكتفي ، في بعض المواضع ، بالتلميح ، والإشارة ، دون التصريح ، والعبارة ، وذلك حفظا لنفسي ، ولمن تهمّني سلامته ، من التلف والهلاك ، لكنّني ، أظنّ ، بذات الوقت ، أنّ " الإمام " نفسه ، وبعض المقرّبين من " الأنصار " ممّن واكب الدّعوة " الحقّة " منذ بداياتها الأولى ؛ سيفهمون الإشارة ، ويدركون سرّ الرّمز ، دونما عناء .. أمّا الآخرون ، ممّن ستُجهدهم محاولة اصطياد المعنى ، ويُوصِد الفهمُ دونهم أبوابه ؛ فأستميحهم العذر ، راجيا أن يغفروا لأخيهم هذا " الإضطرار " فمَن " أحيا نفسا ؛ فكأنّما أحيا النّاس جميعا " ....

" أحمد الحسن " يُسمّى لدى أنصاره ومحبّيه ، ولديه هو أيضا .. أمّا الآخرون ؛ فـ " دجّالا بصريّا " يدعونه " مبتدعا " و " صاحب فتنة " ...

تقيّاً ، ورعاً ، منقطعا لله ، ذا خلقٍ ، وسماحةٍ ، وجرأةٍ في دين الحقّ ... ديّناً ، ليّناً ، صموتاً ، نطِقاً ، سخيّاً ، بهيّاً ، ومِن الذين غضّوا أبصارهم عن دنيا النّاسِ ، لا عن محارم الله فقط ، ولذا هو يسألُ مولاهُ ، مَن لا هوَ إلاّ هوْ ، بحقّ سيّد الوجود ، والتجلي الأكمل والأتمّ للمعبود ، عنيتُ إنسانَ ، الله ، الكاملَ ، محمّدٍ المحمود ؛ أن لا يبتليه بـ " جَنابةِ " الغفلة عن " معشوقه الأوحد " طرفة عينٍ أبدا ...

كان دائمَ الحديث عن سيّدهِ ، و " أبيهِ " المهديِّ ، حتى قبل " بدء " الدعوةِ ، وإعلان " الحقّ " بل إنّني لمْ أجد في طلاب " حوزتنا " مَن لا يفتر أبدا عن ذكر المهديِّ كـ " أحمد " ...

شجاعاً ، كليثٍ ، في زمنِ أعتى الطواغيتِ ؛ كانْ ... غيرَ هيّابٍ ، ولا مرتابْ ....

أُنسُهُ ؛ ذكرهُ .. غِناهُ ؛ فقرُهُ .. وحشتُهُ ؛ أناهْ .. دائمٌ ؛ حزنُهُ .. مقيمٌ ؛ همُّهُ .. لا يريد مِن اللهِ إلاّ الله ...

هكذا رأيتُ " الشيخ أحمد " كما كنّا ، جميعا ، ندعوه ، ليتحوّل ، بعد " الدّعوة " إلى " السيّد " و " الإمام " و " المعصوم " و " اليماني " و " المهديّ " و " الركن الشديد " والقائمة ، لا شكّ ، تطولُ ، ولا تنتهي ....

كنّا و " القحطانيُّ " حيدر مشتّتْ ـ المنشداويُّ الذي غادرَنا مبكّراً ـ مِن دعاةِ " وصيِّ ورسول الإمام المهدي " وكان " الطّورُ " صامتا ، كقبوره الشاسعة الوحشة ، فهتفنا ، ملأ يقين الوهمِ " ظهرَ رسولُ إمامنا ، فاستنقذوا ، من نار السِّوى ، أنفسَكم " .. فيسألنا " صالحٌ " عنيتُ " المُلاّ " ، منيراً ، كانَ ، كوجه الصّبحِ ؛ " ما آسمُهُ بالله عليكم ؟ .. أجبناهُ " أحمد .. أحمد " فيسجدُ " صالحُنا " لله شكرا ، وما علموا أنّهُ ليس " صالحَهُم " إنّما منّا ! ...

إثنانِ كنّا ، كواحدٍ ، ففرّقنا الدمُ ... مِن أينَ أتانا " شعيبُ بن صالح " هذا " أنوَرٌ كان آسمُهُ أم مظلما " ؟ ...

" قمر بني هاشمٍ " كانت ، في البدء " رايتُنا " ، لم نرفع منها إلا عدّ أصابع يدٍ مبتورة الإصبعينْ ، فأتبعناها بـ " القائمِ " التي جاوزتْ " الخمسين " ...

مضرّجاً بدمائه ، ذهبَ " القحطانيُّ " شاكياً إلى ربّهِ وَهْمَهُ .. و آهٍ من الوهمِ ، يستحوذُ على الأرواح المُتعبةِ ، اليائسة ، فيمنع عنها تبيّنَ " الرّشد من الغيّ " .. فهنالكَ حُجُبٌ ، لا شكَّ مظلمةٌ ، حتى في أجنحة نور اللاهوت نفسه ، ولذا أوصِينا بالحذرِ ، في معراجنا للوصول إليه ...

فكم مِن واهمٍ ، قتلهُ وهمُهُ ، فيما يظنُّ أنّهُ " حقيقتُهُ " و " خلاصُهْ " ...

لكنّ هذا ، لا يعني طعناً ، في الشيخين الجليلين " أحمد " و " حيدر " فكلاهما مثالٌ للورع والتقوى وكمال الخلق ، ولا يعني أيضا حكما قاطعا ومستمرا ، بالنزاهة .. فاستمرارية النزاهة ، ونقاء العمق ؛ أمرٌ لا يعلمُهُ إلاّ الله نفسه ... إنّما هي شطحات " العارفين " وكبوات " السّالكين " عصمنا الله وإيّاكم منها ...

فكم من سالكٍ ، أُلبِسَ عليه الحقُّ ، وتراءتْ له شموسٌ كاذبة ؟..

كم منهم مَن صرَعتْهُ الأمواجُ ، بمنتصفِ الدّربِ إلى الرّبِّ ، غريقاً لم يُدرِكْ غرَقهْ ؟ ..

أنا لا أرى إلاّ أنّهم ، واهمونَ " سردَقهمْ ظلامٌ ، لا ضياءُ " ، ويخيّلُ إليَّ أنّهُ يُخيَّلُ إليهم ما لا حقيقة لوجوده ، لقد أُلبسَتْ عليهم ، لعَمريَ ، أسرارُ أنوار الملكوتِ ، فتاهوا ، وأتاهوا ...

هو ذا انطباعي عن الأمر برمّته ، سواءً بالنسبة إليهما ، أو إلى مَن يشبههما ممّن سلك هذا الدرب الذي أضاع الكثيرين ، كـ " الباب " و " قرّة العين " و " الرّشتي " وغيرهم ، فالقائمة لم تنته بعدْ ، ولن تنتهي بـ " القحطانيِّ " و " أحمد " ...

ذا رأيي .. و " لستُ فوقَ أن أخطيء " كما قال سيّدنا الصّديق " رحمنا الله به " ...

ودعونا الآن من ذا وذا .. ولنبدأ ، معا ، رحلتنا ، في سفينة " يمانيّ آل محمّد " لنرى أين يمكنها أن ترسو بنا ، نحن الغرقى ...

ذكر شيخنا الطوسي " رحمه الله " في معرض إستدلاله على أنّ الأئمة إثنا عشر ، رواية " الوصيّة " والتي يعتمد عليها " اليمانيّون " كدعامة أساسية ، لإثبات دعوتهم ، إضافة ، بالتأكيد ، لأدلة أخرى ، يرون أنّها تثبت " مُدّعاهم " و " أحقيّتهم " ...

ورواية " الوصيّة " انفردَ بها الشيخ الطوسي ، فلم تُذكر في مصدر آخر ، قبل " غيبته " علما أنّ " الصّدوق الإبن ( ت 381 هـ ) والصّدوق الأب ( ت 329 هـ ) تناوَلا موضوعي " الإمامة " و " المهدي " بشكل مفصّل ، في كتابيهما ( إكمال الدين ) و ( الإمامة والتبصرة من الحيرة ) ولم يوردا هذه " الوصيّة " على الرغم من أهميّتها في بحثهما .. ولم يذكرها ، كذلك شيخَي الطوسي " المفيد " ( ت 413 هـ ) و " المرتضى " ( ت 436 هـ ) في كتبهما واستدلالاتهما عن " الإمامة " و " عدّة الأئمة " .. وهذا يعني أننا يجب أن نفترض " أنها " قد وصلتْ الطوسي " المتأخر عنهم جميعا " ولم تصلهم أو تصل غيرهم ممن سبقوه ، فليس هنالك من مانع عقلي ، يجعل من هذا الإفتراض ، غير مرجّح ، أو غير مقبول ، خصوصا أنّ هنالك شواهد تاريخية كثيرة ، حول قضايا مشابهة لذلك ...

والشيخ " رحمه الله " روى لنا تلك " الوصيّة " عن ( جماعة ، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري ، عن علي بن سنان الموصلي العدل ، عن علي بن الحسين ، عن أحمد بن محمد بن الخليل ، عن جعفر بن أحمد المصري ، عن عمّه الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ، عن أبيه الباقر ، عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين ، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد ، عن أبيه أمير المؤمنين ........ الخ ) ـ1ـ

وبغضّ النظر عن سند " الوصيّة " وما ورد فيه من " مجاهيل " ، فإننا سنركز على دراسة المتن ، بشكل أساسي ، محاولين إلقاء شيءٍ من الضّوء ، على بعض التفاصيل ، التي قد تخفى عن مدى بصر العين " العجِلة " ...

1ـ الوصيّة يرويها لنا الصّادق ، عن الباقر ، عن زين العابدين ، عن الحسين ، عن علي بن أبي طالب " رض " قال ( أي علي ) : " قال رسول الله " ص " في الليلة التي كانتْ فيها وفاته لعليّ : يا أبا الحسن ..... " .. والرّواية ، كما هو واضح ، يرويها لنا سيّدنا علي " جلّ شأنه " بنفسه ، فكيف يقول لنا " قال رسول الله لعليّ " ؟ .. من المفترض أن يقولَ " قال لي رسول الله ؛ يا أبا الحسن .... " ..

2ـ من خلال سياق الوصيّة نفسها ، نجد أنها غير تامة ، وغير مكتملة ، بدليل قول علي " ص " : فأملا رسول الله " ص " وصيّته حتى انتهى إلى هذا الموضع ، فقال ؛ يا علي سيكون بعدي ..... فأينَ هي بقيّة الوصية " المقدّسة " قبل " إلى هذا الموضع " ؟ ولمَ لمْ يرد ذكرها ، وهي بالتأكيد لا تقلّ أهمية عن " هذا الموضع " ؟ ..

3ـ لمَ لمْ يطلع الناس على مضمون هذه الوصية ، ليطبّقوا ما ورد فيها من توجيهات وأوامر ، وردتهم عن نبيّهم " ص " ؟ .. وإلاّ ما معنى " وصيّة " عاصمة من الضلال ، إلى يوم القيامة ، وترد فيها كل هذه الحقائق الخطيرة ، والتوجيهات ، والأوامر المهمة ، ولا يطلع عليها إلاّ " عليٌّ و بنوه " ؟ .. ألم تُكتب هذه الوصية للناس كي يتّبعوا " عليّاً و بنيه " ؟ .. ألم يُنصّبه " عنيتُ عليّا " رسول الله ، في هذه الوصية " الشريفة " خليفة على الأمة من بعده ؟ فكيف يطلبُ الحبيب المصطفى " منه التسليم " إتّباع أمره في " معنويّة الأنزع البطين " و " خلافة الضّارب بالسّيفين " مِن أناسٍ لمْ يطلعوا على وصيّته ، ليأتمروا بأمره ؟ .. ولمَ لمْ يُظهر " عليُّنا " هذه الوصية " الضّامنة " ويحتجّ بها على القوم الذين " نازعوه حقه " ؟ والأمر ، كذلك ، يمتدّ ليشمل بقية الأئمة من آل البيت الأطهار ممّن وردتْ أسماؤهم في هذه الوصية " المقدّسة " فلمَ لمْ يحتجّوا بها على " المخالفين " أوّلا ، وعلى " الموالين " ثانيا ، ممّن أنكروا إمامتهم جهلا ، أو ممّن تحيّروا ، وذهبوا ، في الإمامة والتعيين ، مذاهب شتى ؟ ..

4ـ " سمّاكَ اللهُ " مخاطباً ( عليُّنا ) " في سمائه عليّا المرتضى ، وأمير المؤمنين ، والصّدّيق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، والمأمون ، والمهدي ، فلا تصحّ هذه الأسماء لأحد غيرك " فلو فرضنا ـ جدلا ـ أنّ هذه الأسماء لا تصحّ إلا لعليٍّ ، على الرّغم من مخالفة ذلك الفرض للواقع التاريخي ؛ فماذا نعمل باسم " المهديّ " ؟ أليسَ " مهديّ " الإثنا عشرية هو " المهديّ " ؟ فكيف لا يصحّ هذا الإسم له ؟ ..

5ـ " مَن طلقتَها " متحدّثا ، عن نسائه ، لعليّ " فأنا بريء منها ، لم ترني ، ولم أرها في عرصة القيامة " ولا أدري كيف لأحد أن يُطلق نساء " الميّت " ؟ .. بل ما هي ضرورة هذا " الطلاق " أساسا ؟ .. ألم يكن يكفي رسول الله " ص " أن يقول له " مَن كانت ، من نسائي ، سِلما لك ؛ فإنني راضٍ عنها ، ومَن كانت لكَ حربا ؛ فإنني غاضبٌ عليها ، ولن أراها يوم القيامة " ؟ دون الحاجة إلى اللجوء للـ " الطلاق " ؟ .. وبالتأكيد ، فالمعنيُّ بهذا " المقطع " من الوصية هو سيّدتنا الجليلة الطاهرة بنت الصّدّيق ، أمّ المؤمنين عائشة " رض " تلميحا ، لا تصريحا ، مثلما مرّ معنا ، بذات الوصيّة ، التلميح لأسماء " أمير المؤمنين " والصّدّيق " و " الفاروق " وكلنا نعرف ما الذي يرمي إليه هذا الشطر من النصّ ، وبمن يعرّض من السّادة الأبرار من صحابة المصطفى " ص " .. وهذا ، من ضمن أسباب أخرى كثيرة ، ما يدعونا إلى الإعتقاد بأنّ هذه " الوصيّة " هي إختلاق متأخر عن زمن الأحداث والصراعات السياسية " الأهلية " التي عصفتْ بأمّة الإسلام ، مثلما هي " أكذوبة " متأخرة عن زمن تشكل " الإثني عشرية " وتبلور عدّتهم ، وهذا ما سنبيّنه ، بشكل مجمل ، في النقطة الآتية ، لأنّ " تفصيله " مرّ معنا ، في البحوث السابقة حول " غيبة " الطوسي ..

6ـ إختلاف الشيعة ، بالنسبة لمسألة تعيين الإمام ، وعدّة الأئمة بشكل محدد ودقيق ، وافتراقهم إلى تلك الفرق المعروفة تاريخيا ، كـ " الكيسانية " و " الناووسية " و " الفطحية " و " الزيدية " و " الإسماعيلية " و " الواقفية " .... كل ذلك يوحي لنا بعدم وجود هذه " الوصيّة " ، أو ، على الأقل ، عدم انتشارها وشهرتها ، مع ضرورتها وأهميّتها ، بالنسبة للقواعد الشيعية نفسها ، على أقلّ تقدير ... وقد مرّ معنا ، من خلال تناولنا للـ " الغيبة " ، الكثير ، الكثير من الأدلة ، والإستنتاجات ، التي تؤكد ، وبقوة ، عدم وجود نصوص واضحة تشير إلى أن الإئمة هم " إثنا عشر " قد تمّ ذكرهم ـ كما هو واضح في نصّ الوصيّة ـ بالإسم والصّفة .. وهذا الأمر ـ إفتقاد النصوص الصّريحة ـ هو الذي أدّى " ويؤدّي " إلى تشكّل هذه الفرق " الشيعية " الكثيرة ، وإلى تكرار الأسئلة من قبَل مقرّبي الإئمة وحواريّيهم ، حول الإمام الذي سيليهم ، وكتاب " الغيبة " لشيخ الطائفة مليء بالأمثلة على تلك الحقيقة " المرّة " ، إضافة لذلك ؛ فـ " البداء " الذي أشار إليه إمامين عظيمين ومعروفين من أئمة " الشيعة " يؤكد ، أيضا " غياب النصوص " وبالتالي " غيبةُ " الوصيّة " بل عدمها أساسا .. وأخيرا ، وليس ، بالطبع ، آخراً ، نسألُ ؛ لمَ " الحيرةُ " إذن ، إن كانت هذه " الوصيّة " وهذه النّصوص " المقدّسة موجودة ومشتهرة ؟! .. وعنيتُ بالحيرة " أزمنة الحيرة " سواءً " حيرتنا " زمن " عبد الله الأفطحية " او " موسى الواقفية " أو " حيرة المساكين " الذين لطمتهم أمواج الذهول والـ " لا أدرية " عند وفاة إمامنا العسكري ، فتفرّقوا إلى " 14 " فرقة ..

7ـ نصّ الوصيّة يشير إلى أنّ " المهدي " هو إبن " محمّد بن الحسن " وليس محمّدا نفسه ، فقد اكتفتْ ، بالنسبة لمحمّد هذا بالقول بأنّه " المستحفظ من آل محمد " دون أن تمنحه صفة " المهديّ " ، بينما ، حينما وصل الأمر لذكر وَلده " أحمد " فإنها قالت عنه ، وبمنتهى الوضوح أنّه هو " المهديّ " .. وهذه الإشارة " المهمة " في الوصيّة ، تدعم ، بالتأكيد ، ما ذهب إليه " اليمانيّون " مِن أنّ أحمد اسماعيل الحسن هو المهديّ الذي سيملأها قسطا وعدلا ، خصوصا أننا نجد أنّ هنالك مجموعة نصوص روائية تؤكّد تلك " الحقيقة " منها :

أوّلا ) : ما رواه لنا ( الفضل بن شاذان ، عن اسماعيل بن عباس ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة بن اليمان قال : سمعتُ رسول الله " ص " يقولُ ـ وقد ذكرَ المهديّ ـ " إنّه يبايَع بين الركن والمقام ، إسمه أحمد ، وعبد الله ، والمهديّ ، فهذه أسماؤه ثلاثتها " ) ـ2ـ

ونجد في هذه الرّواية " الشريفة " تطابقا مذهلا ، ويدعو ، فعلا ، للتأمّل ، مع نصّ الوصية " المقدّسة " ..

ثانيا ) : ما ذكره سعد بن عبد الله الأشعريّ ، عن محمّد بن الحسن بن أبي الخطاب ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن مالك الجهني ، عن الأصبغ بن نباتة قال : أتيتُ أمير المؤمنين " ع " ( يعني عليّا ) فوجدته ينكتُ في الأرض ، فقلت له : " يا أمير المؤمنين ، مالي أراك مفكرا ، تنكت في الأرض ، أرغبة منك فيها ؟ " قال : " لا والله ما رغبتُ فيها ، ولا في الدنيا قطّ ، ولكني تفكرتُ في مولود يكون من ظهر الحادي عشر مِن وُلدي ، هو المهديُّ الذي يملأها عدلا وقسطا ، كما مُلئتْ ظلما وجورا " ) ـ3ـ

وهذا النصّ واضح الدلالة على أنّ المهديّ هو ، تحديدا ، إبن " محمّد بن الحسن العسكري " الحادي عشر مِن وُلد سيّدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " رض " ، وهذا هو أيضا ما ذكرته " الوصيّة " بالتحديد .. والمشكلة الوحيدة التي تعترض هذا " النصّ " الدليل ؛ هي تحديده لأمد الغيبة بـ " ستة أيام ، أو ستة أشهر ، أو ستّ سنين " ـ4ـ

ثالثا ) : ما رواه لنا ( محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن محمّد بن عبد الحميد ، ومحمّد بن عيسى ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي عبد الله قال : " يا أبا حمزة ؛ إنّ منّا ، بعد القائم ، أحد عشر مهديّا ، مِن وُلد الحسين " ) ـ5ـ

وهذه الرّواية " الشريفة " تؤكّد لنا ، بما لا مجال للشكّ فيه ، ما وردَ بنصّ " وصيّة رسول الله " مِن أنّ " أحمد بن محمد بن الحسن " هو " المهديّ " الأوّل من " الإثني عشر مهديا " والذي يليه ، بالطبع ، الأحد عشر مهديّا " مِن وُلد الحسين " .. وهو هنا ، في هذه الرواية ، القائم المؤمّل ، وكذلك هو ذاته في " الوصيّة " المهديّ المنتظر ، وهذا تطابق كبير ، و " مبارك " كونه يشير إلى ذات المعنى ، خصوصا أنّ هنالك روايات كثيرة جدا " من طرقنا " تشير إلى أنّ " القائم " هو ذاته " المهديّ " ..

رابعا ) : الرّوايات التي تشير إلى أنّ " المهدي من عترتي يواطيء إسمه إسمي ، واسم أبيه اسم أبي " وبما أنّ " إمامنا " إسمه " أحمد بن إسماعيل " وواضح أنّ هذا الإسم يواطيء إسم نبيّنا الكريم محمد " ص " ، واسم أبيه ، كونه " ص " بنصّ القرآن " أحمد " وكذلك لقوله " عليه الصلاة والسلام " " أنا ابن الذبيحين ؛ عبد الله وإسماعيل " وإن كانت الإحالة إلى الأبعد قد تكون غير مرادة من قبله " ص " ، فلعله أراد به " عبد الله " وهو الأقرب ..

إذن ؛ لدينا هنا أربعة نصوص ـ على سبيل المثال ، لا الحصر ـ تؤيّد ، وإنْ بشكل متكلفٍ ، وبعيدٍ ، أحيانا ، ما ذهبتْ إليه " الوصيّة الشريفة " من " مهدوية " أحمد بن محمد الحسن " ويترتّبُ على ذلك ، بالضرورة ، الإذعان بمهدوية ، وقائمية " الإمام أحمد الحسن " إن ثبتَ لدينا ، قطعا ، أنّه هو " أحمد بن محمد بن الحسن " ...

8ـ نصّ الوصية يؤكّد ، مرارا ، على مسألة " الوفاة " وبالتأكيد فهو لا يعني بها " الوفاة المجازية " إنّما " الحقيقيّة " كما يُفهَم من النّص ، ومن الواقع التاريخي للأئمة " ع " بشكل عام .. والنصّ يقول ، بوضوح ، وإحكام ، مُشيراً إلى الثاني عشر من الأئمة ، محمد بن الحسن " فإذا حضرتهُ الوفاة ؛ فليسلمها إلى إبنه " أحمد " المهديّ " الأوّل ، بينما نجد أنّ ما حصلَ هو ؛ حضور أحمد الحسن " الإبن " قبل حضور أو وفاة محمد بن الحسن " الأب " وهذا الأمر هو ، لا شكّ ، خلاف ظاهر الوصيّة نفسها ، التي أشارة للـ " الوفاة " دون ذكر قرينةٍ تصرف اللفظ لمعنىً آخر ، يختلفُ عن المعنى المعتاد ، أو المعنى الذي أُكِّدَ عليه من قبلُ ، بذات الوصيّة ، حينما تحدّثتْ عن " وفاة " مَن كان قبله .. إضافة لهذه " الحقيقة " فإنّ " وصيّتنا " ذكرتُ نصّا " سيكون بعدي إثنا عشر إماما ، ومِن بعدهم إثنا عشر مهديّا " وأيضا " ثمّ يكون من بعده ( عنى محمد بن الحسن ) إثنا عشر مهديّا " وهذه الـ " مِن بعدهم " والـ " مِن بعده " وكذا الـ " مِن بعدي " تشير إلى " البَعديّة " وليس " القبْليّة " أو " التزامنية " كما هو واقع الأمر بالنسبة لـ " أحمد الحسن " ...

وبشكل عام ، فـ " أدلة " الدعوة " اليمانيّة " كثيرة ، وهم قد اعتمدوا فيها ، بشكل كبير ، بل أوحد ، على بعض النّصوص الرّوائية ، التي جرّدوها من سياقاتها التاريخية والثقافية الخاصّة بها ، ليقوموا بعمليّة تأويل هائلة ، غالبا ما تكون واضحة التكلف ، ممتنعة الإمكان ، بعيدة الإنطباق ، بل لا تكاد تخلو من الإخفاقات البيّنة ، المسبّبة لعسر الهضم .. كاستدلالهم على وجود " الذريّة " للـ " المهدي " من خلال رواية " عبد الله بن جبلة " التي رواها لنا ( أحمد بن إدريس ، عن علي بن محمّد ، عن الفضل بن شاذان ، عن عبد الله بن جبلة ، عن عبد الله بن المستنير ، عن المفضّل بن عمر قال : سمعتُ أبا عبد الله " ع " يقول : " إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين ، أحدهما تطول ، حتى يقول بعضهم ؛ مات ، ويقول بعضهم ؛ قتل ، ويقول بعضهم ؛ ذهب ، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه ، إلا نفر يسير ، لا يطلع على موضعه أحد من وُلده ، ولا غيره ، إلا المولى الذي يلي أمره " ) ـ6ـ

وهذه الرّواية ، دون تجريدها عن سياقها التاريخي ، واضحة الدّلالة على " غيبة " إمامنا موسى الكاظم " عجّل الله تعالى فرجه الشريف " ولا شان لها بغيبة " مهديّ الإثني عشرية " وقد شرحنا ذلك ، تفصيليا ، فيما سبق من بحوث حول " الكتاب " وبيّنا انّ الطوسي " رحمه الله " قد ذكر هذه الرّواية " الشريفة " من ضمن " أدلة الواقفة " التي ساقوها لإثبات أحقية ما ذهبوا إليه من التوقف عند الإمام " السّابع " وعدّه هو المهدي المنتظر .. وحال " عبد الله بن جبلة " وكونه " واقفيّا " ، وله مصنفات حول " غيبة الإمام موسى الكاظم " أشهر مِن أن تخفى .. هذا من جانب .. ومن جانب آخر ؛ لو فرضنا أنّ هذه الرّواية تشير إلى " محمد بن الحسن " وبالتالي تثبتْ الذريّة له ، وهذا هو مراد " اليمانيّون " ؛ فإنها ، مع ذلك ، تنفي أن " يطلع على موضعه " وبالتالي " إجراء الإتّصال به " أي أحد من وُلده ، ولا غيره " إلاّ المولى الذي يلي أمره " وهذا يعني أنّ " وَلدهُ أحمد الحسن " لم يطلع على موضعه ، وبالتالي لم يكن ، ولن يكون ، على اتّصال به ، بدليل نصّ الرّواية نفسه .. فإنْ قلتم ؛ إنّ عدم الإطلاع على موضعه ، لا تعني ، بالضرورة ، عدم الإتّصال به ، ومعرفة خبره .. قلنا ؛ إذن ، هنالك مولىً ، غير وَلده ، هو المطلع على موضعه ، وهو الذي يلي أمره ، دون ولده ...

كل هذا لا يعني " أنّنا " ننفي وجود " الذرّيّة " ، فهنالك بعض الرّوايات ، وبعض الأدعية المروية " عنهم " تشير إلى هذه " الحقيقة " ، وبوضوح كبير ، يجعل من المتعذّر نفي " إمكانية " وجود هذه الذرّيّة " المباركة " .. إعتراضنا كان على طريقة الإستدلال على وجود الذرية من خلال الرّواية السّابقة ، التي نرى أنها تشير إلى " ذريّة الإمام الغائب موسى الكاظم " لا غيره ... وبالتالي فاستدلال " الإثنا عشريّة " و " اليمانيّون " بهذا الرّواية ، هو استدلال في غير محله ، ولا يؤدّي إلى الغرض المنشود ..

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل إنّنا نجد أنّ هنالك الكثير من الرّوايات " الواقفيّة " يستدلّ بها أخوتنا " اليمانيّون " و " القحطانيّون " و " الإثنا عشريّون " لإثبات " دعَواتهم " و " قضاياهم " فنراهم ، أحيانا ، مجتمعين ، كلهم ، على تأويل ذات الرّواية ، التأويل الذي يصبّ في مصلحة الرأي الذي تتبنّاه كلّ " فرقة " منهم .. والرواية ، أساسا ، بعيدة عنهم جميعا ، وكمثال على ذلك ، ودون الدخول في التفاصيل ، التي لم يأت حينها بعد :

1ـ رواية ( إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين ، يرجع في إحديهما إلى أهله ) ـ7ـ

2ـ رواية ( في صاحب هذا الأمر سنن من أربعة أنبياء ..... " و " سنة " من " يوسف ؛ السّجن ، والغيبة ... ) ـ8ـ

وهكذا نجد ، أنّ تجريد النصّ ، أيّ نصّ ، من سياقه التاريخي ، وظروفه السّياسيّة ، والإجتماعية ، والثقافيّة ؛ يعمل هلى هدر كينونة النصّ نفسه ، ويحجب عنا معناه المراد ، ودلالته المرجوّة ، ولنا في روايَتَي ( إجلسوا في بيوتكم ، فإذا رأيتمونا إجتمعنا على رجل ؛ فانهدّوا إلينا بالسّلاح ) ـ9ـ

و ( مَن يضمن لي موت عبد الله ؛ أضمن له القائم ) ـ10ـ

خير دليل على هذا " التخبّط الشيعي " المزمن ، والمتأتّي من غضّ النظر عن " السّياقات " وإلغاء عامل الزمن ، والظروف السّياسيّة ، التي قيل فيها النصّ .. فالرّواية الأولى قالها إمامنا الصّادق " ع " زمن ظهور الرّايات السود في خراسان ، وبداية التحوّل السياسي من الدولة الأموية إلى العبّاسية ، وكثرة الإضطرابات السياسية في تلك الفترة الحرجة من عمر الأمة الإسلامية ، وذلك حينما جاءه بعض الشيعة محاولين معرفة رأيه من كل ما يجري ، وما هو الموقف الذي يترتب على شيعته القيام به ؛ فأجابهم الإمام ، من خلال إستقرائه السّياسي للوضع بشكل عام ، بضرورة عدم التحرّك والبقاء في البيوت ، فـ " إذا رأيتمونا اجتمعنا على رجل " من الثوّار والمخلصين " فانهدّوا " بـ " السّلاح " لنصرتنا .. فيأتي إلينا " اليمانيّون " في القرن الحادي والعشرين ليؤوّلوا هذا النص بـ " إمامهم أحمد الحسن " وكيف أنّ أئمة أهل البيت كلهم وبضمنهم الرسول الكريم " ص " والقدّيسة الطاهرة سيدتنا فاطمة الزهراء " ص " ، قد اجتمعوا ، في " الرؤى " للشهادة على أحقيّة " الإمام أحمد الحسن وصيّ ورسول الإمام المهدي " ...

أمّا الرّواية الثانية ؛ فأيضا لا يمكننا تجريدها من سياقها التاريخي ، وظرفها السّياسي .. فإمامنا الصّادق " ع " حينما اشتدّ البلاء على شيعة المصطفى " ص " ؛ أنبأ محبّيه وشيعته بأنّ الفرج قريب ، ولا يأس هنالك ، في مجال العمل السياسي ، والعسكري ، والتغييري ، وأخبرهم بأن علامة الفرج ، وظهور "القائم بالسّيف " من آل محمد ، هي موت " عبد الله " أحد خلفاء الدولة العبّاسية وقتذاك ـ وهذا الكلام كله نقوله على افتراض صحة الرواية طبعا ـ إذن ما شأن " عبد الله " ملك المملكة السّعودية في هذا الأمر ، لينتظر الكثير من " حمقى " الشيعة و " قطيع " المرجعيّات " المقدّسة " موت هذا الرّجل ؟! ....

ومن " المؤاخذات " الأخرى ، في مجال قراءة النصّ ، لدى الشيعة عموما ؛ هي عمليّة " البَتر " سيئة الصّيتْ .. بأنْ تأخذ " شطرا " من النصّ ، لتثبتَ مُدّعاكَ ، مهملا ، في ذات الوقت ، شطره الثاني ، الذي قد يناقض الشطر الأول تماما ، أو أنّه ينفي ، ويعارض مُدّعاكَ أساسا ، وهذا ما لمسته لدى شيخ الطائفة " رحمه الله " في موارد عديدة ، وهو ما نراه ، غالبا ، لدى " إخوتنا " من الطائفة الشيعيّة الكريمة ، بمختلف فرَقها ....

والحديث عن الأخوة الأحبة ممّن اتّبعَ " الحركة المهدويّة " للشيخ / السّيد أحمد اسماعيل " يمانيّ آل محمّد " حسب اعتقادهم ، لا شكّ ، حديثٌ يطولُ ، ولا ينتهي .. فالأمر مُشكلٌ لدى الكثيرين ، و" الدّعوة " تستقطب ، بين فترة ، وأخرى ، أعدادا جديدة ، ممّن آمنوا بـ " الحقّ ، لمّا جاءهم " ، وتمّ إخبارهم " عن طريق " ما تضافرَ " مِن الرؤى " بـ " أنّ الحقّ مع أحمد الحسن " مَن " رايته " راية الهدى ، كلّ الهدى ، و " الملتوي عليه " وعليها ؛ مِن أهل النار ، وساءتْ مرتفقا .. وكم آلمني ، ولا شكّ ، آلم الكثيرين منا ، صمتُ " ساحة التحرير " تجاه دموع تلك المرأة العراقية التي " هَدّ حِيلها التّعبُ " ، والتي نزفتْ أولادها الثلاثة ، مِن أنصار " السّيد " ، مِن الذين حُكم عليهم ، مؤخرا ، بالإعدام .. فرّجَ الله عنهم جميعا ، كربتهم ..

أسأل الله تعالى أن يُنير أبصار قلوبنا بـ " ضياء محبّته " ، ويهدينا ، بمنّه ولطفه ، إلى أقرب السبل إليه ، وأن يجعلنا ممّن يستمعَ القول ، كلَّ القول ، فلا يتّبع إلاّ أحسنه ، إنه وليٌّ ، حميدٌ ، رحيم .....

ــــــــــــــــ

1ـ الكتاب : 96 ـ 97

2ـ الكتاب : 281

3ـ الكتاب : 104 و 204

4ـ الكتاب : 104

5ـ الكتاب : 285

6ـ الكتاب : 102

7ـ الغيبة للنعماني ص 173 حديث رقم 9

8ـ الغيبة للنعماني ص 164 حديث رقم 5

9ـ الغيبة للنعماني ص 197 حديث 6

10ـ الكتاب : 271